..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
 
 
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رائعة دمدم في سرديّة مصطفى صالح كريم

صلاح بابان

صدر حديثاً عن وزارة الثقافة والسّياحة والآثار كتاب بعنوان "شهداء قلعة دمدم" للكاتب الكوردي مصطفى صالح كريم، بـ "88" صفحة من القطع المتوسّط، والّذي يسرد من خلالها إحدى القصص الّتي تروي إحدى أهم البطولات الوطنيّة في تاريخ الكورد، والّتي وقعت في قلعة دمدم.

جاء الكتاب في طبعته الثانيّة بمقدّمة من الأديب الراحل "شكور مصطفى" الّذي ذكر فيها: إنّ تاريخ الشعب الكردي، إذا عبّر عنه بلغة شعريّة، مثل وحده ملحمة طويلة، ولدت بداياتها، الأولى مع إندلاع نار بابا كوركور، وقيام جبال ئاكري، ومازال أبطالها يتجوّلون في كلّ ارجاء كوردستان، ويثور الغبار من تحت أرجل خيولهم مادامت النّار تتّقد في المواقد والدّم يجري في عروق الكرد أبناء كوردستان.

إنّ (أمير خان) ذا الكفّ الذهبيّة كان واحداً من أبطال تلك الملحمة الكبيرة، فهو سواء أكان ينتمي إلى عائلة الأمراء والسّادة أم إلى عائلة الفقراء والمعدّمين، لم يكن ليقبل أن يكون (خاناً) ذليلاً، يأتمر بأوامر شاه الفرس، أو (بيكا) خادماً للقيصر الرومي.

كان في الحقيقة كرديّاً واعيّاً، عرف عدوّه جيّداً، لذلك لم يكن يثق بالشاه الفارسي، أو يطمئن للقيصر الرومي، فما كان يلجأ إليه في أوقات الشدّة والمحن، ويعتمد عليه كلّيّاً، هو الجبل، الحصن المنيع الأمين، وشعبه الكرديّ الشجاع الوفي الأصيل.

إستطاعت مأساة قلعة دمدم، سواء من الناحيّة التاريخيّة، أم كملحمة أو قصّة إنسانيّة تراجيديّة، أن تجد لها مكاناً راسخاً في قلب شعب كوردستان وذاكرته على مرّ الزّمن، حيث إنتقلت من جيل إلى جيل عن طريق الشفاه، لتصبح مثالاً للبطولة والجرأة والإقدام، فمادام الكرد وكوردستان باقيين، وسيبقيان، فأنّها سوف تبقى ملحمة ترويها الأجيال، وحديثاً يدور على لسان المئات من القاصّين والشّعراء والمغنّين، وبطاقة دعوة لآلاف من النّدوات ومجالس السمر والتجمّعات الثقافيّة.

إنّ القاصّ الأديب والإعلامي مصطفى صالح كريم هو واحد من أولئك الأدباء الّذين يحملون هذه الراية، وأحد القاصّين المهرة المبدعين من الكورد، فهو الّذي بدأ السّير في هذا الطريق الشائك، لكتابة القصّة في الأدب الكوردي، قبل ما يقارب ربع قرن من هذا الزّمن.

لقد إتّخذ الأديب المرحوم "شكور مصطفى" من هذه المقدّمة المتواضعة نافذة ليُدخل النور إلى تلك الغرفة الّتي شهدت على ما حدث للكورد على مرّ التاريخ، وإنّ أهم ما ركّز عليه في مقدّمته هذه، هو الإصرار والثّبات والتّضحيّة الأزليّة لدى الشّعب الكوردي من أجل الوجود القومي، والبقاء الإنساني، والحفاظ على هويّته الوطنيّة حتّى ولو كلّف ذلك الغالي والنّفيس.  

إنّ الشّعب الكورديّ الّذي تحمّل ويلات الطغاة، وظلم الملوك والأمراء، على مرّ التّاريخ، وتعرّض إلى كلّ هذا الظلم والإضطهاد، إلّا أنّه ما تنازل عن قضيّته الوطنيّة القوميّة، وسيبقى الكورد شعباً مسالماً محبّاً للخير والإنسانيّة، وسيناضل من أجل أن تبقى هويّته دون زوال، ورايته خفّاقة في أعالي قمم الخلود والمجد.

وكذلك، كشف لنا من خلال هذه المقدّمة، إنّ الأديب الكبير مصطفى صالح كريم إستطاع ومن خلال شاعريّته السرديّة، وذائقته الأدبيّة الّتي كشفها في بعض المواطن داخل القصّة، وحبكها حبكةً حكائيّة سرديّة، أنّ يجعل لنا قصّة دمدم واحدة من أجمل وأروع ما كتبَ في القصّة الكورديّة، إنّ كريم، جعل بما يملكه من إحساسٍ مرهف، وحسّ وموسيقى فنّيّة ببعدها الإنساني الوطني القومي أن يصف لنا تلك المأساة الّتي وقعت في دمدم بأروع الصور الشاعريّة الإنسانيّة.

إنّ مصطفى كان الأداة الأهم والأبرز الّذي جعل دمدم أن ترى النور وتحلّق مرفوعة الرأس متنقّلة من شفاه جيلٍ إلى آخر، ويكوّن لها هويّة واسم في سجل البطولات والتّضحيّة والنّضال والكفاح في تاريخ الشعب الكوردي.

بعدها بدأ مصطفى بسرد أحداث ولحظات مهمّة في حياته جمعها تحت عنوان "كلمات من الذاكرة"، يقول فيها: في بداية حياتي الأدبيّة أردت أن أتوجه بكتابة رواية أو قصّة طويلة أجسّد فيها نضالات شعبي ومعاناته، وفي ذلك الحين وعن طريق الصدفة استعرتُ من المكتبة العامّة في مدينتي (السّليمانيّة) كتاب (الشّرفنامة) ترجمة الأديب الكبير الأستاذ جميل الروزبياني، الّذي استشهد في بغداد على أيدي جلاوزة البعث، وأثناء تجوالي في فصول هذا الكتاب القيم قرأت سطوراً عن قلعة دمدم، فتأثرت بمضمونها تأثّراً كبيراً ممّا دفعني إلى البحث عن مصادر أخرى تغني معلوماتي عن تلك القلعة، ولكنّي في الحقيقة لم أجد ضالتي وكانت الكتابات المتعلّقة بتلك القلعة مبتورة.

ومن ثمّ سلّط المؤلّف الضوء على أهم الذكريات والمواقف الّتي حصلت وهو يبحث عن المصادر ليجمع منها معلومات دقيقة عن دمدم ليكتب عنها ما بخاطره وهواجسه، وكذلك ذاك التّعب الّذي تحمّله من أجل إكمال هذه القصّة، وعرضها للنور، وكذلك يسرد لنا أهم محطّة في حياته أثناء إنشغاله بكتابة هذه القصّة، وهو لقاءه بالكاتب الكوردي المعروف إبراهيم أحمد، فيذكر لنا إعجاب وتأييد أحمد لهذه القصّة لما تحمله من المعاني الساميّّة الّتي تسلّط الضوء وتؤكّد على القضيّة الكورديّة، ونضال الكورد على مرّ التاريخ، ولأهميّة القصّة من الناحيّة الثقافيّة والقوميّة كان قد وعده الكاتب الكوردي الكبير إبراهيم أحمد بالإهتمام بهذه القصّة وكتابة مقدّمة عنها، إلا أنّ حدوث ثورة الرابع عشر في العراق، وإنشغاله بالأمور السّيّاسة ومتاعبها، نسيّ إبراهيم ما كان ينوي القيام به تجاه هذه القصّة.

وبعدها يختم عنوانه هذا بتلك الذكرى الرشيقة عند لقاءه بالدكتور فؤاد حمه خورشيد في بغداد عام 2005 عندما كان مديراً عاماً للثقافة والنشر الكورديّة، وقد تفاجئ بالنسخة المطبوعة من هذه القصّة بترجمة من الأديب المرحوم محمّد البدري.

بعدها يستهل مصطفى قصّته هذه، من فصل الخريف، ذاك الفصل الّذي تصفرّ فيه وجوه الحبّ، وأوراق الشجر، ذاك الفصل الّذي يتنازل ويترك أوراق الشجر أن تذبلّ بعد ربيعاً من الحب، وشتاءً من الحنان، يكشف لنا مصطفى بمقدّمة قصّته هذه تلك الفرحة العارمة الّتي يحسّ بها الشّعب الكوردي حينما يحكم ُ نفسه بنفسه، بعيداً عن الحكام من غير الكورد، وذلك من خلال سطوره الأولى بعد أن تمّ إعادة رئاسة عشيرة برادوست إلى (أمير خان)، إذ كان اسم (أمير خان) الشّجاع على لسان جميع أهل المنطقة، وليس ثمّة حديث غير الحديث عن (الخان) وقلعته الّتي إنتهى من بنائها بمساعدة أبناء عشيرته، الجّميع سعداء، لأنّ (الشّاه عبّاس الصفوي) أعاد رئاسة القبيلة إليه، وقرّر تعويض كفّه الّتي قطعت لأصابتها بطلق ناري في معركة جرت قبل سنوات عدّة، خاضها لمساعدة حاكم سوران، بكفٍ مصنوعة من الذهب، كما كانوا فرحين أشدّ الفرح لقيام (أمير خان) الملقب بـ(الكفّ الذهبيّة) ببناء قلعة دمدم القديمة من جديد، لتنجدهم وتحميهم في الأوقات العصيبة. وهذه بحدّ ذاتها إشارة واضحة يشير إليها مصطفى بأنّ الشعب الكوردي سيبقى معرّضاً للإضطهاد والتهميش على مرّ الزّمن من أعداء الإنسانيّة، لذلك يسعى الكورد دائماً إلى إيجاد طرق ووسائل مختلفة تحميهم من هذا الإضطهاد، وبناء القلعة من قبل (أمير خان) وأفراد عشيرته، خير دليل على ذلك.

 ثمّ يروي لنا مصطفى قصّة حبّ في سرديّته الحكائيّة هذه بين أحد أبطال كوردستان (عودال بك)، وأميرة من أميراتها (فيان)، وشهد على حبّهما ذاك الجبل الّذي كان ولازال من أحد العوالم المهمّة في تاريخ الشعب الكوردي، وأحد السور المهمّة في النضالات والمعارك الّتي خاضها الكورد ضدّ أعدائهم.

قام فارس على قدميه، متوجهاً نحوها وقال لها بكلّ رقّة ولهفة: وا فرحتاه: (فيان) روحي، أهذه أنتِ؟ لقد خفت ألّا أراك هذا اليوم!.

- نعم، هذه أنا، يا (عودال بك). كيف تتخيل بأنّي لا آتي؟! أنت في نظري الشاب الوحيد في برادوست الّذي أهبه حبّي! أنت الإبن الوحيد (لأمير خان). تسلّم قلبك لي، وتظن إنّي لا أحافظ عليه؟! لتقطع الخناجر قلبي، إن لم يحافظ على حبّك.

قصّة الحبّ هذه واحد من آلاف القصص الّتي عاشها أبناء الكورد، وخطّوا منها أجمل الذكريات على الرغم من كلّ تلك الأوجاع والآهات الّتي لاقوها في أزمان وفترات مختلفة، إلّا إنّ أحاسيسهم ومشاعرهم تجاه الآخر ما أخمد نيرانها أبداً.

كان للحبيبان أملاً بأنّ يكوّنا لعيشهما مع بعضهما كما يعيش الكثير من البشر تحت خيمة الحب، وتحت زخات مطر شتاء الحنان، وربيع جمال العشق، إلا إنّ تأخر إكمال القلعة لاسيّما قلعة (نارين) منها الخاصّة بأفراد (أسرة الخان)، أخّر ذلك إلى غير حين، ومع مرور الوقت والحديث المتبادل عن الحبّ والعشق، وجنونهما لبعضهما البعض، ما غاب الشكّ والخوف في قلب فيان تجاه ( محمود كيهكاني) الخادم والحافظ لأسرار الأمير (عودال بك).

بعدها يستمرّ القاصّ مصطفى صالح كريم في سرد حكايته هذه، والأحداث والبطولات التاريخيّة الّتي وقعت في القلعة، فبعد أنّ تمّ إكمال بناء القلعة، متضمّنة العديد من الغرف والصّالات والمخازن للأعتدة وكذلك قلعة (نارين) الخاصّة بأسرة (الخان)، تكرّر السيناريو الّذي إعتاد عليه الكورد على مرور تاريخهم بأن يكون للغريب سطوة وحكم ومكان وقرار في ديارهم ووطنهم، وهذا مستحيل بالنّسبة للكورد، فبعد أن وصلت رسالة إلى (أمير خان) من (الشّاه عبّاس) يطلب فيها من (أمير خان) بإسكان ثمانيّة آلاف من مجموع عشرين ألف من قطّاع الطرق الجلاليين الّذين هربوا من أراضي (العثمانلي) أمام زحف جنود (قويوجي مراد باشا)، وهذا الطلب من (الشاه عبّاس) ما هو إلا إفتزاز ومكر وخديعة منه للإستيلاء على هذه القلعة وإهانة أهلها وشعبها، وهذا مرفوض بتاتاً عند سكان القلعة، فقام رجالها مشهرين أسلحتهم وخناجرهم وأبسط ما يملوكونه من الأسلحة البسيطة والخفيفة، واعدين (أمير خان) بأنّهم لا يسمحون للغريب بالدخول إلى القلعة وإهانة أهلها وشعبها، حتّى لو كلّفهم ذلك حياتهم وأموالهم وأرواحهم، ووعدوا الأمير بأنّهم سيضحون بالغالي والنّفيس من أجل الحفاظ على كرامة القلعة، والدّفاع عنها إلى آخر لحظة من حياتهم.

وبعد أن رفض (أمير خان) طلب (الشاه عبّاس)، قام الشاه بجلب الآلاف من عساكره وقادته وجنوده للهجوم على القلعة والسيطرة عليها، وقبل أن يقوم بذلك وجّه رسالة إلى (أمير خان) بأنّه قد أرسل العدد الذي ذكره له في الرسالة الأولى بإسكان هؤلاء الجنود بقيادة (حسن خان) في القلعة، وإلا سيقوم بذلك حسن خان بالقوّة، وهذا ما رفضه أمير خان وأهل القلعة، بعدم موافقتهم على إقامة أجنبي على أرضهم ولو حتّى في شبرٍ واحدٍ منها، وذلك لأنّ نوايا الشاه سيّئة من هذا العمل.

ومع بزوغ الفجر اشعلت نيران الحرب واستبسلت المنطقة الّتي كانت بأمرة (عودال بك) من القلعة استبسال الأبطال في الدفاع والقتال كان جديراً بالفخر جيلاً بعد جيل بين الكورد، اذ لم يكن بين المقاتلين أحد أطلق رصاصة ولم يصب هدفه في مقتله فكلّ رصاصة تنطلق من بنادقهم تسقط جلالياً أو ذا طاقية حمراء من جند العدو على فرسه لقد شتّتوا شملهم، وفرقوهم شذرمذر لينطبق على حالهم مضمون المثل الكوردي "فعلوا بهم ما لهم تفعله الرياح ببيت الشعر الممزق". كانت (فيان) تملأ مخازن بنادق المقاتلين بسرعة بالعتاد مراراً وتكراراً، وتشجعهم بقولها: هذا يوم تاريخي، فلقّنوهم درساً لاينسوه أبداً. فبنات كوردستان وعلى مرّ التاريخ لسن دروعاً للمقاتلين فحسب، بل هنّ خير ظهير ومساند لهم.

اشتدت المعارك بين الطرفين بمرور الأيّام، ولم يكن يعاني الكورد داخل القلعة من أيّ نقص. فقد كان لديهم طعام وفير، وسبق أن حفروا خندقاً تحت القلعة يصل إلى ينبوع ماء عذب، لم يعرف بوجوده العدو، يزوّدهم بالماء الصافي بكلّ حريّة على نقيض الجنود القزلباش الذين تشتت شملهم وتفرّقوا أمام أنظار المقاتلين في القلعة، لذلك لم يمض وقت طويل حتى بادر (حسن خان) قائد الجيش العدو باللجوء إلى الشاه عباس، لطلب العون والإمداد.

وللمرّة ثالثة أرسل الشاه عبّاس رسالة لأمير خان ولكن هذه المرّة كانت مختلفة عن السابقتين، لقد كتب الشاه عبّاس (إستناداً إلى الأمر الصادر من الشاه العظيم، أبدأ بمحاصرة القلعة بجيش يفوق عدداً وعدّة قواتكم بعشرين مرّة فليس أمامكم أية فرصة ولكي لا تسيل دماء أكثر، آمرك بأنّ تسلّم نفسك وتفتح أبواب القلعة وإلا نضطر إلى قصف القلعة بالمدافع بعد أربع وعشرين ساعة من الآن) الإمضاء: قائد الجيش/ الوزير الأعظم، معتمد الدولة، صدر في اليوم الخامس من كانون الأوّل من العام (1608 ميلاديّة) الموافق للسادس والعشرين من شهر شعبان، من العام (1017 هجريّة).

حرّك (أمير خان) رأسه، وقال متمتماً: لم يبق إلا أن يأتي الشاه بنفسه، ثمّ رفع صوته قائلاً: ولكن ليعلم الجميع في هذا العالم، أن البرادوستي لن يطأطئ رأسه للوزير الأعظم، ولن يسجد (للشاه عبّاس) هي نفس واحدة وجئنا بها إلى ساحات الوغى، فإما النصر ونيل الحقوق، وإمّا التضحيّة والفداء والشهادة في سبيل الوطن. بعد أن انتهى من كلمته بدأ بإصدار الأوامر، على عجل وتوزيع المهام دون توقف وتحصين الأماكن وتوزيع الذخائر وتنظيم كيفيّة الدفاع والصمود في وجه العدو.

إنّ ما قام به (أمير خان) ليس بواقع جديد في تاريخ الشعب الكوردي، فللكورد قادة معروفين في سجلات التضحيّة والنّضال من أجل رسالة شعبهم وهويتهم الوطنيّة القوميّة.

ومع إشتداد كلّ هذه الأحداث وزيادة الصراعات، وتأزم المعركة، لم يهدأ (لفيان) بال على حبيبها الأمير عودال بك، فهي دائمة الخوف عليهه فهو كثير التعب ومشغول البال، بسبب تلك المهمّة الّتي أوكلت إليه في المعركة، مع الجنود والقيادات الأخرى داخل القلعة.

وعلى الرغم من التعب والمسؤوليّة الّتي تحمّلها في المعركة وإنشغاله في تنظيم الصفوف والمقاتلين في المعركة، لم تغب عن شفاهه الكلمات الرقيقة الّتي تمسّ شغاف قلب فيان، فهو دائم الخوف والقلق عليها وهي تتحمل متاعب المعركة وتزوّد المقاتلين بالأعتدة والرصاص. هذا يعني أن العاشق مهما شغلته متاعب الحياة ومتاهاتها، لن ينسى من أحبه، وسهر الليل من أجله.

كان شك وخوف فيان في اللقاء الذي جمعها بعودال تحت الشجرة من (محمود كيهكاني) في مكانه، فهو الخائن الّذي خان أهله وشعبه ووطنه وقيادته، بكشفه مكان الينبوع الّذي يزوّد أهل القلعة بالماء العذب، وبكشفه لهذا الينبوع للعدو، صار الينبوع تحت أمرة العدو، وصار أهل القلعة في وضعٍ مأساوي بعد أن جفّت الحفر من الماء، وما بقيّ إلا القليل منه في بعض مطّارات الماء، إلا أنّ بطولة عودال وبعض الجنود بخروجهم من القلعة في وقتٍ متأخر من الليل إلى خيم العدو عند عيون الماء الّتي كانت واقعة تحت حراستهم، بتمكّنهم من قتل الحرّاس الستة، والإتيان بمطارات ماء إلى داخل القلعة، فوزّع الماء على المقاتلين وفيان وأهل أسرة أمير خان، بعد أن نحل جسدهم من العطش، وإصفر وجه فيان الأخضر من العطش.

وبعد كلّ هذه الأحداث التي وقعت داخل وخارج القلعة أثناء وبعد الحرب، قرّر قائد العدو بالهجوم على (قلعة دمدم) لإحتلالها بأي ثمن، جمع قادة الفرق ومعاونيهم حدّد لهم مهامهم وأصدر لهم أمر تعرّض لا إنسحاب فيه "لا أريد أن أرى شخصاً يتراجع إلى الوراء، فإمّا إحتلال القلعة او موتكم جميعاً"، بدأ الهجوم بشكل عسكري نظامي ووفق خطّة محكمة، سار الجنود المشاة وراء المركبات ذات الدواليب المتحرّكة ووراءهم ارتفعت فوهات المدافع والسلالم الخشبيّة الطويلة لتتقدم بإتجاه القلعة من أربع جهات، على الرغم من تساقط المهاجمين كأوراق الشجر أثناء الهجوم بفعل رصاص الرادوستيين المدافعين عن القلعة، والفوضى التي دبّت في صفوفهم، إلا أن قائد جيش الزلباش كان قد أصدر أمراً بقتل كل جندي يتراجع إلى الوراء أو ينسحب، وعندما تيقن الجنود المهاجمون بأنّ القتل هو مصيرهم من الجهتين، اضطروا إلى تجميع قواتهم للوصول إلى جدران القلعة، وبعد شهر كامل من القتال والمقاومة ليلاً ونهاراً، إستطاع جيش العدو من إقامة معسكر لهم قرب القلعة، ووضعوا سلالم للصعود إلى الأبراج، إلا أنها كانت تتعرّض إلى السقوط من قبل الكورد، لكن بعد مضي شهر على كل هذه المقاومة البطوليّة إستطاع هذا الجيش الجرار من إحتلال البرج الأوّل وهدمه، والمسمى ببرج (البيشمركة- الفدائي) الّذي كان بأمرة (قره بك). فبقوّة قصف المدافع وقتل جميع المدافعين الأبطال عن هذا البرج بمن فيهم قائدهم، سقط الموقع في يد القزلباش. أحدث استشهاد (قره بك) جرحاً عميقاً في قلب (أمير خان)، فضلاً عن النكبة الكبرى الّتي حلّت بإحتلال البرج، حزن عميق أرخى بجناحيه على المقاتلين، لكن لم يكن المقاتلون في القلعة في حزن وعزاء وحدهم، بل عاش القزلباش أيضاً في مأتم وعزاء، لأنّ الوزير الأعظم معتمد الدولة الّذي كان قائداً عاماً لقوّات الفرس مات فجأة في الليلة نفسها الّتي استشهد فيها (قره بك)، وبأمر شاهنشاهي عين (محمد بك بيكدلي) قائداً عاماً خلفاً له، الّذي تحرّك على الفور إلى جبهة القتال لإحتلال (قلعة دمدم).

المعارك كانت تشتد بمرور الوقت، فيختلط دوي المدافع بأزيز الرصاص وبريق السيوف بشرارة نيران السهام الناريّة وصراخ الأطفال بزئير المقاتلين الكورد، تحت شدّة القصف المدافع هذه إنهارت الربايا ربيئة ربيئة والخنادق خندقاً بعد خندق وبرجاً بعد برج، وضعفت قوّة المقاومة عند المقاتلينن كان القتال في برج (عودال بك) على أشدّه، ساد القلق والإضطراب في نفس (فيان) الّتي كانت في حركة دائمة تملأ مخزن بندقيّة هذا المقاتل بالرصاص، وتسقي الماء لذاك وتضمّد جراح ذاك، وتقرب صناديق الطلقات من المقاتلين. وهذا الدور البارز والمهم لفيان تذكّرنا بتلك المواقف والبطولات الّتي سطّرتها المرأة الكورديّة على مدى عقودٍ من زمان، لاسيّما العقود الّتي حكم فيها النظام البعثي البائد إقليم كوردستان، فلعبت المرأة الكورديّة دوراً في غايّة الأهميّة لا يقلّ عن دور الرجل، فهي كانت تعمل سراً لمساندة الأبطال من قوّات البيشمركة وهم يقاتلون النظام في الليل والنّهار، من أجل القضيّة الكورديّة، والهويّة القوميّة للكورد، والسّعي من أجل الحفاظ على الوجود.

مرّت القلعة بعدّة إنتكاسات، وواحدة من هذه الإنتكاسات، إختراق طلقة للصدر الأخضر لفيان، وهي تضمّد جرح حبيبها عودال بك، عندما أصابته طلقة في ساقه اليسرى، كانت فيان تودّ أن تنتقل إلى قلعة نارين وهي عروس، لكن القدر أتى بيها إلى القلعة بهذه الصورة المؤلمة وهي تنزف شلالاً من الماء الأحمر من ينابيع صدرها، أدرفت قائلة لحبيبها: ألم انتقل إلى هنا وأنا في حضنك؟، إذن هذا شرف عظيم لي.

وهذه واحدة من أروع الصور من صور الحب على الرغم من بشاعة الموقف، حينما يرحل الإنسان وهو مفروشاً على يدي حبيبه، فتكون يديه المهد الّذي تودّع الحياة منه.

رحيل فيان بهذا الشكل، كان مؤلماً بالنسبة لعودال بك، أصابه الجنون، سحب اقسام بندقيّته، وبدأ بإطلاق النار نحوهم، فأصاب أحدهم على السلم وآخر على فرسه، والثالث من وراء مدفعه، وأرداهم قتلى واحداً بعد الآخر، لم يعبأ بأيّ شيء إلا الثأر والإنتقام، ثأر الجنود القتلى، وثأر (قره بك) و(فيان) وجميع الشهداء، ثأر القلعة المدمّرة، حتى انه لم يكن يدرك ما يدور حوله ولم يكن يعلم أيضاً بأنّ معظم الرجال المقاتلين الّذين كانوا معه في الربيئة قد استشهدوا وان الفرصة سانحة للعدو كي يصعد أفراد جيشه على طريق السلالم إلى القلعة، وإذا بصراخ يعيده إلى وعيه، حينما صاج في وجه (محمود) الّذي إلتف من حوله ليقتله، إلا إنّ عودال بك إصطاده، وقال له: أيّها النجس الخائن!، سود الله وجهك في الدنيا والآخرة... عهد عليّ أن أجعل منك عبرة لكلّ من يخون شعبه مثل (أبو رغال) وأثأر لشهدائنا في هذه القلعة منك. وفي الدرج الأخير من السلم تمكن (عودال بك) من حصر (محمود) عند الجدار بمقبض سيفه وأدخله في بطنه ووقع الأخير كالخنزير المقتول على الأرض، وأخرج عودال بك سيفه من بطن الخائن، لكن في لحظةٍ ما أصابته طلقة وهو لم يدرك تماماً أن الأبراج قد هدّمت وسيطر العدو عليها، فتنهد متذكراً (فيان) التي قالت له: لا تدر ظهرك للعدو، وقال متمتماً: ها أنذا أصاب من الخلف، وفي غمرة الأسى علم أن القلعة الواقعه خلفه قد انهارت تحت ضربات المدافع، وفجأة سقط تحت انقاضها ولم يستطع الا أن يقول: روحي فيان ها أنذا أتيت.. أجل أتيت إليك بملابسي الملطخة بالدماء لألقاك! ولكني واثق بأنّ دماءنا لن تذهب هدراً.

وبعد هذه الأحداث المأساويّة الّتي شهدت عليها قلعة دمدم الخالدة في تاريخ الكورد، لكونها من أبرز البطولات والمواقف الّتي يفتخر بها، كان مصير (أمير خان) ورفاقه، أن يقتل بخيانة عظمى من قبل الفرس، بعد أن اتفق معهم على وقف القتال ونشر السلام، وعدم اسكان الجلاليين في القلعة، وأن لا يشارك في حكم القلعة غيره، وافقوا على ذلك، وأثناء توقيعهم الإتفاقيّة خان الفرس الإتفاقيّة، ودخل (أمير خان) بقتال عنيف وشرس معهم هو ورفاقه، وبعد أن قتل العديد من العدو، سلّم روحه وهو ورفاقه الّذين حضروا معه الإتفاقيّة، إلى السماء، لتكون نوراً مضيئاً للتاريخ الكوردي على مرّ الزمان.

وبهذا الصورة شاهدت قلعة دمدم شجاعة المقاتلين البرادوستيين ورجولتهم وصمود النساء والأطفال فيها، كما احتضنت أجساد الشهداء البررة الأطهار الّذين دفنوا بملابسهم المعطّرة بدمائهم الزكيّة في تلك الأرض الخضراء الزاهيّة، أرض كوردستان، إذ ضحّوا بأرواحهم من أجل حريّة الكورد وكوردستان، والحفاظ على الوجود الكوردي، والهويّة الكورديّة.

وجاء القسم الأخير من الكتاب، بملحق نقدي، كتبت فيه مجموعة من المقالات النقديّة، عن رواية قلعة دمدم للكاتب الكردي السوفيتي (عرب شاميلوف)، وقصّة شهداء قلعة دمدم للكاتب الكوردي مصطفى صالح كريم.

ومما كتب (فالّذي لا يخفى على أحد، انه وخلال عام 1957-1958، سلك هذا الطريق المخفوف بالمخاطر الكاتب المعاصر "مصطفى صالح كريم" فإستمدّ من الأحداث التاريخيّة مادة لقصة فنيّة ذات تقنيّة عاليّة، كتبها في ظروف مغايرة تماماً لظروف الكاتب السوفيتي عرب شاميلوف.

فقد أظهرت هذه القصّة القصيرة براعة القاصّ مصطفى صالح كريم في صناعته القصصيّة، وقدرته الفائقة على تطويع قلمه لإبراز المفاهيم الإنسانيّة والقيم الجماليّة والروح القوميّة والمشاعر الوطنيّة في عمله الفنّي.(1)

التزم القاصّ في قصّته بالخطوط العامة الأساسيّة لهذه الحادثة التاريخيّة، لكنه أضاف إليها بعض الوقائع الّتي تتطلبها الغايات والأهداف الّتي رسمها لقصّته، وتتطلبها أيضاً طبيعة الفن القصصي القائم على الحركة والتشويق والإثارة، وأهمها العقدة الغراميّة المتمثلة في حب (عبدال بك) ابن الأمير خان لـ(فيان) ابنة احدى القرى المجاورة للقلعة، والمعروف إن اضافة هذا الحب إلى جانب العقيدة الرئيسيّة للقصة أو الرواية، تقليد سنه جرجي زيدان رائد الرواية التاريخيّة في الأدب العربي الحديث، وقد سار عليه أغلب القصاصين والروائيين فيما بعد، كذلك أضاف القاص إلى وقائع القصة واقعة الخيانة التي قام بها (محمود كيهكاني) خادم ابن الأمير بسبب منافسته لمخدومه (عبدال بك ) في حب (فيان) الأمر الي يجعله يحقد على عبدال ومن ثمّ يعين العدو على السيطرة على النبه الوحيد الذي كانت القلعة تشرب منه، وهذا ما جعل العدو ينجح في دخول القلعة، فضلاً عن الغش والخديعة اللذين يلجأ إليهما في حربه مع المدافعين عن القلعة.

إنّ دلالات القصّة عديدة وغنيّة تحملها الرسالة التي يبعث بها التاريخ إلى الحاضر، لعلّ أهمها ما يأتي:

أوّلاً: إنّ الكورد ذو بأس وشجاعة واقدام فهم يستميتون في القتال والصمود دفاعاً عن أرضهم وديارهم ولا يستسلمون أبداً للطامعين والغزاة مهما كانت الظروف.

ثانيّاً: ليس هناك حواجز وحدود تفصل بين الحكام والمحكوميين، أو بين القادة والجنود، فالكل سواسية في القتال، وهناك ديمقراطيّة وشورى في إتّخاذ القرارات.

ثالثاً: مشاركة المرأة الرجل في القتال والدفاع والصمود، فالدفاع والصمود الحقيقيان يتمّان بمشاركة الجميع رجالاً ونساء و (فيان) في القصة هي رمز للمرأة الكورديّة الشجاعة الّتي تأخذ دورها إلى جانب الرجل في معارك الدفاع عن الأرض وتضحي بحياتها في سبيل ذلك.

رابعاً: إنّ الإنكسارات والنكسات في تاريخ الكورد والشعوب الأخرى لم تحدث بسبب التخاذل والجبن، وإنّما حدثت بفعل الخيانة (خيانة بعض النفوس الضعيفة)، والغش والخديعة اللذان يلجأ إليها العدو لتحقيق أغراضه، فالخيانة قام بها (محمود كيهكاني) فسهل على العدو دخول القلعة، امّا الخديعة فتمثّلت في تظاهر العدو بقبول الصلح مع الأمير خان.

امّا المقوّمات الفنيّة للقصة ففيها ما هو إيجابي، وما هو سلبي، فمن الإيجابي سردها الزاخر بالحركة الناتجة في مواقف عديدة عن تضافر مقوّمات السرد مع الصورة، وهو أمر يؤدّي إلى ولادة ما يسمى (الصورة السرديّة).

امّا السلبي فيتمثّل في حوارها المتكلّف ذي النزعة التعليميّة، ومجيء مغزى القصة في نهايتها بأسلوب تقريري مباشر، هذا ولا ننسى أن القصّة مكتوبة في أواخر الخمسينيّات أعني أن القصة الكورديّة لم تكن قد تطوّرت بعد وكان القاص في بداية حياته الأدبيّة وإنّ أدواته الفنيّة لم تكن قد اكتملت بعد ورغم ذلك فإنّ عمله يعتبر من الأعمال الجيّدة.(2)

وقدّ ترجم هذا الكتاب من الكورديّة: الأستاذ بندر علي أكبر شاكه، وراجعها: البروفيسور الدكتور فائق مصطفى، وأعدّ الملحق وسيرة الكاتب: البروفيسور الدكتور فؤاد حمه خورشيد، وقام بالتنضيد الطباعي كلّ من المهندس مصطفى نياز صديق وسيروان صحبت، وكذلك التصميم منى محمّد غلام

(1)_ د.فؤاد حمه خورشيد/ قلعة دمدم بين مصطفى صالح كريم وعرب شاميلوف/ص 49.

(2)_ د.فائق مصطفى/(شهداء قلعة دمدم)، رسالة الماضي إلى الحاضر، ص 75-80.

 

صلاح بابان


التعليقات




5000