..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تقنيات السرد القصصي ( سمر أسرة مسلمة ) لعلي يحي معمر

النور

 عبد الجليل غزالة

أوليات الموضوع :

    هل يمكن القول أن المفكر الإسلامي الليبي علي يحي معمر يمثل (( اتجاها فنيا )) في مجال (( القصة الدينية )) من خلال عمله الموسوم ب( سمر أسرة

مسلمة ) ؟ كيف تتجلى تقنيات السرد القصصي ( الشخصيات ، الأحداث ، الحيز الزمكاني ، اللغة ، رؤية المؤلف ...) داخل هذا الإنتاج الأدبي ؟  ما أهم دوافعه ، و (( وظائفه القصصية الدينية )) ؟ ما نوع المتلقي المستهدف من وراء هذا الإنجاز ؟ هل يوظف الكاتب أثناء عمليات السرد القصصي ، وحوارات السمر مستوى لغويا عربيا واحدا يكون متجانسا من حيث التركيب ، والدلالة ، والمقام ؟ كيف يظهر تنوع الأزمنة عند المؤلف ؟ ما علاقة الكاتب بالسارد ، والمتلقي ؟ 

الكاتب وبيئة الموضوع :

     يعد الكاتب الليبي ؛ المرحوم علي يحي معمر من المفكرين المسلمين ، المجددين في مجال التوعية الدينية ، ونشر أصول الشريعة ، وأسسها ، وحقائقها ، حيث انتهج في عمله المعروف ب ( سمر أسرة مسلمة ) طريقة (( أسلوب الحوار )) لطرح موضوعات العقيدة ، كما أنه ينتمي إلى مجموعة من المبدعين القلائل ، الذين يوظفون منهجية (( السرد القصصي )) لمعالجة قضايا الفقه ، والتوحيد الإسلامي ، وإبلاغ فكرهم النير إلى كافة الناس . إنهم يستندون في ذلك إلى أسلوب الإقناع ، والاستمالة ، والحجج المنطقية الدامغة ، التي ترتكز على لغة واصفة metalanguage   مفهومة ، ورفيعة النسيج  .

    لقد عرفت الأمة الإسلامية بعد الحرب الكونية الثانية انتشار الاستعمار الغربي في قارتي أفريقيا وآسيا ، واستعباد ، وتجهيل شعوبهما ، وتهجير ، أو إبادة سكان عدة مناطق ، ومحاربة الإسلام عن طريق إثارة النعرات ، والعصبيات ، والحروب الأهلية المفتعلة ، والبعثات التبشيرية ، فتعددت أنواع الاستلاب ، والاغتراب ، وكثرت محن الشخص المسلم في هذه المرحلة ، وهو ما خلق حركات تحرر كثيرة ، ودفع ببعض المفكرين الغيورين إلى بناء شكل جديد (( للكتابة الأدبية الإسلامية )) من أجل توعية الناس ، وجعلهم يتمسكون بدينهم بشكل عملي ، ودائم .

    تتميز هذه (( الكتابات الأدبية الإسلامية الجديدة )) بالسمات التالية :

    1    _     استعمال أسلوب شخصي حواري واضح ، ولغة عربية واصفة راقية ، وحجج منطقية جديدة ، وهادفة .  

    2    _     إتباع القواعد ، والأصول .

    3    _     ترسيخ قيم جمالية وفكرية خاصة (( بالنص الديني الإسلامي المولد )) . 

    4    _     ضبط الجانب الروحاني ، والجانب المادي حسب السياقات العملية ، والمقاصد القويمة .  

    5    _    توعية ، وتكوين (( المتلقي الضمني المسلم )) بشكل سليم ، وعميم عبر مراحل متعاقبة ، ومترابطة .

   تقنيات السرد القصصي الديني عند علي يحي معمر:

      يستهل علي يحي معمر قصة ( سمر أسرة مسلمة ) بآية قرآنية كريمة ، ويختمها بآية أخرى ( 1 ) . يضم فهرس هذا العمل اثنتي عشرة ليلة من ليالي السمر لأفراد الأسرة المسلمة .

      يحتوي  هذا الإبداع الأدبي الديني على جمهرة من الأفكار ، والحكم ، والرؤى ، والقيم ، والمستجدات في مجال (( تقنيات السرد القصصي الديني )) . لقد عقدت عدة مؤتمرات ، وندوات في العالم بخصوص هذا الموضوع ، حيث تم تحديد سمات هذا (( الاتجاه الفني )) الجديد ، الذي ينظم السرد القصصي الديني الحديث ، الرائج في العالم الإسلامي .

      يعد المرحوم علي يحي معمر أحد أعلام هذا (( الاتجاه الفني )) ، كما يبرز ذلك من خلال السمات المحددة لإنتاجه المدروس :

    أ    _   حمل هذا العمل لحكمة كلامية ، أو فلسفة دينية ، إيجابية ، محددة .

    ب  _   اعتماده على أسلوب الحوار ، وتعدد الأصوات polyphony   ، وتلاحمها ، واكتنازه (( لتيار وعي )) ( 2 ) منسق يساهم في إيصال الموضوع الديني المقصود إلى المتلقي .

    ج  _    توفره على مظاهر فنية ، وتقنية متميزة .

    د _    تجلي تقنيات السرد القصصي الديني بكل وضوح ، وبساطة داخل العمل .  

    ه  _    وجود اختلاف ، واستقلال واضح في الكتابة عن السالفين ، والأقران.

    و  _     حسن التعامل مع العوامل الحتمية الموجودة في العالم المحيط .

    ي _     خلق وظيفة جديدة (( للأدب الإسلامي )) ، وتحديد دوره الجمالي والفكري ، والاجتماعي ، والحضاري في الحياة .

شخصيات العمل المدروس

   أولا ) سماتها وأفعالها :

      تتحرك الشخصيات المحورية الثلاث ( الأب ، الأم ، الابن : نجيب ) المشكلة لأحداث قصة ( سمر أسرة مسلمة ) داخل عالم مركب تتباين فيه الأهواء ، والمذاهب ، والأفكار ، والثقافات ، والهواجس ، والطبائع . تعكس هذه الشخصيات طبائع أفراد الأسرة ، التي تشكل نواة المجتمع الإسلامي الحقيقي ، حيث يقوم الكاتب ببناء حواراتها من خلال تعقبه لعدة دوافع ، تنتج (( وظائف قصصية إسلامية )) محددة ، تبرز على النحو التالي :

    1  _     ارتباط حفلات أعياد ميلاد الأطفال بنموهم الشامل ، واتسامهم بصفات الرجولة ، واتباع العادات الإسلامية القويمة  .   

    2  _     اختلاف الخالق الأحد ، السرمد ، اللامحدود عن المخلوقات المتعددة ، الفانية ، المحدودة في الذات ، والصفات ، والأحداث .

    3  _     اتجاه أفراد الأسرة المسلمة ساعات يومية إلى الخالق ، وعدم الاختلاف بشأن الحقائق المثبتة تاريخيا ، ومعرفة مسائل التوحيد ، وأركان الإسلام.   

    4  _     ضرورة إحاطة التلاميذ علما بمنهج السيرة النبوية .

    5  _     دعوة الدول الإسلامية المعاصرة إلى الإسلام ، وصيانته ، وإقامة نظامه في الحكم ، وسيادته على الأرض ، وعدم قتل المسلم ، والعدوان ، والابتعاد عن نشر الفوضى ، والجريمة ، وإشاعة الحرية ، والأمن ، والتمييز بين الناس من خلال التقوى ...  

   6   _     لكل عمل جزاء يناسبه ، حيث يجازى المؤمن ، والكافر بعد البعث .

   7   _     ارتباط نزول القرآن بالوحي ، وجبريل ، واختلاف شخصية النبي عن شخصية الرسول ، من حيث التبليغ ، واشتراكهما في بعض الصفات  .

   8   _     تميز الملائكة عن البشر في الخلق ، والتكليف بالوحي، والعبادة .

   9   _     نقل أبي حفص عمرو بن جميع لعقيدة التوحيد عن اللغة الأمازيغية.

   10  _    اختلاف فتيات الأمس عن فتيات اليوم من حيث التربية الإسلامية ، والتوحيد .

11     _    المنزل هو المدرسة الأولى ، حيث يتم فيه التمييز بين الجانب المادي ، والجانب الروحاني ، وإيثار المثل العليا ، وربط الصلة بالخالق .

  12   _    علماء الإباضية يعالجون حب المؤمن للخالق ، وبغض الكافر له من خلال قاعدة الولاية ، والبراءة .

   13   _   الوالد يفسر لابنه الفرق بين ولاية الجملة ، وبراءة الجملة ، وولاية الأشخاص ، وبراءة الأشخاص . ( 3 ) .

   14   _   تفسير الحديث (( من رأى منكم منكرا فليغيره ...)) .

    15   _   ربط الوالد لقاعدة الولاية والبراءة ، وولاية البيضة المرتبطة بالسلطان العادل ، وكاتبه ، ووزيره ، وخازنه ، وكل من يساعده على أمور المسلمين ( 4).

   16   _   شرح الأب ، والأم لولدهما نجيب أقسام الولاية ، وأقسام البراءة نقلا عن أبي حفص ، والبدر الشماخي ...  

   17   _   ضرورة الإيمان بالقضاء والقدر .

   18   _   إرادة الله تسير الكون ، وتيسر للعلماء مختلف الاكتشافات .

   19   _   الشكر واجب للجميع على حسن العمل ، والتصرف .  

20      _   الأب ، والأم يشرحان لابنهما نجيب اختلاف المعاصي في فظاعتها ، وفحشها ، وأنواع الإصرار ، من خلال نموذج الزنا المنقول عن سيد قطب .

  21   _    ارتباط حكم البراءة بمرتكبي الكبائر ، وفتح الخالق باب التوبة للجميع .

   22  _  تحديد معنى المنكر ، والمستحل ، والحرام ، والنسيان ، والإهمال والتهاون ، والعلم ، والعمل ، وحفظ القرآن ...

   23   _   تفسير أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي في كتابه ( قواعد الإسلام ) لوجوه تعلم العلم ، وصفات الخالق ، ومعرفة الأنبياء ، والرسل ...

    24  _   معالجة مسائل التوحيد والفرائض ، التي تقوم عليها الحجة .

    25  _   التفريق بين كبائر الشرك ، وكبائر النفاق .

26      _   شرح الوالد لابنه معنى المن عند أبي سليمان ، وأبي العباس الشماخي .

    _  27    فؤاد المؤمن يكون بين حالتين : رجاء في رحمة الله ، وخوف من غضبه وعذابه ، ومقته .

    28  _   تلخيص الأب والأم لمعنى الإيمان ، والإسلام ، والدين ، والتوحيد ، وأسهم الإسلام الثمانية ( الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج ، العمرة ، الجهاد ، الأمر بالمعروف ، النهي عن المنكر ) عند أبي حفص عمرو بن جميع .

    29  _   اعتماد مصادر التشريع الإسلامي على القرآن ، والسنة ، والإجماع.

     30 _   قواعد الإسلام أربعة عند أبي حفص عمرو بن جميع : العلم ، والعمل ، والنية ، والورع . يتم بناء الإسلام بالخضوع ، والانقياد لأمر الله ، والامتثال لحكمه بالقلب ، والعزم ، والثقة فيه ، والاعتماد عليه ، والاحتياج إليه .

    31  _   تلخيص فحوى أركان الإسلام الأربعة ( الاستسلام لأمر الله ، الرضا بقضائه ، التوكل عليه ، التفويض له ) عند أبي حفص بن جميع ، وشرحها المستفيض عند البدر الشماخي .

    32  _    ضرورة احتراس المؤمن من ثلاثة أمور ( إتباع شخص علم منه خيرا ، الابتعاد عن شخص علم منه شرا ، اجتناب المعاصي ، والجهل إلى حين المعرفة ) ، ومعرفة حدود الدين الأربعة ( التوحيد ، الفرائض ، المعاصي ، الوقوف على ما لا يعرفه حتى يعرفه ) ( 5 ) .

    33   _    تحديد جوانب الكفر الأربعة : أخذ ، ومنع ، وعمل ، وحصول على شيئ من غير حق ، وقواعده ( جهل ، وحمية ، وكِبْر ، وحسد ) .

      34  _   استفاضة الأب في سمر الليلة الثالثة عشر في شرح مفهوم التوحيد ، واعتقاد المسلم ، ومعرفة الأنبياء ، والإيمان بهم ، وبالكتب ، وحكم دماء المسلمين والمشركين ، وأموالهم ، ونزول الوحي .

       _ 35   تأويل   interpretation   الحقائق المترابطة ( الموت ، البعث ، الحساب ، التواب ، العقاب ) .

      36  _   تحريم مسايرة الفاسقين ، والمنافقين في المعصية .

       37 _   بناء الأب خلال ليالي سمره مع زوجته ، وابنه (( لمعجم ديني )) متميز ، حيث كان يحدد معاني بعض الكلمات ، التي تعد محورية في الشريعة الإسلامية : النية ، الدين ، التوحيد ، العلم ، الظن ، الشك ، البراءة ، المؤمن الوقاف ، الفرض ، الواجب ، الإيمان التوحيدي ، الإيمان غير التوحيدي ، القول ، العمل ، الإلزام ، الوعد ، الوعيد ، الكفر ، النفاق ، الملل الست ، أقسام الأديان ، موقف الإسلام منها ، الأحكام الخاصة بأهل الكتاب ...

        38  _  زواج الشباب المسلم في أوروبا ، وجريمة ذلك ، خاصة ما يتعلق بالذبائح ، والمأكولات .

        39  _  بناء الإسلام لمجتمع عالمي يسوده الود ، والتضامن ، والأمن ، والأمان على مستوى الأسرة ، والمجتمع حسب رأي سيد قطب ...

       40    _  تيسير الإسلام الزواج بالكتابية المتعايشة مع المسلمين .

         41  _  منع إقامة أية علاقات مع المشركين ، واليهود ، والنصارى ، والصابئين ، أو المجوس  .

         42  _  منح أهل الكتاب الأمن ، والسلام ، والعدالة ، والحرية ، والحياة الكريمة عند اعتناقهم الإسلام .

         43  _  طاعة الأم والولد لرب الأسرة ، والدعاء له بالخير ، والعمر المديد .

       تتعايش شخصيات القصة مع هذه الدوافع ، والوظائف بكل أريحية ، واستعداد ، وشغف ، وعمق ، حيث تقدم لنا من خلالها صورة مصغرة لمحيطها الاجتماعي ، والفكري ، ونمط ، ومستوى (( المعرفة الدينية )) الرائجة في العالم الإسلامي الواقعي ، وبعض مصادر (( الثقافة الإباضية )) ، وأعلامها (6   ) .

    تبرز (( حوارات السمر )) التي كانت تتم كل ليلة بين أفراد هذه الأسرة المسلمة سيطرة بعض القيم والمظاهر :

 أ   _  الحب ، والوئام ، والتقدير بين الشخصيات الثلاث .

ب  _   الموضوعات الدينية .

ج  _   الالتزام بالواجبات ، والنظام ، وعادات الأكل ، والنوم ، والآداب العامة  .

د   _   التوظيف لمعجم أخلاقي متين أثناء سرد الموضوعات ، وتبادل الحوارات .

ه  _   الرغبة في المعرفة الدينية ، ومراجعتها ، وتمحيصها باستمرار.

 و  _   الممارسة الدينية ، والعمل التقي ، الذي يجسده السلوك الفعلي لأفراد الأسرة .

    يعتمد الكاتب / السارد      narratorفي بناء أحداث القصة على مكونات وعناصر العقيدة الإسلامية ، وتشريعها ، وبعض قضايا الفقه ، والتوحيد ، كما يثير بعض الأحداث الطارئة ( حفلات عيد ميلاد الأطفال ، طريقة تقديم الشاي أثناء حوارات السمر ، رغبة الأم في إنجاب بنت ، أنواع الصداقة بين الأطفال ، أداء الواجبات المدرسية ، الفرق بين فتيات الأمس واليوم ، أوقات النوم ، النظافة ، احترام الوالدين ، الزواج بالأجنبية ...) . إنه يقدم لنا (( عالما إسلاميا )) جميلا وسليما ، حيث يقنعنا بتصرفات أفراده من خلال أفعال ، وأعمال أفراد هذه الأسرة ، التي تمثل شخصيات العالم الخارجي الواقعي بشكل صادق ، ومتماسك .

     لقد ناقش علي يحي معمر في ليالي السمر الاثنتي عشر على ألسنة أفراد الأسرة المسلمة جل قضايا التوحيد ، والفقه ، وأركان وأصول العقيدة ، والشريعة الإسلامية من منظور بعض أعلام الإباضية ، وسيد قطب ، وعدة فقهاء آخرين ، حيث جسد لنا طرائق العلم والجهل بها ، وقوة الإيمان ، والممارسة ، والصدق ، والتسامح ، والعقل ، وهو ما جعله يقوم بعبء تقديم (( أنموذج قصصي ديني  إصلاحي )) يبني ، ويطور ، ويغير ، ويهدي ، ويصل إلى شيئ يذكر .

   لقد خلق هذا المبدع المسلم (( جنسا أدبيا قصصيا )) متميزا نعبر عنه ب(( القصة الدينية الإصلاحية )) ، التي تتضح خصائصها بين طيات عمله المدروس بالارتكاز على بعض التقنيات ، والعناصر ، والموضوعات :

   1   _  الشخصيات ( أفراد الأسرة الثلاثة : الأب ، الأم ، الابن : نجيب )

     2 _   الأحداث (  أركان ، ومصادر الشريعة الإسلامية ، التوحيد ، الفقه ، اجتهادات بعض العلماء ...) .

   3    _   الزمان ( ليالي السمر : اثنتا عشرة ليلة ) .

   4    _   الحيز المكاني : منزل الأسرة بكل حجراته .

   5    _   اللغة الواصفة هي العربية الفصحى ، التي توظف لحوارات السمر ، وسرد الموضوعات المتنوعة .

   يسيطر على البنية السردية عند علي يحي معمر منطق الأشياء ذات النظام الدقيق ، والتسلسل الطبيعي ، وصحة التعليل ، واتساق الحركة ، وصدق المشاعر ، وقوة الارتباط بالدوافع ، والوظائف المحددة . لقد سخر الشخصيات الثلاث لإنجاز ، وخدمة الأحداث ، والوقائع ، والموضوعات الدينية المسرودة ، مما جعلها تخضع لطريقته ، وأسلوبه الخاص ، وتقنيات إجراءاته ، وتصوراته ، وفلسفته في الحياة . إنه يحركها من خلال حياتها اليومية ، ووجودها الطبيعي ، فيصف بعض ملامحها ، وتصرفاتها ، وسنها ، وعلاقاتها ، وأهوائها ، وآمالها ، وسعادتها ، وحزنها أثناء ليالي السمر المتواصلة ...

   لا تنفصم الشخصيات الرئيسية الثلاث المشكلة للقصة عن الأحداث الدينية المسرودة ، فالطرفان متلازمان ، ومترادفان  لبعضهما ، ولا نجد طغيان أحدهما على الآخر أثناء العمل السردي ، وهو ما يجعلها تلعب أدوارا متكافئة ، كما عند جل الكتاب المسلمين الذين ينتمون إلى هذا الاتجاه الأدبي القصصي . تسيطر على أفعال الشخصيات النزعة الدينية المشبعة بروح المساواة ، والتضامن ، والتكافل ، و الإيمان ، والرضا ، والتضحية  ...

     يراقب الكاتب / السارد شخصيات قصته ، إذ يعرف عنها مسبقا كل شيئ : علاقاتها بالأحداث ، والموضوعات الدينية ، والزمان ، والمكان ... إنه يوجه الأحداث ، والوقائع ، والموضوعات الدينية من الوراء إلى الأمام توجيها دقيقا يبرز درايته بموضوع الكتابة .

   يفضي بنا تحليل شخصيات ، وأحداث ، وموضوعات ( سمر أسرة مسلمة ) إلى الوقوف على بعض النتائج المهمة عند المتلقي الجامعي المستهلك للعمل :

      أ    _  القبول ، والاستحسان لشكل ، ومضمون العمل ، ولأسلوب عرضه الأدبي .

     ب    _  الولاء ، والحميمية بينه وبين لشخصيات القصة .

     يوازي علي يحي معمر بين أفعال الشخصيات ، ونوعية الموضوعات المطروحة للنقاش في سمر كل ليلة ، حيث يساوي بينها أثناء إدارة الحوار ، ودورها كأفراد ، والدلالات التي تبني شكل ، وتقنية اللغة القصصية الموظفة خلال الوصف ، والسرد ، والحوار ( 7 ) .

    يمنح المؤلف شخصيات إنجازه الأدبي الديني أدوارا متميزة ، ومتكافئة equivalente  ، إذ يوزع سلطانها على طول العمل ، مما يجعل مشاعرها متلاحمة ، وتفكيرها متسقا ، وحقوقها في الحياة طبيعية . إنه يختلف بهذه الطريقة في التعامل عن أنداده في العالم الإسلامي ، لأنه يركز على :

     1  _   تهذيب ملامحها.

     2  _   تلميع وجهها .

     3  _   إبراز جمالها ، وعقلها .

     4  _   مسايرتها لحقيقة الحياة الإسلامية .

    يؤدي هذا التوجه في (( الكتابة الأدبية القصصية الإسلامية )) الجديدة إلى تكليف الشخصيات بحمل رسالة message  ، ولعب دور في الحياة . إنه يؤسس علاقات شرعية بين أفراد الأسرة ، والمجتمع الإسلامي ، والثقافة الدينية ، ونظام العمل الصالح ، والسيئ  ، وفكرة الإنسان عن نفسه في الدنيا ، والآخرة .

   ترتبط الشخصيات بالواقع الإسلامي الحي ، حيث تتوق إلى العمل الصالح ، والتكاثف ، والتكامل فيما بينها ، وحب المعرفة الهادفة في الدنيا والآخرة ، مما يمنح هذا الاتجاه القصصي الديني الزعامة ، والانتشار نظرا لفائدته المعرفية ، والجمالية ، والأخلاقية ، والعملية في حياتنا الإسلامية المعاصرة . إنه يمنح المتلقي receiver   الجامعي المستهلك للعمل لذة فنية هائلة تجعله يعشق عمل الشخصيات ، ويتابع تصرفاتها القويمة لأنها تجسد مظاهر الحياة اليومية للفرد المسلم ، وإيمانه بأصول ، ومكونات الشريعة الإسلامية ، والتوحيد ، والفقه ، والقيم الإنسانية كالحرية ، والتقدير ، والحب ، والتكاثف ، والسعادة ، والنبل ، والسمو ، واحترام العلم والعلماء ، والفناء ، والخلافة في الأرض ، والغاية من الحياة ...

     يبرز لنا علي يحي معمر القيمة الدينية ، والحضارية للموضوعات التي يناقشها أفراد الأسرة المسلمة في سمر كل ليلة قبل إبرازه لقيمتها الأدبية القصصية ، وهو ما يجعل (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للعمل يتلذذ بقيمها الراقية . مع العلم بأن الكاتب يتخيل الحوارات بين أفراد الأسرة ، ويضبطها وفقا للأحداث ، والموضوعات المطروحة.

   يمنح هذا المتلقي الشخصيات وجودا حيا في ذهنه من خلال رسمه لمحيطها ، ووجودها ، وتصرفاتها ، التي ترتبط ب(( منظومة عقائدية )) تعشش بين ظهرانيه بكل أبعادها ( 8 ) .

    تصف الشخصيات الثلاث الواقع الديني لأفراد الأسرة ، إذ أنها تعكس القيم الإسلامية ، والآمال ، والتطلعات ، دون أي نشاز ، أو خداع ، أو عزلة ، أو انقطاع عن قيم المجتمع المحيط . إنها تمثل كونا  universe منظما ، سويا ، يلتحم بالحياة ، والأحداث ، وموضوعات السمر في كل ليلة ، كما أنها تجسد تراثا من العطاء الإسلامي الصادق ، الذي يتبلور من خلال الأسلوب الأدبي للكاتب ، وثقافته ، وشخصيته .

    تعري هذه الشخصيات طرفا كبيرا من نفسية الفرد المسلم ، وكينونته ، التي يتم الكشف عنها من خلال حوارات السمر ، والاتصالات الثقافية بالموضوعات المطروحة . إنها تساهم في تحديد القضايا السردية المشكلة للعمل بأكمله ، التي يجهلها (( المتلقي الجامعي)) المستهلك للعمل ، خاصة عندما يمنحها الكاتب أدوارا مختلفة أثناء حوارات السمر ، وهو ما يجعلها في وضع ممتاز . لذلك فإن تنوع أدوارها أثناء هذه الحوارات يجعلها تقف على النقص ، أو الجهل ، وعدم التعمق في الموضوعات الدينية المعروضة عند أفراد المجتمع الإسلامي .

    يقتنع (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للعمل بعد اطلاعه على ( سمر أسرة مسلمة ) بأن شخصياتها تمثله على نحو ما ، إذ يرى فيها نفسه بطريقة ما . إنها شخصيات تملك امتيازات فنية ، لأنها تقارب قدراته العقلية ، والنفسية ، وترسم بعض ملامحه أثناء معالجة ، وتفسير القضايا الدينية المطروحة في سمر الليالي الاثنتي عشر . تتماسك العلاقات العاطفية، والاجتماعية ، والفكرية     

، وتغيب الفوارق بينها ، مما يجعلها تشكل (( نوعا موحدا من الشخصيات )) ، أو نمطا خاصا .

   يمكن تحديد الشخصيات المحورية الثلاث ( الأب ، الأم ، الابن : نجيب ) ، التي تتحكم في تقنيات السرد القصصي داخل العمل بأكمله من منظور اجتماعي ، فهي تنتمي إلى طبقة متوسطة الحال ، لكنها ترسم نفسيا سمات أفراد مسلمين يعيشون في حب ، وسعادة ، ووئام ، وقناعة ، وطهارة الفؤاد ، والمعتقد... يمثل هذا التحديد حقيقة فعلية ، وواقعية لأنه يرتبط بأوضاع أفراد المجتمع الإسلامي ، والمتلقي (( الضمني )) ، أو المفترض الذي يوجه إليه هذا العمل ، كما أنه تحديد يعانق عدة قيم إسلامية ثابتة ، وأصيلة أفرزتها حوارات السمر ، ومناقشة الموضوعات الدينية المختلفة .

   إن طريقة (( الكتابة القصصية )) الجديدة عند علي يحي معمر تعلن عن ميلاد الشخصيات ضمن الإنتاجات الأدبية ، الدينية ، الإسلامية . تعانق هذه الشخصيات خطاباتنا اللغوية ، ونصوصنا الدينية الإسلامية اليومية ، لأننا نعقد بيننا وبينها عدة اتفاقات ، وعلاقات جمالية esthetic  وعاطفية ، كما أنها تخلق مجموعة من الشفرات ، والرموز ، والعينات غير المتناهية بين ظهرانينا  ( 9 ) . إننا نتغذى ، ونقوِم ، ونطور ، أو نغير خطاباتنا اللغوية ، ونصوصنا اليومية بالاعتماد على حواراتها في ليالي السمر .  

   إن معالجة المؤلف للقضايا التي طرحها على لسان أفراد هذه (( الأسرة المسلمة )) يجعل إنجازه ينحو منحى تداوليا pragmatic  ، نافعا  ، لأن الشخصيات تساهم في بناء العمل السردي بشكل جيد ، خاصة على المستوى اللغوي ، و الضبط الجيد للقضايا السردية المشكلة للنص القصصي .

   ثانيا ) الضمائر الموظفة في العمل

     يوظف علي يحي معمر عدة ضمائر لبناء حوارات قصته الدينية : الضمير المنفصل ( أنا ) الخاص بالمتكلم ، و ( تاء الفاعل ) المتصلة بالفعل الماضي ، و( ياء المتكلم ) ، والضمير المنفصل ( نحن ) ، أو ( نا ) الدالة على الفاعلين:

   أ   _ قالت الأم : أنا على يقين _ لو أني رزقت بنتا _ أن أباك لن يهتم مطلقا بملاحظة نموها وانتقالها في مراحل العمر ، كما كنت ألاحظك أنا ...( ص  ( 17.

   ب  _  لقد عجبت من أمي يا أبي فقد كنت أحسب أنها تحفظ عقيدة التوحيد ... ( ص 80 ) .

   ت  _ هل يبرأ من يرتكب الكبيرة يا أبي ...؟ إن الناس مختلفون يا ولدي ( ص 93 ) .

   ث  _  قد يشغلك عن مشاركتنا ... ( ص 100 ).

   ج  _   قد يسبب لك تعبا أكثر ونحن نطلب راحتك  (  ص 100 ) .

      تركز هذه الصيغ اللغوية على ذات الكاتب / السارد ، وتعري خلجات النفس ، ودواخلها  ، وتحقق حميمية ، وبساطة واضحة . يستعمل المؤلف

أيضا ضميري المخاطب ، والمخاطبة ( أنت / أنتِ ) ، و ( كاف الخطاب ) , وضمير المثنى ( أنتما ) لمحاورة المذكر ، والمؤنث ( نجيب + أمه ) ، وهو ما يخلق تدفقا سرديا هائلا :

    أ   _  في أسمارنا الماضية ذكرت الناسي ، وأنت تتحدث عن المنكر والمستحيل ...( ص 100 ) .

    ب  _ قال الأب : إن ما تقولين يا أم نجيب صحيح ...(  ص 31 ) .

    ت  _   لقد أحسنت أمك يا نجيب فيما قالته لك فهل لك أن تعود إلى الموضوع ؟ ( ص 96 ) .

    ث  _ قالت الزوجة : إني على استعداد لإحضار كل ما تطلبان .. فأنتما لا تزالان في عيدي نجيب ولدي الحبيب ( ص  22) .

    ج  _ قالت الأم : أنتما يا ولدي تتحدثان عما يدفع الإنسان إلى الإيمان بالخالق الأعظم .

      يملك ضمير المتكلم عدة وظائف من بينها وظيفة فقه اللغة philological   التي تتعقب التغيرات الطارئة على مضمون القصة الدينية لتحكم عليها ، كما

أنه يقدم حلا حقيقيا ، وشعريا لإشكاليات التقنيات السردية المشكلة للقصة الدينية .    يوظف المبدع كذلك ضميري الغائب ، والغائبة ( هو / هي ) ، أو ( الهاء ) لمنح اللغة العربية الموظفة موضوعية حقيقية ، وبلورة السيرة الذاتية ، وتقوية تقنيات الإبداع القصصي الديني ، الذي يجسد تجارب وآراء الكاتب / السارد .

   أ    _ قال الأب : أما الذي يعمد إلى إنسان آمن فيقتله فقد حكم الله عليه بالقتل ( ص 97 ) .

   ب   _ قالت الأم : إن شارب الخمر أراد أن يفر من واقع الحياة بشعوره وإحساسه فيجعل الله عقوبته أن يجلد حتى يحس الألم ويشعر به  ( ص 98 ) .

   ت   _  قال الأب : إن لهذه الكلمات معاني لغوية ولها معاني شرعية . أما معانيها اللغوية فمختلفة وأما معانيها الشرعية فمتفقة .

    يستعمل المبدع ضمير المتكلم للتعبير الدقيق عن الخفايا ، وتعرية الطوايا بكل صدق ، وبساطة ، ودفق ، وفيض (   10) ، مما يجسد وجهة نظره الخاصة . إنه يتموقع في حاضر الحدث الديني  religious event   ، ويتحكم في مجرياته تحكما شديدا (   11) .

   تتلازم الضمائر في ( سمر أسرة مسلمة ) لنسج خيوط قصة غنائيةlyrical story   مباشرة ، أو غير مباشرة (   12) . إن كل ضمير يناسب حالة سردية معينة نظرا لخصائصه الفنية ، والشعرية ، والتقنية المتميزة ( 13 ) .

   يقدم لنا علي يحي معمر (( وعيا ذاتيا )) لشخصية السارد من خلال استعماله لضمير المتكلم داخل الحوارات ، وطريقة السرد القصصي العام للأحداث ، والموضوعات الدينية المطروحة أثناء ليالي السمر ، وهو ما يجعل منه عنصرا سرديا مندمجا مع العناصر الأخرى . إنه يقتحم عن طريقه العالم الموجود بين الأحداث ، والموضوعات المسرودة ، و عالم (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للقصة . يمثل السارد هنا قوة وسيطة ، ومحولة للوقائع ، لكنها لا تملك أي طابع شخصي جانح (  14 ) .

    ترتبط شخصيات ( سمر أسرة مسلمة ) بحيز جغرافي ليبي يمثل مسرح أحداث ليالي السمر ، وموضوعاته الدينية ، إذ تتم المقابلة بين الواقع ، والخيال ،  

والجغرافيا المحلية ، والتاريخ كزمن حي ، وزمن القصة ، وهو ما يخلق لحمة بين مكونات البناء السردي المشكل للعمل بأكمله ، والسارد ، و(( المتلقي الجامعي )).  

   يمنح المؤلف الشخصيات المحورية الثلاث ( 15 ) في القصة وظائف محددة ، لاستمالة المتلقي ، وإقناعه بفلسفته في الحياة ، وحتى يهتدي بسهولة إلى مقاصده بعد قراءة العمل . تمثل هذه الشخصيات بؤرة focus   هذا الإنتاج القصصي ومركزه ، فهي التي تحرك اللغة العربية الفصحى المستعملة ، وتنشط حوارات السمر ، وتصف الموضوعات الدينية ، وتفسرها دون أي تدخل من الكاتب.

   يدفع الأب /  بطل القصة زوجه ( 16 )  وابنه ( نجيب ) إلى المساهمة بشكل جوهري في إنجاز الأحداث ، والموضوعات ، حيث يتم تنشيط حوارات السمر لكي تعبر بوضوح عن مختلف سلوكهما ، وعواطفهما ، ومعارفهما ، وآرائهما ، ونقصهما ، أو جهلهما ببعض الأمور . إنه يقوم بهذا العمل أثناء المحاورة ، وتفسير الموضوعات الدينية ، فيرسم حبكة القصة ، وعقدتها باستغلاله لعدة قيم ، ومظاهر متنوعة : استقامة شخصية الأم والابن ، حبهما المتبادل ، قصدهما الصادق ، عملهما الجيد ، سريرتهما الصافية ، إيمانهما القوي ، ارتباطهما بالوجود عن طريق الحركة في المنزل ، التفاعل مع المحيط الداخلي ، والخارجي ، وهو ما يمنح هذا العمل الديني معنى جديدا نظرا لتكيفه مع صيرورة الزمن .

    تتحكم الشخصيات في المكونات السردية للعمل ، إذ أنها تقوم بتحويل اللغة العربية الفصحى المستعملة إلى سمات ناطقة تظهر مسبوكة cohesion   التراكيب ، ومحبوكة  coherence الدلالات ، ومفعمة بالحياة ، والجمال ، كما أنها تصاحب الأحداث بشكل متلازم ، ومترابط لأنها هي التي تصنعها ، وتحركها ، وتقوم باستغلال الفضاء الزمكاني للقصة ، وتنشيطه نظرا لعيشها بين ظهرانيه ، مما يمنحها توهجا ، وعنفوانا ، وازدهارا في هذا المجال الأدبي الديني .   

    إن تقنيات السرد التي يوظفها علي يحي معمر في هذا العمل تمنح الشخصيات طابع الثبات ، والاستقرار ، والإيجابية ، والحيوية ، والصدق في الفعل ، والعمل ، والعلاقات ، والإيمان ، والتضامن ، والسكينة ، والقصد الواضح ، والقيمة الاجتماعية ، والتصوير الجيد لواقع الحياة الإسلامية ، والبناء المرصوص للعمليات السردية الأخرى .   

   ثالثا )  االلغة العربية الواصفة للعمل

       تمثل اللغة العربية الواصفة metalanguage   لهذا الإنتاج الأدبي الديني منبع فكر ، وخيال ، وعواطف الكاتب ، وأساس معرفته ، ووجوده الحقيقي ، إذ يكيفها مع طريقته ، وينقلها إلى (( حالات قصصية دينية )) لتؤدي وظائفها الاتصالية الكاملة من خلال عناصر واضحة :

 

      يظهر المستوى الثقافي ، والأخلاقي ، والاجتماعي لعلي يحي معمر من خلال (( المعجم القصصي الديني )) الذي يوظفه ، حيث يتجلى الرقي الحضاري والرصانة ، والوضوح من خلال استعمال الكلمات ، وسلاسة الأسلوب الشخصي ،     مما يبرز قوة التراكيب ، والدلالات ، والمقامات التداولية pragmatic   ، وسحرها ، ورقيها :

           أ    _  قال الأب : إن الطفل لا يزال ينمو ...ينمو عقله ، وينمو جسمه ، حتى تظهر عليه علامة من علامات الرجولة ...( ص 15 ) .

           ب   _    قالت الأم : لقد اعترف أبوك في حديثه السابق إليك بأنه يكل إلي جانبا عظيما من ملاحظاتك والعناية بك ( ص 17 ) .

           ت   _    قال الولد ، وهو يرنو إلى أمه في حب وحنان : حسنا يا أماه إنني سوف أشتري غدا مذكرة ثم أسجل جميع أعمالي اليومية ( ص 21 ) .

           ث   _    قال الأب مستغربا سلوك زوجته التي قطعت عنه حديثه : أتستكثرين علينا ساعة زمان نأوي فيها إلى ربنا ونتحدث بنعمته يا أم نجيب ؟ ( ص 31 ) .  

          ج    _  قالت الأم : إن الأحكام التي تتعلق بالدماء لا يقوم بها الأفراد ، وإنما قوم بها الدولة المسلمة المحافظة على دين الله ( ص 41  ) .

          ح    _   قال نجيب : هل كانت البنت يا أماه تتعلم كما يتعلم الطفل في زمن جدتي ؟ ( ص 53 ) .

          خ    _   قال الأب : ولا بد أن تكون قد عرفت أسماء كثيرا من الكفار والمشركين والمنافقين . إما من القرآن الكريم ، أو من أحاديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو من أخبار العدول من المسلمين ( ص 63  ) .

           د    _   قالت الأم : نعم يا ولدي كمن يزعم أن الزكاة أو الصوم أو الحج غير واجب ومن يهمل القيام بها في وقتها المضيق ( ص 75 )

           ذ    _   قال نجيب : فماذا أسجل ؟ ( ص 145 ) .

      يستعمل المتكلم / السارد لغة عربية فصحى تتناسب مع مستوى ثقافة المتحاورين داخل القصة ، حيث يوازن بين المعاني ، ويصوغها تبعا لإدراكهم ، وحاجاتهم ، كما يراعي السياقات ، والمقامات ، وأنواع الخطاب ، والتلفظ ، والمتلقي ... إنه يوظف لغة عربية فصحى مفهومة نظرا لابتعادها عن الغلو والإسفاف ، ومراعاتها لعالم المتلقي بكل سماته الخاصة .

     يستعمل المبدع لغة سردية سليمة ، ومهذبة لبناء عناصر حوارات السمر كل ليلة ، ومعالجة الموضوعات الدينية المختلفة ، كما أنه يوظفها لتحديد ملامح شخصية الأب ، والأم ، والابن ، والأحداث ،  والفضاء الزمكاني ، ورؤيته الخاصة.

     نجد تماثلا assimilation   بين مستوى لغة السرد ، ومستوى لغة الحوار عند الكاتب ، فهما ينتميان للدرجة نفسها ، حيث يستعمل الكاتب في حوارات سمر الليالي الاثنتي عشر لغة عربية فصحى واضحة ، وسليمة تساعد الشخصيات المحورية الثلاث على التعبير عن أفكارها ، ومشاعرها  بكل حرية ، وطلاقة ، مما يجعل هذا اللسان مفهوما ، واتفاقيا conventional ، وسريع الانتشار على مستوى التلقي .

    يعانق (( المتلقي الجامعي )) المستهلك هذه القصة عن طريق السرد النصي الذي يقدمه المؤلف ، فإذا وصل إلى الحوار تابعه بشغف نظرا لسهولته ، وقبوله لمستواه الأدبي السليم ، ثم يتعقب لغة السرد التالي بنفس الشغف . تقل هذه الظاهرة عند بعض الكتاب المسلمين المعاصرين نظرا لقوة لغة السرد ، وضعف لغة الحوار ، وعدم التكافؤ بينهما .

     يستعمل المبدع هنا لغة عربية فصحى يفهمها المتلقي الجامعي جيدا ، لأن المؤلف يدرجه في الحسبان ، ويحترمه بشكل كبير ، ويخدم مصالحه عن طريق التوعية ، والمشاركة ، والتضامن ، والإيضاح ، وهو ما يمنحه معارف وأخلاقيات جديدة تجعله يرتقي حضاريا في القول والفعل .

     إن توظيف الكاتب لمستوى اللغة العربية الفصحى يجعله يؤدي (( رسالة حضارية )) معينة ، تطرح قضية التمسك بهذا اللسان . إنه موقف صريح لعلي يحي معمر  من مستوى (( لغة الكتابة القصصية )) العربية . لذلك فهو يبتعد عن التحيز الساذج للغة العامية ، التي تسيطر حاليا على أغلب الحوارات القصصية العربية .

    يفضل المؤلف وصف وتحليل القضايا الدينية ، والفكرية ، والاجتماعية باستعمال اللسان الفصيح بدل اللسان العامي ، الذي يتم استغلاله في بعض الكتابات القصصية العربية ببشاعة ، وإفراط كبير .

    يطوع علي يحي معمر اللغة العربية الفصحى لكي تعبر عن حياة شخصياته ، وأحداث السمر ، والقضايا الدينية المتنوعة ، وذلك باستعمال ألفاظ مفهومة ، ومتينة ، وذات حس لغوي لطيف يراعي القواعد ، والأساليب ، والصور البلاغة المقبولة ، و يبني عالما متميزا ، مما يدل على قوة خبرة المبدع ، و أصالة ملكته   competence   اللسانية .

    تقوم اللغة العربية الفصحى الموظفة في هذا العمل بنشاط داخلي ووظائف فعالة تمنحها نضارة ، وإشراقا ، وصفاء ، وذوقا مصقولا ، وقيما لا تضاهى . يطبق الكاتب في هذا المستوى نحو النص   text grammar    القصصي ، ويتبع قياسات ، وقواعد اللسان العربي الاتفاقي conventional عبر كل مراحل السرد ، وحوارات السمر ، وهو ما يسهل الانتقال من المستوى المعجمي ، والدلالي الميكانيكي إلى المستوى الانزياحي ، الذي يمنح اللغة المستعملة معاني جديدة ، وحية ، وسعة دلالية .  

     يوظف الكاتب المستوى اللغوي العربي الفصيح عبر كل فقرات عمله باعتباره كائنا اجتماعيا ، وحضاريا ينمو ، ويتطور تبعا لتطور ، ونمو شخصيات ، وأحداث العمل ، وحوارات السمر ، والقضايا الدينية المطروحة ، كما يساهم أيضا في نمو ، وتطور هذا المستوى اللغوي (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للإنتاج نظرا لأنه يعد بالنسبة إليه أساس الخطاب الأدبي القصصي ، ونسيجه الكلي ، وجوهر نشاطه ، وتفاعله أثناء عملية التلقي .

    يوظف علي يحي معمر المستوى اللغوي العربي الفصيح بالاعتماد على نسق محكم العلاقات والوظائف ، التي تجسدها بنى صوتية ، وصرفية ، وتركيبية ،  ومعجمية ، ودلالية متماسكة .

      تحدث عدة انزياحات أثناء السرد القصصي ، وحوارات السمر ، وعرض القضايا الدينية المتنوعة ، حيث يرافقها القلق ، والتوجس ، والتحول ، والتغير ، والتحفز ، وزعزعة الدلالات ، وهو ما يبرز قدرة الكاتب على خلق المعاني الجديدة ، والبنى الفنية ، وتحريك الشخصيات ، والأحداث ، ووصف الفضاء الزمكاني من خلالها .

    يراعي المؤلف مستوى (( المتلقي الجامعي )) المفترض ، من خلال تقديم (( جانب تعليمي )) ، و (( وظيفة تنويرية )) لخدمة المجتمع الإسلامي غايتها الهداية ، والتهذيب  . يعتمد هذا المستوى اللغوي على طابع أدبي ، سليم ، قوي ، متطور ، شعري ، حديث ، مكثف ، موحي ... كما أنه يقوم على  جمل قصيرة ، مفهومة تخدم (( المتلقي الجامعي )) حسب مستواه الثقافي . يختار الكاتب ألفاظه بكل صدق ، ويسر ليجعلها محببة إلى النفوس ، متصلة بالأذهان ، والعقول ، تهش إليها الأسماع ، وترتاح لها القلوب . يلقيها السارد بسهولة ، فينتشر استعمالها ، وتصبح محورية في كل العلاقات والوظائف .

    يكسو علي يحي معمر المفردات المنثورة ، والألفاظ العربية الفصحى المعزولة حللا قشيبة ، مما يجعل منه أديبا حقيقيا ، وغنيا ، وفنانا يحسن التصرف أثناء العمل ، والتعامل مع شخصياته ، ومتلقيه ، الذين يقبلون على القصة بشغف نظرا لنظامها المتسق ، والمتناغم العلاقات والوظائف ، والنسيج السردي البديع ، والحوارات الباهرة ، والساحرة .

    إن حسن تحكم المؤلف في لغته الأدبية الفصحى يجعل (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للإنتاج يشعر بانعدام  وجود أي خلل في نسيج نصوص العمل بأسره نظرا لسيطرة مستوى فني عام ، وبنى كبيرة تسير في ركابها بنى صغيرة مختلفة ، لكنها متماسكة تركيبيا ، ودلاليا . إنه يبني مستوى لغويا فصيحا متكامل العناصر ، والمساحات ، والنقاء ، والتنسيق ، والرقي ، والتعبير الجيد عن المشاعر الرقيقة ، والإحساسات اللطيفة ، والمعاني العميقة ، والأفكار الرفيعة عند شخصياته المحورية الثلاث ، وهو ما يمنحه التأنق ، والتألق ، والبراعة .         

    يؤدي حسن تحكم الكاتب في هذا المستوى اللغوي العربي إلى حصول ترابط كبير بين عناصر العمل ، مما يجعل (( المتلقي الجامعي )) المستهلك للعمل لا يحس بأي انفصال ، أو اختلاف نظرا للتلاحم الموجود بين التراكيب ، والدلالات ذات النسيج اللغوي الرائع ، الذي يشبه بناؤه تناسق الألوان ، التي يشكلها فنان موهوب ، وشخص يتحدى الظروف ، والوقع ليثبت طاقاته الخلاقة .

   يظهر لنا هذا العمل قوة البناء اللغوي عند علي يحي معمر ، وحسن حياكته ، وتعقبه للألفاظ الدينية الجميلة دون أية معاناة ، أو تكلف نظرا لامتلاكه ناصيتها ، وتطويعها ، إذ أنها تأتيه خاضعة بكل حب متبادل ، وكثافة ليوظفها بكل صدق ، فتستسلم له ، وتهل عليه مشرقة ، وقوية الحضور، مما يمنح عمله بروزا ، وشيوعا نظرا لعناصره الفنية المتنوعة .

   يعانق (( المتلقي الجامعي )) أثناء متابعته لهذا العمل جنسا أدبيا متلاحما ، وعميقا ، ورفيع النسج اللغوي ، لأن بناءه اللساني الفني يقدمه كاتب متمكن ، من تخصصه ، ويحسن التصرف في أساليبه . إنه يتمتع بجمال هذا النسيج المحبوك . وينسجم معه نظرا لاستقباله لصيغ لغوية متماسكة ، تتزمل بحلل قشيبة ، ومثيرة .

    يظهر الكاتب من خلال عمله اللغوي أنه شخص مقتدر ، ومحنك ، يحيك سداه بشكل متميز ، وعميق الأثر ، حيث يستعمل ألفاظا دينية رصينة ، ومتماسكة صوتيا ، وصرفيا ، وتركيبيا ، ومعجميا ، ودلاليا ، ومقاميا رغم اختلاف السياقات ، و فضاءات الكون الخطابي discourse universe   . لا يشعر (( المتلقي الجامعي )) بوجود اختلافات ، أو أي ضعف ، أو خلل ، لأن هذا العمل يشبه عسل الشهد الذي يمزج بالزبد الطري ، إذ يسوده ذوق واحد يكون مرصوص البنيان (17   ) . لذلك فهو يحس أنه يتلقى جنسا أدبيا رفيعا تؤثثه لغة عربية فصحى جميلة ، وساحرة بمختلف تجليات تشكيلها  ، وفعلها ، وتفاعلها ، وخلقها للوحات دينية ، وعائلية ، وثقافية لافتة للنظر . يشم (( المتلقي الجامعي ))عطر اللغة العربية الفصحى بين السطور ، بل وكأنه يتلذذ برضاب بين الألفاظ ، أو كأنه يرشف شهدا بين الجمل ) 18 ) .

    يبرز الحضور القوي لمستوى اللغة العربية الفصحى عند المؤلف سحر عمله ، وقوة التلاحم الحاصل بين الجانب الفني ، والجانب الأدبي . يمثل هذا المستوى العمود الفقري لبنية العمل في بعده الجمالي ، والدلالي.

     إن توظيف علي يحي معمر للغة العربية على المستوى السردي يبرز اطلاعه على آراء النقاد العرب في هذا المجال ، وهو ما دفعه إلى استعمال لغة جميلة ، وسليمة ، ومتماسكة على المستوى الأدبي ، والشعري ، والسردي ، الأمر الذي يمنحها رواجا ، و(( شعبية )) بين أوساط المتلقين الجامعيين نظرا لأنهم يعدون من صفوة المجتمع ، التي تتميز بالمستوى الثقافي الجيد ، والوعي الكبير ، والفهم العميق ، والجدال الكثير ، كما أنها تشترط توفر لسان راق داخل العمل المقروء ، وليس لسانا عاميا ، أو سوقيا .

 رابعا ) حوارات ليالي السمر :

      إن انتشار الحوارات بين طيات ( سمر أسرة مسلمة ) يكاد يدرجها في خانة الأعمال المسرحية التقليدية ، التي يتميز بسمات خاصة في البناء ، واللغة الواصفة ، ورسم ملامح الشخصيات ، والأحداث ، والموضوعات ، والأحياز الزمكانية ، ورؤية الكاتب ، والأهواء ، والعواطف ...

    تتم هذه الحوارات بين الشخصيات في كل ليلة سمر ، حيث تظهر متميزة الأشكال ، ومحددة المواقع اللغوية داخل العمل . يعرض الكاتب هذه الحوارات بشكل مقتضب ، ومكثف ، مما يبعد عمله عن الطابع المسرحي ، إذ أن السارد يتعامل هنا مع ثلاث شخصيات متحاورة من خلال تحليل موجز ، ولغة جميلة ، ومحددة ، وهادفة.

    يجري الكاتب حوارات السمر بين الشخصيات باللغة العربية الفصحى ، التي تملك حركة ، وحيوية لافتة ، وحقيقة فعلية ، وصدقا كبيرا لا يبعدها عن لغة السرد القصصي ، ولا يحدث فيها أي نشاز ، إذ يتم الانسجام بين الأشكال ، والصيغ المتنوعة .

     يبني علي يحي معمر الحوارات بذكاء ، واقتضاب ، وخبرة مبدع محترف . إن تحكمه في كمية ، أو نسبة الحوار في هذا العمل يدل على حسن تعامله مع الموضوعات الدينية الصعبة ، وأسئلة (( أفراد الأسرة المسلمة )) في كل ليلة سمر ، وكذلك الوصف ، والتحليل المركزين على عواطفهم ، وأفكارهم . إنه يحرك الشخصيات بتوظيف الكلام العربي الفصيح ، القويم ، والهادف ، كما أنه يبث هذه الحوارات المقتضبة إلى (( المتلقي الجامعي )) بصدق ، وصراحة ، مما يدل على خبرته ، ووعيه الفني الكبير ، الذي يساهم في تطوير الشكل اللغوي ، العربي ، الفصيح ، فلا يوجد طغيان للغة حوارات السمر على لغة السرد القصصي ، أو العكس ، بل يحدث بينهما تكافؤ ، وتلازم ، مما يبعد تفكير المتلقين عن الطابع المسرحي ، فينغمسون في قراءة هذه القصة الدينية ، الإصلاحية ، المتميزة السمات .  

     تعبر حوارات السمر عن جوانب مهمة من نفسيات الشخصيات ، لأنها ترسم قدرا كبيرا من مستواها الثقافي ، والعلمي ، وكذلك مدى رقيها الأخلاقي ، ورصانة (( معجمها اللغوي )) .   

   خامسا ) الحيز الزمكاني

      يحرك علي يحي معمر الشخصيات داخل حيز واحد هو منزل الأسرة المسلمة . يساهم هذا الحيز في تنمية مشاعر أفراد الأسرة ، وأفكارها ، ويبلور مختلف آرائها . إنه مكان يملك مظهرا خلفيا غير مباشر يتجلى في استعمال أدوات لسانية جديدة تربطه أحياز أخرى : المدرسة ، الحفلة ، الحدائق ، الموقد ، البيت ، البر ، البحر ، الأرض ، السماوات ، الشرفة ، الرياض ، العالم ، مكتبة ، حجرة ، موقد النار ، الأسواق ، الجنة ، النار ، مثوى ، مجلس ، متجر ، الطريق ، الدنيا ، الآخرة ... كما تجسد هذا الحيز أيضا أفعال معينة مثل قام ، جلس ، دخل ، ذهب ، اتجه ، وصل ، وقف ، نهض ، انصرف ...

     تحيل هذه الأسماء ، والأفعال على عوالم رحبة ، ومفتوحة يتم فيها القيام ، والجلوس ، والدخول ، والذهاب ، والتوجه  ، والوصول ، والوقوف ، والنهوض ، والانصراف ضمن سياق القصة الدينية ، وبمعية وسائل مشكلة للحدث الزمني داخل حيز محدد ، ينتقل بين الامتلاء ، والفراغ ، والإقامة ، والرحيل ، والرؤية ، والغياب ، والتعقل ، والبله ، والخصب ، والجدب ...

    يولِد كل حيز عند المؤلف حيزا مثله ، أو أكبر منه ، وهو ما يخلق (( نشاط الأحياز )) ، التي تبني تقنيات السرد داخل العمل ( الشخصيات ، الأحداث ، الزمان اللغة ، أيديولوجيا الكاتب ... ) ، التي ترتبط به عضويا . 

    لا يركز المبدع كثيرا على تفاصيل المكان نظرا لالتحامه بحيز الزمان ، وعملهما المتلازم ، والمتماسك في إطار العمل السردي ، فهما يتجليان بجماليتهما المتكاملة التي تعتمد على ثقافته وخبرته ، حيث يقدم (( للمتلقي الجامعي )) أمورا واضحة تساعده على حسن الفهم ، والتأويل . لذلك فهو يحرك الشخصيات الثلاث داخل حيز البيت ، لكنه يمنحها حرية هادفة ، وفعالة نظرا لأنها تتوخى التعامل مع أحياز أخرى من أجل التوعية ، والإصلاح ، والهداية .

    يساعد هذا الحيز المفتوح علي يحي معمر على توظيف الخيال ، والتناص intertextuality  ( 19 ) ، وجمالية التلقي لتتعاظم القيمة الأدبية ، والمعارف الدينية ، المتنوعة ، الموظفة في هذا لعمل .

    تتجاوز هنا معرفة الكاتب / السارد معرفة الشخصيات من خلال رسمه لسمات شخصية الأب ، المتميزة بثقافتها الكبيرة ، وتبحرها الواسع ، وإيمانها بالقضاء والقدر عن طريق عدة حوارات ، ومواقف . إنه يمارس سلوكا (( وسطا )) تتجلى جماليته أثناء وصفه للحيز المكاني ، واستغلاله لعمليات الإيحاء ، والتكثيف ، والاختصار ليكمل (( المتلقي الجامعي )) بعد ذلك بقية العمل ، وهو ما يشكل بشكل تام جمالية (( ليالي السمر )) ، ويحقق التضافر بين الكاتب ، و (( المتلقي الجامعي ))  .

      يقدم المؤلف معلومات واضحة ، وكافية لهذا المتلقي عن الحيز المكاني للقصة ، إذ يصوره بشكل واضح ، ومقتضب يجعل المتلقي يستأنس به ، فينشط خياله ، ويبدع أفكارا جميلة عند التأويل . تتحرك الشخصيات داخل هذا الفضاء الذي يرسمه الكاتب من أجل غاية تحدد سلفا (20 )

    يساعد مستوى اللغة العربية الفصحى علي يحي معمر على الربط بين عناصر الحيز المكاني بشكل رفيع النسج ، والسلاسة ، والوعي الفني المتميز ، مما جعله ينقاد وراء التسلسل المنطقي للزمن ، الطبيعي المحبذ ، والمستملح (21  ) .

   ترتكز ملامح الحيز المكاني في العمل المدروس على الاعتبارات التالية :

        1    _  رسم الحيز المكاني المركزي لحوارات الشخصيات من خلال معالمه العامة . 

         2   _   رسم الأحياز الجزئية تبعا لنفسيات الشخصيات الثلاث ، وتنقلاتها ، وطرائق ورود أسماء الأماكن المختلفة بين ثنايا حوارات سمرها .

    تجسد هذه الطريقة في تحديد الحيزين السابقين صدق الكاتب مع نفسه ، ومع

معتقده ، ومع متلقيه الجامعيين ، كما أنه يجعل من هذا الحيز مكانا صحيحا ، ودقيقا ، وخلاقا ، وواقعيا ، وشرعيا ، ووثيق الصلة بالقصة . يتابع المتلقي الجامعي خيال الكاتب / السارد ، وسائر تنقلاته ، ويتحرك خلفه داخل الحيز نفسه ، وكأنه يسكن إحدى حجرات المنزل ، وهو ما يمنحه إحساسا ساحرا بمحيطه ، وحالته الشعرية ( 22 ) .

   يركز (( المتلقي الجامعي )) بعد قراءته لهذا العمل على أمرين محوريين :

    أ    _   الحيز المكاني للقصة .

    ب   _   الشخصيات الثلاث ، وتفاعلاتها مع نسيج اللغة العربية الفصحى المستعملة ، وسائر الأحداث ، والموضوعات المطروحة أثناء حوارات السمر ، والزمن الحي في القصة .

    تجري الحوارات المحركة للأحداث ، والموضوعات الدينية المتنوعة داخل حيز يمثله منزل الأسرة المسلمة بمختلف حجراته ، وتأثيراته الجمالية ، وتوظيفه من أجل غاية واضحة عند الكاتب . إنه يركز على التصوير الحسي البصري ، الذي يحرك خياله ، وحلمه ، كما أنه يتصرف جيدا أثناء بنائه مع أبعاده الجغرافية ، فيمنحه امتدادا ، وانفتاحا فكريا بشكل احترافي ، بارع ، ومتأنق

   يمنح الكاتب / السارد حيز منزل الأسرة المسلمة إطارا ماديا يجعله يساهم في بناء العمليات السردية ( الشخصيات ،  الأحداث ، اللغة العربية الفصحى ، الزمان ، الحوارات ، الرؤية ... ) ، حيث يشير أحيانا إلى حجراته ، وقاعاته ، وأهواء ، وهواجس ، ونوازع ، وعواطف ، وآمال ، ومعتقدات الشخصيات الثلاث ، فلا يخرجها عن مساحته ، بل يجعلها تتفاعل معه بعمق .

    يتجلى الحيز المكاني في هذا العمل عن طريق الوصف ، والمشاهدة ، والتمثل ، والمتابعة ، والتأمل ، والمعايشة ، والاستكشاف ، والاستنباط ، والموهبة التي تخلق أدبا قصصيا متميزا ( 23 ) بناء على قدرة الكاتب ، وخياله الخصب ، الذي

يمنحه (( الشرعية الجغرافية )) ، والفنية الراقية .

    ترتكز العمليات السردية عند المؤلف على الوعي بالحيز المكاني ، وتأصيله بشكل واضح ، وفعال .

    يلتحم الشكل السردي المسيطر على ( سمر أسرة مسلمة ) بالزمن من خلال شبحه المتسلط  ، وهو ما يجعل تمثيله داخل القصة يقيم علاقات حميمة مع الفعل الماضي اللازم ، والمتكرر ( قال الأب ، قالت الأم ، قال نجيب ...) ، الذي ينسجم مع طبيعة التسلسل الزمني الخارجي ، المتجلي عن طريق حياد الكاتب ، الذي يصطنع ضمير الغائب لكي تصبح الرؤية ، وكأنها رؤية من خلف ( 24 ) . إن ضمير الغائب المرتبط بالفعل ( قال ) يشير إلى غياب الوجود التاريخي ، وحضور الجانب الخيالي داخل العمل السردي ، كما أنه يساعد على الانتقال من ضمير إلى آخر .

    يشبه هذا النموذج السردي القصصي طريقة السير الشعبية العربية القديمة ، التي تسيطر عليها عبارة ( قال الراوي ) . إنها تعد من أعرق الأدوات السردية بالنسبة لزمن القصة ، لأن الكاتب / السارد يعود إلى الوراء ليحكي للمتلقي الجامعي ما يزعم أنه قد سمعه من الأب ، أو الأم ، أو الابن  . تمثل عبارة ( قال الأب ، قالت الأم ، قال الابن ) في الحقيقة جوهر (( الأنا السردية )) ، وليست النفسية ، لأنها تصاحب إبداع ( سمر أسرة مسلمة ) ، وتلازمه . تعد هذه العبارة ذات شعبية كبيرة في الأدب السردي العربي ، فهي وليدة قرون مليئة بالقصص والملاحم والحكايات ، والخيال الدافق .      

      يوظف علي يحي معمر زمن الماضي ( قال ، ولدت ، أتممت ، عودتني ، أحس ، صمت ، فرح ، طرب ، تاه ، كان ،  رأى ، أطال ، حاول ، أجابه ، انهارت ، ذابت ، أعتمت ، رسمها ، مزق ، أعده ، ذهب ، أمضى ، تمت ، طار ،  وافق ، دخل ، سلم ، انتظر ، استحيا ، صبر ، تناول ، قضى ، نهض ، وجد ، استأذن ، اجتمعت ، اتجه ، اغتسلت ، بقي ، قام ، استحم ، علمها ، أقبل ، أخذ ...) لبلورة بعض اللقطات السردية الخاصة بالشخصيات ، والأحداث ، والموضوعات الدينية ، وتجسيد الفعل الخيالي المقيم . إنه يوظف هذا الزمن المنصرم بوعي ، وجمال ، ونسج لغوي رفيع ، وإبهار سردي ، كما أنه يعد تمثيلا للواقع في ثوب الخيال . فالحقيقة هنا أدبية لا تاريخية ، وإبداعية لا واقعية (25   ) . نجده يستعمل أيضا زمن المضارع بصورة متكافئة ، حيث يتلازم الزمنان ، ويتضافران عند سرد الأحداث ، وبناء حوارات السمر ( يذهب ، تعرف ، ستدخل ، ستوافق ، سأقيمها ، ستتحفني ، نوقدها ، نطفئها ، يفعل ، أزهو ، ستأذن ، أشتري ، تقم ، تنتظر ، يجب ، يجد ، يفكر ، يعارضه ، يقطع ، يحول ، يسمع ، يتفطن ، يعيد ، يرجع  ، يفهم ، تـفكر ، نتحدث ، تشرق ، طارت ، تتراقص ، تملأ ، يفكر، يضع ، يأمل ، يحدثه ، يسأل ، ينفرد ، يبثها ، يستطيع ، يلطف ، يجنح ، تسنح ، يتلوه ، يستريح ، يفعل ، تساعده ، يفهم ، يقرأ ، يحصر ، يقوم ، ينطلق ، يعب ، يقطف ، يناجي ، تنفرج ، ترقب ، تنتهي ، تدلك ، تقطع ، يقع ، يجد ، يمزح ، يراقبه ، يهتم ،  يرى ، يتحدثان ، تتفاوت ، يهدم ، يضر ، تذكر ، يلتهمه ، تفعلوا ...) .

    يوظف الكاتب الأفعال في زمن الأمر بصورة قليلة ( إذهب ، قم ، أزل ، توضأ ، أفض ، البس ، أقبل ...) .

     يستعمل علي يحي معمر كثيرا ضميري الخطاب ( أنت / أنتِ ) أثناء بنائه لحوارات السمر الدائرة بين الشخصيات . إنه ضمير وسط تتجاذبه ثنائية الغياب ( هو / هي ) ، والحضور ( أنا ) . يمنح المبدع هذا الضمير وضعا يعد جديدا في مجال (( الكتابة القصصية الإسلامية )) المعاصرة ، إذ أنه يحدد عمليات السرد داخل العمل كله ، ويجعله ندا عنيدا لضميري الغائب ، والمتكلم .

    إن ضمير المخاطب ، أو المخاطبة ( أنت / أنتِ ) يسيطر على حوارات ( سمر أسرة مسلمة ) ، مما يجعله يحقق :

    1  _   فك العقدة النفسية / النرجيسية ، الموجودة في ضمير المتكلم ( أنا ) ، ومساندته في العمل ، و ضبط الحدث السردي ، وتنويع أشكاله ، وجماليته وطرافته ، وانتقائه  .

    2  _   تحقيق وظيفة اتصالية تحتوي أفكار الشخصيات ، وآراءها المبثوثة بين طيات أحاديث السمر ، والموضوعات الدينية .

   3   _   تقديم الجديد ، والاجتهاد ، والخروج الفني عن المألوف ( أنا + هو ) بصورة راقية .

علاقة الزمن بالسرد داخل العمل

      يقتفي الزمن آثار الكاتب عبر مراحل هذا العمل ، حيث يتعقبه في كل لحظة ، وفي كل مكان رغم تغير مشاعره ، ومخططاته . إنه يمثل وجوده الذي يصاحبه أينما حل وارتحل . يحس المبدع بآثاره في نفسه ، وفي محيطه بكل جوانبه لكنه لا يراه بالعين المجردة . لذلك فهو الذي يبعث فيه الحياة ، والزينة ، واليقظة ، والدلالة ، والمنفعة من خلال حوارات السمر ، والأحداث ، والموضوعات الدينية المختلفة .

    إن نسج خيوط الزمن عبر ليالي ( سمر أسرة مسلمة ) الاثنتي عشر يمنحه سحرا يخلق عالما ، ووجودا ، وجمالية تتمثل في لحمة الأحداث ، ونكهة الحوارات ، ووضوح الموضوعات الدينية . يساير الزمن الحيز المكاني كتوأم ، كما أنه يضبط  تحركات ، وأفعال الشخصيات الثلاث ، واستعمال عدة ألفاظ ، وعبارات متنوعة ، وجديدة ترتبط بالعمر ، والنمو ، والقاموس العربي الموظف ( الصباح ، الليلة ، السنة ، اليوم ، التلميذ الإعدادي ، الطالب الجامعي ، الآن ، حين ، فترة الدراسة ، عيد ميلاد ، فترة الظهيرة ، بعد العشاء ،  الصلاة ، هذا الوقت ، لبث ينظر ، أربع سنوات ، ذلك الحين ، ثلاثة أيام ، صباح اليوم ، أربعة عشر عاما ، صبي ، رجل ، الطفل ، الوالد الكبير ، فجأة ، لحظة ، الطفولة ، الرجولة ، العاشرة ، سن / علامات الرجولة : يغلظ صوته ، ينبت الشعر في مغابن الجسد ، يتدفق منه ماء ثخين ذو رائحة ، مواعيدها ، نمو وانتقال البنت في مراحل عمرها ، يتكعب ثدياها ، وينزل منها دم يسمى دم الحيض ...السنة الخامسة عشر هي الحد النهائي ... تصبح البنت امرأة بالغة  ، الليل والنهار ، مغرب الشمس ، الشمس تطلع ، الفصول تأتي في مواعيدها ، الدوحة الكبيرة ، تاريخ / تسجيل حياتك ، المساء ، قبل ألفي سنة ، متغلغلة في القدم ...) .

    يمكن تقسيم الزمن إلى ثلاثة أقسام ، يبنيها السارد بالاعتماد على ضميري الخطاب ( أنت / أنتِ )  ، المسيطرين على حوارات السمر ، وضمير الغائب ( هو ) ؛ المشكل لعمليات السرد القصصي :

    1 _   زمن السرد القصصي .

   2  _   زمن الكتابة عند علي يحي معمر : يرتبط بملفوظاته، وأقواله ، وأسلوبه الخاص ، وسماته الشخصية .

    3  _  زمن التلقي : يولد أثناء قراءة ( سمر أسرة مسلمة ) .

يمنح الزمن هذا العمل المدروس شكلا تاريخيا .

  يقدم زمن سرد هذه القصة من خلال لحظة معينة فكرة العمل بأكمله ، ويجعل منها إبداعا حقيقيا . إنه يمثل مرحلة مخاض حقيقي للعمل الإبداعي عند علي يحي معمر. 

   يدفع زمن السرد القصصي الكاتب / السارد إلى إخراج مخاضه الفكري للوجود ، ومحاولة تحديد سمات هذا المولود الجديد أثناء بحثه في الخيال الخلفي ، وقبل انطلاقه في عملية الكتابة ، حيث يقوم بضبط الصورة الفكرية عبر حيز المكان ، والزمن . يعانق هذا الزمن مخيلة المبدع عبر لحظات متقطعة تبلورها لاحقا قريحته .

    إن كتابة (  سمر أسرة مسلمة ) لا ترى النور إلا من خلال لحظات زمن السرد القصصي ، التي تتحكم في توليد الخطاب القصصي الديني بكل سماته . يمثل هذا الزمن مقدمة لفترة فاعلة ، ومتفاعلة تعانق عطاء الخيال الخلفي .

    لا يظهر العمل المدروس ناضجا ، مستويا ، واضحا ، متبلورا بقوة منذ البداية داخل ذاكرة علي يحي معمر ، إلا بعد مروره عبر مراحل متعددة قد تطول ، أو تقصر لتصل في النهاية إلى الملكة المملية التي ننعتها ب(( زمن القصة )) ، الذي يضم ثلاثة فروع مترابطة :

    1  _    زمن الاستهلال ، أو زمن القصة .

    2  _    زمن الكتابة عند يحي معمر .

    3  _    زمن التلقي ( 26) .

   يمثل الزمن هنا سيرة لحياة الشخصيات الثلاث ، كما أنه يرتبط بزمن الكاتب ، وهو ما يجعلهما  يشكلان حقيقة تاريخية ، وعناصر قصصية خيالية ، واستحضارا لأحداث ، وموضوعات دينية ، وحوارات سمر مهمة .

     تركز رؤيتنا للزمن في ( سمر أسرة مسلمة ) على طريقة الإبداع الأدبي الديني ، وجماليته عند الكاتب ، أكثر من تركيزها على الرؤية الاجتماعية ، والتاريخية ، التي يسطرها بين طيات عمله . إن اهتمامنا ينصب على أسلوب وصفه للشخصيات ، وطريقة تكيفه مع طبائعها ، وبنائه لحوارات السمر ، والموضوعات الدينية المختلفة .

   تتداخل عناصر الشبكة الزمنية داخل هذا العمل كزمن القصة ( = زمن التخيل ) ، وزمن الكتابة ( = زمن تطور الصياغة ) ، الحاضر داخل النص ، وزمن التلقي الخارجي .

   يضبط الكاتب التعاقب الطبيعي للأحداث ، وحوارات السمر ، والموضوعات الدينية بطريقة إبداعية جميلة ، مما يمنح الزمن جمالية مشرقة ، فيندس بين ثنايا عمليات سرد الأحداث ، وبناء حوارات السمر ، وعرض الموضوعات الدينية المتنوعة ، كما يتم تصوير الحالات ، وتسجيل اللقطات بشكل واضح ، ومتميز ، خاصة عند توظيف الأفعال في زمني الماضي ، والمضارع بشكل شبه متكافئ ، واستعمال قلة قليلة من الأفعال في زمن الأمر . لذلك فإن هذا العمل يتميز بالتسلسل الزمني ، مع وجود قليل من الارتداد عند التناص مع بعض النصوص القديمة ، أو الاستشهاد بها .

   يمكن تمثيل المسار الزمني أثناء سرد أحداث ، وموضوعات ( سمر أسرة مسلمة ) بالطريقة التالية :

    يتم التبادل بين هذه الأزمنة الثلاث في اللغة العربية تبعا لضرورة السرد القصصي  وطريقة بناء حوارات السمر ، والموضوعات الدينية . قد يقع (( انزياح حدثي )) بين زمني الماضي ، والمضارع على الخصوص بغية تحقيق المبدع لغاية جمالية . يقدم لنا المؤلف سرده القصصي بشكل متعدد الأبعاد ، لكن الخطاب يملك زمنيا طوليا ينظم الأحداث بشكل متسلسل ، كما ظهر ذلك جليا من خلال رسم المسار الزمني السابق . يعمل الشريط السردي بشكل طبيعي يجعله يلعب دورا محوريا في تحديد سياق الأزمنة الثلاث ، المسيطرة في اللغة العربية ، وتقديم تصور واضح لعلاقاتها ، ووظائفها  المتنوعة .

    يبني علي يحي معمر الزمن المشكل ل( سمر أسرة مسلمة ) تبعا للقيم المنطقية ، التي تتبع للقواعد الفنية المعروفة . لذلك فهو يحركه بشكل سلس ، ومنظم ، وجميل ، ومتجدد يخلق بناء قصصيا رصينا ، يظهر أثناء عملية التلقي ، حيث يتم استقبال هذا الإبداع بكل شغف وحب ، يخلق منه عالما يختلف عن عالم الكاتب من عدة وجوه ، لأن العمل السردي له أثر في نفس المتلقي يشبه أثر الغيث في الأرض .

     يتعامل الكاتب مع الزمن ، والشخصيات الثلاث ، والأحداث ، واللغة العربية الفصحى بشكل محترف ، يجعله يشرع ببسط المقدمات ، فالأسباب ، ثم النتائج . يشبه الزمن في هذا العمل الموسيقا ، خاصة زمن السرد القصصي ، وزمن ، وزمن الكتابة ، وزمن التلقي .

    يمثل علي يحي معمر كاتبا ليبيا يتحرك في زمن المضارع ، لكنه يسرد قضايا قديمة عن الرسول ، والصحابة ، والقرآن ، وسيد قطب ، وأبي حفص عمرو بن جميع ، وأبي طاهر الجيطالي ، والبدر الشماخي ، فيذكر أعمالهم ، وآثارهم التي وقعت في زمن الماضي ، ثم يدفع بالكل إلى المتلقي ليحركه في زمن المستقبل .

علاقة السارد بالكاتب والمتلقي

     تتبادل هذه الأطراف الثلاثة الأدوار ، والمواقع بشكل لطيف ، ومتداخل ، ودقيق ، ومترابط ، وعميق الغور، وبعيد الامتداد أثناء جميع لحظات التشكيل السردي القصصي .

    إن شخصية الكاتب ترتبط بشخصية السارد داخل ( سمر أسرة مسلمة ) ، ولا تنفصل عنها ، كما أنهما لا تبتعدان عن الأحداث ، وحوارات السمر ، والشخصيات ، واللغة العربية الفصحى الواصفة . تمتزج الأفكار ، والأخلاق ، والأزمنة بين كل هذه الأطراف ، ولا يبتعد الكاتب الضمني فكريا ، ولا أخلاقيا عن المتلقي الضمني ، لكن هذا الابتعاد يتم من حيث الزمان ، والحيز المكاني ، والثقافة ، والعواطف ، والأخلاق ...

     يظهر السارد في العمل المدروس واضحا ، حاضرا ، مشرقا يتحدث أحيانا على لسان الكاتب ، مستعملا ضمير المتكلم ( أنا ) . إنه ذو شخصية مركزية ، وذهنية ، وروحية قوية لا تختلف عن شخصية الكاتب علي يحي معمر .

    يقدم الكاتب / السارد شخصية الأب ، والأم ، والابن بكل صدق ، وجدية ، وهو سلوك يسري على سائر الشخصيات ، إذ يخضع الجميع لنفس التحول النفسي الذي يعيشه الكاتب / السارد .

   الكاتب و (( المتلقي الجامعي))

       ترتبط شخصية الكاتب علي يحي معمر بأحداث ، وحوارات ، وموضوعات ( سمر أسرة مسلمة ) ، والعالم المحيط ، و (( المتلقي الجامعي )) الضليع من خلال عمليات اتصالية واعية ، ونموذجية .

      يوجه الكاتب عمله إلى المتلقي ((الضمني )) المثالي ، غير المعلن عنه ، حيث يراعي دقة الأفكار ، والعواطف ، والإنجازات النثرية الخلاقة ، والتعليم الديني الموسع ، والمعرفة الهادفة . يستقبل (( المتلقي الجامعي )) هذا العمل الأدبي الديني جاهزا ، كاملا ، مصنعا ، مرتبا ليتلذذ بقراءته ، وفهمه ، وتأويله ، وإعادة بنائه ، والتجاذب gravitation مع مؤلفه . لا يستقيم هذا العمل ، ويصبح له ذكر يذكر إلا بوضوح شخصية الكاتب ، والمتلقي ، والشخصيات ، والأحداث ، واللغة الموظفة التي تصنع المسرود ، كما يتضح ذلك من خلال الخطاطة التالية : 

 

      والحقيقة أن الكاتب علي يحي معمر يبقى على اتصال معنوي (( بالمتلقي الجامعي )) لكنه ينفصل عنه ماديا ، إذ أن العلاقة بينهما ليست مباشرة . لذلك لا يمكن أن تتم عملية السرد هنا إذا انعدم أحد الأطراف الثلاثة المشكلة للخطاطة السابقة .           

الهوامش :

1   _  لا يتبع الكاتب أية منهجية ، أو أعراف علمية محددة في (( تخريج )) الآيات ، أو الاستشهاد بها :  إن الآية المذكورة في البداية هي العاشرة في سورة الكهف ،  والآية الموجودة في الخاتمة هي الثامنة في سورة آل عمران ، كما أنه لا يذكر تاريخ نشر العمل ، ومكان نشره ، وطبعته .

  2 _    يبقى قسط من (( تيار الوعي )) مختفيا داخل (( لاوعي )) الكاتب ، مما يفرض عليه الاعتماد على بعض الأساليب البلاغية ، التي قد تقوض أركان منطقة الغموض بالنسبة لهذا التيار ، الذي يعد إنتاجا حقيقيا للعصر ، والبيئة نظرا لأنه واقعي ، وموضوعي في وصف الحالات النفسية للشخصيات ، كما أنه عبارة عن تحليل ذهني للحقيقة المتغيرة ، التي لا تتجزأ تزامنيا .

  3   _   عبد المالك مرتاض ، في نظرية الرواية ، تقنيات السرد ، ط 1 ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 240  ، الكويت 1997 ، ص 64 .

  4   _     المرجع نفسه ، ص 77 .

  5   _     المرجع نفسه ، ص 134 .

  6   _     وردت عدة إشارات إلى هذا الموضوع في ( كتاب السير ) لأبي العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي ، الذي درسه وحققه محمد حسن ، ونشرته دار المدار الإسلامي بلبنان ، عام 2009 م .

  7   _ Michel zeraffa , le roman , in litterature et genres litteraires , p102 .

  8   _   Roland bourneuf et real quelle , l,univers du roman ,p 150.

  9     _  roland barthes , s\ z , p 184 

   10   _   عبد المالك مرتاض ، مرجع سابق ، ص ، 94 .

   11   _    المرجع نفسه ، ص 106

   12   _    ,qui raconte le roman ? in poetique .  Wolfang kayser

 du recit ,p 60 .

13      _ zeraffa ,op .cit , p 120  Michel

   14   _ , ibid , p 150 Michel zeraffa

15       _     ينعتها بعض النقاد والأنداد بالشخصيات الثابتة ، أو المسطحة، والإيجابية .

   16   _    لا يذكر علي يحي معمر اسمي الوالدين في القصة ، بل يقتصر على التصريح باسم الابن ( نجيب ) فقط ، ربما لخلق رمزية أدبية ، أو الخضوع لبعض العادات القديمة ، التي كانت لا تسمح بذكر اسم الأم ، أو الأب خوفا من بعض العواقب ، والنعوت  ...

   17   _    عبد المالك مرتاض ، مرجع سابق ، ص 130 .

   18   _     المرجع نفسه ، ص 132 .

   19   _    يرتكز التناص intertextuality)  ) هنا على تضمين القرآن الكريم ، والحديث النبوي ، والاستشهاد بأقوال سيد قطب ، والبدر الشماخي ، وأبي حفص

عمرو بن جميع وأبي طاهر الجيطالي ، وأبي زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوي ، وغيرهم . استعملنا في دراساتنا الأخرى مصطلح التجاذب  gravitation بدلا من مصطلح التناص . يملك هذا المفهوم اللساني كفاية نظرية ، وتفسيرية معممة ، تتجاوز مكونات ، وعناصر التناص ، كما طرحتها جوليا كريستيفا ، وأتباعها . يرتكز التجاذب النصي عندنا على نشاط ثلاثي :

     أ  _ النشاط التركيبي والدلالي داخل النصوص المتقاطعة التي تخلق (( كونا خطابيا  discourse universe محدد السياقات ، والفضاءات .

     ب _ النشاط الموجه لبؤرة التجاذب : يجسد(( انغماس )) التداخلات ، والتقاطعات الخطابية الساعية لتكوين (( البنية النصية الكلية )) فيما بينها بناء على متواليات متراصة ، تتجاوز حدود الجمل البنيوية . تعتمد هذه المكونات على النشاط التداولي الثلاثي الذي تنضد عمله (( قمة / هيكلة )) نصية محورية ، ناقلة للخصائص الجمالية ، والفكرية .

    ت _   النشاط المرتب لتفريعات التبادلات ، والتوزيعات الاتصالية الصغرى ، والكبرى الحاصلة بين سلطة الكاتب ، وسلطة النصوص ، وسلطة المتلقي الضليع.

   20   _   Roland bourneuf et R. quelled ,op.cit ,p 99

   21   _  عبد المالك مرتاض ، مرجع سابق ، ص 153 .

   22   _   Gerard genette ,figures.2.p 43.44

   23   _  Michel butor , la modification ,p , 85

    24  _  T, todorov. Les categories du recit litteraire . in communication, seuil, paris .N . 8 . 1968. P 141.

    25   _   عبد المالك مرتاض ، مرجع سابق ، ص 167 .

    26   _    R. barthes op.cit.p

 

النور


التعليقات




5000