..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القضية الحضارية في شعر خليل حاوي

د. صدام فهد الاسدي

اعداد جعفر عبد الحسين عامر

جامعة البصرة/ كلية التربية

قسم اللغة العربية

  

أشراف

 الاستاذ الدكتور صدام فهد طاهر الاسدي

2016م

المقدمة

الحمد لله المنعوت بجميل الصفات , المنزه عن كل عيب و نقصان , و الصلاة و السلام على اشرف المخلوقات و سيد المرسلين ابي القاسم محمد و على اله الطيبين الطاهرين و على صحبه المنتجبين و التابعين لهم بإحسان الى يوم الدين .

اما بعد ...

حظيت القضية الحضارية باهتمام الكثير من الشعراء و خاصة في العصر الحديث , و ذلك لما طرأ على هذا العصر من احداث خطيرة و مدمرة تهدد كيان الانسان العربي و حضارة الامة العربية , فقد وقع الاختيار من قبل الاستاذ المشرف الدكتور ( صدام فهد طاهر الاسدي ) ان ادرس ( القضية الحضارية في شعر خليل حاوي ) و لكن كنت متردداً اول الامر في قبول هذا الموضوع حيث كنت اظنه عمل صعب لا استطيع القيام به , لان تجربة الشاعر خليل حاوي تجربة فلسفية تضرب بجذورها في تراث انساني متنوع عاكسة في نفس الوقت موقفا فنيا من الواقع , و لعدم معرفتي العميقة بالشاعر و كنت اجد صعوبة في الكتابة في ذلك الموضوع و لكن وجدت تشجيعا من استاذي الدكتور صدام فهد طاهر الاسدي ساعدني على كتابة هذا الموضوع .

و لابد من وضع خطة للبحث , فارتأيت ان اقسم البحث الى ثلاثة مباحث يسبقها تمهيدا عن الحضارة اتناول المعنى اللغوي و الاصطلاحي لهما , ثم كان المبحث الاول عن حياة الشاعر خليل حاوي و جاء على خمسة اقسام :

الاول : في المولد و النشأة .

الثاني : في الروح القومية لدى الشاعر .

الثالث : في صدمته العاطفية .

الرابع : في انتحار الشاعر .

الخامس : تضمن اهم ما خلفه الشاعر من اثار نثرية و شعرية .

اما المبحث الثاني كان بعنوان (( القضية الحضارية في شعر خليل حاوي )) .

و اخيرا المبحث الثالث بعنوان (( التراث و الاسطورة في شعر خليل حاوي )) و قد تناولت اثنتين من الاساطير في شعر خليل حاوي هما :

اولا : اسطورتي (( تموز و العنقاء )) في قصيدته ( بعد الجليد ) .

ثانيا : اسطورة (( السندباد )) في قصيدته ( السندباد في رحلته الثامنة ) .

ثم خاتمة قد اوجزت فيها اهم النتائج التي توصل اليها البحث و اتبعته بقائمة بأسماء المصدر و المصادر التي استقيت منها مادة البحث .

و اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين , و صل الله على محمد و ال محمد الطيبين الطاهرين .

 

التمهيد :

في مستهل البحث و قبل المضي بدراسة (( القضية الحضارية في شعر خليل حاوي )) لابد من بيان المعنى اللغوي و الاصطلاحي لمفهوم ( الحضارة ) و ذلك لتيسير فهم ما نعنيه بالقضية الحضارية عند الشاعر و معرفة رموز و مكونات الحضارة

نستخدم مصطلح الحضارة بكثرة و بأشكال مختلفة خلال حياتنا اليومية , فنقول : هذا شيء حضاري , هذا شاب حضاري , هذا عمل حضاري , و غيرها من الجمل الكثيرة , و لكن هناك العديد من هم لا يعلمون ما المقصود بالحضارة , و على ماذا ترتكز و ما عناصرها .

للحضارة اكثر من تعريف و كلها تستخدم نفس المعنى , البعض يقول : (( بأنها الحياة الاجتماعية لمجموعة من الافراد يعيشون بمناطق جغرافية محددة , كالمدن و الارياف )) , و هناك من يقول : (( بأن الحضارة عكس البداوة او البدائية )) و من المعروف ان البدو لا يرتبطون بمكان جغرافي واحد بل يعتمدون على الترحال , و التنقل من مكان الى اخر بحثا عن الماء و العشب و لفظة حضارية - كما جاءت في لسان العرب لابن منظور - يعود اصلها لغويا الى الفعل ( حضر - يحضر ) من باب نصر ينصر , و قد ورد الفعل ( حضر )في القرآن الكريم بمواضع كثيرة منها قوله تعالى : (( ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت ))[1] , و كذلك في قوله تعالى : (( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ))[2] , و في قوله عز و جل : (( اذا حضر القسمة ))[3] , و كما جاء كذلك في قوله تعالى : (( علمت نفس ما احضرت ))[4] , اي علمت النفوس ما عملت من خير او شر .

و الحضر و الحضرة و الحضارة : خلاف البادية و هي المدن و مساكن الديار التي يكون لهم بها قرار و البادية يمكن ان يكون اشتقاق اسمها من ( بدو , يبدو ) اي برز و ظهر .[5]

و الحضر : خلاف البدو , و الحضارة و الحضارة : السكون بالحضر , , كالبداوة و البداوة , ثم جعل ذلك اسما لشهادة مكان او انسان او غيره , و منه قولنا : حاضرته محاضرة و حضارات : اذا حاججته من الحضور , كأنه يحضر كل واحد حجته[6] , و من خلال ما تقدم من مفهوم الحضارة في المعنى اللغوي يمكن تعريف الحضارة على انها الفنون و التقاليد و الميراث الثقافي و التاريخي و مقدار التقدم العلمي و التقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ .

ان الحضارة بمفهوم شامل تعني كل ما يميز امة من الامم عن اخرى من حيث العادات و التقاليد و اسلوب المعيشة و الملابس و التمسك بالقيم الدينية و الاخلاقية و مقدرة الانسان في كل حضارة على الابداع في الفنون و الادب و العلوم ... الخ و قد اهتم العرب منذ العصور الاولى بالكتابة و الرسم و التدوين و اهتموا بالشعر و الشعراء بشكل غريب حتى كان ( الشعراء اظهر فنون القول عندهم , و اشهرها ذكرا , حتى عدوه ديوان العرب , و لو استطاع المنقبون ان يستخرجوا اثار الامم القديمة كالمصريين و اليونان مما زينوا به معابدهم , و نقشوه على صفائح قبورهم و قصورهم فلقد يستطيع المنقب ان يرى مثل هذه الصورة او قريبا منها في ذلك السجل الباقي من تاريخ العرب في الشعر الجاهلي فهو القائم عندهم مقام الاثار المنقوشة و الرقوق المكتوبة عند غيرهم من اهل الحضارة القديمة من امم التاريخ )[7] , و من شدة اهتمام العرب بالشعر كان يقام له سوق كغيره من البضائع , يتجمع فيه الشعراء فيروي كل منهم اشعاره و من يكون شعره اجمل فانهم يعلقونه على اسوار الكعبة , او يسجلون في جلدات خاصة بهم , و الا لما وصلنا هذا الكم الكبير من الشعر الجاهلي في المرحلة الاولى , و قد استمر هذا الاهتمام بالشعر حتى في العصر الاسلامي فقد اثنى النبي ( صلى الله عليه و اله ) على الشعراء المدافعين عن الدين و الاسلام و لم يحارب الشعراء حتى و ان كان الشعر لا يمت للدين بصلة بشرط الا يؤذي من حوله او يؤذي الدين , و اخذ الشعر يتطور و يسير مع سير الحياة ملبياً متطلبات تلك الحياة فقد كان الشعراء يصورون كل ما يحدث في مجتمعاتهم معبرين عن تلك الاحداث بصور شعرية متميزة متناولين كل القضايا السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تجري في العصر الذي ينتمون اليه , حتى اصبح هناك شعر لكل عقد من العقود التي امتدت لمئات السنين , من الشعر الجاهلي , فالإسلامي فالأموي , فالأندلسي , ثم العباسي وغيرها حتى وصلنا الى الشعر الحديث , هذا الشعر الذي يتحدث عن ظاهرة الشعر منذ القرن التاسع عشر و امتدت حتى يومنا هذا و يعد هذا الشعر امتداد للثقافة العربية , حيث عمل الشعر الحديث على مزج الماضي بالحاضر , فقام الشعراء بمحاكاة الحاضر و ما فيه من تطورات و ظواهر الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و مزجه بالماضي بطريقة اذهلت العقول , و ان الروح العربية الحضارية عند الشعراء التي عملت على دمج الحضارات و الافكار القديمة بالأفكار الحديثة و جعلتها نتاجا رائعا , يستحق الاهتمام و جعلت من الشعر الحديث ظاهرة عظيمة جدا , شملت جمال الشعر الحديث , و اصالة الشعر القديم , و نحن في هذا البحث امام شاعر ينتمي الى مدرسة الشعر الحر التي ظهرت في عام (1947م ) بعد الحرب العالمية الثانية و ما تحمله هذه الفترة من تغيرات سياسية في حياة العرب , فقد افاق الشعراء العرب على حقائق مؤلمة عندما نكثت الدول الاستعمارية عهودها مع العرب و جعلتهم تحت الوصاية الاجنبية , و تمزيق الوحدة العربية اثر وعد بلفور * و ما رافق ذلك من حروب و انعكاساتها على الوطن العربي امة و على لبنان خاصة , فعلى اثر هذه الاحداث شهد المجتمع العربي حركة نشيطة من اجل التحرر و الاستقلال من السيطرة الاستعمارية , و كان للشعراء اثر بالغ في بث روح التحرير و الدعوة للاستقلال و بث روح العروبة و الانبعاث من جديد و رفض العبودية مستخدمين و موظفين الاساطير و الحكايات الشعبية و الرموز التراثية العربية و الغربية للتعبير عن معاناتهم و ما تعانيه هذه الامة من جمود و اضمحلال و ضياع الحقوق و كبت للحريات و من هؤلاء الشعراء : ( بدر شاكر السياب و خليل حاوي و عبد الوهاب البياتي و ادونيس و صلاح عبد الصبور ) و غيرهم .

و عندما نتحدث عن الحركة الشعرية للنصف الثاني من القرن الماضي يطل علينا اسم الشاعر خليل حاوي في طليعة البارزين من روادها الشعراء كما تقول الدكتورة ريتا عوض : ( ان هذا الوعي الحاد للواقع و للتاريخ و للتراث هو من ابرز مميزات القصيدة العربية الحديثة و خليل حاوي اعظم روادها نقلها نقلة نوعية الى معانقة الكلي العام و الاحاطة بالجزئي الخاص).[8]

ان تجربة الشاعر خليل حاوي تجربة حضارية وجودية اي انها تعبر عن الحضارة كفعل انقاذ للإنسان من قصوره و كمبرر لوجوده و احتمال عبث الوجود و غبائه , و قد تركز اهتمام خليل حاوي على بعث الشاعر الانسان الذي يمتلك اصالة ذاتية و قدرة على صهر ما يستمده من نتاج الاخرين و طبعه بنظريته الخاصة و طريقته في التعبير و قد بنى تجربته الشعرية على استدعاء الرموز الاسطورية لتدخل بناء الكون الشعري و هو يتكيء على تراث انساني متنوع و ترى من ( البحار و الدرويش ) الى ( العنقاء ) الى ( تموز ) الى ( العازر ) 1962م الى السندباد و غيرها من الرموز .

 

 

المبحث الاول : حياة الشاعر

اولا : المولد و النشأة [9]

خليل سليم حاوي : شاعر , اديب , استاذ جامعي , ولد في بلدة الشوير ( قضاء المتن ) في لبنان عام 1919م و فيها نشأ و ترعرع و درس في مدارسها حتى انهى دراسته المتوسطة , اما دراسته الثانوية فقد انجزها في كلية الشويفات الوطنية عام 1947م , و كان يضطر الى ترك الدراسة بين فترة و اخرى من اجل العمل بمهن يدوية مختلفة بسبب الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها شاعرنا , و لكن تلك الظروف لم تمنعه من اكمال دراسته , فانتسب الى الجامعة الامريكية في بيروت حيث نال شهادة البكالوريوس في الادب العربي و الفلسفة عام 1952م و في سنة 1955م نال شهادة الماجستير برسالة الموسومة باسم ( العقل و الايمان بين الغزالي و ابن رشد ) و على اثر هذه الشهادة و لبراعته و تفوقه حصل على منحة للدراسة في جامعة ( كامبريدج ) في انكلترا , على نفقة الجامعة الامريكية في بيروت .

نظم العديد من القصائد التي دلت على عمق افادته من الثقافة الاوربية , و يعد حصوله على شهادة الدكتوراه بأدب ( جبران خليل جبران ) عام 1959م , عاد الى بيروت , و كان اكثر دور العلم اغتباطا بنجاحه الجامعة الامريكية التي عرفته طالبا مجدا و متعلما مثقفا حاد الذكاء , فاستقبلته بعزة و افتخار و ادخلته في سلك اساتذتها معلما للنقد الادبي في دائرة الادب العربي حتى اخر ايامه و كانت سيرته العلمية حافلة بنجاح اثر نجاح دونما تهاون او كسل .

ثانيا : الروح القومية

ان الروح القومية التي تبناها الشاعر خليل حاوي في كتاباته الادبية عامة و في شعره خاصة منبثقة من شعوره الوطني و اعتزازه القومي بانتمائه العربي , (( و قد عرف خليل حاوي بانه رجل منطق جريء و كلمة صريحة حيث تصدى لكثير من المفكرين , و كانت له نقاشات و حوارات مع محاضرين عدة اظهر من خلالها عناده الشديد في الدفاع عن قوميته , و قد شهد له بتلك القومية و المسيرة الثقافية العريقة معاصروه من الادباء فيقول عنهم نزار قباني : ( يهدر بحنجرة نسر ) , اما يوسف الخال فيصرح بانه : ( مفترق في الشعر العربي ) , و عبر عنه صلاح عبدالصبور بانه : ( رائد الشعر العربي ) , بينما نجد عفاف بيضون تشير اليه في كتاباتها بانه : ( حقق لنا الكثير مما كنا بحاجة اليه ) و قد اثار هؤلاء جميعا في مواضيع متعددة على ان عقيدته المؤمنة بالقومية كانت تتسم بسمات العبقرية الطبيعية التي ولدت معه و لم يكتسبها بالتعلم ).[10]

و قد احدثت التجربة الحزبية منعرجا هاما في حياة خليل حاوي منذ صغره بانخراطه في الحزب القومي السوري الذي كان يدعو الى وحدة تضم ( الهلال الخصيب )* باسم سوريا و الحضارة السورية الا انه وقع في خلاف مع رئيس الحزب آنذاك ( جورج عبد المسيح ) حول قضايا فلسفية حيث كان هذا الاخير يجهل المبادئ الفلسفية في الحركة و في التراث الانساني و انتهى الصراع بانفصال خليل حاوي عن الحزب في منتصف الخمسينيات , و قد اثر ذلك في نفسيته كثيرا حيث وجد نفسه وحيدا في معرك الحياة , (( و سرعان ما ادى شعوره بالفراغ الى اكتشاف قيم الحضارة العربية من جديد و ادرك ان الدعوة الى الوحدة يجب ان تكون باسم العروبة و هذا ما ادى ارتباط الوحدة العربية بالنزعة الانبعاثية التي صنعت شعره )).[11]

و بقيت عقيدته بوحدة الوطن العربي تلازمه فكان يدعو في شعره الى التجديد و التغيير و الخلق و الانبعاث من جديد و كان يتألم لانحطاط الحضارة العربية و تدهورها و كان يحلم بالإنسان الكبير القادر , و لم يدع رمزا من رموز البعث لا يتغنى به .

ثالثا : صدمته العاطفية

تعلق قلب خليل حاوي بفتاة وحيدة ابويها و تيم بها الى حد الجنون , كانت جميلة هيفاء , عالية الجبين , وجنتاها موردتان , عيناها سوداوان , و شعرها على كتفيها و قد تغنى بها في معظم شعره الريفي حيث احبها حبه الاول الذي عاش في خلجاته و ثنايا روحه , و كان كل حب اخر انعكاسا لهذا الحب , و كان قد اتفق معها على الزواج اثر عودة من الاردن حيث يتمكن من جمع المال الا انها و قبل رجوعه ارغمت على الزواج من غيره فضاع حبه الاول و هاجسه الابدي و عاد خليل ينظم فيها هذه المرة شعر الحسرة و اللوعة و الفراق .[12]

رابعا : انتحاره

تبنى خليل حاوي مسؤولية حضارية طمح من خلالها الى الانبعاث من جديد و الثورة على الظلم و اغتصاب الحقوق غير ان الفشل و الاحباط كان رفيقه الدائم في كل مرة و كانت مأساته مع البعث كمشروع حضاري مأساة مستمرة فالأحداث المدمرة المتوالية المتمثلة بالغزو الصهيوني الإسرائيلي للبنان و احتلال بيروت في العام 1982م , لم يتحمل الشاعر خليل حاوي ما رآه فقرر ان يضع حدا لمأساته الوجودية و تم ذلك في ( مساء السادس من حزيران يونيو 1982م و من على شرفة شقة في مبنى بشارع المكحول في منطقة رأس بيروت ... وضع خليل حاوي فوهة البندقية بين عينيه و اطلق النار حيث احس ان الموت ايسر من حياة ذليلة تحت الاحتلال الإسرائيلي ))[13] , لقد افتدى خليل حاوي كرامته بروحه دون ان يضع في حسابه رهبة للموت , فكان انتحاره ابلغ قصيدة عبر بها الشاعر عن معاناته و استلاب حقوقه و حقوق مجتمعه فبقي غائبا بجسده حيا بأفكاره .

خامسا : اثاره[14]

ترك الشاعر خليل حاوي نتاجا حافلا بالفلسفة و النقد و الادب اكثره شعرا و اقله نثرا و من اهم مؤلفاته النثرية نجد :

•-         العقل و الايمان في الفلسفة العربية الحديثة .

•-         فلسفة الشعر العربي الحديث.

•-         عند سرير السياب .

•-         الخلق العضوي نظرية الشعر و نقده.

•-         موسوعة الشعر العربي - كان مشرفا عليها - صدر منها اربعة اجزاء في بيروت سنة 1984م .

•-         العقل و الايمان بين الغزالي و ابن رشد , و هي اطروحة انجزها في سنة 1955م , بأشراف اسحاق موسى الحسيني .

•-         جبران خليل جبران , اطاره الحضاري و شخصيته و اثاره , و هي اطروحته التي حصل بموجبها على شهادة الدكتوراه عام 1959م طبعت على شكل كتاب باللغة الانجليزية نشر في بيروت سنة 1962م , و نشرت ترجمته سنة 1982م .

اما بالنسبة لنتاجه الشعري فقد بدأ نشره باكرا في الصحف و المجلات اللبنانية و له عدة دواوين شعرية تسلسلت حسب تواريخ صدورها كالتالي :

•-         نهر الرماد : باكورة نتاج خليل حاوي الشعري صدر عام (1958م) و نظمت قصائده بين الفترة (1953-1958م).

•-         الناي و الريح : و يتكون من اربع قصائد عناوينها : ( عند البصارة ) و ( الناي و الريح ) و (وجوه السندباد ) و ( السندباد في رحلته الثامنة ) و قد صدرت هذه المجموعة سنة 1960م .

•-         بيادر الجوع : و تتكون هذه المجموعة من ثلاث قصائد هي : ( الكهف ) و ( جنية الشاطئ ) و ( لعازر 1962) نظمت بين (1960-1964م ) و قد صدر الديوان عن دار الاداب سنة 1965م .

•-         الرعد الجريح : و يتكون من اربع قصائد هي ( الام الحزينة ) و ( ضباب و بروق ) و ( رسالة الغفران من صالح الى ثمود ) و ( الرعد الجريح ) و قد صدر سنة 1979م .

•-         من جحيم الكوميديا : و هو الديوان الاخير الذي صدر سنة 1979م .

و بعد وفاة الشاعر نشرت سيرته الذاتية بعنوان ( رسائل الحب و الحياة ) عام 1987م .

المبحث الثاني : القضية الحضارية

القضية الحضارية في شعر خليل حاوي :

تحتم الطبيعة البشرية لاي انسان التأقلم بوسط اجتماعي معين , يتأثر به و يؤثر فيه , انه الوطن يحتل رقعة من روحه و جزءا من كيانه , فيصبح مصيره متعلقا بمصير هذا الوطن , لانه يعد وجوده و ذاته و هويته و حريته و عقيدته , و في القديم كان الشاعر لسان حال امته يدافع عنها بشعره ظالمة او مظلومة , و الى الان يأخذ الشاعر على عاتقه مهمة اصلاح مجتمعه متجاوزا النزعة القبلية الضيقة ليتبنى النزعة الانسانية , (( و لعل الفترة التي عاش فيها خليل حاوي و ما زلنا نعيش فيها هي اكثر فترات التاريخ العربي الحديث خطورة و اشدها دقة و حدة - فقد ولد بعيد الحرب العالمية الاولى مطلع سنة 1919م في الشوير احدى قرى لبنان , و عاصر تقاسم الاوربيين المنتصرين في الحرب الارض العربية و قد رزحت قرونا تحت نير الحكم العثماني , و اينع عوده في ظل السيطرة الاستعمارية الغربية على الوطن العربي بما شهده من اضطهاد للحركات الوطنية و كبت للحريات ... و عاش احلام تحقق الوحدة العربية الشاملة في ظل تجربة الوحدة بين مصر و سوريا , ثم عانى مأساة انهيار تلك الاحلام و تمزق الاحزاب الوطنية و انقساماتها الداخلية و انحرافاتها العقائدية )).[15] لذلك كانت تجربة الشاعر خليل حاوي تجربة حضارية وجودية فهي تعبير حي و صريح عن الحضارة بوصفها الفعل الحيوي في انقاذ الانسان من قصوره و عاهاته و كمبرر لوجوده و احتمال قسوة الحياة .

و كان يرفض ذلك الانحطاط و التخلف فكانت (( مسألة انحطاط الحضارة العربية في هذا العصر محور تجربة خليل حاوي الشعرية التي امتدت عبر ما يزيد على ثلاثين عاما من الابداع وضع فيها حاوي اسس بناء شعري عربي راسخ سيظل نتاجه حجر الزاوية فيه , و ذلك انه تميز بما تحلى به من ثقافة واسعة و تجربة عميقة و حدس نافذ بادراك حتمية ارتباط الفن الشعري بالبناء الحضاري , و وعي ازمة حضارته العربية الراهنة , و كان صاحب موقف واضح راسخ من التحديات التي تواجهها هذه الحضارة منذ اكثر من قرن من الزمان , و من استجابتها لتلك التحديات حتى يمكن ان يعد الشاعر الحضاري بامتياز في شعرنا العربي الحديث ))[16].

و كانت قضية الانسان العربي و جمود الحضارة و الانبعاث من جديد تشكل معاناة كبيرة للشعراء المحدثين , يقول شاعرنا خليل حاوي : (( في مجال المضمون الشعري كان الاصليون من الشعراء المحدثين يعانون قضية المصير العربي و مصير الانسان في عصرنا الحاضر , و قد ادركوا انها قضية ثورة و رفض و ترسيخ لقيم جديدة اصيلة , و قد حاولت ان ابلغ بالثورة و الرفض الى الكشف عن حقيقة الفطرة في ذاتنا القومية و عن العناصر الحية في تراثنا و تراث الانسان , و في محاولة كهذه يكون العنف وسيلة حتمية لا يتم بدونها هدم المفاهيم الحضارية المتحجرة و لا يصير الى اطلاق الحيوية البكر من الكهوف التي احتقنت فيها عبر عصر الانحطاط و لا تصدر القيم عن جذور الغرائز و الدافع الحيوي و التطور الدائم في اصل الوجود , و لعله يصح على الحضارة العربية و الشعر العربي في المرحلة الحاضرة رأي الشاعر الايرلندي ( سينج ) ان على الشعر ان يكون عنيفا متوحشا قبل ان يكون انسانيا او جماليا .

لقد ادى بي الرفض الى اكتشاف قيم الحضارة من جديد و كانت تجربة شبيهة بالاشراق الصوفي تجلى فيها الحاضر ماضيا و الانبعاث المقبل مبرما ينسخ الحاضر , غير ان التجربة التي عانيتها فيما بعد تكشف عن رؤيا مفجعة تنفي ما اكدته من قبل و تشير الى اننا لسنا في زمن يشارف الانبعاث الاصيل , و كان بعض النقاد قد نعتني ( بشاعر الانبعاث الاول ) فلم يمنعني ذلك من الاخلاص ليقين التجربة و الرؤيا فأعلنت ما تكشف لي : ان ما يدعى بالانبعاث ليس سوى تكرار لترسبات عصر الانحطاط و ليس عودة الى ينابيع الحيوية في الفطرة الاصيلة ))[17].

عانى الشاعر خليل حاوي القضية الحضارية معاناة حميمة و عميقة فغدت هاجسا ذاتيا و وعيا يوميا حادا , و تحول في ضميره التوق القومي الى انبعاث الامة العربية بعد قرون السبات و الاضمحلال حلما شخصيا , ضم العام و الخاص و الجزئي و الكلي في تجربة شعرية تجلت رموزا و نماذج اصلية و بنية اسطورية , فقد رأى خليل حاوي ان على الشعر ان ينفذ الى الجذور العميقة المتشابكة لقضايانا المصيرية من اجتماع و سياسة , و عليه ان يستند لما هو قائم في صلب التراث من اساطير و حكايات شعبية ليحولها الى رمز يجسد تجربته الذاتية الكلية و الخاصة العامة

و قد افاد الشاعر الحديث من مجموعة من الاساطير و الرموز الدالة على البعث و النهضة و اليقظة و التجدد , و استلها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية , و من المعتقدات المسيحية و من التراث العربي اسلامي و من الفكر الانساني عامة و من هذه الاساطير , الموظفة نجد : تموز و عشتار و العنقاء و السندباد و الخضر و جلجامش و العازر و الناصري , و غيرها من الاساطير , و لقد افرزت هذه الاساطير الرمزية التي وظفها الشاعر المعاصر منهجا نقديا و ادبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الاسطوري و قد ظهر هذا التوظيف - الاسطورة - اولا في المجتمع الغربي كما يرى الدكتور احمد كمال زكي : (( ان ابرع ممن استخدم الاساطير في القرن العشرين جيمس جويس في روايته اوليس و برنارد شو في بجماليون , و قد تأثر اليوت بجويس و كان له المديح لحسن افادته من الاسطورة ))[18].

و قد تأثر الشعراء المحدثين بالشعر الغربي عامة و بشعر اليوت خاصة (( و عندما نقول الشعراء الجدد و نذكر مفهوم الحداثة عندهم لا يرد على خاطرنا بطبيعة الحال كثير من الاسماء الجدد التي تترنح بين التعبير القديم و المضمون الحديث او العكس و انما تتمثل كبار شعراء الحركة الحديثة من امثال : ادونيس و بدر شاكر السياب و صلاح عبد الصبور و عبد الوهاب البياتي و خليل حاوي , عند هؤلاء سوف تعثر على اليوت و ازارا باوند و ربما على رواسب من رامبو و فاليري و ربما على ملامح من احدث شعراء العصر في اوربا و امريكا )).[19]

و كان قصيدة ( الارض الخراب ) لاليوت تأثير كبير على شعراء القرن العشرين (( فقد نبهت هذه القصيدة شعراءنا الى نتاج اليوت كله فتأثر به صلاح عبد الصبور تأثرا قويا , كما تأثر به خليل حاوي و البياتي و بدر شاكر السياب و نازك الملائكة ))[20].

هذا و قد كان خليل حاوي (( يستمع الى تسجيل لقصائد من اليوت قبل ان يباشر بنفسه عملية الابداع الادبي ))[21].

فاخذ شاعرنا من اليوت الشيء الكثير في توظيف الاسطورة و ما تحويه قصائد اليوت من اساطير شتى الشعوب , استمد الشاعر تلك الاساطير ليجسد بها مشاعره و افكاره و مجمل تجربته في صور رمزية مبتكرة تشحن القصيدة بالرؤية الشعرية لدى الشاعر . (( و لم يكن الشاعر خليل حاوي الا من الرواد الذين غامروا في هذا الاتجاه الجديد الذي جعلهم في مرتبة الشعراء المرموقين في الشعر العربي المعاصر , و قد التزم بقضايا الحضارة العربية و عاش مأساة الانسان العربي ))[22] و (( كان هاجسه المساهمة في رسم معالم الانبعاث الحضاري العربي و تحديد ملامح النهضة العربية في القرن العشرين , ذلك الوعي الحضري الحاد و كان من اهم مميزات القصيدة العربية الحديثة حقا , و هو ما قادها الى الابتعاد عن الهموم الذاتية التي انغلقت القصيدة الرومنطيقية في شرنقتها , فانطلقت القصيدة المحدثة الى التعبير عن قضايا الانسان المعاصر و الحضارة الانسانية الراهنة ... و لم يكن الشعر الحضاري لدى حاوي مجرد وصف مبسط للازمة الحضارية العربية الراهنة بل كان ايضا تعبيرا عن موقف كاشف و رائد يطهر الفكر الواعي و الاستيعاب النقدي للماضي و يبلغ بالرؤيا الى استشراف المستقبل , ذلك الهوس المستقبلي كان فعلا على المستوى الابداعي و ان كان قاتلا على الصعيد الشخصي )).[23]

و يقول الدكتور تيراب الشريف ان : (( خليل حاوي احد رواد القصيدة الحديثة و لا يختلف اثنان من نقاد الشعر العربي الحديث على ذلك , فهو صوت شعري متميز ذو ايقاع قوي , و مدو و لغة حداثية كلاسيكية في آن : حداثية في شحنتها بالرموز و الاشارات , و كلاسيكية في ميزاتها و قوة سبكها ...و التغير السائد لشعر خليل حاوي انه شاعر الانبعاث , بمعنى ان الموضوع الطاغي على شعره هو رؤيته لجمود الثقافة العربية الحديثة و تخلفها , ثم حلمه ببعثها و تجديدها و الارتقاء بها )).[24] و ان اطلاع الشاعر خليل حاوي على الثقافات و الحضارات العالمية كان وثيقا جدا , و كان فكره الفلسفي عمق رؤياه الشعرية فتميز شعره بفضل ثقافة الفلسفة من شعر الاخرين من رواد الشعر الحديث و ان هذه (( الرؤيا الحضارية عند حاوي مرتبطة بالرؤيا الكونية , الرؤيا الاخيرة بالنسبة له هي التي تمد الشاعر الرائي بمعرفة ما تقتضيه اللحظة الحضارية التي يعيشها من موقف حضاري يتصف على حد تعبيره باليقين المبرم , و يستند الى سلم من القيم المتعالية عما هو آني عابر )).[25]

و قد تجلت تلك المعاناة الحضارية عند الشاعر خليل حاوي رموزا و صور ايحائية معبرة و بنية اسطورية و شعرية ي دواوينه الخمسة : ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و ( بيادر الجوع ) و ( الرعد الجريح ) و ( ومن جحيم الكوميديا ) , و لكن اكثر القصائد تركز على موضوع موت الحضارة العربية و بعثها من جديد هي في دواوينه الثلاثة الاولى التي تعبر من اسمها قبل شعرها عن موت الحضارة فالرمز للحياة لكن يرافقه الرماد رمز للخراب و الدمار و كذلك بيادر الجوع الذي يرمز الى الموت و الاضمحلال بينما يرمز الناي و الريح الى الانتفاضة و التغيير و الانبعاث من جديد و قد (( عبر خليل حاوي في نتاجه الشعري عن الانبعاث الحضاري الذي عاشه على مستوى الرؤيا لا الواقع ثم عن فجيعه بالرؤيا التي كذبها جمود الانحطاط و دوران صوره المتكررة في دوامة فارغة , و جاءت دواوينه الثلاثة : نهر الرماد 1957م , و الناي و الريح 1961م , و بيادر الجوع 1965م , و قصائده الاخيرة الام الحزينة و ضباب و بروق و الرعد الجريح , تعبر عن تجربة الشاعر في الرؤيا الحضارية ثم فجيعته بعد ان كشف الواقع زيف الرؤيا )).[26]

كانت القضية الحضارية من المواضيع المهمة عند الشاعر خليل حاوي حيث اخذت من اهتمامه و شعره الشيء الكثير فكانت تشكل له هاجسا ذاتيا مستمرا دفع الشاعر الى التعبير عن معاناته و الامه بالرموز التي تتراوح بين الرموز التراثية و الرموز الطبيعية و الرموز الواقعية و الرموز اللاشعورية هذا من جانب و من جانب اخر نرى الشاعر قد وظف الاسطورة في شعره لتعبر عن موت الحضارة العربية و انبعاثها من جديد .

 

المبحث الثالث : التراث و الاسطورة في شعر خليل حاوي

التراث و الاسطورة في شعر خليل حاوي :

امتاز العصر الذي عاش فيه الشاعر خليل حاوي بكثير من الاحداث و التقلبات منها ما هو شخصي و منها ما هو عام اجتماعي متمثل بالحروب و ضياع الوحدة العربية اذ ان (( لكل عصر سماته الخاصة التي تفرض على الناس نوعا بعينه من الاهتمام ))[27] , فكان اهتمام اغلب الشعراء في هذا العصر منصب على القضية الحضارية و موتها , و انبعاثها من جديد و مصير الانسان العربي , (( و قد وجد شعراؤنا الجدد في الاساطير حقلا خصبا , و زادا طيعا و مثيرا للتعبير عن معاني البعث و الاحياء و الخصب و الجدب و علاقة الانسان بالطبيعة و الاهم من كل ذلك هو تعبيرهم بالأساطير عن واقعهم الاليم , و عن حياتهم الشخصية و ظروف مجتمعهم و القضية العربية و نكبة العرب في فلسطين ))[28] , و يعد (( استغلال الاسطورة في الشعر العربي الحديث من اجرأ المواقف الثورية فيه , و ابعدها اثارا حتى اليوم لان ذلك استعادة للرموز الوثنية و استخدام لها في التعبير عن اوضاع الانسان العربي في هذا العصر , و هكذا ارتفعت للأسطورة سيطرتها الكاملة )) .[29]

اما الشاعر خليل حاوي فيعد من المجددين المبدعين في توظيف الاسطورة في شعره و كان من الرواد الذين انتشرت الاسطورة في شعرهم كما يقول الدكتور محمد زكي : (( و استخدم الشعراء الجدد الاسطورة , و انتشرت في شعر بدر شاكر السياب , و عبد الوهاب البياتي و خليل حاوي و يوسف الخال بشكل ظاهر ))[30] , و ان خليل حاوي (( من جملة الشعراء المجددين الذين حاولوا تجديد الشعر و تطوير القصيدة العربية اذ انه كان ناقدا و مفكرا معتقدا بان الشاعر في هذا العصر ينبغي له ان يكون ناقدا حضاريا و يجب ان يكون قادرا على ادراك تراثه بنظرة نقدية قادرة على تحديد ما يسميه بالعناصر الحية في التراث .

و كان يرى ان اصالة الشاعر ترتبط باستفادته من التراث و العناصر الحية فيه فكان يجمع بين الشعر و التراث معتقدا بان الجمع بينهما شرط الانطلاقة الشعرية ... و قد استغل - خليل حاوي - التراث بكل امكاناته الفنية و الايحائية و معطياته الثقافية الغنية , فاستلهم التراث بانواعه المتعددة : (( التراث الديني , التاريخي , الاسطوري , الادبي , و الشعبي )) , لمعالجة هموم المجتمع العربي و قضاياه العصرية و احتفل بالشخصيات و الاقوال و الاصوات و المواقف و الافكار ليمنح قصيدته طاقات تعبيرية لا حدود لها و ليكسب تجربته اصالة و شمولا في الوقت ذاته )).[31]

و لم يكن ما ابدعه شاعرنا من شعر حضاري مجرد استلهام مبسط للأسطورة و انما كان شعره خلقا جديدا للتراث الاسطوري صهر الفكر الواعي الرؤية المستقبلية و الاستيعاب النقدي للماضي في عمل فني مكتمل فهو : (( لا يستمد الاسطورة الجاهزة على حالها , و انما يبنيها بناءاً جديداً ))[32] , و من اهم هذه الاساطير التي وظفها الشاعر في شعره ليجسد من خلالها معاناته الحضارية

اولا : تموز و العنقاء :

اتكأ الشاعر خليل حاوي على اسطورتي ( تموز و العنقاء ) في قصيدة ( بعد الجليد ) ليعكس مشهد التشتت الحضاري و الاستلاب الانساني العصري مستنبطا اغوار الواقع العربي المأساوي فهو يقول في توطئته للقصيدة : (( في هذه القصيدة التي تعبر عن معاناة الموت و البعث من حيث هي ازمة ذات و حضارة و ظاهرة كونية , يفيد الشاعر من اسطورة تموز و ما ترمز اليه من غلبة الحياة و الخصب على الموت و الجفاف , و يفيد من اسطورة العنقاء التي تموت ثم يلتهب رمادها فتحيا ثانية ))[33] , في القصيدة جزءان في الجزء الاول من القصيدة و هو بعنوان ( عصر الجليد ) يعكس الشاعر حالة الارض و ما حل بها من اضمحلال و فناء اثر الجليد , اما الجزء الثاني من القصيدة ( بعد الجليد ) فيمثل نقطة تحول بارزة عند الشاعر فهذا الجزء يؤكد على وجود الامل بالبعث من جديد .

فالجزء الاول تعبير عن سيطرة الجليد و تمكنه من الارض حيث الموت يتغلغل الى العظام  و صرير الابواب و كامل الاشياء فهو يقول :

عندما ماتت عروق الارض

في عصر الجليد

مات فينا كل عرق

يبست اعضاؤنا لحما قديد

عبثا كنا نصد الريح

و الليل الحزينا

و نداوي رعشة

مقطوعة الانفاس فينا ,

رعشة الموت الاكيد

في خلايا العظم , في سر الخلايا

في لهاث الشمس , في صحو المرايا

في صرير الباب , في اقبية الغلة

في الخمرة , في ما ترشح الجدران

من ماء الصديد

رعشة الموت الاكيد[34]

ثم نرى الشاعر يصلي الى رب الخصب ( تموز ) متضرعا الى ذلك الاله الخصب و البعث و التجديد و النماء و الاستناد به لخلاصهم من هذا الموت و بعثهم من جديد و ان ينقذ الارض مما يهددها من سعير عقم فيقول :

يا اله الخصب , يا بعلا يغض

التربة العاقر

يا شمس الحصيد

يا الها ينفض القبر

و يا فصحا مجيد

انت يا تموز , يا شمس الحصيد

نجنا , نج عروق الارض

من عقم دهاها و دهانا [35]

(( ان هذا الدعاء لإعادتهم الى الحياة اتى بعد فشلهم في مقاومة الموت و في تحديه بالصلاة و الحب )).[36]

عبثا كنا نصلي و نصلي

غرقتنا عتمة الليل المهل

عبثا نعوي و نعوي و نعيد

عبر صحراء الجليد

نحن و الذئب الطريد

عبثا كنا نهز الموت

نبكي , نتحدى

حبنا اقوى من الموت

و اقوى جمرنا الغض المندى [37]

و ترى الشاعر في مقطع اخر يأمل في ولادة جيل جديد قوي قادر على التغيير فيقول :

عله يفرخ من انقضنا نسل جديد

ينفض الموت , يغل الريح

يدوي نبضه حرى

بصحراء الجليد

حبنا اقوى من الموت العنيد[38]

غير ان هذا الامل لم يدم فقد تبدد و حل اليأس على الشاعر من ميلاد جيل جديد ممتلئ بالانبعاث المقاوم للموت .

غير ان الحب لم ينبت

من اللحم القديد

غير اجيال من الموتى الحزانى

تتمطى في فم الموت البليد[39]

اما الجزء الثاني ( بعد الجليد ) نلحظ في هذا الجزء وجود رمق من الامل يسري في مصارعة الموت و الانتصار عليه بتوقع قدوم تموز لاحياء الارض بعد موتها و من ثم احياء الحضارة العربية الميتة و بعثها من جديد و تكثر في هذا الجزء رموز الحياة و البعث و التجدد مثل : (( الشمس , الغيث , البذر , الربيع ....)).

كيف ظلت شهوة الارض

تدوي تحت اطباق الجليد

شهوة للشمس , للغيث المقني

للبذر الحي , للغلة في قبو ودن

للاله البعل , تموز الحصيد

شهوة خضراء تأبى ان تبيد [40]

ثم نرى الشاعر يدعو الى ضرورة التضحية و الافتداء : من اجل الانبعاث و التجدد و ديمومة الخصب و الحياة مستثمرا اسطورة ( العنقاء) طائر الفينق الذي يتجاوز الموت بتجديد الشباب السرمدي و قد وظف الاسطورة توظيفا شاعريا معبرا ينضح بالامل و التفاؤل و الثقة بالخلاص من هذا الجمود فيقول :

ان يكن , رباه

لا يحي عروق الميتينا

غير نار تلد العنقاء , نار

تتغذى من رماد الموت فينا

في القرار

فلنعان من جحيم النار

ما يمنحنا البعث اليقينا [41]

استخدم الشاعر خليل حاوي اسطورة العنقاء في هذه القصيدة - بعد الجليد - التي تتألف من لوحتين هما : عصر الجليد او عصر الموت , و بعد الجليد او بعد الموت , و هذه الاسطورة تشير الى جمود الحضارة الشرقية و الى حالة الركود و الفناء التي تعيشها البلاد العربية و لكن هذه الحالة ستزول و تنتبه الاجبال القادمة و ستحصل على تجربة جديدة و ستطير في الاجواء المناسبة كما فعلت العنقاء في بناء اسس الحياة حيث تحرق نفسها و تنبعث من رمادها تنضح شبابا و فتوة .

امما تنفض عنها عفن التاريخ

و اللعنة و الغيب الحزينا

تنفض الامس الذي حجر

................

ثم تحيا حرة خضراء تزهو و تصلي

لصدى الصبح المطل

و تعيد[42]

و يختم شاعرنا قصيدته بالصلاة لتموز البعل و التضرع اليه بان يبارك لهم في هذه الارض التي انجبت رجال اقوياء قادرين على بناء الحضارة العربية الجديدة و خلق مستقبل زاهر .

يا اله الخصب يا تموز , يا شمس الحصيد

بارك الارض التي تعطي رجالا

اقوياء الصلب نسلا لا يبيد

يرثون الارض للدهر الابيد

بارك النسل العتيد

بارك النسل العتيد

يا اله الخصب , يا تموز , يا شمس الحصيد[43]

عبر الشاعر من خلال هذه القصيدة عن معاناة الانسان العربي (( معاناة الانسان للموت و الحياة , معاناة الانبعاث من جديد و يستعمل الشاعر اسطورة تموز كرمز لانتصار الحياة و الخصب على الموت و الجفاف , و اسطورة العنقاء التي تموت و يذهب رمادها فتحيا ثانية و بذلك ترمز الى تجدد الحيوية و غلبتها على العقم و الموت ))[44] , و قد وظف الشاعر خليل حاوي اسطورة تموز و اسطورة العنقاء توظيفا معبرا موحيا عما يعانيه الشاعر و ما يعانيه كل انسان عربي و قد (( فتح الباب واسعا بقصيدته تلك لمجموعة من الشعراء في استخدام اسطورة تموز و قد اطلق عليهم الشعراء التموزيون )).[45]

ثانيا : السندباد

تعد اسطورة السندباد من الاساطير الشهيرة في التراث الحكائي الشعبي , مفعمة بالدلالة و الصور الانزياحية المعبرة عن معاناة الانسان و يعبر الدكتور عز الدين اسماعيل عن ذلك بقوله : (( و يفضي بنا هذا الى التراث الشعبي الذي يبتعثه الشعراء المعاصرون في قصائدهم مستغلين ابعاده و دلالاته القديمة , مضيفين اليها من واقعهم الشعوري ابعادا و دلالات جديدة , و في هذا المجال نجد ( الف ليلة و ليلة ) تمد هؤلاء الشعراء بشخصيتين غنيتين بالدلالة هما شخصيتا : ( شهريار ) و ( السندباد ) ... و لكن شخصية السندباد قد ظفرت باهتمام معظم الشعراء المعاصرين ان لم نقل كلهم , و يكفي ان نفتح اي ديوان جديد حتى يواجهك السندباد في قصيدة منه او اكثر , و كم فجر الشعراء في هذه الشخصية الشعبية الفنية من دلالات , لقد تصور كل شاعر في وقت من الاوقات انه السندباد و من ثم تعددت وجوه السندباد بل اننا نجد خليل حاوي - قد تقمص شخصية السندباد - يقوم بسياحة جديدة في قصيدة طويلة يسميها ( السندباد في رحلته الثامنة ) و هي من منظور الشاعر الرحلة التي لم يقم بها السندباد قديما و التي كان لابد ان يقوم بها لو انه كان حيا بيننا و قد احياه الشاعر بكل ابعاده النفسية القديمة و لكن يضيف اليه من ابعاد العصر ما لم يتح له من قبل )).[46] اتخذ الشاعر خليل حاوي من هذه الاسطورة معادلا فنيا , يعكس من خلاله معاناة الانسان العربي , و مؤكد ان السندباد يمثل امتدادا و رمزا للإنسان المعاصر , فقد جاء ببناء جديد معبر من تلك الاسطورة (( فهو لا يستمد الاسطورة الجاهزة على حالها و انما يبنيها بناء جديدا فالسندباد قديم و لكن وجوه السندباد و السندباد في رحلته الثامنة تمثلان اسطورة جديدة اسطورة الانسان المعاصر في الصراع بينه و بين معوقات الزمان و المكان  محاولته للتخلص من ثقل التجربة التاريخية و الانطلاق الى رحاب اوسع )).[47]

و يعود ذلك الخلق الجديد للاسطورة الى المقدرة الفنية التي تميز بها الشاعر خليل حاوي و ان (( عبقرية خليل حاوي الفنية استطاعت ان تخلق من واقعنا المعاصر اسطورة رائعة , و تظهر اثارها جلية في شعرنا العربي المعاصر )).[48]

للشاعر خليل حاوي قصيدتان باسم السندباد الاولى ( وجوه السندباد ) و الثانية ( السندباد في رحلته الثامنة ) و لو اخذنا القصيدة الثانية ( السندباد في رحلته الثامنة ) لوجدنا ان الشاعر قد اضاف شيئا جديدا لهذه الحكاية حيث جعل للسندباد رحلة ثامنة اضافة الى رحلته السابعة و ان الشاعر بهذه الرحلة جعل من نفسه هو السندباد و من دار السندباد وطنه الذي يعيش به فهو يقول في توطئة القصيدة : (( كان في نيته الا ينزعج عن مجلسه في بغداد بعد رحلته السابعة , غير انه سمع ذات يوم عن بحارة غامروا في دنيا لم يعرفها من قبل , فكان ان عصف به الحنين اى الابحار مرة ثامنة , و مما يحكي على السندباد في رحلته هذه انه راح يبحر في دنيا ذاته فكان يقع هنا و هناك على اكداس من الامتعة العتيقة و المفاهيم الرثة , رمى بها جميعا في البحر و لم يأسف على خسارة , تعرى حتى بلغ بالعري الى جوهر فطرته , ثم عاد الينا يحمل كنزا لا شبيه له بين الكنوز التي اقتنصها في رحلاته السالفة , و القصيدة رصيد لما عاناه عبر الزمن في نهوضه من دهاليز ذاته الى ان عاين اشراقة الانبعاث و تم له اليقين )).[49]

القصيدة تتوزع على عشرة مقاطع تجسد رحلة الشاعر الى مجاهل التاريخ , و هي في مضمونها ثورة على جمود التاريخ و عفونيته كما رأينا في تلك التوطئة , و كما نرى ذلك في القصيدة فمنذ المقطع الاول يكشف السندباد عن ظواهر القلق و التوتر التي يخلفها الواقع الراهن , مشيرا الى التناقضات و التمزقات التي تولدها الحياة المدنية في النفس الانسانية و ما تخلفه في حياتنا من غبار القهر و الاغتراب فيقول :

داري التي ابحرت غربت معي

و كنت خير دار

و غربة الديار

و الليل في المدينة

تمتصني صحراؤه الحزينة

و غرفتي ينمو على عتبتها الغبار

فأبتغي الفرار [50]

اما المقطع الثاني من القصيدة يمثل وصفا شاملا للواقع السقيم الذي يعيشه السندباد , ذلك الواقع المختل الملوث العفن المحاصر بدياجير الجهل و التخلف , الرازح تحت وطأة الاستسلام و الانقياد لتراكمات ثقافية متنوعة , ذات جوهر تصادمي فالرسوم الدينية ترصع جدران اروقة الدار ... يقول :

و كان في الدار رواق

رصعت جدرانه الرسوم

موسى يدي

ازميل نار صاعق الشرر

يحفر في الصخر

وصايا ربه العشر :

الزفت و الكبريت و الملح على سدوم

هنا على جدار[51]

و لكن يبدو ان هذا الشرائع الربانية و الوصايا المقدسة التي تحفر في الصخر و تعلق على الجدران تقابل بالانتهاك من قبل الكهان الفجار المنافقين الذين يستبيحون حرماتها منقادين لغرائزهم و شهواتهم الدنيوية :

على جدار اخر اطار :

و كاهن في هيكل البعل

يربي افعوانا فاجرا و بوم

يفتض سر الخصب في العذارى

يهلل السكارى

و تخصب الارحام و الكروم

تفور الخمرة في الجرار

على جدار اخر اطار[52]

ثم نرى الشاعر يعرض صورة مناقضة لصورة الكاهن الفاجر , و هي صورة الزاهد الذي يتقمص شخص المعري :

هذا المعري

خلف عينيه

و في دهليزه السحيق

دنياه كيد امرأة لم تغتسل

من دمها يشتم ساقيها و ما يطيق

شطي خليج الدنس المطلي بالرحيق

تكويرة النهرين من رغوته

و سوسن الجباه

المجرم العتيق

و الثمر المر الذي اشتهاه[53]

اثار الشاعر خليل حاوي على هذا الواقع التاريخي المستجمد الموغل في القدم الذي ترشح جدران تاريخه بهذ الرسوم القاتمة .

من هذه الرسوم

يرشح سيل

مثقل بالغاز و السموم[54]

نرى السندباد في المقطع الثالث من القصيدة قد عزم على تغيير الاوضاع و تطهير داره من كل ما تحويه و يتخلص من ماضيه و من تراثه ليفتح ابواب الدار عله يعد بالجديد المجهول الذي يبحر من اجل اكتشافه , و ما شخصية السندباد الا الشاعر نفسه الذي يبحث عن التغيير و الانبعاث من جديده , و ما دار السندباد الا رمزا للوطن الذي يعيش فيه الشاعر خليل حاوي .

سلخت ذاك الرواق

خليته مأوى عتيقا للصحاب العتاق

طهرت داري من صدى اشباحهم

في الليل و النهار

من غل نفسي , خنجري

ليني , و لين الحية الرشيقة

عشت على انتظار

لعله ان مر اغويه

فما مر

و ما ارسل صوبي رعده ,  بروقه [55]

و يمضي الشاعر الى المقطع الثامن , مبشرا بانبعاث عربي قريب البزوغ , فو ينتظر البشارة بقلق و تلهف , فقلبه يدق مثل دلف اسود و قد طال الصمت من حوله و شفتاه قد جفتا الى ان بزغت الرؤيا اخيرا لتغني في دمه بصحو الصباح فيقول :

و لم ازل امضي و امضي خلفه

احسه عندي و لا اعيه

..........

دقات قلبي مثل دلف اسود

تحفر الصمت

تزيد السواد

.......

و فورت من عتمتي مناره

اعاين الرؤيا التي تصرعني حينا

فأبكي

كيف لا اقوى على البشارة

شهران , طال الصمت

جفت شفتي

متى متى تسعفني العبارة ؟

..........

و اليوم , و الرؤيا تغني في دمي

برعشة البرق و صحو الصباح

و فطرة الطير التي تشم

ما في نية الغابات و الرياح [56]

بعد ذلك يصل المقطع التاسع ليزف بشارة بزوغ رؤيا مشرقة متوهجة مليئة بالخصب و الانبعاث حيث يرى الشاعر البلاد مروج مدخنات فيقول :

تحتل عيني مروج , مدخنات

و اله بعضه بعل خصيب

بعضه جبار فحم و نار

مليون دار مثل داري و دار

تزهو بأطفال غصون الكرم

و الزيتون , جمر الربيع

غب ليالي الصقيع[57]

ثم نرى الشاعر يذهب بخياله الواسع و رؤيته الناقدة الفاحصة ليصور لنا الواقع الراهن الذي تعيشه الامة العربية بأسرها من المحيط الى الخليج , و هو يصرح ان ما من سبب و ضرورة يدعونه للاحتفاء بالشمس , لولا رؤيته ابناء يعرب يهرعون للاغتسال بمياه انهارهم ( النيل , الفرات , و في الاردن ) و ذلك للتطهير من ادران الخطايا , فيقول :

ما كان لي ان احتفي

بالشمس لو لم اركم تغتسلون

الصبح في النيل و في الاردن و الفرات

من دمعه الخطيئة [58]

و نرى الشاعر من جديد يعود الى الامل و الثقة و الايمان بعودة الحضارة العربية الى شموخها و وحدتها .

و سوف يأتي زمن احتضن

الارض و اجلو صدرها

و امسح الحدود[59]

و يأتي المقطع العاشر الذي يتحدث فيه السندباد عن اخبار رحلاته السبع التي لم تكن سوى روايات اسطورية عن الغول , الشيطان , المغارة , و الحيل التي تحيا لها المهارة , شاهرا افلاسه بعد ان ضيع رأس المال في تلك الرحلات السبع , فيقول :

رحلاتي السبع روايات عن

الغول , عن الشيطان و المغارة

عن حيل تحيا لها المهارة

اعيد ما تحكي و ماذا عبثا

هيهات استعيد

ضيعت رأس المال و التجارة [60]

و لكن بالرغم من تبدد رأس المال و ضياع التجارة , الا ان شاعرنا قدما و في فمه البشارة عاد يحمل الامل بفطرته النقية , فيقول :

عدت اليكم شاعرا في فمه بشارة

يقول ما يقول

بفطرة تحس ما في رحم الفصل

تراه قبل ان يولد في الفصول [61]

 و من خلال ما تقدم , يمكننا القول : ان الشاعر خليل حاوي قد استخدم اسطورة السندباد استخداما فنيا جديدا و مغايرا لمألوفها الحكائي الشعبي , فهو لم يعرضها بشكلها التقليدي و دلالاتها الموروثة القديمة , بل عمد الى تفكيك انساقها و تشكيلها تشكيلا جديدا , فقد جعل منها اسطورة جديدة تعبر عن معاناته و معاناة كل انسان عربي عاش تشتت و ضياع الوحدة العربية , و الجمود و التخلف الذي حل بالأمة العربية و ضياع ما تملكه من قيم حضارية .

الخاتمة

تناولت هذه الدراسات موضوع القضية الحضارية في شعر خليل حاوي , كونه من الموضوعات المتميزة في شعره , فقد اتخذ الشاعر من الحضارة العربية و ما اصابها من دمار و استلاب و جمود , و من معاناة الانسان العربي ميدانا لكتاباته عامة و الشعرية خاصة , فقد عانى الشاعر القضية الحضارية معاناة صادقة مؤثرة في نفسه و كان لتلك المعاناة اسباب كثيرة منها :

•-         الحياة الاسرية التي يعيشها حيث كان ينتمي الى اسرة فقيرة غير ميسورة الحال , اضافة الى موت اخوته جميعا حيث كان لهذه الحادثة الاثر البالغ في نفسه .

•-         العلاقة العاطفية الفاشلة حيث لم يتمكن من الزواج بحبيبته بسبب العوز المادي .

•-         الروح القومية العالية التي كان يتمتع بها الشاعر خليل حاوي .

•-         الاحتلال الصهيوني للأرض العربية و دخوله الى لبنان الحادثة التي دفعت الشاعر الى الانتحار .

و حينما نقرأ قصائد الشاعر خليل حاوي و نتعرف على خصائصها الشعرية نجده يتمتع بمقدرة عالية في جمع الاساطير و الرموز معا , فقد اظهر ثقافة عريقة تبين مدى وعيه بالتقنيات الحديثة في توظيف التراث و الاسطورة في شعره للتعبير عن معاناته و معاناة كل انسان عربي فقد وجدنا عنده قدرة باهرة على المزج بين الخاص و العام في شعره .

و يحسب للشاعر خليل حاوي انه لم يستمد الاساطير على حالها بل عمل على تفكيكها و نسجها نسجا جديدا معبرا عن واقعه فكانت قصائده حية و كلامه نابض , حيث استخدم شعره لخدمة مجتمعه و النهوض به الى مستوى اعلى فكان يؤكد على ضرورة تعرف الجيل الجديد على نجاة المجتمع العربي , و ان هذه الاجيال الجديدة قادرة على الانبعاث من جديد , و النجاة من هذا التخلف و الاضمحلال الذي اصاب الحضارة العربية .

و الحقيقة ان الشاعر خليل حاوي شاعرٌ متميز يمتلك قدرة شعرية فائقة صور من خلالها معاناته و ما يعانيه كل انسان عربي و ما تعانيه الامة العربية من استلاب و ضياع لحضارتها العريقة التي كانت شامخة عبر مر العصور .

 

الهوامش


[1] -سورة البقرة , اية 133.

[2] -سورة البقرة , اية 180.

[3] -سورة النساء , اية 8 .

[4] -سورة التكوير , اية 14.

[5]- لسان العرب , لابن منظور , ج3 , ص214-215, مادة حضر .

[6] -مفردات الراغب الاصفهاني , ص241-242, مادة حضر - بتصرف .

[7] -دراسات في نقد الادب العربي , من الجاهلية الى غاية القرن الثالث , تأليف : الدكتور بدوي طبانة , دار الثقافة , بيروت- لبنان , ص50.

[8] - الديوان , خليل حاوي , ص5-6 , دار العودة , بيروت .

[9] - ينظر : ترجمته في : أ- موسوعة الادب و الادباء العرب في روائعهم , ص373 .

ب-عبد المجيد الحر : خليل حاوي , دار الكتب العلمية , ط1 , 1995م , ص64.

ج- ايليا حاوي : خليل في سطور من سيرته و شعره , دار الثقافة , ط1 , الفصل الاول .

[10]-عبد المجيد الحر , خليل حاوي , ص72.

* الهلال الخصيب : تعبير اطلقه المؤرخ الامريكي ( جيمس برستد ) على المنطقة الخصبة الممتدة على شكل هلال من جنوب العراق الى شماله و من ثم الى سوريا و فلسطين حتى سواحل البحر المتوسط الشرقية .

[11] -عبد المجيد الحر , خليل حاوي , ص74.

[12] -ايليا حاوي , خليل في سطور من سيرته و شعره , ص89.

[13] -ريتا عوض , مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد98 / ربيع 2014 , ص44.

[14] -ينظر : موسوعة الادب و الادباء العرب في روائعهم , ص373-374.

[15] - ريتا عوض , مجلة الدراسات الفلسطينية , ص45.

[16] -ريتا عوض , مجلة الدراسات الفلسطينية , ص45.

[17] -الطريق العدد الاول /1971م - بيروت , ص92-96 , نقلا عن الحداثة في الشعر العربي المعاصر , د. محمد العبد حمود , ص265 -266 .

[18] -د. احمد كمال زكي , الاساطير , دار الكتاب العربي للطباعة و النشر , ص64-65 , نقلا عن الحداثة في الشعر العربي المعاصر , ص152.

[19] - الحداثة في الشعر العربي المعاصر , د. محمد العبد حمود , ص62-63.

[20] - احمد كمال زكي , الاساطير , ص94-95.

[21] - د. محمد العبد حمود , الحداثة في الشعر العربي المعاصر , ص128.

[22] - د. عبد الحميد جيدة , الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر , ص244.

[23] - ريتا عوض , مجلة الدراسات الفلسطينية , ص45.

[24] -د. تيراب الشريف , الشعرية الثقافية خليل حاوي , ص2.

[25] -د. محمد جمال باروت , دراسات نقدية في اعمال السياب , حاوي , نقلا عن توظيف الشعر للاسطورة , 121.

[26] - ريتا عوض , اسطورة الموت و الانبعاث في الشعر العربي الحديث , ص95.

[27] - د. عز الدين اسماعيل , الشعر العربي المعاصر قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية .

[28] -د. محمد زكي العشماوي , اعلام الادب العربي الحديث و اتجاهاتهم الفنية , ص180.

[29] -د. احسان عباس , اتجاهات الشعر العربي المعاصر , ص129.

[30] - د. محمد زكي , اعلام الادب العربي الحديث , ص181.

[31] -مجلة دراسات في اللغة العربية و ادابها , فصلية محكمة عدد6 -2011 , ص140-141.

[32] -د. احسان عباس , اتجاهات الشعر العربي المعاصر , ص133.

[33] -ديوان الشاعر , ص115.

[34] -ديوان الشاعر , ص117-118.

[35] -ديوان الشاعر , ص119-120.

[36] -د. تيراب الشريف , الشعرية الثقافية خليل حاوي , ص7.

[37] -ديوان الشاعر , ص120-121.

[38] - المصدر نفسه , ص122-123.

[39] -المصدر نفسه , ص123.

[40] -ديوان الشاعر , ص124.

[41] -ديوان الشاعر , ص125-126.

[42] -المصدر نفسه , ص126-127.

[43] -ديوان الشاعر , ص128.

[44] - د. عبد الحميد جيده , الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر , ص245.

[45] - د. عايدي علي جمعة , شعر خليل حاوي دراسة فنية , ص183.

[46] - د. عز الدين اسماعيل , الشعر العربي المعاصر , ص35.

[47] - د. احسان عباس , اتجاهات الشعر العربي المعاصر , ص134.

[48] -د. عبد الحميد جيده , الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر , ص247.

[49] - ديوان الشاعر , ص253.

[50] -ديوان الشاعر , ص255.

[51] - ديوان الشاعر , ص258-259.

[52] - المصدر نفسه , ص259-260.

[53] -ديوان الشاعر , ص260-261.

[54] -المصدر نفسه , ص261.

[55] -ديوان الشاعر , ص267-268.

[56] -ديوان الشاعر , ص286-289.

[57] - المصدر نفسه ,ص294.

[58] -ديوان الشاعر , ص294.

[59] - المصدر نفسه , ص297-298.

[60] - ديوان الشاعر , ص298.

[61] - المصدر نفسه , ص299.

المصادر و المراجع

•-         القران الكريم .

•1-   ديوان خليل حاوي , دار العودة بيروت - لبنان 1993 .

•2-   الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر , تأليف : الدكتور عبد الحميد جيده , مؤسسة نوفل , بيروت , ط1 , 1980م .

•3-    اتجاهات الشعر العربي المعاصر , تأليف : الدكتور احسان عباس , سلسلة عالم المعرفة الكويت , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب, 1978م .

•4-    الحداثة في الشعر العربي المعاصر بيانها و مظاهرها , تأليف : الدكتور محمد العبد حمود , الطبعة الاولى , 1996م , الشركة العالمية للكتاب , ش . م . ل . بيروت - لبنان .

•5-    اسطورة الموت و الانبعاث في الشعر العربي الحديث , تأليف : الدكتورة ريتا عوض , رسالة ماجستير , الجامعة الامريكية في بيروت , 1974م .

•6-    الشعر العربي المعاصر قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية , الدكتور عز الدين اسماعيل , الطبعة الثانية , 1972م , دار العودة و دار الثقافة , بيروت .

•7-   الشعرية الثقافوية خليل حاوي , د. تيراب الشريف , جامعة الحصن ابو ظبي دولة الامارات العربية , بحث مقدم للمؤتمر الدولي الثاني للغة العربية المنعقد في دبي 7/10/2013.

•8-   اعلام الادب العربي الحديث و اتجاهاتهم الفنية , د. محمد زكي العشماوي , دار المعرفة الجامعية , 2000م .

•9-    توظيف الشعر للأسطورة في ضوء الدراسات العربية المعاصرة , سعيدي بو علام , رسالة ماجستير في الادب العربي , 2011-2012م .

•10-                         خليل حاوي في سطور من سيرته و شعره , ايليا حاوي, ط1 , 1984م , دار الثقافة , بيروت .

•11-                         خليل حاوي , عبد المجيد الحر , دار الكتب العلمية , بيروت - لبنان , الطبعة الاولى , 1995م .

•12-                        دراسات في نقد الادب العربي من الجاهلية الى غاية القرن الثالث , تأليف : الدكتور بدوي طبانة , دار الثقافة , بيروت - لبنان .

•13-                        شعر خليل حاوي دراسة فنية , د. عايدي علي جمعة , الطبعة الاولى , 2006م , الهيأة العامة لقصور الثقافة .

•14-                        لسان العرب , لابن منظور , ج3 , دار احياء التراث العربي , مؤسسة التاريخ العربي , بيروت - لبنان .

•15-                        مفردات الراغب الاصفهاني , مطبعة ذوي القربى , الطبعة الرابعة .

•16-                        موسوعة الادب و الادباء العرب في روائعهم , ج14 , عصر النهضة و العصر الحديث " 2 " , اعداد : د. اميل بديع يعقوب , ط1 , 2006م , دار نور بليس .

الدوريات

•1-   مجلة دراسات في اللغة العربية و آدابها فصلية محكمة العدد 6/2011م .

•2-   مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد 98/ ربيع 2014م .

 

د. صدام فهد الاسدي


التعليقات




5000