..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الاغتراب الجمالي في شعر حميد سعيد (حلقة أولى)

عصام شرتح

إن الاغتراب الجمالي من أهم أشكال الاغترابات الإبداعية ،وبالتحديد من أهم  أشكال الاغترابات الفنية؛ لأن الحساسية الجمالية، والفكر الجمالي لا يخلقه إلا الإبداع الحقيقي؛ والفكر الجمالي  المنفتح الذي ينبع من نفس عذبة متشوفة إلى الجمال والإبداع، وباحثة عن الجمال في كل شيء،وللأسف أقول: إن كل من بحث في موضوع الاغتراب لم يتناول هذا الشكل الاغترابي المهم في تحفيز الشعرية، وأغلبهم لم  يشر إليه مجرد إشارة، وهذا ربما يعد مأخذاً عليهم ، لأن الاغتراب الجمالي هو من ثمار الشعرية ، إن لم يكن المنتج الحقيقي لها؛ وبتقديرنا: إن المبدع الجمالي هو أكثر اغتراباً في شكل إبداعه عن غيره من المبدعين ،وبمقدار انفتاح المبدع في تطوير رؤيته الجمالية، و البحث عن التميز، والانفراد في هذه الرؤية  بمقدار ما تحقق تجربته تفردها الإبداعي، واغترابها الفني الشاعري المؤثر، ومن هنا، يمكن القول: إن الجمال شعور اغترابي  كما هو الاغتراب الوجودي، والنفسي، والشعوري، فكل المبدعين الجماليين أو المؤثرين يملكون طقوسهم الإبداعية الخاصة التي تصطدم مع غيرهم في ميلوهم،ورغباتهم، واستعداداتهم الشعورية ومحفزاتهم الجمالية،وحسهم الجمالي وشعورهم ،وأحاسيسهم وأفكارهم،وأعتقد أن المبدع الجمالي هو أكثر اغتراباً من غيره من المبدعين ،وغالباً ما يمتلك المبدع الجمالي رؤية جمالية خاصة، غاية في التكثيف، والإيحاء، والشعرية؛ ومن هنا، يمكن القول: إن جل النصوص الإبداعية المؤثرة تملك  درجتها القصوى من الحس الجمالي، أو الاغتراب الجمالي في تشكيلها،وهذا يعني أن البحث في هذا النوع من الاغتراب هو بحث بكل مثيرات الجمالية عند المبدع في مضمار النص الإبداعي الذي استحوذ على قيمه الجمالية الخاصة به، وانفرد بها عما سواه، ولا يمكن للنص الإبداعي أن يسمو بمعزل عن ماهيته الجمالية، وقيمه الجمالية،ومن هنا يتخذ هذا الشكل الاغترابي مشروعيته وأهميته في التجارب الإبداعية المؤثرة التي تؤثر، وتغير، وتباغت، وتحرك، وتحفز النص الشعري،ولولا القيم الجمالية المتولدة على الدوام التي تثيرها النصوص الشعرية المغتربة في شكلها الاغترابي الجمالي الخاص، لاضمحل الشعر، واضمحلت الشعرية؛ و لانبالغ في قولنا :لكانت القصائد متناسخة في قيمها الجمالية، لدرجة تبدو هذه القيم سكونية لامحالة ستفقد خصوبتها وطيفها الجمالي مع الأيام.

 ووفق هذا التصور، يمكن  القول: إن الاغتراب الجمالي يتأسس على المحفزات الجمالية، التي ترتقي بالنسق الشعري جمالياً،و تثيره إبداعياً، وهي التي  ترتقي بفضاءات الرؤية،ولذلك؛ يخطئ من يظن أن بذور  الشعرية ومثيراتها بمنأى عن الاغتراب الجمالي؛ ولذلك؛ نعد الاغتراب الجمالي  هو الرافد لكل القيم الجمالية النصية الأخرى، لاسيما بارتباطه بالرؤية، ومن أجل أن يحقق الاغتراب الجمالي ثماره اليانعة في النصوص الشعرية لابد من تضافر جميع القيم الجمالية في تفعيل الشعرية، بما في ذلك تفعيل الرؤى والدلالات، إذ يقول:

" في كل جملة شعرية يجب أن تتلامس الحروف مع بعضها برقة، وتناغم، كتلامس الأجراس،لتصدر دقات الموسيقا العذبة. يجب أن تلعب الحروف مع بعضها كما تلعب الأسماك في بركة الماء الصغيرة, يجب أن ترقص النافورة في صحن الدار. يجب أن تكون رشيقة في انتقالها بين السطور. فالكلمات الحية توشوش،وتزقزق، وتسقسق، وتهدهد خصوصاً إذا كان موضعها جميلاً في الجملة الشعرية. والكلمات الحية تتعانق،وتتعارف، وترقص، وتهزج، وتهدأ، وتغفو، وتأمر روح السامع بالاسترخاء والإغفاء بعد انفعال جميل لذيذ.. وبهذا المعنى، أحاول اكتشاف الانسجام بين الجمال الموسيقي( الصوتي) والجمال التعبيري، والذي ينتج من التلاقح الصحيح بين الحروف، والكلمات،واكتشاف المخزون الانفعالي والإيقاعي،خصوصاً حين يسيطر  حرف ما على النص،ويتكرر في دوامة الأحاسيس المستيقظة والمنسابة في سهولة،ويسر، حين تترقرق في الجملة  دون نشاز، يسيطر إحساس متناغم على اللغة، ويجعلها طيعة تماماً كما يترقرق الماء في المجرى،خالقاً عالماً من التناغمات والسقسقات"(1)

وبهذا الحس الجمالي الشاعري تتشكل النصوص الشعرية معلنة اغترابها الجمالي؛ هذا الاغتراب الذي يميز النصوص الإبداعية من سواها،والشعراء الجماليين من غيرهم من الشعراء الكلاسيكيين الذين يسيرون على أشكال أسلوبية مكرورة،ورؤى مستعادة متحجرة لا قيمة لها في ميزان الإبداع الجمالي المتجدد.

 وبتقديرنا:  إن شعرية الاغتراب الجمالي -عند حميد- تتأسس على  مغريات اللغة الجمالية المحملة بالرؤى والدلالات المفتوحة، فالشاعر يؤمن بأن الشعرية انفتاح جمالي؛ يستثير الرؤى ،ويحفز المداليل الشعرية، بما يضمن شعرية الإثارة والتكثيف،ومن هذا المنطلق، فإن جمالية الاغتراب في قصائده يتأسس على قيم جمالية مكثفة؛ على مستوى مغرياتها الفنية، وبتقديرنا : إن الاغتراب الجمالي تأسس -في شعر حميد سعيد-  على أشكال عدة، ومثيرات مختلفة، يمكن أن نوجزها بهذه الأشكال،وهي:

•1-        الاغتراب الجمالي  بالقيمة الجمالية أوالفاعلية الجمالية

 

ونقصد بهذا الشكل الاغترابي  الجمالي ( بالقيمة الجمالية أو الفاعلية الجمالية): كل شكل فني جمالي محفز للشعرية أو مفرز للقيم الجمالية في النص الشعري من قريب أو بعيد، فالنص الشعري هو حصيلة بنى، ورؤى متضافرة،وهذه البنى ترتد بتفاعلها، وتضافرها إلى مجموعة قيم تظهر في شكل النسق اللغوي الفني الذي يتشكل ضمن النص، ولهذا، فإن النص الشعري المحفز هو النص المغري بقيمه الجمالية، وهو النص المحرك للشعرية بكل طاقاته،ومحركاته الإبداعية؛ ومن هنا، لا يعد النص الفاعل جمالياً نصاً توثيقياً، أو نصاً مشاعرياً صاخباً، إنه حراك جمالي ببناه، وقيمه الجمالية، وهذا ما يجعل من بعض النصوص الإبداعية أرقى في جمالياتها من بعضها البعض، ووفق هذا التصور، فإن كل ما يولد قيمة جمالية في هذا الشكل الفني أو ذاك يقع ضمن دائرة الاغتراب الجمالي الذي يحاول الشاعر من خلاله تأكيد اختلافه، وبصمته الإبداعية الفارقة،ولهذا، تتفاوت قيمة المنتج الفني جمالياً بحسب مهارته الإبداعية، وفاعليته الرؤيوية، وإفرازاته جمالياً.

وبتقديرنا: إن حميد سعيد اشتغل جمالياً على بنى ومحفزات جمالية مفتوحة، تحفز القارئ،وتستثيره جمالياً؛ فالقصيدة - لديه مغتربة- في منحاها، ورؤاها المحفزة،وهذا يعني أن كل  مقوم جمالي، أو محفز جمالي يخلقه في نصوصه يملك معنىً،ورؤية،  ودوراً مهماً في تشكيل  رؤيته النصية،ومن أجل ذلك ، فإن شعريته تتضمن أكثر من رؤية جمالية، ومدلول نصي، غاية في التنامي، والكثافة،  والشعرية، والإيحاء والتنوع والتفريع،.ويعرف (فاليري) الفاعلية الجمالية  بقوله:( تعني الفاعلية الجمالية المقدرة على معالجة الموضوع الفني بشكل جمالي)(2)،ويقول أيضاً:" أنا أكون مبدعاً بما أنا قادرٌ أن أفعل"(3)

ويعد الاغتراب الجمالي بالقيمة الجمالية، أو الفاعلية الجمالية من مؤسسات خصوبة الشعرية، وتفعيلها جمالياً، خاصة إذا أدركنا: أن الاغتراب الجمالي هو المحك الفني في الحكم على فاعلية الرؤية الجمالية، والمضمون الجمالي، وبما أن الاغتراب الجمالي قيمة جمالية متغايرة من تجربة إلى أخرى، فإن الفاعلية الفنية متنوعة كذلك في النصوص الشعرية، تبعاً لمهارة الشاعر في تفعيل الرؤية،وتحريكها فنياً؛وفق معطيات ومحرضات ودوافع جمالية تثير هذا المنتج، وترتقي به إبداعياً.

ومن يطلع على تجربة الشاعر حميد سعيد -على المستوى الجمالي- يلحظ غنى هذه التجربة بقيم اغترابية جمالية تؤكد خصوصيتها، وبلاغتها في الاستثارة والتأثير، ف (لقصائد حميد سعيد) فاعليتها الجمالية المؤثرة وقيمها الجمالية المتنوعة،ورؤاها الشعرية المبتكرة، إنها ذات ألق دائم وحراك جمالي مستمر على مستوى أنساقها،وفاعليتها في إثارة القيم الجمالية وتحويلها من قصيدة لأخرى،مما يؤكد تفرد نصوصه، وغناها بالمثيرات، والمحفزات الجمالية الكثيرة، كما في قوله:

  

شَجَنٌ يُباركُ لي فضاءاتي .. يُعَلِمُني مسرات البكاء

  

وكدتُ أنسى..

أَوجَدتِ في قاموس أفراحي.. سلالات الذين ترحلوا ؟!

  

أبقيتِ لي لغةً تُناوئ ذلك الماضي .. وتنأى

  

أَهدَيتِني أُفُقاً.. وقد طارت حماماتٌ محنَطَةٌ..

  

فما ضلَ الحمامُ طريقَ عودته .. وإن ضلَ الحنوطْ

  

ليسَ القنوطْ..

  

ما كان يأخذني إلى طاووس ليلي .. كان يأخذني إلى الليل القنوطْ

  

ولقد وجدتُكِ.. حيثُ أودعتُ الشذى في اللون..

                                                                                             

ودَعتُ الهوامشَ والمتونْ"(4).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الاغتراب الجمالي بالقيمة الجمالية، أو الفاعلية الجمالية- في شعر حميد سعيد- يتأسس على مغريات الرؤية، وسلاسة اللغة في إصابة جوهر الرؤية الصوفية، ومضمونها الجمالي، وهنا، استطاع الشاعر أن يخلق من المفردة الصوفية قيمة جمالية اغترابية مثيرة(قاموس أفراحي- ضل الحنوط- أودعت الشذى في المتون)، فكل مفردة تشكل في نسقها قيمة جمالية اغترابية تشي ببعد الرؤية الصوفية، فالشاعر يوظف المفردة الصوفية بحس شاعري جمالي اغترابي،وهذا ما صرح به قائلاً:" لقد حاولت باستمرار أن أفيد من لغة الصوفيين ، فهي لغة شعرية بامتياز ، حتى حين لا نجد شعراً صوفياً في الشعر العربي، بمستوى شعرية هذه اللغة، بينما نجد في الشعر الفارسي أو الأذري- نسبة إلى أذربيجان - كما اطلعنا عليه مترجماً، نماذج شعرية عالية.

بينما، نجد في النثر الصوفي العربي ، غنى ، في قاموسه، وبنياته، وإشراقاته، كانت وستظل مصدراً مهماً من مصادر إغناء الشعرية، وهذا ما حاولت الاشتغال عليه في قصيدتي.

أما الأمر الثاني، إن في مكوناتي ما يشبه النزعة الصوفية، تقترب بي من التقشف، والبذل، والحرية والمحبة والتواضع، من دون أن أدخل مدخل الفكر الصوفي وشطحاته وتطرفه وعجائبية طقوسه وانحرافاتها ".(5)

وبهذا الاشتغال الإبداعي، يحقق حميد سعيد شعرية الرؤية الصوفية،ومدلولها النصي الاغترابي في قصائده، وهذا الاشتغال يرفع وتيرة الرؤية، ومحفزاتها الجمالية المؤثرة، كما في قوله:

  

لي ملاذٌ

  

سَيُخرجُني من ملاذ نعاسي

  

ويُدْخِلُني جَنَةَ النوم .. والنومَ

  

مازلتُ منهمكاً بتقاويم بيض..

 

  

وما زلتُ أُخرِجُ من حجب الذاكرةْ

لغةً ماكرةْ

  

ثم يَخرجُ موتى كثيرون .. يَغوونني ببياضٍ بعيدْ

  

أكادُ أُرافقهمْ..

  

نجمةٌ ستسد الطريقْ..

  

وتأخُذُني موجةٌ من ضياءٍ إلى ما تريدْ"(6).

 لابد من الإشارة بداية إلى  أن  الاغتراب الجمالي بالفاعلية الجمالية أو المحرضات الجمالية في قصائد حميد سعيد يتأسس على الرؤية الشعرية التي يبثها في نسق الصور،والأنساق التشكيلية المراوغة التي ترفع سوية القصيدة جمالياً،وقد قلنا في دراسة قيمة  عن هذا الاغتراب:" إن حساسية المبدع الجمالية هي وراء أية مماحكة أسلوبية ناجعة  في السياق، وهي التي تتحكم في تحفيز القدرة الإبداعية لدى المبدع على البناء الفني المثير"(7).وهنا، نلحظ  قيمة الاغتراب الجمالي في إبراز فاعلية الأنساق ،وإكسابها قيمة إيحائية مكثفة، كما في الأنساق الشعرية التالية:( لغة ماكرة= بياض بعيد= تقاويم بيض)، وهذا الاغتراب الجمالي  ماهو في المحصلة إلا نتيجة حساسية جمالية،ورؤية تشكيلية فاعلة في إثارة الموقف الصوفي، وإبراز توق الحالة الكاشفة، لتصل على أرقى مستويات الإثارة التشكيلية، وفاعليتها النسقية، وهذا ما يضمن تفاعل الأنساق بفاعلية نسقية محفزة للصور، وكاشفة عن رؤاها العميقة.

 ومن الملاحظ أن شعرية الأنساق الجمالية في قصائده،تأتي ركيزتها نزعته الصوفية وأنساقه التشكيلية المراوغة كما في هذا الحس الجمالي المراوغ التالي في التشكيل (موجة من ضياء) الذي يؤذن بتحليق رؤيوي ينم على فاعلية جمالية غاية في الإثارة، والكشف، والشاعرية، وهذا ما يضمن إثارتها، ودهشتها الجمالية.

وصفوة القول الذي نرومه:

إن الاغتراب الجمالي بالفاعلية الجمالية، أو القيمة الجمالية من محرضات الرؤية النصية - في قصائده-  وهذا يعني أن إيقاع اغترابها ليس دلالياً أو وجودياً،وإنما هو اغتراب جمالي ركيزته الحساسية الجمالية، والخبرة التشكيلية التي تثير قصائده في شكلها وأسلوبها، وتكامل بناها، من سرد،ووصف، ودراما، ورموز فاعلة محركة للدلالات والباعثة على فواعلها الجمالية، ونواتجها الدلالية المؤثرة.

•2-      الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية، والدافع الجمالي:

ونقصد ب( الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية، والدافع الجمالي): الاغتراب الجمالي الذي يثيره الشاعر  بالمهارة الجمالية،  أو التشكيلية المبدعة، ولن يرتقي النص  الإبداعي -بمنظورنا- إلا بتنوع أساليبه، ومفرزاته الجمالية،وكم من النصوص المبدعة المؤثرة جمالياً لا تبرز جماليتها إلا من خلال الحنكة الجمالية التي تملكها في كل جزئية  من جزئياتها، وهذا يعني أن النص الإبداعي المثير هو الذي يغترب في شكله الإبداعي؛  وفي مضمونه، ورؤاه، ودليلنا أن أغلب النصوص الإبداعية جمالياً هي المغتربة في رؤاها، ومدلولاتها،ومحفزاتها النصية، وبهذا المقترب أو المعنى المخصوص يقول(سترندبرج) في طريقة النشوء الفني في فن الرسم موضحاً قيمة الدافع الفني، أو الدافع الجمالي في تشكيل لوحته، وتخليقها فنياً ما يلي:"  يجب عليَّ أن ألاحظ أن علينا أن ننظر إلى اللوحات المرسومة في فضاءات نصف معتمة لا تحتمل ضوءً كاملاً، إلا بواساطة علامة نارية قوية، أو فضاء نصف معتم،وما ينتج عن ذلك،متروك نصفه للصدفة،والنصف الآخر لكامل الدافع الجمالي أيضاً"(8)،ولهذا، فإن الدافع الفني هو المحرك للشعرية ،وهو وراء دافع اغتراب الشاعر في  منتجه الفني، بعيداً جمالياً عما سواه.

 وبما أن الدوافع الفنية تشكل  محفزات شعورية ضاغطة على الذات في لحظة التكثيف الجمالي أو الفني،فإن ما يُعَضِّد شعرية الدوافع قوة الذات على  توجيه الرؤية نحو جوهر العمل الفني،وقد كان الناقد الجمالي(فرانسيس مارك) محقاً عندما قال:"إن الفنان وحتى عندما يرسم قبل تأثير الدافع الفني، لا يحطم الحالة الانفعالية للوحته إلا بمقدرته على انتزاع الجواهر الكامنة في تجمع  أنواع عديدة من العناصر النموذجية، ليعيد إنتاج البناء الكامل للعمل الفني، انطلاقاَ من نقاط ارتكاز عارية مدهشة"(9)

 وبهذا المعنى، يبقى الفن الجمالي المؤثر رهين دوافعه،ومؤثراته الجمالية،و رهين مثيراته العاطفية، وذبذباته الشعورية،وهذا ما يجعل الفن رهين اغتراباته الجمالية،ورهين شعرية دوافعه ومقاصده،وقيمه الجمالية التي تمظهرت في داخل بنية العمل الفني.

 وبهذا التصور ،فإن الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية هو من مغريات بنية القصيدة عند حميد سعيد، ومن أجل ذلك فهو يثير القارئ دائما بالانتقال في رؤية القصيدة، من رؤية إلى أخرى،ومن مدلول نصي إلى آخر، ومن محفز جمالي إلى آخر؛ مما يضمن لها التميز،والتفرد، والأصالة الاغترابية، وتأكيدا على هذا، فإن جل أشكال الاغتراب الجمالي في قصائد حميد سعيد تكشف عن عمق محفزاته الشعرية، وفكره الجمالي ،وألق الصور المكثفة التي يثيرها في قصائده.

ووفق هذا التصور، نقول: إن الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية والدافع الجمالي من مغريات قصائد ديوانه( من أوراق الموريسكي) التي ترتقي أكثر من مستوى، وأكثر من مدلول، وهذا ما يجعل دوافعها الجمالية متنوعة تبعاً لتنوع الدلالات، وتناميها على المستوى الدلالي والفني،  كما في قوله:

  

"ما عادَ للغجريِّ..                                                                                  

من يحكي لهُ ما كانَ..فاعتزَلَ الغِناءْ

وتفرَّق الركبُ الجميلُ

لا واحةٌ بيضاءُ في هذا البياض.. ولا قَـبيلُ

كنّا غَدونا ذاتَ منعطفٍ.. كباراً..

أيّـها الولدُ الكسولُ

الخيميائيُّ المبجَّلُ..

يَمنحُ المدنَ الكئيبةَ سِحرَهـا الليليَّ

يأتي حيث كانَ.. البحرُ

كيف يكونُ..

وقد نأت بيروتُ.. بعدَ تباعدِ النُـدمانْ

مَـن ماتوا.. ومَـن قُـتِلوا.."(10)

بادئ ذي البدء،نشير إلى أن الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية والدافع الجمالي- من مؤثرات الصورة،ومحركات السرد، في قصائد حميد سعيد؛ وهذا يعني أن الاغتراب الجمالي في قصائده ليس من مقتضيات الصورة، والأنساق اللغوية المماحكة فنياً فحسب،وإنما من مؤسسات الحركة السردية ووحدة الرؤية، وتكامل المعنى،وحراك الدلالات في النسق الشعري،وهذا ما يجعل مدها التأملي وحراكها الجمالي مفتوح الرؤى، والدلالات، والمؤشرات الإيحائية. وبالنظر في  فاعلية الاغتراب الجمالي  بالحنكة الجمالية والدافع الجمالي - في المقطع السابق- نلحظ  غنى الدوافع الجمالية التي تتمظهر في هذا الاتساق الرؤيوية التي تسير على نبض دافق وتكامل إيحائي، مؤسس على وعي جمالي في إبراز المشهد العاطفي بكل حرارته،ودفقه الشعوري،وكأن الشاعر يهندس رؤاه،واغتراباته الشعورية بحنكة جمالية، وإحساس جمالي،وهذا يقودنا إلى القول: إن الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية والدافع الجمالي يحقق لقصائده دوافعها النفسية المثييرة، واحتداماتها الشعورية المأزومة التي تسير على خيط شعوري موحد؛ يشي بالتكامل، والتفاعل، والتضافر النصي الفاعل  على المستويات كلها.

 وهذا الأسلوب الاغترابي سمة قصائده التي تشتغل على الدوافع، والمؤشرات، والبنى الرؤيوية الفاعلة في الإثارة والتحفيز ،كما في قوله:

"المرجئونَ الوردَ في أكمامهِ..غَـفَلوا

فكانتْ..

مُـذ تَعلَّمتَ الكلامَ وأنتَ تُـرهِـقَـها.. بِصمتِكَ

هل ستدعونا إليها ذات ليلً.

أم تعبتَ؟

تَعبتُ..

لا أحدٌ يُشاركُـني خُـطايْ

لا دارُ مَيَّـةَ.. حيث تَنفَتِحُ السهوبْ

وتُعيرُ مِعطفِهَا لميَّةَ.. في الغروب

يتذكَّرُ الغَجريُّ من كانوا.. ويَنسى أن يكونْ

حَجَلٌ على أوتارِ قيثاري.. يقولُ لها..

وينسى أن يكونْ"(11).

لا بد من الإشارة بداية إلى الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية والدافع الجمالي من مؤشرات الفاعلية الجمالية  المحرضة في تحقيق الشعرية في قصائد حميد سعيد التي تشتغل على وحدة الشعور، وتفاعل الدوافع الجمالية مع الحركة الشعرية المموسقة،بإيقاعها الشعوري،وهذا يؤكد أن شعرية الدوافع ترتقي بالحركة الجمالية لبناه اللغوية،وكأن البنية اللغوية مؤسسة على دافع جمالي، أو إحساس جمالي يرومه من هذا الشكل الجمالي أو ذاك،وبتقديرنا، فإن شعرية الدوافع ترتقي بحركة الأنساق،وتثير فاعلية الرؤية المبثوثة في قصائده.

وبتدقيقنا- في المقطع الشعري- نلحظ  تفاعل الرؤى، والمثيرات الاغترابية التي رافقت شخصية الموريسكي في غربته الوجودية والمكانية،وإحساسه بعالمه الوجودي، وذكرياته الماضية بعدما ارتحل عن مدينته ودياره،وفقد مملكته الضائعة،وهذا يعني أن غربة الشاعر المكانية أو الشعورية انعكست على غربته الفنية،ولا عجب في ذلك فهو يقول:" لعل الاغتراب المكاني ، هو أكثر الاغترابات شيوعاً وأكثرها تأثيراً وحضوراً في النص الثقافي ، أما الاغتراب الزماني ، فهو ينتج عن خلل ثقافي وتربوي، إذ يعيش الإنسان في زمن آخر غير زمنه الواقعي، وهذا ما يقوده إلى حالة صدام مع البيئة، والمجتمع، وهو من أخطر أسباب عزلة الأصوليين، وكل الذين يستبدلون الماضي بالحاضر، فيرون في كل جديد انحرافاً.ولقد استطعت دائماً أن أتواءم مع اغتراب المكان، بالإقبال على مستجداته حيناً، وبإيجاد بديل إبداعي حيناً آخر، وهذا ما ظهر آثاره في شعري في جميع تجاربي مع الغربة المكانية، منذ قصيدتي الأولى" الجليد" التي كتبتها وأنا شاب يافع ، وجد نفسه في محيط غريب عنه، حيث عشت في تلك المرحلة بعيداً عن الأسرة والبيت ، عن مدينتي وأصدقائي.

وظهر ذلك أيضاً في " ديوان الأغاني الغجرية" الذي كتبته خلال إقامتي في إسبانيا، وكذلك في ديوان" من أوراق الموريسكي" حيث كانت القصيدة هي المكان المتخيل والبديل عن المكان الذي صار بعيداً".(12).

وهذا يدلنا على أن الاغتراب الجمالي بالحنكة الجمالية والدوافع  الجمالية من محركات القصيدة الشعرية في تفردها الإبداعي، وحراكها الفني عند حميد سعيد، لأنها ترتبط بالباطن الشعوري والاحتراق الباطني،ذلك أن الاغتراب الفني لا ينفصل عن أشكال الاغترابات الأخرى  في تحفيز الشعرية ،وتخليق الرؤية الجمالية أو الإبداعية من الصميم،ولهذا؛ تبدو القصيدة -عند حميد سعيد-  مرتكزة على دفق الأحاسيس الاغترابية التي تتوالد باستمرار، دون توقف في إفرازاتها الجمالية، وحراكها الشعوري الذي يستمر، ويتتابع تبعاً لحركة الدوافع الجمالية، التي تزيد من جاذبية الرؤية، ومحركاتها في قصائده على المستويات كلها..

 

•3-    الاغتراب  الجمالي بالمهارة الجمالية، والفاعلية التصويرية:

ونقصد ب( الاغتراب الجمالي بالمهارة الجمالية والفاعلية التصويرية):الاغتراب الذي يظهره النص الشعري في توجيه دلائله، عبر دلائل مرجعية،فاعلة في التكثيف،والإيحاء،وبتقديرنا: إن الشاعر المبدع هو الذي يمتاز بمهارته الجمالية ، بالانتقال من مثير اغترابي  جمالي في هذا الشكل اللغوي، إلى مثير جمالي آخر في الشكل اللغوي الآخر؛ مما يدلنا على أن قيمة المحفزات الجمالية التي تثيرها النصوص الإبداعية متغايرة ومتنوعة على الدوام بحسب الأسلوب الجمالي، وطريقة التشكيل الإبداعي، وبتقديرنا: إن شعرية حميد سعيد الجمالية تبدت في مهارته اللغوية، والحياكة الجمالية التي ترتقي بالنسق الشعري إلى آفاق رؤيوية خصية من  الإيحاء، والفاعلية، والتأثير؛ وهذا ما يضمن  لها، المزيد من التألق،والتميز، والإبداع؛ولا نبالغ في قولنا: إن الاغتراب الجمالي بالمهارة الجمالية هو من أبرز محفزات الشعرية  التي تتضمن كل مظاهر الإثارة باللغة الشعرية،بالانتقال من مثير إلى آخر ،ومن دلالة إلى أخرى؛  ولا نذهب بعيداً في قولنا : إن الفن الجمالي هو القادر دوماً على خلق الجمال، ولا نبالغ في قولنا : هو الفن القادر دوماً  على تحويل القبح إلى قيم عليا في الجمال،وهذا ما أشارت إليه بشرى البستاني في قولها:" إن جدوى الفن أنه يعبر عن القبح بما يحوله إلى جمال في التشكيل"(13)

واستناداً إلى هذا ، يمكن القول: إن جدوى الفن يكمن في  جدواه الفنية،ومفرزاته الإبداعية،ومتغيراته الإيحائية،وشكله الجمالي الخصب،ومتغيراته الفنية، وقيمه الأسلوبية الجديدة المتحركة على أكثر من اتجاه ؛ وهذا يدلنا أن الاغتراب الجمالي بالمهارة الجمالية، والفاعلية التصويرية يكمن في القدرة التصويرية التي تنبع من مخيلة الفنان،لاسيما حين يثمر هذا الاغتراب بصور مكثفة الرؤى، والقيم الجمالية، والدلالية بما تتضمنه من إفرازات جمالية تشي بالكثير من مداليل الاغتراب، والحرقة، والإحساس الجمالي، والفاعلية الفنية، ذلك أن جدوى الفن يحرك الأشياء، ويكسبها صيرورة جديدة في الممانعة، والمفاعلة في الرؤية، والدلالة؛لأنه عن طريق الصورة تتحرك انفعالات عدة، ورؤى جمة وأحاسيس محتدمة،  كانت راكدة في النفس، أو أنها فوضوية في باطن النفس، والشعور يأتي الفن ليكسبها هذا الانتظام، والفاعلية، وقوة التأثير؛ ولا يبالغ الشاعر السوري فؤاد كحل في قوله" من خلال الصورة تتعمق  دلالات النص وإيحاءاته،وتتجلى القوة الإبداعية التي يمتلكها الشاعر، فإذا كان الإيقاع يحتسب عناصر اللغة كلها، فإن إيقاع الصورة يتجلى من خلال صلة الصورة بفاعلية اللغة،ونشاط التركيب، وقوة الشاعرية"(14) .

ومن هذا المنظور، يمكن أن  نعد الاغتراب الجمالي بالمهارة الجمالية والفاعلية التصويرية من فاعلية الرؤية الشعرية، وخصوبة مردودها الجمالي، وهي التي تحدد درجة الشعرية في بنية النص الشعري، وبتقديرنا: إن الفاعلية التصويرية من مؤثرات الاغتراب الجمالي في القول الشعري،ونقطة تمفصل الرؤية الشعرية، ومركز خصوبتها الجمالية في الكثير من الأحيان. ولذلك، ذهب بعض المبدعين ،وفي مقدمتهم الشاعر فؤاد كحل إلى القول:" الصورة أساسية في بناء الشعر على أن تكون جزءاً من تكوين الصورة الكلية للقصيدة،والتي- بدورها-  توحي بتصور شامل للحالة الإبداعية التي انبجست عنها القصيدة،وإلا فقد تكون أقرب للمجانية"(15).

وبتقديرنا: إن الاغتراب الجمالي بالمهارة الجمالية والفاعلية التصويرية- في قصائد حميد سعيد- يحقق لقصائده متعة في الدلالة، وتكثيف الفواعل الدلالية والإيحائية عبر الاغتراب الجمالي الذي تثيره الصور ،وتحلق في فضاءاته التشكيلية، وهذا ما يثير الفضاءات الجمالية لقصائده،مولدة فيه إيقاعات، ودلالات ورؤى مفتوحة، كما في قوله:

رابَني .."

  

أنْ أراكِ كما كنتِ.. قبلَ الغناءْ

  

أنْ لا أرى في معلقة الريح .. عاصفتي

  

لا أرى في كتابكِ..

  

 ما كنت أودعته من شجىً وحرائق بيضْ

  

رابني .. أنْ تلمَ الحدائقُ أورادَها

  

وتلمين وردَكِ.. في نقطةٍ عوذتها الحروف ْ

  

هل أُشبه وردك بالوردِ .. أم بالتهاليلِ ؟!

                                                                                              

ما زلتُ أخشى عليكِ من شائك الضوءِ..

  

من لحظةِ.. تتقلَب فيها القلوبْ"(16).

بادئ ذي البدء، نشير إلى أن الاغتراب  الجمالي- بالمهارة الجمالية والفاعلية التصويرية  في قصائد حميد سعيد - يرتقي بحركة الأنساق التشكيلية،وهذا يعني أن غربته الجمالية غربة شعورية ورؤيوية في هذا الشكل اللغوي أو ذاك،ومن هنا، فإن المهارة الجمالية- لديه- مهارة فنية، وتشكيلية، تبث مثيرها من شعرية النسق الوصفي، إلى النسق الدرامي، إلى النسق السردي؛ وهذا ما يضمن لها شعرية التشكيل، وسحر الإيحاء، ووفق هذا التصور، يمكن القول: إن الاغتراب الجمالي هو من مثيرات الفاعلية الجمالية التي تنمي في أنساقه الشعرية حركة فنية كاشفة تشي بكثير من الرؤى، والدلالات المفتوحة التي يبث فيها شجنه العاطفي، وشعوره الصوفي المتقد ،وهذا ما نلحظه في الأنساق التشكيلية التصويرية الكاشفة،كما في الأنساق التالية:( حرائق بيض= شائك الضوء= تلمين وردك)؛وهذه الاستعارات تكمن فاعليتها في إشعاعاتها الصوفية في النسق،وهو ما يضمن لها توثبها الفني، وحراكها الجمالي الأخاذ،وهذا يدلنا أن شعرية الاغتراب الجمالي تتبدى من شعرية الاستعارات، وتوهجها إبداعياً،ولهذا، تأتي جل المقاطع الصوفية شعلة في الاتقاد والتحفيز الجمالي،وهذا ما يضمن جمالية الشكل النسقي الذي يتواشج مع الفواعل الدلالية في تعميق الرؤية، وتكثيف التجربة الشعرية. وهذا الأسلوب الاغترابي يثيره في معظم صوره، وأنساقه التصويرية الكاشفة عن حنكة، وممارسة جمالية في الشكل اللغوي مؤثرة في الاستثارة والتأثير، كما في قوله:

  

مُذْ تخيَلها .. وهي تعبرُ حقلَ القرنفلِ..

  

تدخلُ في شجرِ الخَزَفِ الأزرق العراقي..

  

                                              في القباب ِ

وتمد أصابعها في خيوط الحرير المُذهَب ..

  

في مترف الثيابِ..

  

مُذْ تخيَلها .. وهي واقفةُ بين ما بي .. وما بي

                                                                                               

لكِ هذا الحَمامُ الفراتي ُ .. علمته البكاءَ أُمي ..

  

وعلمتني الغناءْ

  

ووجدُتكِ في برزخ الوجع الجميل ..

  

بين البكاء .. وبين الغناء ْ"(17).

إن القارئ لهذه الأسطر يدرك فاعلية الاغتراب الجمالي في تشكيل النسق الوصفي الذي يميل الشاعر إلى بث المشاهد الصوفية بكل دقة، ومفاعلة رؤيوية كاشفة عن حالة الوله، والتوق، والهيام التي يعيشها،وكأن ذاته المغتربة تعبر عن إيقاعها الاغترابي المصطهج بالتوق والرغبة للوصال،( ووجدتك في برزخ الوجع الجميل بين البكاء.. وبين الغناء)؛ والملاحظ جمالياً،رغبة الشاعر في إبراز الحراك الشعوري الدافق، وفق مسار نصي يميل فيه الشاعر إلى الشجن الاغترابي، بكل دفق الحالة، واحتراقها النفسي الشعوري،( تمد أصابعها في مترف الثياب)؛ إن هذا الحس الجمالي في إبراز النسق الفاعل يفعل الرؤية ويزيد مدلولها، وشعورها الفاعل.

ووفق هذا التصور، يمكن القول: إن شعرية الاغتراب الجمالي تتحدد بالمهارة التصويرية والفاعلية الرؤيوية، والقدرة التشكيلية المراوغة؛ وهذه التي تكسب الاغتراب قيمته الجمالية،ومحركاته النسقية التي تباغت القارئ، بهذا الشكل اللغوي أو ذاك،وهذا ما يضمن لها سحر الإيحاء ،وعمق التأثير.

  

•4-    الاغتراب الجمالي  بالبراعة النسقية والمماحكات اللغوية المثيرة

ونقصد ب( الاغتراب الجمالي بالبراعة النسقية): ذلك الشكل الاغترابي الجمالي الذي يتأسس على براعة نسقية في تحفيز الأنساق،وتناميها جمالياً؛وبمقدار حنكة الشاعر بتلوين أنساقه بقيم، ومفرزات جمالية مؤثرة أو محرضة للشعرية بمقدار ما يرتقي النص الشعري إلى آفاق روحانية محلقة في الرؤية، ومكثفة بالدلالات الشعرية، والمؤثرات الفنية، ووفق هذا التصور، فإن الاغتراب الجمالي بالبراعة النسقية ،والمماحكات اللغوية يرتقي بشعرية القصيدة عند حميد سعيد، لاسيما إذا أدركنا أن الاغتراب بالأنساق اللغوية المحتدمة يرفع درجة سموق القصيدة إلى آفاق رؤيوية خصبة من الإيحاء، والفاعلية، والتأثير.

 وبهذا التصور،نقول: إن الاغتراب الجمالي  بالبراعة النسقية والمماحكات اللغوية المثيرة  هو من أبرز المؤثرات الجمالية الفاعلة في شعر الحداثة، هذا الشعر الذي اعتمد مختلف أشكال الاغتراب الفنية والجمالية والأسلوبية ،منها: الاغتراب  الأسلوبي، والفني، والجمالي، والفكري، والثقافي، وما ينبغي ملاحظته أن قيمة الاغتراب الجمالي تتحدد بحجم المبتكرات الجمالية في التحليق بالرؤية إلى آفاق نصية مراوغة في التكثيف،والعمق،والفاعلية، والإيحاء, ولهذا يمكن القول:  إن الاغتراب الجمالي باللغة والمماحكات اللغوية المؤثرة من فواعل التجربة الشعرية الإبداعية الخلاقة،ولأهمية اللغة في الشعر والشعرية يقول الشاعر حميد سعيد في الدور المهم المنوط بها:"

0 اللغة ، لغتان، الأولى أدائية وهي لغة التواصل ، سواء كانت محكية أو مكتوبة، وهي وإن كانت ذات طابع ودور وظيفيين يمكن تحديدهما، بالتواصل، بين القائل والمتلقي أوبين الكاتب والقارئ ، وهي تتجدد بفعل  المتغيرات الثقافية والاجتماعية ، فتتراجع مفردات وتتقدم أخرى، وتضعف بنى لتظهر أخرى. وهي ليست ذات طابع واحد ، حتى في اللغة الواحدة ، إذ تميزها الأساليب كما يميزها تأثرها بالمحيط وباللهجة القريبة منها، كما تتأثر بمصادرها التراثية والتعليمية والشفهية.

والثانية ،هي اللغة الشعرية، التي كانت وما زالت المحيط الحيوي للتجديد، ليس في المفردة بل في استعمالها إلى حد تجديد المعنى بالتجاوز والجوازات.

ويبدو لي إن القصيدة الحديثة أو لنقل إن شاعرها أكثر جرأة في اقتحام مختبر الجوازات اللغوية وأكثر تجاوزاً في تظليل المعنى، وهو بقدر ما يوسع أفق المعنى، يوسع معجمه أيضاً.

لذلك إن قراءة محض لغوية في القصيدة الحديثة ، تكشف لنا متغيرات كبيرة وجريئة على صعيد تجديد اللغة."(18).

ومن هذا المنطلق،يمكن القول: إن الاغتراب الجمالي - باللغة- من مبتكرات شعرية القصيدة عند حميد سعيد خاصة بالبراعة النسقية والمماحكات اللغوية المؤثرة، ولهذا يؤكد  على أهمية البناء اللغوي المثير أكثر من مبدع وأكثر من ناقد ، إذ يقول أحدهم:" النص بناء هندسي فني معماري، ونبض شعوري؛ولأنني أؤمن بهذا، فقد أوليت مادة هذا البناء- اللغة، الاهتمام الكبير على اعتبار أن اللغة هي الإناء لمادة المعنى والمداليل التي تتشكل من النفثات الشعورية لحظة المخاض الشعري القابلة للتمدد، بمعنى أنني في كثير من الأحيان أكتب القصيدة على مرحلتين، الأولى كتابتها كشاعر، والثانية كتابتها كناقد، فأحذف أو أضيف، أو أعيد صياغة بعض الجمل الشعرية كي يكون البناء الهندسي أكثر استكمالاَ لشروط الفن الشعري"(19)

وقد أدرك أثر هذا الاغتراب الجمالي في اللغة من خلال فاعلية الرؤية، وعمق التشكيل، أدونيس في قوله:" فجمال اللغة في الشعر إنما يعود إلى نظام المفردات وعلاقاتها،بعضها بالبعض الآخر، وهذا نظام لا يتحكم فيه النحو، بل الانفعال والتجربة"(20)

وهذا يعني أن شعرية الاغتراب الجمالي تتحرك في قصائد حميد سعيد على هذا المحرق الجمالي، ألا وهو اللغة؛ فشعرية الاغتراب الجمالي في اللغة تتحقق من فاعلية المباغتات التصويرية التي تثير النسق،وتفعل سيرورة الدلالات الكاشفة عن محرك الرؤية النصية في القصيدة، ذات البعد التصويري المؤثر، والحراك المشهدي المكثف أو المتتابع، كما في قوله:

"موتٌ صاخِبٌ هذا.. وفجُّ.. خَشنٌ.. يغتصبُ الغِناءَ والربابْ‏

 

موتٌ طائشٌ هذا. بذيءٌ .. من خنادقِ الخواء.. جاءْ‏

  

إمبراطور السُعارِ.. يتخفّى خلفَ لُغَةٍ صفراءْ‏

  

يغتالُ أناشيدَ الصفاءِ في كتابنا...‏

  

يقولُ:‏

  

فعلُ الأُخوة الأعداءْ‏

  

إمبراطور السعار...‏

  

ليسَ غير السُمِّ في جرابهِ.. وليسَ غير الحمقِ في أهابهِ‏

  

ما يُشبه الخراب... بل هو الخرابْ..‏

  

يَعتزلُ المنشدُ.. من يسمعهُ؟!‏

  

عواصفٌ سودٌ ووهمٌ شرسُ.. ليلٌ خرافيّ وظلٌ فاجرٌ...‏ "(21).

بادئ ذي البدء، نقول: إن الاغتراب الجمالي بالبراعة النسقية والمماحكات اللغوية- في قصائد حميد سعيد- يزيد فاعلية الكثافة الدلالية لأنساقه اللغوية المماحكة في شكلها اللغوي الاغترابي، وحراكها الشعوري المحتدم، ولعل أبرز ما يحرك هذه اللغة البنى التصويرية المؤسسة لجمالية المشهد، وبؤرة الرؤية من الصميم،كما في البنى اللغوية المماحكة في نسقها الشعري:( يغتال أناشيد الصفا في كتابنا- يتخفى خلف لغة صفراء- موت صاخب يغتال الغناء والرباب)؛ وهذه الرؤى الجمالية تزيد فاعلية اللغة الاغترابية المحركة للنسق،مما يكسب المشهد الشعري قوة المداومة الجمالية في تنويع الرؤى، وتكثيف الدلالات،بإيقاع مشهدي مكثف غنين بالإيحاء والشعرية.

ومن المؤثرات الاغترابية التي يثيرها حميد سعيد في بنى قصائده أنها تملك متحولها الاستعاري المؤثر،ومتحولها المشهدي المكثف،ومتحولها الصوتي الحركي،ومتحولها البصري الفاعل،لتشتغل هذه الإيقاعات ضمن مبتكرات لغوية، مشتعلة جمالياً في نسقها ،كما في قوله:

"أَرَقُ أبيضٌ..يَتلاعَبُ بالعَتمَةِ التي كان فيها..

وبالضوءِ..

إذْ ظلَّ شبّاكُها المُضاءُ يَخطُفُ سحرَ المَساءْ

أنْ تكون بعيداً..

فَمن أَيِّ منفى..يَجيءُ القطارُ في آخر الليلِ

منْ أَيِّ منفى.. تُطِلُّ..

لمْ يرَها أَحَدٌ..

فَتَخَيَّلها شاعرٌ.. يموتُ إذا أطفأَتْ نورَ شُبّاكِها

أَرَقٌ أَبيضٌ.. يفتَحُ أَسوارَ عُزلتِهِ للبلادْ

ويمسحُ عن مفردات قصيدتهِ..

ما تَجَمَّعَ في وردة المُتداركِ.. بعدَ رَحيلِ أمطار فتنتِها..

منْ رَمادْ"(22)

لابد من الإشارة إلى أن الاغتراب الجمالي- بالبراعة النسقية والمماحكات اللغوية- في شعر حميد سعيد - من مغرياتها الفنية ومحفزاتها الشعورية، التي ترتقي بالنسق المماحك إلى أوج حراكها الفني، وتفاعلها النسقي،وهذا يعني أن ثمة تفاعلاً نصياً يرتقي بحيوية النسق إلى آفاق رؤيوية مراوغة، من خلال بداعة التعبير اللغوي،وشعرية المحرض النصي، وهذا يدلنا على أن شعرية الاغتراب الجمالي باللغة من محركات الرؤية النصية، ومن بواعث نواتجها الدلالية،وهذا ما يثبته الشاعر في النص من خلال دهشة الرؤية في المقطع السابق؛ودليلنا الأنساق المماحكة التالية :( أرقٌ أبيضٌ يفتح أسوار عزلته-فَمن أَيِّ منفى..يَجيءُ القطارُ في آخر الليلِ "؛وهذا يعني قدرة الرؤية وتمثلها فنياُ من خلال بداعة النسق، واكتنازه بالبنى اللغوية المحرضة للشعرية.

وخلاصة القول: إن الاغتراب الجمالي بالمماحكات اللغوية - من مغريات القصيدة عند حميد سعيد التي تشتغل على تلوين الأنساق الاستعارية، والمسندات اللغوية ، مما يحقق لها التأثير، وعمق الإيحاء، ووفق هذا التصور ، فإن كل ما يثير الجمالية في قصائد حميد سعيد يرتد إلى اللغة، وفاعلية الرؤية ،ومحفزاتها  من خلال الشكل اللغوي المبتكر، والرؤية الوهاجة بالتأمل،والتفاعل، والحراك الجمالي.وهذا يؤكد لنا أن كل المحفزات اللغوية في قصائد حميد سعيد ترتد إلى شعرية الاغتراب اللغوي،وشعرية ما تبثه هذه اللغة من فواعل نصية لغوية محرضة للشعرية والكاشفة عن نواتجها الجمالية التي تبقى في توالد دائم وحراك مستمر.

الحواشي

 

•(1) شرتح، عصام ،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية(حداثة السؤال أم سؤال الحداثة؟)، ص216.

•(2)  حيدر،صفوان،1998-  تاريخ الفن التجريدي، مجلة الفكر العربي، بيروت، لبنان، ع92، ص232.

•(3)  المرجع نفسه،ص 232.

•(4) سعيد، حميد،2005- من وردة الكتابة إلى غابة الرماد، دار أزمنة، ص13.

•(5) شرتح،عصام،2016- حوار مع حميد سعيد، مجلة بصريانا الإلكترونية ، حوار منشور على موقع بصريانا الرابط(

•(6) سعيد،حميد،2005- من وردة الكتابة إلى غابة الرماد، ص14.

•(7) شرتح، عصام،2016- إثارة المستوى الأسلوبي عند شعراء الحداثة المعاصرين، مجلة الكلمة الإلكترونية مقال على النت.

•(8) حيدر، صفوان ، 1998- تاريخ الفن التجريدي ،ص225.

•(9) المرجع نفسه،ص232.

•(10)       سعيد، حميد،2012- من أوراق الموريسكي، ص 19-20.

•(11)       المصدر نفسه،ص21.

•(12)       شرتح،عصام،2016- حوار مع حميد سعيد، مجلة بصريانا، على النت

•(13)       شرتح، عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية(حداثة السؤال أم سؤال  الحداثة؟!!)،دار الأمل الجديدة،دمشق،ط1،ص367.

•(14)       المصدر نفسه، ص177.

•(15)       المصدر نفسه، ص177.

•(16)       سعيد، حميد،2005- من وردة الكتابة إلى غابة الرماد، ص24.

•(17)       المصدر نفسه،ص25.

•(18)       شرتح،عصام ،2016- حوار مع حميد سعيد، مجلة بصريانا الإلكترونية.

•(19)       شرتح،عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص328.

•(20)       نقلاًمن:خير بك،كمال،1986- حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر،بيروت،ط2، ص148.

•(21)       سعيد،حميد،2007- مشهد مختلف، ص15.

•(22)       سعيد،حميد،2012- من أوراق الموريسكي،ص96.

  

عصام شرتح


التعليقات




5000