..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القانـون المطلـق

د. بتول قاسم ناصر

إهـداء   

الى العقل الإنساني الساعي الى  اظهار الحقيقة الجوهرية الكاملة المتضمنة فيه ، والتي استمر عبر تاريخه يظهر منها ماتسمح به قدراته حتى ينتهي الى العقل الأعظم الذي يحقق الوصول الى غايات العقل النهائية والى التطابق مع مضمونه والالتحاق بعلة خلقه والفوز بانتصاره...

 

لقراءة البحث بالكامل يرجى النقر على صورة الغلاف

المقدمة :

المعرفة المطلقة والقانون المطلق ..

 هذا الكتاب محاولة لطرح فلسفة إسلامية معاصرة في هذه المرحلة التي تواجه الفكر الإسلامي مهمات كبيرة وتحديات كبيرة . تتمثل مهماته الكبيرة بالسعي الى بناء الأمة الإسلامية وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وصيانتها والحفاظ على خصوصيتها في مواجهة التحديات الكبيرة التي مثلتها الأفكار الغربية والمحاولات الغربية لغزو البلاد الإسلامية والفكر الإسلامي ومحاولة طمس الهوية الثقافية الإسلامية . ولم يكن طرحنا الفكري يرقى الى مستوى مايجتاحنا من أفكار الغرب ونظرياته ومذاهبه. وبقي دون مستوى التحديات بسبب الإفتقار الى الطرح الفلسفي الشامل الذي بدونه لانستطيع مواجهة الثقافة الغربية المتنوعة ومحاججتها ورد دعواتها . فبقي طرحنا للقضايا طرحا جزئيا بعيدا عن الطرح الفلسفي الكلي . ولولا بعض المحاولات التي حاولت أن تقدم صياغة معاصرة لفلسفة إسلامية مفارقة للرؤية الغربية لبقي الفكر الإسلامي في العصر الحديث وفي مواجهة الأفكار الغربية المعمقة الوافدة بكثرة دون مستوى الطرح الغربي مقتصرا على المحاولات التوفيقية _التي اتصف بها قديما كذلك_ والتي حاولت صياغة المفاهيم الفلسفية الإسلامية من خلال مفاهيم الفلسفة الغربية، ولبقي مقتصرا على المواقف الدفاعية العاطفية الإنفعالية، هذه المواقف القاصرة التي اتسم بها الفكر في بداية العصر الحديث والتي لم تكن تنطلق من استيعاب فلسفي عميق للثفافة الإسلامية وكذلك المعاصرة.

 والمحاولة الفلسفية التي نطرحها تنطلق من نفسها وفروضها الخاصة مع أنها تحاور الفلسفة الغربية ممثلة بواحدة من أهم علاماتها الفكرية ألا وهي فلسفة هيجل وتحاول قراءتها قراءة نقدية وتحليلية من خلال فروضنا الفلسفية ومفاهيم وأفكار استخلصناها من القراءة النافذة للقرآن الكريم والمفاهيم الإسلامية فأعدنا طرح قضايا ميتافيزيقية في الوجود وما ورائه والعقل والمعرفة وعلاقتها بالغيب  ثم حاولنا أن نجد لها تطبيقا في جوانب كثيرة .        

 نذهب في طرحنا هذا الى وجود حقائق مطلقة ثابتة تنتظم كل الظواهر والموجودات_ بما فيها الإنسان والعقل الإنساني _، وأنها تكمن وراء هذه الظواهر والموجودات مما يجعلها الحقيقة الجوهرية لها وبنيتها الأساسية وقانونها الداخلي الثابت الذي يحكمها ويوجه مسيرة تطورها . ونحاول أن نقدم وصفاً لمبادئ هذه البنية أو النظام أو القانون العام المطلق . وإننا بهذا نفترض أننا نقدم معرفة عامة مطلقة ، ونحن نعرف أن هناك من لا يؤمن بهذه المعرفة المطلقة. ونريد هنا أن نرد على من يذهب الى أن لا وجود لمعرفة مطلقة ثابتة ، وأن نظرية المعرفة مستحيلة، وأننا نخلع على الوجود تصورنا وتفسيرنا، فلا كنه ولا أساس حقيقياً للأشياء قائما بذاته، ولا وجود مطلق للاشياء، أو لا وجود لها خارج المعرفة البشرية، فلا إمكان لمعرفة ثابتة مطلقة للعالم. ونحن نتبع القول بوجود الأشياء مستقلة عن إحساسنا ومعرفتنا، وأن العالم في ذاته موجود بدوننا، والحقيقة موجودة مستقلة عن الإنسان، وأن انكار الحقيقة الموضوعية هو ذاتية ولا أدرية مرفوضة. وهذه الحقيقة الموضوعية قابلة للمعرفة بوساطة العقل البشري، فهو أداة الأدراك ، وأن الإدراك يتطابق مع الحقيقة المدركة المستقلة في وجودها عن الأداة المدركة، وإن كان هناك من يشكك في قدرة هذه الأداة ويرى أن كل ما يملكه العقل هو أن يقدم تفسيراً للأشياء لا يجوز اعتباره صحيحاً دون سواه ، ومتى أصبح الفكر تفسيراً امتنع أن يكون حقيقة . فالحقيقة على هذا الرأي لا سبيل اليها ولا أساس ترتكز عليه المعرفة ، وإن ما نحسبه معرفة ليس إلا تفسيراً لأمور لا نعرفها. وهذا رُد عليه بأنه تضعيف للعقل بالعقل نفسه، وإنكار للمعرفة بالمعرفة نفسها.

 لقد أنكر القول بأمكان الاهتداء الى معرفة كلية شاملة. وذهب المنكرون الى أن من ظن أنه يصل الى الكل فهو واهم لم ير الا سراباً. فلا يمكن للفكر البشري أن يعبر عن الحقيقة الموضوعية بصورة مطلقة، إنما يعبر عن معرفة نسبية. فالحقائق نسبية، أي انها تعبير عن قدرة العارف، أي انها على وفق قدرته لا على وفق الحقيقة الموضوعية مستقلة عنه . ونقول إن المعرفة تعكس قدرة العارف، ولكنها تصف الحقيقة الخارجية وهذه لها استقلالها، ولابد أن يكون لهذا الوصف بعض التطابق معها إن لم يكن تطابقاً تاماً. ثم إن المعرفة جدلية ومتطورة وبحثنا يؤكد ان المعرفة عملية تطور مستمرة يتجاوز فيها العقل الانساني نقسه على الدوام في حركة ضرورية تدفعه للسير قدما حتى يبلغ غاياته النهائية . إن عملية المعرفة لابد لها من أن تنتهي الى المعرفة الكلية من خلال الحقائق النسبية(1)، أي إنها لابد لها من أن تتطابق مع الحقيقة الموضوعية أو تقترب منها. والعلوم لم تبلغ حد اليقين مرة واحدة. وقد ارتكزت على افتراضات أولية تستند الى وقائع يركبها العقل ويؤلف بينها. وقد تتغير هذه الافتراضات بعد أن كانت مسلماً بها ، فالمعرفة تتغير وتتطور والتطور لا يكون نفياً او هدماً فقط، إنما يكون إضافة وتراكماً في المعرفة، ومازال العلم يتابع سيره وهو يسعى الى المعرفة الكاملة ولا يريد أن يأبه بأقوال التعجيز ولا يبالي بمن يصف سعيه هذا بأنه خيالات لا تستطيع تجاوز حد الوعود.

إن ما سميناه الحقيقة المطلقة او القانون المطلق، إنما هو نظام عام ينتظم الأشياء والظواهر جميعاً، هو عقل موضوعي عام مجرد مبثوث فيها تسعى الى التطابق معه عقولنا النسبية المحدودة أي انها تسعى الى التطابق مع العقل الموضوعي الكلي المتضمن فيها..إنه تطابق النسبي المحدود مع المطلق اللامحدود .

 ومن  خلال تحليل عام  لفكرة القانون المطلق نستطيع أن نقدم مجموعة أسس عامة تسعى الى إيضاحه :

1 - القانون المطلق مبادىء عامة مجردة تنظم العلاقة بين الأشياء أوالأطراف المرتبطة بهذه العلاقة ، فهي مبادىء تتميز بالتجريد والعمومية ومن هنا جاءت تسمية القانون بـ(المطلق) . 2 - أن هذا القانون ينتظم الكون كله ويضمن تحقيق النظام فيه ، وهو يسري على كل  الموجودات ويخلو من الشروط او الصفات الخاصة التي قد تؤدي الى تطبيقه على طرف أو شيء معين بذاته أو على واقعة محددة بذاتها . 3 - وهو كامن في طبيعة الأشياء يهيمن على سلوكها ، وبهذا فإن العقل الإنساني لا يضعه إنما يكتشفه وهو مطبوع عليه كذلك .. 4- إن هذا القانون ثابت لا يتغير لا في الزمان ولا في المكان  .. 5- إن للقانون المطلق هدفا أو غاية ينطوي عليها ، وهي التي تضفي عليه قوة إلزامية من الناحية المعنوية ، وهذه الغاية تقوم في طبيعة الأشياء وتصدر عن هذه الطبيعة . 6- انه يسعى الى  تنفيذ هذه الغاية وهو يلزم الأشياء أو الوحدات المرتبطة بطاعتها وتنفيذها بوساطة سلطة عليا تمنع مخالفته أي أن هنالك نوعا من الجبر يضمن عدم الخروج على القواعد الواجبة الإتباع  . 7- ويتبين من هذا أن  القانون له مصدر توجيه وتحكم هو الذي يضعه وهو الذي ينظم العلاقة بين أطرافه وهو الذي يوجه سيره بما يخدم أهدافه ويطور مسيرته ويمنع الأطراف المخالفة من الخروج عليه  .

ولقد آمن الفكر الإنساني ومنذ أقدم عهود التفكير الفلسفي ، بوجود قانون عام مطلق ونظام متسق أو عقل كوني يحكم الوجود كله ، ويمكن إدراكه بالعقل النير الذي يكتشفه ولا يوجده . كانت بداية التفكير بالقانون المطلق مع وجود الإنسان لإن الفلسفة من تكوين الإنسان واصل خلقته لذا فإنه يتساءل عن علاقته بالكون وما وراء الكون وعن مصيره وعن قوانينه العامة المسيطرة وعن الجوهري والعارض فيه ، وغير ذلك .. وهذه الأسئلة تراود كل عقل مهما كان بسيطا وإن له موقفا منها وإجابة عليها مهما كان مستوى هذا الموقف وهذه الإجابة . والفرق بين العقول البسيطة والكبيرة أن هذه تحاول الإجابة بصورة منطقية وقد توفق الى مدى محدود أو واسع . وتبقى الفلسفة مهما كان مستوى طرحها وسداد نظرتها فروضا مجردة حتى تصدقها الحقيقة العلمية التي أصبحت متاحة في هذا العصر وفي ضوئها يمكننا أن نرجع الى العناصر المهمة في الطرح الفلسفي لنرى كيف استطاع الفيلسوف بعقله المجرد ان يسبر غور الحقيقة الشاملة التي لاترى ولا تحس وهذا ما يؤكد حقيقة الوجود اللامحدود للإنسان .

وفي عهد الفلسفة التي سبقت الفلسفة اليونانية كان هنالك إيمان بشيء من قانون  عام يحكم سير الحوادث ويضبط نظام الأشياء . ولقد تنبه الصينيون الى وجود نظام دائم في العالم هو الذي يحقق الانسجام والاستقرار في العالم ويرتبط الإنسان بهذا النظام ويساهم فيه . ولاحظوا ان من مباديء أو قواعد هذا النظام أن الكون يزخر بالاختلاف والتناقضات التي تتعارض ويرتبط بعضها ببعض ويكمله في ثنوية تختلف عن ثنوية فارس ، فالضدان لا يصارع احدهما الاخر وانما يكمله ولا يوجد الا بوجوده وبتعاونهما يتحقق النظام الكوني .

 ولقد مر الفكر الفلسفي بمراحل عكست تطوره وتأثره بطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها .. لقد كان التفكير الفلسفي لدى الأمم القديمة ممتزجا بالروح الديني ولم يتخلص من شوائب الأفكارالإسطورية والخرافات والسحر والخوارق فلم يكن مستقلا عنها فكان بعيدا عن المعقولية الى ان جاء عهد الفلسفة اليونانية فوضعوا له الأسس العقلية لذلك يقال إن الفلسفة في أصلها وروحها وعبقريتها يونانية وما قبل الفكر اليوناني لا يصلح أن يكون أساسا لفكر فلسفي ايجابي معطاء(1) .

لقد ذهب اليونان وهم أهل التفسير العقلي الى أن العالم خاضع لقانون ثابت ومن الممكن تفسيره بالعقل وحده وما هذا القانون الا قانون العقل الذي تسير وفقه الأشياء جميعا ، وفي عهد الفلسفة التي سبقت سقراط كان هنالك إيمان بشيء من قانون عام يحكم الأشياء . وكان الفلاسفة قبل سقراط في سبيل اكتشاف العام الكامن أو الوحدة الكامنة وراء الاختلاف يبحثون في أصل الكون ومنهم من أرجعه الى عنصر واحد فهو يرى من خلال تعدد صور الأشياء وتباينها وحدة شاملة تكمن وراءها ، فما يكمن وراءها هو الجوهري وما يظهر للسطح فأمر سطحي عرضي . وهذا يعني أنهم بحثوا عن الحقيقة البسيطة الواحدة التي تضرب في الأعماق دون النظر الى ما يبدو للحس الظاهر . لقد كانت محاولات فلسفية تنظر الى الكون نظرة فلسفية شاملة وتضع له تفسيرا يستوعب جميع جزئياته . فذهب طاليس المالطي الى أن أصل الكون ماء وانكسمندريس الى أنه اللامحدود او اللامتناهي وانكسيمنس  الى أنه الهواء أوالتراب أو النار أو أنه هذه العناصر الأربعة وذهب آخرون الى  أنه الوجود أو أنه الذرات وقد عبرالفيثاغوريون بأن منطق الأشياء هو فكرة العدد والتناسق والنظام والوحدة والقانون والرياضة... إن هذه الأقوال نظرت الى العالم في إطار من الكلية الشاملة واستوعبته في فكرة واحدة أو أفكار قليلة فأذابت الفوارق بين الأشياء وتجاهلت ما بينها من اختلاف وتنوع وربطتها بشبكة من العلاقات جعلتها شيئا واحدا بعد أن كانت أشتاتا مبعثرة ، إلا ان هذه البدايات الفكرية في البحث عما هو عام وراء الأشياء كانت بسيطة متناثرة لم تأت في نظرية عقلية عميقة ولم تتخلص من شوائب الأفكار المختلفة .

ثم جاء فلاسفة اليونان الكبار وهم سقراط وإفلاطون وأرسطو فآمنوا بوجود نظام متسق وقانون عام يكشفه ذوي العقول المقتدرة ولايضعونه. ويكون هذا القانون  أساسا للقوانين الوضعية التي يستنبطها البشر ويتعارفون عليها ،  وسمي هذا القانون بـ(القانون الطبيعي) . إن فكرة القانون الطبيعي هذه تتمثل في ان هناك قانونا يعم الأشياء جميعا على العقل البشري في سبيل اكتشافه ان يتمعن في نظام الكون ومنطق الأشياء وطبيعة الروابط فيما بينها فيستخلص منها هذا القانون الطبيعي . وان عليه ان يصوغ قوانينه الوضعية والأحكام القضائية والعلاقات الاجتماعية على مثاله حتى يصبح معيار صلاحية أو فساد أي فعل إنساني . فالقانون الطبيعي إيحاء توحي به الطبيعة ناتج عن التأمل بما تنطوي عليه من نظام وانسجام وتناسق . وقد عرف الرومان فكرة القانون الطبيعي عن اليونان ويرجع الفضل في ذلك الى خطيب روما الشهير شيشرون .

لقد حاول فلاسفة اليونان الكبار أن يتلمسوا القانون الكلي الشامل المختبيء وراء الموجودات والمتموضع فيها ، ولقد وجدنا الحديث عن هذا القانون أكثر اقترابا من كونه بحثا فكريا منظما لدى هؤلاء الفلاسفة الذين عدوا من أعظم فلاسفة العالم القديم والحديث في الإطلاق وقد أعطوا فكرا كان علامة على عصرهم ورمزا لحضارتهم وسمة مميزة لها .

فلدى سقراط نجد أنه  ليس ثمة من فكرة فلسفية كان لها من التأثير في حياته بقدر ما كان لفكرة القانون الذي يكن له كل احترام وتقديس و كان ذلك لنزعته العقلية الصريحة في الأخلاق ومن النتائج المنطقية الهامة لاكتشاف الكلي عنده . وقد كان السفسطائيون يعتقدون انه تعاقد وضعي مصطنع وليس ذي قواعد راسخة في طبائع الأشياء لكن سقراط الذي جعل العقل رائده في كل شيء ذهب الى أنه لابد أن تكون هناك قواعد ثابتة للعمل كلية عامة مطلقة كما ان هناك قواعد ثابتة للفكر كلية عامة مطلقة . وهذه القوانين يجب على العقل ان يكتشفها كما يجب على الإرادة ان تطيعها , فالقوانين ليست اصطناعية وإنما تقوم على أصل ثابت وجذور راسخة في بناء الفرد والمجتمع والطبيعة ونظام الأشياء . ويعد سقراط أول من حاول إيجاد معايير عقلية عامة ومبادئ موضوعية ثابتة تصدق في كل مكان وزمان تقاس بها الأفعال الصالحة وتميز من غيرها . هذه المبادئ العامة تحكم الكون والطبيعة ويمكن الوصول إليها بالعقل . وهو يذهب الى ان القوانين العامة والعادلة  إنما يستشفها العقل الإنساني من عقل أو روح الطبيعة التي هي بمنزلة قانون غير مكتوب ترتبط به ظاهراتها ومكوناتها وينعكس هذا القانون على عقول وقلوب البشر . كان سقراط يؤمن بوجود عدل إلهي يمكن للإنسان اكتشافه عن طريق العقل الإنساني ، فهناك عقل عام وقانون عام له السيادة وتجب طاعته. ولهذا القانون أصل إلهي فإذا كان القانون حقيقة ثابتة مطلقة تجب طاعته فهو اذن شيء مقدس إذ لابد أن يكون صادرا عن قوة حكيمة عادلة شاملة تقوم بالحق وتحرك الكون بأصول أزلية أبدية ثابتة ليست عرضة للتبديل والتغيير ولا تختلف باختلاف الزمان والمكان والدليل على وجود هذه القوة إنما هو وجود الإنسان وعقل الإنسان الذي ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية فللكون صانع حكيم وعقل مدبر وهو خاضع في وجوده وفي سيره لتدبير عقل الهي في ظل قانون العناية الإلهية وهو موجه الى غاية مرسومة . هذا القانون يرتبط إذن بجانبين : الأول يمثل العقل الإلهي وهو مصدره الذي هو الأصل الثابت المطلق وجانب يمثل العقل الإنساني الجزئي المحدود الذي ينعكس فيه العقل الإلهي ولكن باختلاف عقول البشر .

ولقد دافع إفلاطون عن مبدأ القانون والعقل ضد مبدأ اللذة والمنفعة والغريزة .  وكان كأستاذه يعد القوانين حقائق أزلية ثابتة مطلقة لا تتبدل ولا تتغير . ويؤكد على حكم العقل الإلهي الذي يسمى الناموس المشترك فالله هو مشرع القوانين التي تحكم الكون كله والتي يكتشفها العقل الإنساني المحدود ، ومنها نستنتج المبادئ العامة والموجهات العامة للخير والعدل والقيم العليا ، وعندما نستشعر هذه القيم في نفوسنا نكون قد استشعرنا القانون العام بداخلنا .

أن فكرة القانون المطلق أو الطبيعي العام اكتسبت طابعاً فلسفياً على يد أفلاطون وأرسطو. فقد ذهبا الى أن هناك قوانين كونية لا دخل للإنسان في وضعها وليست عملا إراديا له. هذه القوانين الكونية يكتشفها الإنسان بالتأمل العقلي المجرد الذي يقود الى عالم المثل الذي يرتقي فيما وراء الواقع في العالم الميتافيزيقي .. إن عالم المثل يمثل أصل القانون المطلق ، القانون المثالي وهو موجود في هذا العالم المثالي ، عالم المثل .

 ويرى أرسطو أن هنالك نظاما ثابتا لا يتغير يحكم الأشياء وليس تبعا للصدفة . وما يدل على وجود قانون واحد ثابت وراء الأشياء هو انتظام العالم وتناسب الحركات بعضها مع بعض . ان الحركة الأزلية حركة متصلة تجري على وتيرة واحدة في كل أجزائها ولا بد ان تكون علتها واحدة أيضا ومحركها واحد .

وكان أرسطو قد قسم القانون الى قانون عام طبيعي وقانون خاص مدني . ان القانون الطبيعي لدى أرسطو هو جوهر الأشياء وهو يعتقد بأن الأشياء الموجودة في الطبيعة لا تعبر بذاتها عن الوجود ، وإنما الوجود الحقيقي هو جوهر هذه الأشياء .  ولذا كانت الفلسفة لديه هي البحث عن حقائق الأشياء وجوهرها أي البحث عن القوانين الموجهة الكامنة وراءها ، حيث رأى أن القانون الطبيعي هو غاية أو جوهر الوجود المادي وهو جوهر القانون الوضعي الذي يضعه الإنسان أو تضعه الشعوب المختلفة بصورة مكتوبة أو غير مكتوبة (أعراف وعادات) انه محاكاة للقانون الإلهي الذي يجده الإنسان في نفسه والذي يحاول من خلاله أن يحقق العدل الطبيعي والقانون الطبيعي ، لذلك فإنه خاص من جانب وعام من جانبه الآخر . ان القانون العام هو قانون الطبيعة وهو ما يعتقد الناس جميعاً ببديهيتهم الطبيعية ان يكون معيار التفرقة بين الصواب والخطأ حتى لو لم يضمهم أي مجتمع أو اتفاق  .

  إن الطبيعة تنطوي على علتها الغائية كما يذهب أرسطو وهي تتجه بحكم طبيعتها الباطنة إلى تحقيق تلك الغايات ، وهذه الغايات مرتبطة بالقانون المتضمن فيها وهو يوجهها من باطن ولا ينفصل عنها . وهذا ما يختلف به أرسطو مع أفلاطون فجوهر أو صورة المادة لا توجد مفارقة لها وللموجودات الجزئية وإنما هي توجد في الوجود الجزئي العيني ،  فالشيء نفسه يحمل في طياته جوهره وقانونه ، ومهمة الفلسفة اكتشاف هذا الجوهر وهذا القانون .

ولقد نمت وتطورت فكرة هذا القانون عبر تاريخ ممتد استمر حتى عصرنا الحاضر وتجسد بنظريات معاصرة . وقد حملت الفلسفة مهمة اكتشاف هذا الجوهر الكامن أو القانون المطلق في كل عصورها حتى العصر الحديث وبحثنا هذا إحدى المحاولات السائرة في هذا الطريق والحاملة للغاية ذاها  .

إن ما نود الإشارة اليه من هذه الأفكار والمعارف والعلوم التي تسعى في العصر الحديث الى معرفة هذا القانون الكلي ما يسمونه(Systemique) وهو علم ما زال في بدايته يسعى لتحصيل هذا النظام الشامل وغايته تقريب العلوم أو دمجها وهو ينطلق من هذه الرؤية الكلية. وتنطلق منها بعض الأفكار مثل البنيوية وهي التي نعرفها منهجاً في النقد او الأدب فهي تستجيب لهذه الرغبة في المعرفة الشاملة وتفترض أن هناك بنية عامة او نظاماً عاماً يحاول الوصول اليه او إيجاده جميع البنيويين في العلوم المعاصرة(3).

 إن هذه البنية العامة او النظام العام او المنهج العام أو الجوهر العام المطلق إنما هو مشروع الفلسفة وغايتها منذ وجدت وعلى اختلاف مستوياتها في تحقيق هذه الغاية او الاقتراب منها . ونحن نرشح من الفلسفة او من الفلاسفة (هيجل) لنحاور محاولته للاقتراب من هذا النظام الكلي الذي أراد أن يفسر به كل الحقائق وهو مايراه  بعض أساتذة الفلسفة الأوربيين مشروعاً مستحيلاً لأنه لا يمكن للمرء أن يحيط بكل اللغات، لغة العلوم، ولغة الفيزياء، ولغة الكيمياء، ولغة الاقتصاد و...(4). وسبب ترشيحنا لهيجل أنه ملتقى كل الفلسفات الجدلية قبله وبعده ، فلقد استوعبها كلها وأخذ منها وصاغ لنا مايعد أعظمها وأشملها وأوفرها مضموناً . وكما تأثر بما قبله أثر بما بعده من الأفكار والفلسفات حتى لانجد منها مالم يتأثر به إن سلبا وإن ايجابا . ولكل ذلك رشحناه لنحاوره لأننا أردنا أن نحاور من خلاله الفكر الفلسفي كله ولأننا كذلك على صلة بمنهجه الجدلي ونخالفه أيضاً.

وهذا النظام أو المنهج الجدلي الذي اهتدى اليه هيجل إنما هو منهج فلسفي أراد تعميمه، لأن المشروع الفلسفي مشروع شامل. وحاول اكتشافه في كل الظواهر و الاهتداء به الى الحقيقة الكلية مع أن هناك من يشكك بمعرفة هذه الحقيقة الكلية عن طريق الفلسفة، لأنها تقصر عن حد اليقين وترتكز على افتراضات أولية تخص الفلاسفة، غير مسلم بها، يعارض بعضها بعضاً، ولا أحد يدري اين ستستقر كما يقولون . ونحن نقول إن هذه الافتراضات الفلسفية بحاجة الى معرفة يقينية هي المعرفة العلمية لكي تؤكد نتائجها ولهذا اعتبرنا الفلسفة - غير العلمية أو غير المؤيدة علميا - معرفة جزئية في مقابل المعرفة العلمية التي ترقى بعد تأكيد نتائجها الى المعرفة الكلية التي أوحى بها الغيب عن طريق الدين.  وإننا في المبحث الثاني من هذا الكتاب ظاهرنا المعرفة الفلسفية التي نفترضها او التي نؤمن بها بالنظريات العلمية التي تتعامل مع الحقيقة الخارجية وتنقلها بموضوعية تامة. أي اننا تعاملنا مع المعرفة الفلسفية التي أصبحت أو توشك أن تصبح حقائق علمية مؤكدة .

 ونحن نجد الآن محاولة للتعاطي والحوار المعرفي بين الفلسفة والعلم. وقد استمدت العلوم المختلفة من المعرفة الفلسفية في محاولة لتعميم نتائجها مما أظهر أن المعرفة العلمية تتجرد وتكون أكثر اطلاقاً عندما تلبس ثوب الفلسفة ، وهوما أكد أن العلوم التفصيلية تلتقي مع العلم الفلسفي المجرد، تأخذ منه وتعطيه من نتائجها . إن علم الطبيعة يقدم للفيلسوف محفزات لتطوير الفلسفة، وقد اتخذت التيارات الفلسفية لها موقفاً من جميع النظريات العلمية الحديثة وحاول بعض الفلاسفة أن يؤولها تأويلاً يلتقي مع فلسفته ويؤيدها. وكذلك فإن العديد من العلماء صرحوا برأيهم حول العلاقة بين العلم والفلسفة ومنهم آينشتاين وبلانك وبور وغيرهم ممن قدر أهمية الفلسفة تقديراً عالياً. وإن وجد لدى بعض آخر موقف رافض لها، فإن هذا لا يعني أن من يرفض الفلسفة او ينفي أهمية العمل الفلسفي بلسانه لا يعبر بذاته عن أفكار فلسفية، أو لايعتمد عليها في تصريحاته . ونذكر بأن هناك ميداناً معرفياً يسمى فلسفة العلم، او الفلسفة العلمية التي تعمل على تعميم المعرفة العلمية وإقامة الصلة بين المقولات الفلسفية والحقائق العلمية والطبيعية ومواصلة تطوير الفلسفة بالنقد الموضوعي للآراء الفلسفية اللاعلمية والطلسمية. إن كل عالم طبيعة ينجز بعمله شيئاً للثقافة البشرية، وبهذا يقدم للعلماء الآخرين محفزات وللفلاسفة مسائل جديدة، ويسهم في حل أخرى مما يعمل على تطوير الفلسفة. فالفيزياء الحديثة مثلاً تطرح مسائل فلسفية مختلفة، وهكذا تكون مختلف العلوم كالأدوات التي يشيد بها صرح المعرفة وهي متماسكة لا تستغني أداة عن الأخرى(5). والذي فعلناه نحن أننا وقفنا على ما تشترك به ويعين بعض منها به بعضها الآخر. وإن خطتنا التي سرنا عليها هي تقديم ما افترضته الفلسفة عن القوانين العامة التي تحكم الكون كله بوصف هذه الافتراضات تمثل المعرفة الجزئية المحدودة, معرفة الإنسان في جدل علاقتها مع المعرفة اللامحدودة ومحاولتها للإلتقاء بها. ويمثل العلم المؤيد للمعرفة الفلسفية الخطوة التي تهتدي بها المعرفة الجزئية المحدودة الى المعرفة الكلية المطلقة - ممثلة بالدين -  وتعود بها الى بداياتها التي انطلقت منها.    

هوامش المقدمة

 

•(1)      ينظر: المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي/ كيدروف/ ترجمة محمد عيتاني وسهيل يموت/ دار المعجم العربي/ بيروت، ص12.

•(2)   ينظر: (مع الفلسفة اليونانية ) الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، بيروت - باريس ، الطبعة الثالثة 1988 . ص57 - 76 .. وينظر الكتاب نفسه في الأفكار الفلسفية الواردة للفلاسفة اليونانيين ..

•(3)      ينظر: البنيوية، جان بياجيه/ ترجمة عارف منيمنة وبشير اوبري، منشورات عويدات، بيروت. باريس،ص7.

•(4)      ينظر: حوار مع انطوان مقدسي حول الحداثة والتحديث اجراه سعد الله ونوس/مجلة قضايا وشهادات/ العدد3/1991/ص5.

•(5)   ينظر: (الفلسفة والفيزياء) د.محمد عبداللطيف مطلب/ الموسوعة الصغيرة (163) دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد -العراق ص47-48 و(علماء فلاسفة) د.محمد عبداللطيف مطلب الموسوعة الصغيرة(400)/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ العراق، ص10ـ14.

  

د. بتول قاسم ناصر


التعليقات




5000