..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة تاريخية في فكر المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون 1883- 1962

نزار التميمي

المقدمة

شكلت كتابات المستشرقين ونتاجاتهم العلمية والادبية عن الشرق الاسلامي مادة خصبة للمؤرخين والباحثين في مجال الدراسات الاستشراقية ، كما ولعبت المدرسة الفرنسية دوراً مهماً في هذه الدراسات ، وأصبحت باريس قبلة يؤمها المستشرقون من جميع أنحاء العالم ، وحسبنا أن نعرف أن أول مؤتمر للاستشراق في العالم عقد في باريس سنة 1873، وقد أنجبت هذه المدرسة عددا من المستشرقين الذين عنوا بالتراثالعربي والإسلامي ، وقدموا دراسات مهمة لاغنى للباحث عنها في مجال الدراسات الإسلامية ، ويعد لويس ماسنيون واحداً من أعلام تلك المدرسة في (القرن العشرين) ، فقد احتلت دراسته مكاناً مرموقاً في جميع الدراسات الاستشراقية ، وإليه يعود الفضل في اكتشاف العديدمن الآثار المهمة في المنطقة العربية عموما وفي العراق على وجه الخصوص ، وقد توجت هذه الإبداعات باكتشاف (حصن الاخيضر ) سنة 1907 .

 كما وتنوعت نتاجاته العلمية والأدبية التي تربو على 600 ما بين كتب ومقالات وبحوث منشورة في المجلات العلمية المتخصصة في الدراسات الاستشراقية ، وقد توجه ماسنيون إلى دراسة التصوف الاسلامي حينما وجد فيه قاسما مشتركا بين جميع الاديان ( اذ لم يخل منه قطر من الاقطار أو أمة من الامم ) على حد قوله ،وبرغم ارتباطه بدراسة التصوف الإسلامي ، إلا أن نتاجاته الأخرى في الفكر الإسلامي تشهد له بسعة الاطلاع ومعرفة تاريخ وثقافة الشعوب الشرقية .

  

    جاء هذا البحث ليعالج بعض النقاط الاساسية في فكر ماسنيون ونظرته الى الشرق وسعيه الدؤوب في ايجاد مقاربة بين الديانات الابراهمية الثلاث ( اليهودية والمسيحية والإسلام ) وقد تضمنت النقطة الأولى لمحة موجزة عن شخصية لويس ماسنون وأثر نشأته فيتكوين تلك الشخصية ، ولا بد لي من تذكير القارئ الكريم أننا أغفلنا ذكر بعض الجوانب من السيرة الذاتية للمستشرق لويس ماسنيون لان الهدف من الدراسة التركيز على الجانب الفكري  ولذا ألتمس من القارئ العذر فقد جاء المبحث الأول مقتضبا .

   وتناولت في النقطة الثانية موقف لويس ماسنيون من الإسلام وعرضت آراءه بشيء من الإيجاز فيما يتعلق بالرسالة المحمدية وشخصية النبي الكريم ، أما النقطة الثالثة فقد تضمنتعلى موقف ماسنيون من التصوف الإسلامي ، والذي وجد فيه قاسماً مشتركاً بين الديانات السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلامية) فضلاً عن موقفه من شخصية الحلاج المثيرة . 

   في حين تمحورت النقط الرابعة حول جهود ماسنيون الفكرية في مناهضة الاستعمار وأوضحت موقفه الايجابي من الشعوب المستضعفة التي خضعت للسيطرة الاستعمارية ردحاً طويلاً من الزمن

  أما المبحث الخامس والأخير (لويس ماسنيون في الميزان) فهو عبارة عن تقييم للجهود التي بذلها ماسنيون في مجال الدراسات الاستشراقية فضلاً عن مواقف الباحثين والنقاد تجاه دراساته

  اعتمدت في بحثي هذا على عدد من المصادر التي رفدت البحث بمعلومات مهمة وكان أبرزها (موسوعة المستشرقين ) لعبد الرحمن بدوي وهي موسوعة شاملة متخصصة  في دراسة المستشرقين وما تركوه من دراسات ومؤلفاتوكتاب (نقد الخطاب الاستشراقي ) للدكتور ساسي سالم الحاج ، وهو من الكتب المهمة التي تناولت دراسة (الظاهرة) الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية بشي من التفصيل ،  إضافة إلى كتب أخرى لا تقل أهمية عما ذكرنا ، فضلاً عن المواقع الالكترونية في شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) . 

                          

نزار  التميمي - الولايات المتحدة الامريكة -  2016  

  

1-  لمحة موجزة عن شخصية  لويس ماسنيون :

     يعد لويس ماسنيون واحدا من أبرز أعلام المدرسة الإستشراقية الفرنسية ، فقد احتلت دراساته وأبحاثه عن الشرق الإسلامي مكانة مهمة ضاهت بعمقها  وأصالتها وتنوعها دراسات كبار المستشرقين من أمثال نيلدكه ، وجالوتدتسهير وغيرهم ([1]).

    ولد لويس ماسنيون في فرنسا عام 1883 في إحدى ضواحي مدينة باريس لأسرة علمية معروفة([2]) وفي سن مبكرة من دراسته الثانوية أسس مع مجموعة من أصدقائه الطلبة مجلة أطلقوا عليها اسم (نحلة فرنسا)([3]) ، وبعد إكماله الثانوية نال شهادة البكالوريوس في الآداب والفلسفة سنة 1900 ، وبعدها حصل على شهادة البكالوريوس في الرياضيات ، وهو العلم الذي أولاه ماسنيون عناية فائقة ، وظل مولعاً به حتى وفاته سنة 1962([4])

كان لنشأة لويس ماسنيون في عائلة علمية أثر مهم في عنايته بالشرق وحضارته إذ اشتهر والده بفن (النحت) بعد ما ترك دراسة الطب ، ويذهب عبد الرحمن بدوي في موسوعته إلى أن لولادة ماسنيون في هذا الجو الفني الأثر البالغ في فكره ونشأته (نشأه فنية عقلية)  ، كما أنّه عنى بالآثار القديمة إذ أُرسل سنة 1907 على رأس بعثة للتنقيب عن الآثار العراقية ، ونجحت في الكشف عن مواقع أثرية مهمة تعود لحقب تاريخية مختلفة ، وتكللت جهوده باكتشاف (قصر الأخضير) . والتحق ماسنيون في كلية القاهر القديمة سنة 1913 وفي الوقت ذاته  كان يختلف إلى بعض الدورس في (الأزهر الشريف) ، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى تم استدعاؤه من قبل الجيش الفرنسي ليعمل كمستشارٍ لوزارت المستعمرات الفرنسية لمدة 5 سنوات([5])

    وفي عام 1908 تعرض ماسنيون لحال مؤلم وكاد أن يقتل إثر ذلك ، إذ اعتقلته السلطات العثمانية وزجت به في السجن بتهمة (التجسس) ، ولم يطلق سراحه إلا بعد تدخل مباشر من عائلة (الالوسي)([6]) ، وظل يحفظ لآل الآلوسي ذلك الموقف النبيل ، وكان يفتخر أنه أقام عندهم وأكرموا ضيافته وحصل منهم على مصادر مهمة ساعدته على إتمام أطروحته للدكتوراه ([7]).

    وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد ماسنيون إلى نشاطه الإستشراقي وعُيّن في عام 1919 رئيسا مؤقتا لقسم (علم الاجتماع الإسلامي) في كلية (دو باريس) لسببين أولهما : خبرته وسعة اطلاعه بالتاريخ الإسلامي ، والثاني : خدماته الجلية التي قدمها إلى وزارة المستعمرات الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى ، وفي عام 1929 أصبح إستاذا لكرسي الدراسات الإسلامية في الكلية نفسها ([8]).

    تعلّم ماسنيون عددا من اللغات منها  الألمانية ، والعربية ، والفارسية ، والتركية ؛ الأمر الذي أتاح إطّلاعه بصورة مباشرة على المصادر الأساسية من تاريخ وثقافة الشعوب الشرقية ، ومنها العربية الإسلامية على وجه الخصوص .

      وكرّس جزءاً كبيراً من جهده لدراسة تاريخ الحضارة العربية والإسلامية بما اشتملت عليه من لغات ، وآداب ، وفنون ، فضلا عن دراسته للإسلام وتاريخه ومذاهبه ؛ لذا جاءت دراساته غنية ومتنوعة مابين الفلسفة والأدب والتاريخ ، ولم تقتصر على جانب واحد من جوانب الحضارة الشرقية إنما شملت جوانباً أخرى منها([9])

     لقد درس ماسنيون المذاهب والفرق الإسلامية دراسة مستفيضة ، من حيث أصولها ، ونشأتها ، وارتباطاتها ، وخلفياتها الاجتماعية والسياسية ، غير أن التصوف الإسلامي ([10]) نال قدراً أكبر من تلك الجهود ، بل وأصبح صفة ملازمة لدراساته وأبحاثه منذ سنة 1907 التي اطّلع فيها على مراثي الشاعر الفارسي الصوفي (فريد الدين العطار) حول مصرع الحلاج فجذبت تلك الإشعار ماسنيون لسيرة الحلاج ، ومنذ ذلك التاريخ عقد العزم على اكتشاف تلك الشخصية وسبر أغوارها لاسيما وأنّ الأخيرَ شخصية فلسفية وجدلية عند المفكرين والكتاب المسلمين وهو أمر يلائم مزاج ماسنيون الشخصي ، وقد كانت تستهويه الحركات الروحية والسياسية في تاريخ الإسلام فضلاً عن ارتباط بعض تلك الحركات بالطرق الصوفية ، التي كان الحلاج يُشّكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخها([11]).

  لقد حجز ماسنيون لنفسه موقعا متميزا في عالم الدراسات الاستشراقية ، ونال شهرة واسعة في هذا المجال ، واليه يرجع الفضل في إعادة اكتشاف جوانب مهمة من التراث العربي والإسلامي بل ، ويعد مرجعاً بارزا لتاريخها وثقافتها ، وحضارتها . وينتقد البعض ماسنيون في اعتماده على مصدر واحد من التاريخ الإسلامي ( المدرسة السنية ) متجاهلا المدراس الإسلامية الأخرى ، ولكن هذا ليس صحيحا مطلقا ، ونعلم من سيرته أنّه ذهب إلى إيران ، ومكث فيها مدة ليست بالقصيرة ، وتعلّم الفارسية والتقى بكبار علماء المذهب الشيعي ، وجرت بينهما حوارت طويلة ومعمقة ؛ جعلته يكرس جزءا من جهده لدراسة ( الفكر الشيعي )([12]) بل واعتمد على بعض المؤلفين الشيعة كالبقلي الشريزاي([13]) ، كما وكتب عن العرفان الشيعي والحركات الروحية والسياسية الشيعية ، لاسيما الحركات الباطنية كالإسماعيلية ([14]) والعلوية النصيرية ([15]) ، وله بحث عن السيدة (فاطمة الزهراء) يتحدث فيه عن مكانتها لدى الشيعة ، وانصرف في أواخر حياته لدراسة قصة أهل الكهف التي وردت في القران الكريم ، والأدب المسيحي ، واستدل بها على حقيقة يوم البعث ( يوم القيامة )([16]). 

     لقد بلغت نتاجات ماسنيون عشرات الكتب والبحوث والمقالات وليس يسيرا أن نحصي كل مؤلفاته ، لكن لا بأس من تسمية البعض منها لمن أراد الاستزادة وعلى النحو التالي([17]):


أ-الكتب:‏
1 - مهمّة في ما بين النهرين، مجلدان، مركزالدراسات العربيّةوالشرقية في القاهرة.‏

2- بحث في الأصول اللغوية لمصطلحاتالتصوُّف الإسلاميّ.‏
3-مختارات من نصوص غير منشورة تخص تاريخ التصوف في بلادالشام(غوتنر/ 266ص)‏
4- هجرة إسماعيل.‏
5- حولية العالم الإسلامي؛ بالاشتراكمع ف. مونتيي
P. U. F.‏
6- أخبار الحلاّج.‏
7 - الطواسين.‏
8-ديوانالحلاّج.‏
9 - عذاب الحلاّج، المتصوف الشهيد في الإسلام (
Passion). فيأربعةمجلدات
10 - دروس في تاريخ المصطلحات الفلسفية العربية- القاهرة.‏


ب-المقالات والمحاضرات:‏
كتب ماسينيون ونشر عدداً كبيراً منالمقالات وألقى عدد كبيرمن المحاضرات، ولو جمعت لجاءت في مجلدات.‏
ونقتصرفيما يلي على ذكر بعض ما يتعلق منها بالفكر الإسلامي :‏
1- المغرب والغزوالعربي.‏
2- الطريق إلى فاس.‏
3- المغرب في أوائل القرن السادس عشر حسب رؤيةليون الأفريقي.‏
4- قبور الأولياء في بغداد.‏
5 - المكتبة الإسلامية في بندربوشير.‏
6 - غوته والإسلام.‏
7 - لهجة بغداد العامية.‏
8 - تاريخ المذاهبالفلسفية العربيّة.‏
9- من تأليف رسائل إخوان الصفا.‏
10 - النصيرية فيسورية، أصولهم وتوزّع عشائرهم.‏
11 - تأملات قرآنية وأصول المصطلحالصوفيّ‏.
12 -الصهيونية والإسلام.

    وفي قادم الصفحات من البحث سنحاول تسليط الضوء على الجانب الفكري  لدى هذا المستشرق الكبير ، وما تركه من قيمة أدبية وفكرية جعلته بحق ، واحداً من أعلام المدرسة الفرنسية الاستشراقية ، ومن أشهر المستشرقين الغربيين في العصر الحديث.

  

ثانيا : ماسنيون وموقفه منالإسلام  :

انّ منشأ الأختلاف بين المستشرقين وأعدائهم في أصله يعود الى (مفهوم الوحي) ، فجلهم ينظرون الى تلك الظاهرة على أنّها نوع من الهوس أو الالهام ينفرد به بعض الاشخاص ، ويتفاعلون معه داخليا ومن ثم يقودهم هذا التفاعل لتأسيس تجارب دينية ، وقد أثارت مواقف المستشرقين من الرسالة التي جاء بها النبي الأكرم (ص ) جدلاً واسعاً لدى الباحثين والمفكرين المسلمين ، وتابينت أيضا مواقف المستشرقين من النبي ورسالته ، تبعاً للخلفية الفكرية والثقافية لدى كل واحد منهم ، فبعضهم شن حملة شعواء على شخصية النبي ورسالته ، واعتبروه (كاهناً وساحراً ومجنوناً) أو على أحسن الأحول رجلاً ( هرطقياً ) انشق عن الديانة المسحية ( وادّعى ) النبوة واستقى تعاليمه من الرهبان والاحبار بعد فشله في الحصول على مكانة محترمة داخل المؤسسة الكنسية في بلاد الشام .

     إنّ المطلع على الاسس والمناهج التي تقوم عليها الدراسات الاستشراقية في الغرب والشرق على حد سواء ، لا يجد غرابة في ذلك ؛ لان مناهجهم في معالجة هذه القضايا تقوم على اسس علمية صارمة تستند في قراءة التاريخ على مفهوم يدعى (انسنة التاريخ ) ، الذي يعني قراءة التاريخ و(الكتب المقدسة) قراءة بشرية انسانية ، تأخذ بنظر الاعتبارالظروف التاريخية التي رافقت وشكلت النص ( التاريخي - المقدس ) وبعبارة أخرى نزع القداسة عن أي نص مقدس والتعاطي معه بصفته نصا تاريخيا قابلا للنقد والتحليل.  وبطبيعة الحال أثار هذا النهج حفيظة جمهور كبير من الباحثين المؤمنين بقداسة تلك الكتب ، ومن هنا انبرى هؤلاء للدفاع عن مقدساتهم ، وشجب تلك المناهج لاسيما المتعلقة منها بظاهرة الوحي ، وراحوا يبرهنون على صدق اصحاب الرسالات السماوية وبطلان تلك الدعاوى (الزائغة واللوثات) الفكرية التي يسلكها هؤلاء ، والتي تحاول جاهدا أن تؤثر ( سلبا ) في الوعي الجمعي لجماهير الناس البسطاء ، ويحتج هؤلاء بأنّ العلم (عاجز) عن تقديم تفسير (عقلاني) لظاهرةالوحي إلّا بالايمان بقداسة الكتب السماوية باعتبارها المصدر الاساس لتفسير أي تجربة دينية جاء بها الانبياء ([18])

     إنّ نظرة سريعة على ماكتبه المستشرقون في هذا السياق يُعطي القارئ صورة متكاملة عن تلك المنهجية ، ولنأخذ على سبيل المثال ما كتبه جوستاف لوبون المعروف باعتداله، إذ يقول معلقا على ظاهرة الوحي : ( ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العليمة كأكبر مؤسسي الديانات. ولا أهمية لذلك. فلم يكن ذوو المزاج البارد من المفكرين هم الذين ينشئون الديانات ، ويقودون الناس ، وانما أولو الهوس هم الذين مثلوا هذا الدور... وهم الذين أقاموا الاديان ، وهدموا الدول ، وأثاروا الجموع ، وقادوا البشر ولو كان العقل لا الهوس هو الذي يسود العالم ، لكان للتاريخ مجرا اخر)([19]) إذن كيف يفسر هؤلاء ظاهرة الوحي الالهي ؟ وكيف كانت نظرتهم  الى الانتصارت التي حققها النبي داخل الجزيرة العربية ؟

    إنّ المنكرين لظاهرة (النبوةالمحمدية) يرون في النبي رجلاً عبقرياً تمتع بشخصية قيادية فذة نجحت في لمِّ شتات القبائل العربية البدوية التي كانت قي صراع قبلي لا ينتهي ، والتي كانت بطبيعتها غير مستقرة ومتحركة كرمال الصحراء ، ولقد تمكن النبي (محمد "ص") من استغلال الظرف السياسي العالمي الذي شهد تراجعا واضحا لدى القوى التقليدية الكبرى وقت ذاك والمتمثلة في قطبين رئيسيين يتنافسان للسيطرة على العالم القديم هما : الامبراطوريتين ( البينزطية والفارسية ) اللتان كانتا في صراع دائم للسيطرة على العالم ، وقد صادف أن أُنهكت هاتين القوتين تماما بسبب سلسلة الحروب الطويلة بينهما والتي امتدت لأكثر من قرنيين من الزمان .

    إذن كانت الفرصة ملائما جدا ليعلن النبي محمد "ص" دعوته ، وبمهارة فائقة وذكاء متقد تمكّن من أن يوحد عرب الجزيرة الاشداء ، ويكوّن منهم دولة قوية ، استطاعت فيما بعد أن تطيح بالدولة الساسانية نهائياً في بلاد فارس ، وتقوض اسس الامبراطورية البيزنطية ، التي كانت تسيطرعلى أجزاء كبيرة في  الشام  ومصر وشمال أفريقيا ([20])

إنّ هذه الحالة ( المتطرفة ) تكاد تكون هي السائدة في أغلب نتاجات المستشرقين منذ نشأة الاستشراق ، وحتى الحقبة الاستعمارية الاوربية للبلاد العربية والاسلامية([21]) حينما بدأت تتبلور دعوات جديدة اطلقها جملة من المفكرين الاوربيين ممن تأثروا بأفكار الثورة الفرنسية التنويرية التي تهدف لاعادة النظر في الكتابات التي تناولت السيرة المحمدية ([22]).

     أما الفريق الآخر من المستشرقين فكان موقفه ايجابيا من الرسالة التي جاء بها النبي الكريم "ص" ولم يخفوا إعجابهم بصاحب الرسالة الإسلامية ، وشهدوا له بالصدق والوفاء ، وراح بعضهم يبرهن على صدق النبوة ، ويسوق الأدلة التي تؤكد صدق صاحب الدعوة ، ويتجلى هذا الموقف بشكل واضح في موقف صاحبنا لويس ماسنيون.

عرف ماسنيون باحترامه وتقديره لجميع الأديان ومنها الإسلام كدين يحمل الكثير من القيم العظيمة، وكان من المهتمين بالإسلام والقرآن الكريم، وبسيرة الرسول ، أما بالنسبة للإسلام فكان ماسينيونيعتقد أنّه تعبير حقيقي عن الإيمان التوحيدي وأنّ له رسالةروحيةإيجابية بنبذ عبادة الأوثان ، وبعبارة أخرى ، فإن الاسلام هو الطاعة والاستسلام الحقيقي لله ([23]).

   لقد درس ماسنيون الإسلام في ضوء مبدأ ( النبوة ) ووصل إلى قناعة تامة بأن الرسول سمع ورأى الملك (جبريل) ، وكان يعي جيداً ما كان يُلقى إليه من القران الكريم ، غير أن التردد الذي أصاب النبي - للوهلة الأولى- عند تلقيه الوحي دفع به للإتصال بأهل الديانات السابقة مستفسراً عن حقيقة الأمر، ( في إشارة إلى حادثة ورقة بن نوفل )([24]) ، وفيما يتعلق بالاخير يتسائل عدد من المستشرقين عن سبب انقطاع الوحي مباشرة بعد وفاة ورقة ويجدون في هذا الانقطاع دليلا ( قاطعا ) على أن ورقة كان ( يُلقِّن ) النبي عددا من سور وآيات القران ! )[25]( ، وفي هذا السياق يوجه ماسنيون سهام النقد لجملة من زملائه المستشرقين الذين ربما أخطأوا في الحديث عن سيرة الرسول وشككوا في أصالة دعوته (المستعارة من عناصر يهودية ومسيحية) ([26]).

    ويعتقد ساسي الحاج أن لويس ماسنيون لم يكن مؤمنا بحقيقة ( الوحي الإلهي) غير أن ماسنيون لم يشكك قط في صدق النبي ودعوته لقومه للإيمان بما جاء به ([27]).

  وثمة حادثة أخرى يستدل بها ماسنيون على صدق الدعوة المحمدية وهي قصة المباهلة ، وذلك عندما اشتد الحوار الفكري بين الرسول "ص" ومسيحي اليمن ، ويعتقد لويس أن (نكوص) المسيحيين ، ورفضهم للتحدي النبوي ليحل غضب الله على الكاذب من الطرفين  ، ما هو إلا دليل قاطع على صدق صاحب الدعوة الإسلامية ([28]).

    تعمق ماسنيون في دراسة الجوانب الشخصية عند الرسول ليصل إلى الاعتقاد بأن ( محمداً ) لم يكن كاذباً ـ كما تصوره الأوربيون -  إذ أنّ بساطة النبي وسلوكه ، يشيران وبوضوح إلى أنّه لم يدّعي الخوارق بل كان يُصرح دائماً بأنّه ليس سوى (بشير ونذير) بخلاف ما كان شائعاً في المسيحية من الشفاعات والواسطة الكاذبة بين الله والإنسان من خلال (صكوك الغفران) التي انتشرت بشكل كبير خلال العصور الوسطى من تاريخ الكنيسة ، كذلك  يخالف ماسنيون زملائه المستشرقين الذين يأخذون على النبي أنه لجأ إلى السلاح لنشر دعوته بخلاف السيد المسيح ، ويؤكد على أن لجوء النبي للسلاح كان اضطرارياً ؛ وذلك لتحقيق المهمة التي كُلِّف بإبلاغها للناس ، ومجمل القول لم يكن للرسول من هدف سوى إيمانه بصدق رسالته والعمل على إبلاغها مهما كلف الأمر([29]).  

  

ثالثا: رحلته مع التصوف :

   كنت قد أشرت في الحديث عن نشأة ماسنيون كيف أنه انجذب إلى الحلاج  ، وخصص جزءاً كبيراً من جهده ووقته لدراسة تلك الشخصية ، منذ اطلاعه على أشعار الصوفي ( فريد الدين العطار ) بدءاً من عام 1907 ، وهو التاريخ الذي بدأت فيه رحلة ماسنيون مع التصوف الإسلامي ، ولنا أن نتساءل ما الذي دعا ماسنيون للإهتمام بالتصوف الإسلامي بصورة عامة والحلاج بصورة خاصة ؟ وللجواب على هذا السؤال لابد لنا من العودة للخلفية الفكرية التي ينتمي لها ماسنيون.

     كان ماسنيون مسيحياً مؤمناً إيمانا عميقاً بالمسيحية الكاثوليكية ، غير أنّه لم يكن متعصباً لعقيدته الدينية ، بل كان جل همه إيجاد مقاربة روحية وفكرية تسهم في التقارب المسيحي - الإسلامي ، وكان دائم البحث عن نقاط الالتقاء بين الأديان ، ولذلك فقد تبنّى مشروعا سعى من خلاله الى خلق حالة توافقية بين أتباع الديانات الابراهيمية ، فأسس في مصر جمعية سميت بـــ ( جماعة البدلية ) ، وأنشأ لها فروعا داخل مصر وخارجها وكان الهدف من تأسيسها مد جسور الإخاء والمحبة بين المسيحيين والمسلمين ، وكانت هذه الجمعية تعقد اجتماعات متكررة ، وفي مستهل كل لقاء يتم تلاوة بعض من سور القران الكريم منها سورة مريم والكهف([30]).

     ومها يكن يبدو أن ماسنيون وجد في التصوف الاسلامي  ضالته باعتباره قاسماً مشتركاً بين جميع الديانات ، ومن هنا كان اهتمام ماسنيون بالتصوف إذ ( لم يخلو منه قطر من الأقطار أو أمة من الأمم )([31]) ، وبعبارة أخرى أن التصوف موجود في كل الملل والنحل والأديان .

   بذل ماسنيون جهوداً طيبة في الكتابة عن التصوف الإسلامي ، وبلغت نتاجاته  المئات من البحوث المنشورة فضلاً عن والكتب والمقالات ، إلا أنّ أشهر دراساته فيما يتعلق بالتصوف الإسلامي اثنتان ، الأولى : رسالته للدكتوراه ، والثانية : بحث في ( نشأة المصطلح الفني في التصوف الإسلامي ) ، وتعد هاتان الدراستان من أعمق وأنضج الدراسات في تاريخ التصوف الإسلامي على الإطلاق ، فقد بحث في أطروحته للدكتوراه جميع الفرق والتيارات الصوفية الإسلامية ، كما تناول بالبحث دراسة علم الكلام الإسلامي وما تمخض عنه من فرق متعددة أشهرها ( الأشعرية  والماتردية والمعتزلة ) ، وتكمن أهمية تلك الأطروحة في أن ماسنيون اتّبع منهجاً علمياً يخضع لمقاييس علمية دقيقة ، ولذا تعد أطروحته ( مرجع لا غنى عنه للباحث في هذا النوع من الدراسات الإسلامية ) ([32]).

     أما رسالته الثانية التي لا تقل أهمية عن الأولى ، فقد تتبع فيها نشأة التصوف منذ البعثة النبوية إلى الحلاج ، وأرجع ماسنيون أصل التصوف للبيئة العربية الإسلامية ، وأنّه مستمد من القران الكريم وسنة الرسول وحياته ، وأثبت خلوه من التأثيرات الأجنبية بل أنّ ماسنيون أعتبر النبي هو أول متصوف في الإسلام ، وأن الاتجاهات الصوفية الباطنية ومنها التوحيد كانت ظاهرة على النبي منذ بدء رسالته.  ويجد ماسنيون في حادثة الإسراء والمعراج التعبير الحقيقي الذي يُجسد اتجاهات النبي الصوفية من خلال فكرة ( الاتحاد بالله ) والاندماج في ذاته ، ويرى أن النبي في الإسراء لم ينتهز فكرة ( الاتحاد بالله ) ، وهو هدف طالما سعى إليه الصوفيون وفي نظر ماسنيون لم يصل لذلك الهدف سوى الحلاج([33]) .

      ولا شك أن النتائج التي خرج بها ماسنيون في دراسته للتصوف جاءت مخالفة لما درج عليه المستشرقون الذين يرون أن التصوف الإسلامي نشأ وتطور عن بعض الديانات الهندية والفارسية وغيرها([34]).

    ويمضي ماسنيون في مقارباته في التصوف كعامل موحد بين الديانات ، ولذا نجده يشكك في الحديث النبوي القائل ( لا رهبانية في الإسلام ) ، ويعده من الأحاديث الموضوعة التي وضعت في فترة متأخرة بحدود( القرن الثالث الهجري ) ، ويرى أن المفسرين في القرن الهجري الأول كانوا( يجيزون ) الرهبانية من أمثال مجاهد ، وأبي أمامة الباهلي وغيرهم .

     أما التفسير الذي ينكر الرهبانية فهو تفسير متأخر لم يقل به سوى قلة من المفسرين([35]) ، ويبدو أن ماسنيون يذهب إلى أن التصوف كمصطلح يرادف الرهبانية.

 كان ماسنيون يرى في التصوف (جوهر الأديان) التي تدعو أصحابها إلى المحبة والوئام معلناً استنكاره الشديد للديانات التي تؤثر حب المخلوق على الخالق الأعظم ، داعياً إلى الوحدة بين الأديان الإبراهيمية ( اليهودية والمسيحية والإسلام ) وكان يرى في إبراهيم الخليل صورة مشرقة ، ومرآة يمكن لها أن تعكس توحيد الأديان السماوية الثلاث ، رافضاً تلك الصراعات الدينية التي ( تقسم أولاد هاجر عن أولاد سارة ) متطلعاً إلى تعايش سلمي يوحد الطوائف ويتجاوز التناحر([36]).

    ومهما يكن فلا يمكن لأي باحث في تاريخ التصوف الإسلامي تجاهل شخصية (الحلاج) بوصفه أحد أهم أقطاب التصوف في التاريخ ، فكان من الطبيعي إذا أن يقوده الاهتمام بالتصوف إلى دراسة تلك الشخصية التي طواها النسيان وأهملتها السنون على الرغم من كونها أكثر الشخصيات التاريخية العراقية إثارة للجدل ، ولم تلق العناية الكافية من البحث والتمحيص والدراسة الموضوعية([37]) وقتئذ ؛ ولذا سعى ماسنيون للكشف عنها ودراسة الظروف التي أودت بــ (شهيد التصوف) كما أطلق عليه  في أطروحته التي نال بها شهادة الدكتوراه والموسومة بـــ ( الحلاج شهيد التصوف في الإسلام ) ، الذي أعدمته السلطة العباسية الحاكمة في بغداد سنة 922م ، وعن عشقه للتصوف وأقطابه يقول ماسنيون : ( جذبني الشرق إليه بماضيه الحافل بالديانات ، فإذا بي غارق فيه إلى قمة رأسي ، وفلاسفة الإسلام ومتصوفوه يحظون جميعاً بالقسط الأكبر من تفكيري ، وصرت بعد دراستي إياهم أنجذب نحو المنبع الأول الذي استقى منه هؤلاء الفلاسفة تصوفهم وفلسفتهم )([38]). ولم ينقطع عشق ماسنيون للحلاج وتماهى معه حتى وفاته العام (1962) ، وكان أخر عهده بالدنيا يردد آيتين من القران الكريم لطالما رددهما الحلاج في حياته : " لن يجيرني من الله أحد " (سورة الجن ايه22) وقوله سبحانه " يستعجل بها الذين لايؤمنون بها والذين امنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق " (سورة الشورى آية 18) ([39]) فلا غرابة إذن أن يحظى التصوف الإسلامي ، بتلك الأهمية عند صاحبنا ماسنيون .

      وفي عام 1909 نشر أول بحث له عن الحلاج والموسوم بــ ( عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية ) ، ثم تبعه بنشر مقال عن الحلاج في ( مجلة العالم الإسلامي بعنوان ( الحلاج الشيخ المصلوب والشيطان عند اليزيدية ) ، كما قام بإخراج وتحقيق ونشر كتاب ( الطواسين ) للحلاج ، ثم عهد إليه بمهمة كتابة مادتي ( الحلاج ) و( الحلول ) في دائرة المعارف الإسلامية([40]).

  لقد درس ماسنيون التصوف الإسلامي بمنهجية مختلفة عن منهج زملائه من المستشرقين الذين كانوا يدرسون التصوف الإسلامي من ( خارجه ) في حين نجد أن ماسنيون وانطلاقا من إيمانه كمسيحي حاول أن يعيش التجربة الصوفية ولذا درس التصوف من ( الداخل ) من خلال تجربته المسيحية وقناعاته الخاصة وتعاطفه مع الحلاج الذي وجد فيه تشابهاً مع شخصية السيد المسيح فكلاهما قدم نفسه قرباناً في سبيل إنقاذ البشرية المعذبة ([41]) .

   ويرى ماسنيون أن التصوف يحتوي على كل ( القيم الضرورية للإسلام ) التي تتجسد في البناء المعرفي والسلوكي ، فيمتزج الروح بالعمل ، ويصل المتصوف من خلالها إلى الاتحاد الروحي والمطلق مع الله وصولاً إلى درجة الفناء في ذات الله وهي أعلى مراحل التصوف ([42]).

  يزعم ماسنيون أن ( الحلاج ) قد وصل فعلاً لمرحلة الفناء بالذات الأهلية ، ولم يكتف الأخير بذلك بل أخذ يدعو إلى إسقاط الكثير من الفرائض والواجبات التي فرضها ( الشارع ) على الفرد المسلم كالصلاة ، والصوم ، والحج ، وغيرها من الشعائر.. على اعتبار أن تلك الشعائر ليست سوى واسطة الإنسان للاتصال بالله ؛ ولذا فهي تسقط إذا ما وصل الإنسان إلى درجة ( الفناء والحلول ) بالذات الإلهية.

    لقد حكم على الحلاج بالموت بسبب آرائه الجريئة ، والمخالفة للمألوف الإسلامي لاسيما قوله المشهور ( أنا الحق ) ([43]) ، ويذهب ماسنيون إلى أن المصير الذي انتهى إليه الحلاج لم يكن بسبب طروحاته التي اعتبرتها السلطة العباسية الحاكمة في بغداد (كفراً) ، إنّما كانت بسبب مواقف الحلاج المناوئة للسلطة ، ومنها اتصاله بالحركة القرمطية ([44]) حتى أنّه ذهب ضحية لقضية سياسية بحسب من يرى ذلك ([45])

     ويعتقد ماسنيون أنّ وجود ( المقدس ) في حياة البشر أمر لا يمكن إنكاره ، بل أنه جزء أصيل في تكوين الإنسان ، فانفتح بعمق على الإبعاد الروحية للإسلام وفهمها فهماً مترابطاً ومتوازناً ، من خلال التأمل في الفكر الصوفي ، والبحث عن المشتركات الفكرية والروحية ساعياً لخلق وحدة روحية بين الإسلام والمسيحية ، وقد وجد في الحلاج ذلك ( المشترك ) الذي يجذبه ويشده بقوة ؛ ولذا كان ارتباطه به ارتباطا روحيا مدهشاً ([46]).

    وانطلاقاً من تلك الرؤية راح ماسنيون يمازج بين المفاهيم الإسلامية والمصطلحات المسيحية فوجد أن مفهوم الجهاد الأكبر (مجاهدة النفس) وترفعها عن الشهوات ، والزهد في الدنيا يقترب من مفهموم ( الرهبانية ) في المسيحية وأن ( نظام الفتوة ) في الإسلام يشبه إلى حد كبير ( نظام الفرسان الصليبين ) كذلك يوازي ماسنيون بين الحج الإسلامي إلى مكة ، والحج المسيحي إلى القدس ، ويعقد مقارنة بين طقوس الحج التي يمارسها المسلمون وتلك التي يؤديها المسيحيون ، لاسيما مفهوم ( الإحرام ) عند كليهما ويخلص إلى أنّ الأصل واحد وهو النبي إبراهيم الخليل ، والذي يجد فيه ماسنيون نموذجاً صالحاً للتقارب بين الأديان([47])

  

رابعا : جهود لويس ماسنيون الفكرية المناهضة للاستعمار :

لم تقتصر جهود لويس ماسنيون على الجانب العملي فقط ، فقد كان للسياسية حظ من تلك الجهود العظيمة التي بذلها ، إذ لاشك أن المدرسة الاستعمارية الفرنسية قد استعانت به لتقديم المشورة لها فخدم في الجيش الفرنسي أولاً ، ومن ثم عمل كمستشار لوزارة المستعمرات الفرنسية - كما مر بنا - وأصبح مساعداً للمندوب السامي لسوريا وفلسطين منذ سنة 1919 ، وعلى الرغم من قربه من الدوائر الاستعمارية الفرنسية إلا أنّ ماسنيون كان له رأي آخر فيما يتعلق بالموقف الفرنسي الاستعماري من القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية ، فقد استنكر تنصل فرنسا وبريطانيا من التعهدات التي قطعوها للعرب بمنحهم الاستقلال حال انتهاء الحرب مع الدولة العثمانية ([48]) .

عبًر ماسنيون عن تعاطفه مع القضية الفلسطينية واللاجئين العرب ، بل أنّه أدان صراحةَ الحركة الصهيونية وسعيها الاستيلاء على فلسطين وطالب بحل سلمي للقضية على أساس التعايش السلمي بين الديانات الثلاث ( اليهودية والمسيحية والإسلامية ) ، كما انتقد بشدة المحاولات الرامية لطمس الهوية العربية والإسلامية في شمال إفريقيا ([49]).

إنّ هذا الإيمان الكوني قد دفع به ليقوم بنشاطات اجتماعية كثيرة كزيارة المساجين ، وتعليم المهاجرينالجزائريين ، وممارسة الاحتجاج (اللاعنفي) على تجاوزات الحكم الاستعماري الفرنسي ([50]).

      لقد اتّسم موقف ماسنيون بالإيجابية تجاه الشعوب المستضعفة ، فدعا إلى منح المستعمرات الفرنسية الاستقلال ، وأسس لجنة التفاهم الفرنسية بين المسيحية والإسلام ثم أصبح رئيساً للجنة العفو عن المحكومين في بلاد ما وراء البحار (1954) ، وعضواً في جمعية أصدقاء غاندي ، كما طالب بتحرير الهند من السيطرة الاستعمارية البريطانية ، وكان معجباً بموقف الزعيم الهندي غاندي (1869- 1948) وبنهجه في ( اللاعنف )

وقد وجد في شخصية غاندي أجوبةً لتساؤلاته حول دور النخبة الروحية في المجتمع باعتبارها القادرة حيث على رفع الجماهير إلى مستوى النضج الروحي الواعي؛ وهذا بالضبط ما كان يسعى إليه غاندي([51]) ، كما يرى ماسينيون بجهاد غاندي وبمشروعه السياسيلا بل وبنظريَّته عن التاريخ أن هناك من يدفع الحركة ويؤدي الثمن ويكفِّر عن الخطيئة في سبيل بناء وحدة البشرية الروحية ؛ نظراً إلى يوم الدين ، يوم الحشر ، الذي فيه يترادف الحساب تماماً مع الميثاق ([52]).

    وفضلاً عن ذلك فقد تملكت ماسنيون رغبة جامحة في خلق نظام دولي جديد ، وإعادة النظر في العلاقات الدولية بين الدول والشعوب وانطلاقا من نزعته الإنسانية اقترح خلق نظام دولي يقوم على أساس العدل ، ويعترف بالتعددية الثقافية والحضارية لبني الإنسان وينطلق من المصالح المشتركة بين الشعوب من خلال التواصل الثقافي والاجتماعي والإنساني لتحقيق فكرة العيش المشترك ([53]).

     يتضح مما تقدم أن لويس ماسنيون كان يُعطي البعد الروحي أهميةً كبيرة في الحياة ، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، وأن موقفه هذا نابع من اعتقاده بأهمية الدين في حياة الإنسان بوصفه وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي ، وأحد الأسس التي تقوم عليها فكرة التعايش السلمي .

  

  

 خامسا: لويس ماسنيون في الميزان :

    برغم الجهود العظيمة التي بذلها لويس في مجال الدراسات الإستشراقية إلّا أنّه لم يسلم من النقد وأحيانا من الاتهام والتشهير والتشكيك ، فهو كأي شخصية علمية لا بد أن تخضع للتشريح والنقد العلمي شأنه في ذلك شأن أي باحث أخر.

    ومن هنا فأن المواقف تتباين في النظرة لإعمال ماسنيون ونتاجاته العلمية ، مابين معجب ومتشكك حذر ، فلقد تعرض للنقد من المسلمين والمسيحيين على حد سواء ، فقد اتهمه الأزهر بخلطه للمفاهيم الإسلامية ، وأنه لم يأخذ بحسبانه الفرق الشاسع بين الشريعة والتصوف ( كمذهب روحي ) ، التي يأخذ فيها أشكالاً بعديدة ـ أحياناً- عن روح الإسلام ، كما شكّك الأزهر في رسالة ماسينون الإنسانية وفي محاولته للتوفيق بين الديانات الإبراهيمية ([54]) ، وعلى الرغم من إشادة ادوارد سعيد بجهود ماسنيون حينما يصفه بــ (صاحب الإسهام الأعظم ) ، وأنّ دراسته من أفضل الدراسات الإستشراقية خلال فترة مابين الحربين ، إلّا أن سعيدا انتقد ماسنيون في مشورته لفرنسا بأن تبقي على التقاليد الروحية والقبلية السائدة في المجتمعات الشرقية في وقت كان العالم يسير بخطى سريعة نحو الحداثة والتطور([55]).

وفضلاً عن ذلك فإنّ منتقديه من العرب والمسلمين لا يغفرون له لأنّه وضع نفسه في خدمة الدوائر الاستعمارية الفرنسية ، وعليه غدا ماسنيون في نظر الكثير من العرب ( عميلاً ) وليس سوى ( طابوراً خامساً للاستعمار ).

   أمّا عن الجانب المسيحي الرسمي ( الفاتيكان ) ، فقد رفضت دراسات ماسنيون والنتائج التي توصل إليها فيما يتعلق بالإسلام ومبدأ النبوة والوحي الذي تعرض له في كتاباته ، كما انتقدوه زملاؤه المستشرقين ، ومنهم ( هاملتون جب ) الذي انتقده على حماسته الكبيرة في تعاطيه مع  قضية الحلاج ، إذ اعتبر جب أن تلك الحماسة تخل بشروط البحث العلمي الذي ينبغي على من يشتغل به أن يتجرد من عاطفته وحماسه عند الكتابة ، وكان يرى من الصعب فرز الاتجاهات الشخصية والدقة العلمية في دراسات مانسيون ( الحلاجية ) ([56]).

  لكن في المقابل نجد أن دراسات ماسنيون قوبلت بحفاوة كبيرة من المفكرين والدارسين في الشرق والغرب على حد سواء ، فإليه يعود الفضل في إلقاء الضوء على جانباً مهماً من التراث العربي والإسلامي ، وإسهامه في تشجيع الدراسات الإسلامية والفكر الصوفي بصفة خاصة ، وحسبنا أن نتصفح كتابه ( ألام الحلاج ) الذي يتألف من 747 صفحة ، وهو عبارة عن سفر ضخم ودراسة شاملة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية أيام الحلاج ، أما أطروحته للدكتوراه ( فشاهد ضخم يكفي لتخليده في علم البحث العلمي والتاريخي )([57])

    مهما يكن فليس صحيحاً الرأي الشائع في الدراسات العربية عن الإستشراق  لدى كثير من الباحثين في الحقل الإستشراقي ، حيث يذهب هؤلاء إلى اتهام جميع المستشرقين بالعمل لصالح دوائر استعمارية أو جهات مخابراتية ، فاليوم يجب مراجعة كل ما كتبه المستشرقون والاستفادة من نتاجاتهم العلمية ، والاعتراف بالجهود التي بذلوها في البحث والتنقيب عن التراث الإسلامي ، ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عنهم ولسنا من عشاقهم ، ولكن الأمانة العلمية تقتضي الاعتراف بجهود هؤلاء ، فلولا ثباتهم وصبرهم لظل جانب كبير من التراث العربي والإسلامي طي النسيان ، وهناك جهود علمية صادقة ينبغي تثمينها والثناء عليها ، ومنها جهود المستشرق لويس ماسنيون ، إذ لم يعد مقبولاً اتهام جميع المستشرقين بالعمالة .

  


 


  

[1]- عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، ط3 ، بيروت ، 1993 ، ص 529.

[2]- المصدر نفسه ، ص30.

2- بيير روكالف ، ماسنيون والاسلام ، ترجمة ، عبد الرزاق الأصغر ، مجلة التراث العربي العدد83  ، دمشق.

3- عبد الرحمن بدون المصدر السابق ، ص 530 .
4 - صابر عبده أبا زيد ، لويس ماسنيون وجهوده في الفكر الفلسفي الإسلامي ، مجلة العربي ، 1-11 - 2008.

  

[5]- الموسوعة الحرة ، ويكبيديا ، http://www.wikipidia.com/ .

[6]- اسرة علمية معروفة في بغداد تنتسب الى مدينة (الوس) في الانبار ويرجع نسبها الى (ال البيت). تولى عدد من أفرادها بعض الوظائف الادارية في الدولة العثمانية ، وقد اشهر من بيهم العلامة أبو الثناء الالوسي الذي ألف العديد من الكتب في الادب والتفسير أشهرها كتابه (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) . ينظر، السيد علي عبد الغفور بن السيد شهاب أل أبي الطيب الحسيني الالوسي الهيتي ، الكلم الطيب والسحاب الصيب في نسب ال أبي الطيب،www.alashrairaq.com. ‘ ويكيبديا الموسوعة الحرة  ؛http://www.wikipidia.com/ .

3- The Free Encyclopediahttp://www.wikipidia.com/

4- Ibid.                                                                               

  

[10]-  اختلف في أصل كلمة التصوف على أقوال كثيرة  فالبعض يرى أنها تعني الزهد ، والبعض الآخر يرى أنها تأتي بمعنى الصفاء ويقول (بشر الحافي) الصوفي من (صفا قلبه لله )  ويقول كبيير المتصوفة (معروف الكرخي) (التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق) أما الجنيد البغدادي فالتصوف بالنسبة له (الطريق المخصوص للسالكين) ويذهب آخرون إلى أن أصل الكلمة اشتقت من الصوف الذي كان يردتيه المتصوفون الأوائل للدلالة على الزهد في الدنيا. ينظر الدرر السنية ، موسوعة الفرق ، http://www.dorar.net/ ؛ ديوان العرب ، http://www.diwanalarab.com/ .

[11]- عبد الرحمن بدوي ، المصدر السابق ، ص 529-530.

[12]- بيير روكالف ، المصدر السابق.

[13]-  من علماء القرن السادس الهجري يطلق عليه (الشطاح) لكثرة شطحاته كتب في العرفان والتصوف توفي في عام 606 هجرية . ينظر ، العرفان والاسلام ، مقال منشور في موقع www.Nawaat.org  .

[14]- نسبة الى اسماعيل ابن الامام (جعفر بن محمد الصادق) (ع) وقد تأسست بعد وفاة الامام (جعفر بن محمد الصادق)المتوفى سنة 148 هـ  حيث انقسم الشيعة بعد وفاته الى فريقين: احدهم مؤيد لاسماعيل الابن الاكبر للامام في حين طالبت الفرقة الاخرى بامامة ابنه الاصغر الامام موسى بن جعفر (الكاظم ) وقد اتسمت عقائد الاسماعلية  بالغموض الشديد ولذلك يطلق عليهم (الباطنية) استطاعت في فترات تاريخية معينة من الانتشار وتأسيس عدد من الدولايات المناوئه للخلافة العباسية لاسيما في بلاد فارس وبلاد ماوراء النهر وعدت هذه الحركة النواة الحقيقة لتأسيس الدولة الفاطمية 358-567هـ/ 969-1172ولاحقا اصبحت الاسماعلية المذهب الرسمي للفاطميين. ينظر ، برنارد لويس ، فرق ثورية في بلاد الاسلام ، ترجمة ، محمد العزب موسى ، مكتبة مدبولي ، ط1 ، القاهرة ، 2006 ، ص49 وما بعدها.

[15]- العلوية لفظ ذو دلالة دينية - سياسية يطلق على كل من تولى الامام علي بن أبي طالب  وشايعه وسعى في نصرته. واحيانا تطلق ويراد بها أولاد الامام عليه وذريته . أما (النصيرية العلوية) فهي طائفة شيعية تتميز عن بقية الفرق الشيعية الأخرى من الناحية العقدية ، وسميت بذلك نسبة الى مؤسسها (محمد بن نصير النميري) والذي هو بمثابة (نائب) الامام الغائب لدى النصيرية أما عن مراكز تواجدهم فينتشرون في تركيا بكثرة كما ويتمركزون في الساحل السسوري ومنطقة الجبل بالاضافة الى بعض المناطق في لبنان. للمزيد ينظر ، ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، http://www.wikipidia.com/.

[16]-  المصدر نفسه ، ص 534 ؛بييرروكالف لويس ماسنيون والاسلام مقال منشور في ملاحق جريدة المدى ،  ترجمة ،عبد الرزاق الأصغر ، www.almadasupplements.com .

[17]- بيبر روكالف ، المصدر السابق.

  

[18]- مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والاسلامية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ج1 ، تونس ، 1985 ، ص29.

[19]- نقلا عن المصدر نفسه.

[20]- توم هولاند ، الاسلام القصة التي لم تروى ، برنامج وثائقي موقع يوتيوب ، 12-11 -2015.

[21]- عبد الناصر العايد ، الأب باولو دالوليو متجولا بين الجزائر فلسطين وسوريا ، مقال منشور في جريدة الحياة . بتاريخ ١٩ سبتمبر/ أيلول ٢٠١4.

[22]- أ.د. فاروق عمر فوزي ، الاستشراق والتاريخ الاسلامي (القرون الاسلامية الأولى) ، ط1، لبنان ، 1998 ، ص53.

[23]- لطفي حداد ، لويس ماسنيون ، مقال منشور في موقع العراقي ،   .www.aliraqi.org

[24]- ثمة خلاف على قضية اتصال النبي بقريب خديجة (ورقة بن نوفل) بل يذهب البعض إلى أن تلك الشخصية لا وجود لها في التاريخ.

[25]- عماد الشربيني ، الرد على شبهة فتور الوحي ، مقال منشور في موقع www.investigate-islam.com/، بتاريخ 26-1-2012.

[26]- فاروق عمر فوزي المصدر السابق ، ص71.

[27]- ساسي سالم الحاج ، نقد الخطاب الاستشراقي الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ، ج1 ، ط1 ، بيروت، د.ت ، ص 211.

[28] - المصدر نفسه ، ص 212.

[29]- ساسي سالم الحاج ، المصدر السابق ، ص213.

[30]-بييرروكالف ، المصدر السابق.

[31]- ماسنيون ومصطفى عبد الرازق ، التصوف (كتب دائرة المعارف الإسلامية ) ط1 ، بيروت ، 1984 ، ص 28 .

[32]- ساسي سالم الحاج ، المصدر السابق ، ص 209.

[33]- المصدر نفسه ، ص 213.

[34]- عبد الرحمن بدوي ، المصدر السابق ، ص 533.

[35]- ماسنيون ومصطفى عبد الرازق ، المصدر السابق ، ص 29 .

[36]- ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ، http://www.wikipidia.com/ .

[37]- علي ثويني ، الحلاج بين خيال الشعر وشطحات التصوف ومآرب الاستشراق ، مقال منشور في موقع ، http://www.mesopotamia4374/. com            .

[38]لويس ماسنيون ، مقال ، في موقع الكتروني بعنوان ، hosam-voyager.blogspot.comwww. . الأحد، 5 يونيو، 2011 .

[39]- عبد الرحمن بدوي ، المصدر السابق ، ص534-535.

[40]- ساسي سالم الحاج ، نقد الخطاب الاستشراقي الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ، ج1  ، ط1 ، بيروت، د.ت ، ص 207.

[41]- عبد الرزاق الأصفر ، المستشرق لويس ماسنيون ماله وما عليه  ، مجلة التراث العربي ، ص 203.

[42]- ساسي سالم الحاج ، المصدر السابق ، ص 215.                                            

[43]- يطرح الحلاج في ديوانه أشعاراً تحمل مصطلحات وإشارات رمزية لا تتفق مع المألوف الديني الإسلامي ومنها مقطوعته الشهيرة التي وردت في ديوانه ومما جاء فيها : مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال فإذا مسك شيء مسني فإذا أنت أنا في كل حال / ينظر ، عباس التميمي ، الحلاج(السيرة والأسرار) مجلة الحرية ، الحوار المتمدن - العدد: 2254- 2008/ 4/ 17- 10:42

[44]- تأسست في الكوفة سنة (278 هـ/891م) على يد حمدان بن الأشعث (عامل زراعي)  وهي من الحركات الفكرية الباطنية التي ناؤت  الخلافة العباسية واستطاعت أن تقتطع أجزاء واسعة من أراضيها وبقيت نشكل قلقاً لدى أركان الدولة العباسية أكثر من 15 سنة ولم تستطع الدولة إخمادها إلا بصعوبة بالغة ، ينظر ، مهدي النجار ، الحركات المطرودة من التاريخ ،الحوار المتمدن - العدد: 1662 - 2006 / 9 / 3 - 05:49

[45]- لويس ماسنيون ، آلام الحلاج ، ترجمة ، حسين الحلاج ، ط1 ، بيروت ، 2004 . ص 29.

[46]-لويس ماسنيون ، مقال في موقع الكتروني بعنوان ،  .www hosam-voyager.blogspot.com  .  . الأحد، 5 يونيو، 2011 .

[47]- الأب باولو دالوليو ، جهاد لويس ماسنيون بين شال دو فوكو وغاندي ، مقال منشور في الموقع التالي: http://www.maaber.org/

  

[48]- ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ، http://www.wikipidia.com/ .

[49]- عبد الرزاق الأصفر ، المستشرق لويس ماسنيون ماله وما عليه  ، مجلة التراث العربي ، ص 203.

  

[50]- لطفي حداد ، لويس ماسنيون ، مقال منشور في موقع العراقي ،   .www.aliraqi.org

[51]- ايميل أمين ، لويس ماسنيون رجل المعرفة العميقة والتدين الواسع ، تعليق في جريدة الحياة على كتاب لويس ماسنيون (الام الحلاج). الحياة ، 8/11/2008.

[52]- الأب باولو دالوليو ، جهاد لويس ماسنيون بين شال دو فوكو وغاندي ، مقال منشور في موقع http://www.maaber.org/.

 .[53]- ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ، http://www.wikipidia.com/ .

[54]- مقال منشور ، في موقع الكتروني بعنوان ،         . www.sudaneseonline.com

[55]- عبد الرزاق الأصفر ، المستشرق لويس ماسنيون ماله وما عليه  ، مجلة التراث العربي ، ص 203.

[56]- عبد الرزاق الأصفر ، المستشرق لويس ماسنيون ماله وما عليه  ، مجلة التراث العربي ، ص 203.

[57]- عبد الرحمن بدون ، المصدر السابق ، ص 532.

  

  الخاتمة

     لقد سلط هذا البحث الضوء على أبرز المستشرقين الغربيين (في القرن العشرين) ، الذي ترك بصمة واضحة في عالم الدراسات الاستشراقية ، بل وحجز لنفسه موقعا متميزا بين زملائه المستشرقين ، ونال شهرة واسعة لدى الباحثين في الحقل الاستشراقي ، واليه يعود الفضل في اكتشاف جوانباً مهمة من التراث العربي والاسلامي ، كما ويعد أحد أبرز مراجعه في القرن العشرين ، لقد كان ماسنيون غزير الاطلاع  متعدد المواهب ؛ ولذا تنوعت نتاجاته في الفكر الاسلامي مابين الادب والفلسفة والتاريخ ، فضلا عن  دراساته للفرق والمذاهب الاسلامية  .

عرف بصبره ، وتحمله المشاق العظيمة في سبيل الوصول إلى أهدافه العلمية ، ويتضح ذلك عنـد مطالعتنا لسيرة حياتـه وأسفاره ، وعـلـى الـرغم من إيمانــه الـعميق  بالــمسيحيــة الكاثوليكية ، إلّاأن له موقفاًإيجابياً من الإسلام ، والرسول والوحي والقران ، وهي مسائل على قدر كبير من الأهمية ، ولذا فقد لقيت عناية من المستشرقين منذ نشأة الاستشراق وحتى يومنا هذا. 

ويسجل لهذا الرجل أيضاً عنايته الفائقة في دراسة تاريخ التصوف الإسلامي ، التي جاءت نتائجها مخالفة تماماً لآراء زملائه المستشرقين ، وذلك عندما أرجع أصل التصوف إلى البيئة العربية الإسلامية ، وأثبت خلوه من التأثيرات الأجنبية وأكد أن (التصوف الإسلامي) مستمداً من القران الكريم وسنة الرسول الكريم ، فضلاً عن ذلك فقد وجد في التصوف القاسم الروحي المشترك الذي يمكن له أن يوحد الديانات السماوية ، كذلك أعاد اكتشاف المتصوف العربي الكبير (الحلاج) والذي أعتبره شهيد التصوف الإسلامي الذي ذهب (ضحية قضية سياسية كبيرة) على حد تعبيره ، وعلى الرغم من صلته بالدوائر الاستعمارية لبلاده إلا أننا نجده صاحب نزعة إنسانية متحررة دعت إلى نصرة الشعوب المستعمرة وإنصافها ، ونادى بضرورة منح تلك الشعوب الاستقلال ، ولكن بطرق سلمية دون اللجوء إلى إراقة الدماء ، ولذا كان معجباً بسياسة غاندي وقيادته للحركة الوطنية الهندية ونهجه السياسي في(اللاعنف) وكان يعتقد أن المحرك والدافع الأساس لسياسة (اللاعنف) التي انتهجها غاندي كانت نابعة من نزعته الصوفية. 

  وتأسيساً على ما تقدم نلاحظ ظهور ماسنيون بمظاهر متعددة ، فأحياناً يبدو بهيئة العالم ، وأحياناً بهيئة رجل الدين ، وأحياناً أخرى بهيئة رجل السياسة. 

وعلى الرغم من انجازاته في الميادين العلمية ورصانة أبحاثه ، إلا أنّ ما يؤخذ عليه هو تحمسه الشديد للحلاج إلى درجة أنك من الصعب ـ  أن تفرق بين ميوله للصوفية (الحلاجية) - إن صح التعبيرــ  ودقته العلمية ، كما يسجل عليه دعوته لفرنسا الإبقاء على العادات والتقاليد البالية لدى المجتمعات الشرقية ؛ وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن ماسنيون لم يكن راغباً بإثارة تلك الشعوب التي تقدس تقاليدها القبلية وموروثها الاجتماعي ، والتي لم تكن راغبة أو مستعدة للتفريط به أو التخلي عنه بأي شكل من الأشكال . 

    

نزار التميمي


التعليقات




5000