..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية: الأسباب والمواجهة

د. علي القاسمي

واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية: الأسباب والمواجهة

مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة :

التنبؤ بانقراض اللغة العربية

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

القاهرة

 

مجمع اللغة العربية بالقاهرة:

عقد مجمع اللغة العربية بالقاهرة الدورة الثانية والثمانين لمؤتمره السنوي الذي استغرق أسبوعين كاملين. ويُعدُّ مجمع اللغة العربية بالقاهرة أكبر المجامع العربية وأكثرها نشاطاً. فقد تأسس سنة 1932 ويضمُّ 40 عضواً عاملاً من المصريين و20 عضواً من البلدان العربية وعدداً من المستشرقين والمستعربين، وعشرات الأعضاء المراسلين من جميع بلدان العالم، كما يضم جميع رؤساء المجامع العربية العشرة التي تأسست خلال السنوات الماضية في: دمشق (1919)، وبغداد (1947)، وعَمّان (1976)، والرباط (1977)، والخرطوم (1990)، والجزائر (1992)، والقدس (1994)، وطرابلس الغرب (1994)، والشارقة (2016)، إضافة إلى بعض المراكز والمكاتب المختصة مثل مكتب تنسيق التعريب بالرباط. وتنضوي هذه المجامع في (اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية) الذي تأسس سنة 1971، ويتخذ القاهرة مقراً له، ويعمل على التنسيق بين المجامع، ويضطلع ببعض المشروعات اللسانية المشتركة ، مثل مشروع " المعجم التاريخي للغة العربية".

أما أهداف مجمع اللغة العربية بالقاهرة فتشاركه فيها بقية المجامع العربية. وتتلخَّص هذه الأهداف في المحافظة على سلامة اللغة العربية، وتنميتها بالمصطلحات والتراكيب والأساليب، وتيسير قواعدها، والبحث في كلِّ ما له شأن في تقدُّمها، بحيث تصبح وافيةً بمطالب العلوم والفنون المستجدة، ملائمةً لحاجات الحياة في العصر الحاضر.

ولهذا فإن المجمع يبذل جهوداً متواصلة في ثلاثة مجالات رئيسة هي:

1) توليد المصطلحات العلمية والحضارية والتقنية، ونشرها في معاجم؛ وقد نشر المجمع أكثر من  100 معجم في موضوعات مختلفة، مثل " المعجم الوسيط" و " المعجم الوجيز"، و " المعجم الكبير"  الذي ما يزال العمل جارياً في استكماله، و"مجموعة المصطلحات العلمية والتقنية" التي صدر منها حتى الآن أكثر من 50 جزءاً.

2) إحياء التراث العربي عن طريق تحقيق نفائس المخطوطات العربية ونشرها، وقد حقّق المجمع ونشر عشرات المخطوطات مثل معجم "ديوان الأدب" للفارابي (ت 350 ه)، ومعجم " كتاب الجيم" للشيباني (ت 206 ه)، ومعجم " التكملة والذيل والصلة" للصاغاني ( ت 650 ه) وغيرها كثير.

3) إجراء البحوث اللسانية الرامية لتنمية اللغة العربية، وتيسير قواعدها، وتطوير طرائق تدريسها، وتبسيط كتابتها. وتُنشَر هذه البحوث في كتب مستقلة أو في "مجلة المجمع" العلمية التي تصدر بانتظام منذ سنة 1934.

ولكي يضطلع المجمع بهذه المهام، فإنه يضمّ عشرات اللجان العلمية المختلفة التي تعمل على مدار السنة، لتوليد المصطلحات العربية التي تعبّر عن المفاهيم العلمية المستجدة، وتعرض أعمالها على مؤتمر المجمع لدراستها وإقرارها. ومن أمثلة هذه اللجان: لجنة الطب، لجنة الكيمياء والصيدلة ، لجنة الرياضيات، لجنة المعالجة الإلكترونية، لجنة الهيدرولوجيا، لجنة الهندسة، لجنة علوم الأحياء والزراعة، لجنة النفظ، لجنة الاقتصاد، لجنة الفلسفة، وغيرها وغيرها كثير. ويؤطِّر هذه اللجان أعضاء المجمع وخبراؤه من كبار أساتذة الجامعات المصرية.

افتتاح المؤتمر في بناية اتحاد المجامع والمعحم التاريخي:

يعقد المجمعُ مؤتمره، عادةً، في مقره الواقع في 15 شارع عزيز أباظة بحيّ الزمالك في القاهرة خلال المدة من 21 آذار/ مارس إلى 4 نيسان/ أبريل من كل عام. ولكن افتتاح المؤتمر هذا العام الذي تدور أبحاثه حول موضوع ( واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية: الأسباب والمواجهة)، جرى استثناءً في المبنى الجديد (لاتحاد المجامع العربية ومشروع المعجم التاريخي للغة العربية) في مدينة السادس من أكتوبر بالقرب من القاهرة، وذلك لتدشين هذا المبنى الفخم بحضور الدكتور الشيخ سلطان القاسمي، حاكم الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، الذي كان قد تبرع بتكاليف البناء، وبتكاليف مشروع "المعجم التاريخي للغة العربية" الذي قد يستغرق تأليفه حوالي مئة عام.

وكان (اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية) قد بدأ قبل بضع سنين بالتخطيط لتصنيف معجم تاريخي للغة العربية. ومعروف أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة بين اللغات العالمية التي لا تتوفر على معجم تاريخي. وذلك لأن هذا النوع من المعاجم يستغرق سنين طويلة ويتطلَّب إمكاناتٍ ماديةً وبشرية وعلمية ضخمة. فالمعاجم التاريخية للغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية، مثلاً، رُصدت لتصنيفها ملايين الدولارات، واستغرق إنجازُ كلٍّ منها مدة تراوحت بين ثمانين ومئة عام، وشارك في إنجازها مئات اللغويين والمعجميين والمصطلحيين والتأثيليين والخبراء في جميع التخصُّصات. وقد أمضى اتحاد المجامع السنوات السبع الماضية في إعداد الوثائق الإدارية والقانونية اللازمة لإطلاق (مؤسسة المعجم التاريخي للغة العربية)، وبناء مقرها وتأثيثه، وتشكيل اللجان المختلفة اللازمة، وتكوين المجلس العلمي، الذي انتدب أحد أعضائه من العراق، الدكتور علي القاسمي، لوضع الخطة العلمية لتأليف المعجم التاريخي، وتدارُسها ومناقشتها وإقرارها. وقد نشرها مؤلِّفها بكتاب يقع في 650 صفحة من القطع الكبير وهو:

ـــ علي القاسمي، صناعة المعجم التاريخي للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2014)

وفي حفل افتتاح المؤتمر، ألقى الأستاذ الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع القاهرة رئيس اتحاد المجامع العربية،  والشاعر الكبير الأستاذ فاروق شوشة أمينهما العام، والدكتور السيد أشرف الشيحي وزير التعليم العالي المصري، و الدكتور الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة كلمات بالمناسبة أكدوا فيها عزمهم على مواصلة الجهد في دعم اللغة العربية وإعلاء شانها.

بحوث المؤتمر متشائمة:

 ولكن بحوث المؤتمر العلمية الخمسة والعشرين التي قدّمها المجمعيون وتناولت بالفحص الدقيق واقع اللغة العربية الحالي، لم تشارك حفل الافتتاح تفاؤله بمستقبل اللغة العربية. فقد تنبأ بعضها بانقراض اللغة العربية خلال القرن الحالي، وخلص بعضها الآخر إلى تحوُّل اللهجات العامّية العربية إلى لغات مستقلة بحيث تصبح لدينا لغة مغربية وأخرى تونسية وثالثة سورية ورابعة عراقية، وهكذا دواليك؛ تماماً كما حدث للهجات اللغة اللاتينية التي تحوّلت في القرون الوسطى إلى لغات مستقلة هي:  الإيطالية، والفرنسية، والإسبانية، والبرتغالية، والرومانية. ويحتاج الناطقون بهذه اللغات إلى الترجمة لفهم بعضهم بعضاً.

أسباب التشاؤم:

في البلدان المتقدمة في قارتي أوربا وأمريكا وفي البلدان الصاعدة  في سُلَّم التنمية البشرية كاليابان وكوريا والصين وماليزيا وفنلندا والبرازيل وغيرها، يتوقَّف تقدُّم المواطن وظيفياً على مهاراته وإتقانه اللغة الوطنية التي هي لغة العمل والتواصل في جميع مجالات الحياة. أما في الأقطار  "المتدنية التنمية" (تورية دبلوماسية تعني "المتخلِّفة") كالبلدان العربية والأفريقية والهند وباكستان وبنغلاديش وأضرابها، فإن حصول المواطن على وظيفة جيدة وتقدُّمه إدارياً، يتوقفان على معرفته بلغة المستعمر القديم ( الإنكليزية أو الفرنسية عادة)، وعلى انتمائه الطبقي والطائفي والقبلي والمحلي.

وقد تناولت بحوث المؤتمر واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية في مختلف المجالات التعليمية والإعلامية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية وغيرها. وكانت البحوث معززة بالإحصاءات الدقيقة والأمثلة الحية والوقائع الموثَّقة. ويمكن تلخيصها على الوجه الآتي:

•1)      التعليم باللغة الأجنبية أو اللهجة العاميّة:

من المعروف أن الطفل يكتسب لهجة الأم تلقائياً من الأسرة والمحيط الاجتماعي، ويتعلّم اللغة الفصحى في المدرسة. ولكن النظام التعليمي في البلدان العربية لا يساعد أطفالنا على امتلاك اللغة العربية الفصحى.

العربية في التعليم العام:

لكي يضمن الآباء مستقبلاً وظيفياً لأولادهم في أقطارنا العربية، فإنهم يبذلون الغالي والنفيس من أجل أن يتعلم الأبناء لغة المستعمِر القديم المعتمدة في المؤسسات الاقتصادية والمالية والتعليم العالي العلمي والحياة العامة. وهناك نوعان من المدارس تمكنهم من تعلّم تلك اللغة الأجنبية: أــ المدارس الأجنبية: وهي المدارس التي خلّفها المستعمِر القديم وتكاثرت وازداد الإقبال عليها بعد الاستقلال. وهي تدرّس منهجاً أجنبياً باللغة الأجنبية ( الفرنسية في بلدان المغرب العربي، والإنكليزية في بلدان المشرق العربي). وهذه المدارس التي تتقاضى أجوراً مدرسية باهظة لا يطيقها إلا أبناء الأغنياء ورجال السلطة،  لا تدرّس من العربية سوى اللهجة العامية وبصورة اختيارية. وتلاميذها من العرب مستلبون ذوو هوية عربية منقوصة، وهم أميل إلى ثقافة المستعمِر ولغته. ويؤمنون بطروحاته، وارتبطت مصالحهم به. وهؤلاء هم الذين يصبحون قادة المستقبل في البلدان العربية بالرغم من جهلهم باللغة العربية وثقافتها وتراثها.. ولهذا فإنهم من مواقعهم القيادية في المجتمع يدعون إلى استعمال اللهجة العامية في الإدارة والتعليم ويفرضونها في الإعلام والإعلان وغيرها. ب) المدارس الأهلية أو الحرة، التي لا تتواجد إلا في المدن الكبيرة وتتقاضى أجوراً ترهق الطبقة المتوسطة، وتعنى عناية خاصة باللغة الأجنبية، ويستطيع خريجوها الحصول على عمل في المؤسسات الاقتصادية والمالية كالشركات والبنوك التي تستخدم اللغة الأجنبية في بلداننا العربية.

أما المدارس الحكومية " المجانية" فإنها سيئة التجهيز، تخلو من المكتبات والمرافق التربوية الأخرى، ويكثر فيها غياب المعلمين الذين ينقصهم الإعداد والتدريب،  وتعوزهم القدرة على إلقاء دروسهم بالعربية الفصيحة المشتركة، فتغلب العامية عليهم في جميع الموضوعات التي يتولون تعليمها بما في ذلك دروس اللغة العربية، ولا يستطيع خريجو هذه المدارس استعمال اللغة الأجنبية بصورة وظيفية. ونظراً لأنهم لا يتمكنون من الحصول على عمل مُجزٍ لجهلهم اللغة الأجنبية، ومصيرهم البطالة أو الأعمال اليدوية، فإن دافعهم للتعلُّم ضئيل ونسبة التسرب المدرسي بينهم عالية جداً، ما يؤدي إلى ازدياد الأمية في الوطن العربي التي تبلغ نسبتها أكثر من 30% من السكان، طبقاً لإحصائيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن مناهج تعليم الإنجليزية والفرنسية متطورة ومشوّقة في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية في التعليم الأجنبي والأهلي، في حين أن مناهج تعليم العربية وطرائقها قديمة منفّرة، أدركنا صعوبة انتشار العربية الفصيحة. وفي هذا الصدد ذكر الناقد الدكتور صلاح فضل، في بحثه، أن حفيدته الصغيرة تضع أصابعها في أذنيها عندما يخاطبها جدّها باللغة العربية. ولهذا فإن بحث الدكتور محمد شفيع السيد، عضو المجمع من مصر،  اقترح منهجاً حديثاً لتعليم اللغة العربية.

وخلاصة القول إن اللغة العربية الفصيحة المشتركة تتعرض إلى هجمة مزدوجة من لغة المستعمِر القديم من جهة ومن العامية من جهة أخرى. وإذا قارنا ذلك في مدارس الدول التي حققت تقدّماً هائلاً في التنمية البشرية خلال نصف القرن الفائت، نجد أن هذه الدول تحرص على تحقيق العدالة الاجتماعية في التعليم عن طريق تعهدها بتعليم إلزامي ذي جودة لجميع الأطفال الذين يمنع عليهم الدراسة في مدارس أجنبية،  كما تفرض هذه الدول الصاعدة استعمال لغتها الوطنية في جميع مراحل التعليم ومختلف تخصصاته، حتى لو كانت لغتها الوطنية ثانوية، أو ميتة وأحيتها الدولة كما في إسرائيل.

اللغة العربية في التعليم العالي:

من المعروف أن التعليم العالي في البلدان العربية استمر، بعد استقلالها، في استخدام لغة المستعمِر القديم (الإنكليزية أو الفرنسية) لغة تلقين بالكليات العلمية والتقنية، مثل كليات العلوم والطب والهندسة والزراعة وغيرها. بحجة عدم توافر المصطلحات العلمية والتقنية باللغة العربية. وهي حجة واهية ثبت بطلانها بعد أن وضعت المجامع اللغوية والمنظمات المتخصِّصة آلاف المصطلحات العلمية والتقنية وقام مكتب تنسيق التعريب بتنسيقها وتوحيدها وطرحها في موقعه على الشابكة (الإنترنت). ومن أمثلة ذلك " المعجم الطبي الموحد" الذي أصدره المكتب العربي لمنظمة الصحة العالمية بالقاهرة ويشتمل على مئة ألف مصطلح طبي. وعلاوة على ذلك، فقد اضطلع مجمع اللغة العربية الأردني، والمركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف بدمشق التابع للألكسو بترجمة عشرات الكتب الجامعية العلمية والتقنية إلى اللغة العربية.

وعلى الرغم من أن مؤتمرات التعريب العربية، ومؤتمرات وزراء الصحة العرب، ومؤتمرات القمة العربية ذاتها، أصدرت مقرراتها بضرورة تعريب التعليم العالي، فما زالت جامعاتنا تعلّم العلوم والتقنيات بالإنكليزية أو الفرنسية المنطوقة برطانة أجنبية والمخلوطة بصورة هجينة بالعربية العامية لمساعدة الطلاب على الفهم.

وقد أكد رجل الدولة الأردني الدكتور خالد الكركي، رئيس مجمع اللغة العربية الأردني، في محاضرته في المجمع، أن أساتذة الجامعات الأردنية الذين يلقون محاضراتهم بالإنجليزية لا يجيدون الإنكليزية بتاتاً. وكان رئيس المجمع العراقي الدكتور أمين مطلوب الذي تخرج بعض أبنائه من كلية الطب العراقية، قد أكدّ للمجمع أن خريجي هذه الكلية قد فشلوا في اجتياز اختبار باللغة الإنكليزية الأساسية. وكانت المؤسسات المغربية وغيرها قد أجرت بحوثاً تجريبية في تعليم العلوم بالعربية والفرنسية، فألفت أن مجموعة الطلاب التي تلقت دراستها بالعربية أفضل فهماً للمادة العلمية من المجموعة المفرنسة.

ويستخلص المجمعيون من كل ذلك أن الهدف من التعليم بلغة أجنبية لا يجيدها الأساتذة ولا يستوعبها الطلاب، هو عرقلة التنمية البشرية في البلدان العربية.

لغة الإعلام "العربي" المعاصر:

يُسمى العصر الحاضر أحياناً بعصر الاتصال والإعلام، نظراً لتعدُّد وسائل الاتصال والإعلام، وتنوُّع الطرائق والأساليب التي تنتهجها، وازدياد تأثيرها على المتلقين، واستحواذها على أوقاتهم، والاستئثار بجل اهتمامهم. فقد أصبحت وسائل الإعلام مؤسَّسة اجتماعية كالأسرة والمدرسة، بل تفوقهما تأثيراً، بفضل تقنياتها وجاذبيتها، وبفضل الساعات الطويلة التي يمضيها الأفراد برفقتها؛ إذ تشير الإحصائيات إلى أن الفرد العادي يمضي ما معدله (2.5) ساعتين ونصف ساعة كلَّ يوم أمام شاشة التلفزيون، وأن التلاميذ يجلسون أمام شاشات التلفزيون أكثر من جلوسهم أمام معلِّميهم في صفوف المدرسة. فعندما ينهي التلميذ دراسته الثانوية يكون قد أمضى 20.000 ساعة أمام التلفزيون في مقابل 15.000 ساعة في المدرسة.

ووسائل الإعلام هي أدوات تقنية تُستخدم للاتصال بالناس بواسطة اللغة، وتزويدهم بالمعلومات والأخبار والأفكار لتحقيق أهداف معينة. ويُطلق مصطلح "وسائل الإعلام"، كما جرت العادة، على الصحف والمسرح والراديو والسينما والتلفزيون والشابكة (الإنترنت) ووسائل التواصل الاجتماعي. ويميل بعضهم إلى توسيع هذا المفهوم ليشمل جميع الملصقات واللافتات في الشوارع التي تشتمل على إعلانات إدارية وتجارية لترويج السلع الاستهلاكية، وليشمل كذلك لافتات أسماء الشوارع والمحلات التجارية والمؤسّسات المتنوعة. ويتسع هذا المصطلح ليضم الإعلانات الصوتية أو اللوائح المكتوبة التي تبين مواعيد وصول الطائرات والسفن والقطارات والحافلات في المطارات والموانئ ومحطات القطار وجميع محطات النقل الأخرى. وكذلك الإرشادات المصاحبة للأدوية والمنتجات الأخرى التي تبين كيفية استعمالها، هي من وسائل الإعلام كذلك. وبعبارة أخرى، فإن جميع الوسائل التي تزود الفرد خارج المؤسسات التعليمية بمعلومات، سواء كانت تلك الوسائل مقروءة أو مسموعة أو مرئية، هي من وسائل الإعلام. ومن عبقرية اللغة العربية، إن ألفاظ (إعلام) و (معلومات) و (علم) مشتقة من جذر واحد وبينها صلة قرابة لفظية ودلالية.

وظائف وسائل الإعلام:

يضطلع الإعلام بوظائف جليلة أهمها:

أ ـ الإدماج والتماسك الاجتماعي: عن طريق إيجاد التجانس الفكري والمشاركة الوجدانية بين أبناء الوطن الواحد، ما يؤدي إلى التماسك الاجتماعي وإرساء السلم الأهلي. ويؤدي الإعلام هذه الوظيفة الخطيرة باستخدام  اللغة المشتركة، وتأكيد التراث في برامجه، وإشاعة القيم الأصيلة.

ب ـ الإخبار، إذ يزود المتلقي بالأخبار التي تجري في بلده وفي العالم..

ج ـ التعليم، إذ يقوم الإعلام بدعم النظام التعليمي عن طريق تقديم برامج تعزِّز ما يتعلَّمه التلاميذ في مدارسهم إضافة إلى تزويدهم بمهارات جديدة وإطلاعهم على المستجدات العلمية والتقنية، بواسطة برامج ظاهرها ترفيهي، ومضمونها معرفي تعليمي عميق.

د ـ الترفيه: لتخفيف الضغوط النفسية والتوتر عن طريق بث برامج ثقافية متنوعة كالموسيقى والغناء والمباريات الرياضية والطبخ، وغيرها.

 هـ ـ التنمية البشرية: نظراً لقدرة وسائل الإعلام على الوصول إلى أوسع الجماهير، فإنها تكون عاملاً فاعلاً في نشر المعرفة وتكوين "مجتمع المعرفة" القادر على تحقيق التنمية البشرية في البلاد، بحيث لا تبقى المعرفة محصورة في المؤسَّسات المدرسية والجامعية والبحثية، بل في متناول المجتمع كله.

فشل الإعلام العربي في تحقيق أهدافه:

فحصت البحوث التي قدمها المجمعيون في المؤتمر، الإعلامَ العربي في مضمونه ولغته، وأكدت فشله في تحقيق الأهداف المرجوة منه. فمن حيث المضمون اقتصر الإعلام العربي على الترفيه والأخبار والتعليقات التي تدعم السلطة. أما من حيث اللغة فإن العامية هي الغالبة عليه، واقتصر استعمال الفصيحة على بعض نشرات الأخبار بحيث لا تشكل العربية الفصيحة إلا على 1% من المساحة البرامجية. (قارن ذلك مثلاً بالوضع في كوريا التي حققت أعلى درجات التنمية البشرية، ففيها حوالي 101 قناة كلها أهلية ما عدا واحدة رسمية. ولكن جميع القنوات ملزمة بالبث باللغة الكورية المعيارية المشتركة).

توجد في البلدان العربية 1294 قناة فضائية،  لا تخضع لشروط البث من حيث اللغة أو المضمون، بحجة " الإعلام الحر". فأنت لا تعثر في هذه القنوات إلا على عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من الفضائيات التي تسمي نفسها " ثقافية". ولكنك، في المقابل، تجد المئات من الفضائيات الرياضية والغنائية والمتخصصة بالشعوذة وما إليها.. كما أن كثيراً من الفضائيات الدينية وغير الدينية تبث برامج حوارية حول قضايا أكل عليها الدهر وشرب، وتنحصر غايتها المشبوهة في إثارة النعرات العرقية أو الطائفية أو اللغوية، وتأجيج الكراهية بين شرائح المجتمع، بدلاً من  نشر التسامح والإخاء والإدماج الاجتماعي والهُويّة الوطنية المشتركة،  دون أن تخضع تلك البرامج لرقابة الدولة أو ضوابطها، بحجة حرية الإعلام.

إن انتشار العاميات في الإعلام العربي اليوم لا يعزز ما يتعلّمه التلاميذ في المدرسة من لغة عربية فصيحة، ولا يساعد على الإدماج الاجتماعي وتكوين الهوية الوطنية المشتركة، ولا ييسر إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية.

إن غلبة العاميات في الإعلام ترمي إلى تسطيح عقل المتلقي وتجهيله والحط من مستواه المعرفي، لأن اللهجة العامية تحريف للفصحى، وهي محدودة في مفرداتها،  مختزلة في تراكيبها النحوية، لا تصلح للتفكير المنطقي، ولا لإبلاغ المعلومات العلمية والتقنية.

ومن المفارقات إن اللغة العربية الفصحى كانت هي الغالبة في الإعلام زمن الاستعمار. وبعد استقلال البلدان العربية وانتشار المدارس والجامعات، وانحسار الأمية، فإن إعلامنا يتجه إلى تقليص اللغة العربية الفصيحة المشتركة وزيادة المساحة البرامجية للهجات المحلية والجهوية، بحجة تلبية احتياجات المتلقين وجذب مزيد من الجماهير، في حين أن هناك 72محطة أجنبية تبث باللغة العربية الفصحى، مثل بي بي سي البريطانية، وفرانس 24 الفرنسية، وسي أن أن الأمريكية وغيرها.

ومن مظاهر تغليب العامية وسيادتها في الإعلام العربي ظاهرة تخصيص الجرائد صفحات للشعر العامي، ونشر الإعلانات التجارية بالعامية أو اللغة الأجنبية. أما ظاهرة قيام قنواتنا بدبلجة المسلسلات الأجنبية باللهجات العامية، فإنها تؤدي إلى قمع الإبداع الأدبي والفني العربي، إضافة إلى التطبيع مع الدعارة، والخيانة الزوجية، والولادة خارج مؤسسة الزواج، و العري الفاحش, وغيرها من القيم السلبية التي تحفل بها تلك المسلسلات الأجنبية.

وإضافة إلى انتشار العاميات في الإعلام العربي، توجد قنوات " عربية" كثيرة تبث أفلاماً أجنبية باللغات الأجنبية تعمل على تسطيح عقل المشاهد، وتشجع العنف والجريمة، ونشر القيم المنافية لأخلاقنا وتقاليدنا. وبعض هذه القنوات الخاصة تفتخر بإعلان تبعيتها للغة والثقافة الأمريكية أو الفرنسية انطلاقاً من لغة الحديث والحوار والاختيارات الغنائية، ومروراً بنقل عدد من البرامج مباشرةً من القنوات الأمريكية أو الفرنسية، وانتهاء بتغطية الحياة الفنية والإعلامية بأمريكا أو فرنسا.

ولاحظ  أحد الباحثين أن البلدان العربية أكثرت في السنوات الأخيرة من إنشاء القنوات الخاصة التي تستعمل العاميات بكثرة ، وكأنها تستجيب للدعوة  التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليسا رايس من تل أبيب سنة 2006 إلى إحداث  " الفوضى الخلاقة" لتقسيم المقسم وتجزيء المجزّأ في العالم العربي. ويبدو أن كثيراً من الدول الغربية تراهن على تطور العاميات العربية إلى لغات مستقلة بحيث تكون عقبة في وجه أية محاولة لإقامة اتحاد بين البلدان العربية. فاللغة هي عماد الهُوية الوطنية أو القومية. فقد ذكر المستعرب الروماني الدكتور نقولا دوبرشيان في بحثه الذي ألقاه في المؤتمر، أنه في الفترة التي  يجتمع فيها المجمعيون العرب في القاهرة لنصرة اللغة العربية، فإن جمعية لغوية أوربية تعقد مؤتمراً في بخارست يبحث في العاميات العربية، ووضع قواعد لها، وكتابتها لتصبح لغات مستقلة. وأضاف أنه كان مدعواً لمؤتمر بخارست ولكنه فضل المشاركة في مؤتمر القاهرة إيماناً منه بالثقافة العربية ولغتها العريقة، فهو مترجم معاني القرآن الكريم وعيون الأدب العربي إلى اللغة الرومانية. 

ورصد بحث الدكتور عبد العزيز التركي،  وزير التربية الأسبق في قطر، لغة وسائل التواصل الاجتماعي في البلدان العربية، فوجد أنها في الغالب تستعمل اللهجات العامية أو تكتب العامية العربية بحروف لاتينية، وتبتكر مختصرات هجينة بعيدة عن العربية السليمة. أما بحث الدكتور محمود السيد، وزير التربية ووزير الثقافة الأسبق في سوريا، فقد تناول المحتوى الرقمي للغة العربية على الشابكة، فأكد إحصائياً ضعف هذا المحتوى بالمقارنة مع محتوى اللغات الأخرى التي هي أقل شأناً من العربية، بالإضافة إلى تفشي العاميات فيه.

وأعرب الباحث  الدكتور عائض الردادي، من السعودية، عن استيائه من بعض المندوبين العرب الذين يلقون مداخلاتهم بلغة أجنبية في منظمات الأمم المتحدة، على الرغم من أن العربية هي إحدى اللغات الرسمية في المنظمات الدولية. ولو تحدّث المندوب الفرنسي بغير الفرنسية، لفُصل من وظيفته وسُجِن ستة أشهر، تنفيذا لقانون توبون لسنة 1994 لحماية اللغة الفرنسية.

وإذا تجوَّل سائح في شوارع إحدى العواصم العربية، فإنه سيلاحظ أن الأغلبية الساحقة من لافتات أسماء المحلات التجارية هي باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، حتى ليخال إليه أنه في بلدة بإحدى المستعمرات البريطانية أو الفرنسية.  كما أن لافتات الإعلانات التجارية تُكتَب باللغة الأجنبية أو بالعامية في شوارعنا ووسائل إعلامنا.  وقد أخذت المطاعم والمقاهي " الراقية" في العواصم العربية تقدّم قوائم الأطعمة والمشروبات باللغة الإنكليزية أو الفرنسية فقط، تعبيراً عن احتقارها للمواطن العربي ولغته الوطنية في عقر داره.  ولا يغيب عن البال لغة الحياة العامة المستعملة في بعض أقطار الخليج العربي حيث لا يستطيع أهل البلاد الأصليون ركوب سيارة الأجرة أو شراء الخبز إلا إذا تكلموا الإنكليزية برطانة آسيوية.

الجلسات المغلقة للمؤتمر:

وقد ناقش المؤتمر، في جلساته المغلقة، المصطلحات العربية التي ولّدتها لجان المجمع المتخصصة في الرياضيات، والنفط، والصيدلة، والأحياء والزراعة، والهندسة، والطب، والأنثروبولوجيا، والأعلام الجغرافية، والتاريخ والآثار، والتربية وعلم النفس، والفلسفة الإسلامية، والحاسوب. كما ناقش الأبحاث التي أعدتها لجنة أصول اللغة والألفاظ والأساليب، ولجنة اللهجات والبحوث اللغوية. كما نظر المؤتمر في المواد الجديدة من " المعجم الكبير". وللإسراع في إنجاز هذا المعجم،  فإن المجمع شكّل أربع لجان كبيرة تعمل عليه في آن واحد، ويرأس هذه اللجان: د. حسن الشافعي، رئيس المجمع،  ذ. فاروق شوشة الأمين العام للمجمع، د. محمود فهمي حجازي، عضو المجمع، ود. محمد فتوح، عضو المجمع.

المؤتمر يؤبّن أعضاء المجمع الراحلين:

وفي أثناء جلسات المؤتمر العلنية، أُلقيت كلمات لتأبين أعضاء المجمع الذين لبوا نداء ربهم خلال العام المنصرم, وهم:  الدكتور ناصر الدين الأسد، عضو المجمع من الأردن، والدكتور عبد الهادي التازي عضو المجمع من المغرب، والدكتور أحمد الخطيب عضو المجمع من فلسطين، واللغوي الشاعر الناقد الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف نائب رئيس المجمع. وقد انتخب المجمع نائبَ رئيسٍ جديداً هو الشاعر الناقد الدكتور محمود الربيعي.

 

توصيات المؤتمر:

وفي الجلسة الختامية، أصدر المجمع توصياته التي تؤكد القرارات والتوصيات الصادرة عنه في مؤتمراته السابقة، وأهاب بالمسؤولين  وصناع القرار في جميع أقطار الوطن العربي أن يعملوا على تفعيلها واتخاذ الخطوات التي تكفل الالتزام بها.

ومن أمثلة القرارات التي لم يُلتزَم بها، القانون الذي أصدره مجلس الشعب المصري سنة 2008 والذي ينص على أن تكون قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة بشأن اللغة العربية ملزمة للحكومة المصرية. وقد حضر على إثر ذلك القانوني الدكتور فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب آنذاك، إلى مقر المجمع وألقى محاضرة عن القانون الجديد وانسجامه مع نص الدستور المصري الذي يقرر أن العربية هي اللغة الرسمية لجمهورية مصر العربية.

ومع ذلك، فإن قرارات المجمع السابقة والراهنة ظلت حبراً على ورق، كتلك القرارات التي تدعو حكومات الدول العربية إلى "وضع سياسة لغوية يدعمها قرار سياسي ملزم، تتضمن التخطيط  اللغوي لتعليم العربية وتعلمها في المرحلة الأولى من الدراسة والتعليم الأساسي، وتعليم اللغة الأجنبية وتعلمها في مرحلة متقدمة، بعد أن يتم التأسيس للعربية دون منافسة من لغة أخرى لا يبدأ تعليمها قبل الثامنة أو التاسعة من العمر، كما تتضمن العمل على تعليم العلوم في الجامعة بالعربية."

وعلى رغم ذلك القرار، فإن المدارس الأجنبية والأهلية، في مصر وبقية الأقطار العربية، ما تزال تبدأ بتعليم أبنائنا اللغة الأجنبية في رياض الأطفال في الثالثة من العمر، وما تزال الجامعات المصرية والعربية تدرِّس العلوم باللغة الأجنبية.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن الأقطار ذات التنمية المتدنية في سلّم التنمية البشرية تمتلك عادة قوانين راقية تصون حقوق الإنسان ومنها حقوقه اللغوية، ولكن لا تُطبَّقها، ويغيب فيها الوعي اللغوي، فتُهين لغتها الوطنية وتذلّها في عقرها دارها، فتفقد الأساس الثقافي لهُويتها الوطنية، وتعتمد لغة الأجنبي الذي يواصل استعماره لها باللغة. وقد تنقرض اللغة بموت الناطقين بها أو بموت ضمائرهم.

ـــــــــــــــــــ

•·         أديب وباحث عراقي مقيم بالمغرب.

الصورة المرفقة

القاسمي بين الشيخ الشافعي رئيس المجمع والشاعر فاروق شوشة الأمين العام للمجمع، في إحدى جلسات المجمع المغلقة.

 

د. علي القاسمي


التعليقات




5000