..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 جمعية الراسخ التقني العلمية
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إعادة كتابة تاريخ الثــورات العلـــوية 61 – 329هـ الجزء الاول

د. محمد تقي جون

القسم الأول: المقدمات

الدكتور محمد تقي جون

 

الإسلام بعد الرسول

بعد وفاة النبي محمد (ص) انتهت المرحلة الإلهية للإسلام. وهي مرحلة تتسم بالجذب القوي للدين، لجدّته، ووجود الرسول، فكانت الآخرة هي الهاجس الأعلى. وهذه الحقبة كان الدافع فيها إلى الجهاد بقمته، كما أن أخلاق الناس وأفعالهم بشكل عام مرضية، وكأنَّ جذباً مغناطيسياً يدفع الناس والحياة برمتها إلى الله (جل جلاله). والمرحلة الإلهية توجد مع كل نبي وتختفي تدريجياً بعد موته. ويبقى الدين بعد زوال الجذب يمارس تأثيره بطبيعية من خلال تعاليمه وهديه، فيصل إلى مرحلة اختيار الإنسان الفعلي ليصحّ اختباره، وهي المرحلة التي يريدها الله ليعرف المؤمن من الكافر بلا جذب إضافي (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)(1).

وما إن توفي الرسول حتى طويت صفحة ذلك الإسلام، ليطرح - وشيكاً - إسلام آخر هو الإسلام الدنيوي ولكن لم تدنسه السياسة بعد. فعُقيب وفاة الرسول بدأ الصراع على السلطة بإطار ديني، ونَسي قطبا الصراع: المهاجرون والأنصار (المتآخيان) أو تجاهلا أن الرسول مات تواً، وانبريا يتشاجران على خلافته وهو لم يدفن بعد! بدل مراجعة الإسلام في مرحلته الجديدة، والحرص على تطبيقه وتمثيله بما يحفظ وحدة المسلمين التي هي أهم قيم الإسلام وأهدافه.

وكان السابق إلى موضوع الخلافة الأنصار (أهل المدينة)، فسرعان ما انتخبوا سعد بن عبادة أو هو طرح نفسه زعيماً للمسلمين بعد الرسول. وكان مريضاً فلم يقدر على الكلام، فكان يوصل صوته بالكاد لابنه، فيقوم هذا برفعه إلى الحضور(2)! وتلك مفارقة وعلامة فارقة لابدّ من جمعها إلى مفارقات وعلامات فارقات أخر لرسم صورة صادقة للمسلمين بعد الرسول.

وقبل أن يتم انتخابه وصلت الأنباء إلى مكة، فأسرع أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) وأبو عبيدة (رحمه الله) إلى المدينة وأبطلوا الأمر. وظهر أن تناقضاتٍ موجودة في الأنصار، وبقايا حقد وحسد لم يمحه الإسلام بين الأوس والخزرج، جعلت موقف سعد بن عبادة (شيخ الخزرج) يختل، فتراجع بعض الذين عوَّل عليهم سعد. ولوَّح القرشيون بمكانتهم ومكانة مكة الدينية أو لوَّحوا بعقدة ومركب نقص أهل المدينة تجاه أهل مكة. إلا أن الضربة الحاسمة كانت في قول عمر (رض):

" من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه، ونحنُ أولياؤه وعشيرته، إلا مدلّ بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط بهُلكه"(3). وتلك مفارقة وفارقة؛ فقد فهمت كل القوى ومنها عمر أن الرسول يمثل سلطة، ووراثته هي (الحكم). وليس - بوصفه نبياً - يجب أن تكون وراثته بشكل مختلف، كان عليهم أن يفهموه ويرسموه بدقة. ويرى محمد سيد گيلاني أن عمر كان في جداله في السقيفة ودفاعه عن خلافة أبي بكر (رض) أول من أحيا العصبية الجاهلية في نفوس المسلمين، وخوَّل نفسه الحق في الكلام عن العرب بأجمعهم، وأنه جعل النبي ملكاً له سلطان وله وميراث، وجعل لأبي بكر الحق في حيازة هذا السلطان، وفي الاستيلاء على هذا الميراث"(4).

ثم طرح الأنصار بعد فشل مبادرتهم مشروع (منا أمير ومنكم أمير) بحثاً عن شكل يرضي الطرفين، فالأنصار برأيهم هم من نصر الرسول والإسلام حين خذله القرشيون، والقرشيون يرون أنهم أوائل المسلمين، وعانوا وقدموا تضحيات كبيرة. ويؤيد طه حسين مشروع الأنصار هذا ويرى أن هذه الخلافة المزدوجة أقرب إلى الديمقراطية / الثيوقراطية العادلة. وقد كانت ستعصم الإسلام من الفتن، وتُوجد توازنا بين المضرية واليمانية. كما أن قيامها على أساس صحيح من الدين يصرف أطماع الطامعين، ويؤخر استحالتها إلى ملك قيصري أو كسروي(5).

والمشروع فضلا عن ذلك يستوعب كل من له سابقة في الإسلام، ويُرضي أصحاب الطموح فلا يبقى اختلاف. وإن وجود أكثر من أمير سيمنع التفرد بالقرارات وهو ما تورط فيه الخلفاء بتفردهم بالأمر. وفي هذه الحالة ستتحقق الشورى المتمثلة بالآية الكريمة (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(6)، وان كان المشروع لا يمثل في حقيقته الشكل الإسلامي للحكم. وهذه المبادرة فشلت أيضاً لحرص قادة قريش الجدد على الملك الصرف بحرمان أهل المدينة من أي مشاركة: لا خليفة، ولا وزير، ولا أمير. وذكر الجوهري أنه بعد جلوس أبي بكر خليفة طلب إحضار من لم يبايع، فذهب عمر مع جماعة إلى بيت فاطمة (عليها السلام) وفيه علي والزبير، فاجبروهما على المجيء إلى أبي بكر والمبايعة، فبايع الزبير،

 وامتنع علي وقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وانتم أولى بالبيعة لي. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك(7). فعكف الإمام علي في بيته ولم يبايع ومعه بنو هاشم حتى توفيت الزهراء (عليها السلام) فبايع علي والهاشميون. ومثلما بايع علي أبا بكر كارهاً، كذلك بايع عمر وعثمان دفعاًً للفتنة. فعندما جاءه أهل الشورى فقالوا له: قم فبايع عثمان! قال: فان لم افعل؟ قالوا نجاهدك. فمشى إلى عثمان وبايعه(8). وعن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: كان إياس بن معاوية لي صديقاً فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصدّيق (رض)، وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضّل قوم أبا بكر وقوم عمر وآخرون علياً (رضي الله عنهم أجمعين)، فقال إياس: إن علياً (رحمه الله) كان يرى أنه أحقّ الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم، ثم ولي عمر (رض) ففعل مثل ذلك به وبعثمان (رض)،

فلما قتل عثمان، واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة وجد أعواناً فقام بالحقّ ودعا إليه(9). إن قراءة الأحداث في ذلك الوقت قراءة منصفة تظهر أن القوم قرؤوا من الإسلام (الحكم)، وان الإسلام الذي نصروه سابقاً تقلص كثيراً وانزوى في صدور قليلة تركت الكسب الشخصي بالإسلام وانصرفت تتعبد به بعيداً، كبلال الحبشي وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري. ولم يأبه الإمام علي بالخلافة بعد ما جرى، بينما لم تتوقف هستيريا الصراع بين الصحابة على الخلافة، ففي فراش مرضه وموته خاطب أبو بكر المهاجرين المتربصين بقوله: " والله إني لشديد الوجع، ولِما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي. إني ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه إرادةَ أن يكون هذا الأمر له"(10). ونجد طلحة والزبير يطمحان إليها بعد قتل عثمان. وعند التحكيم طرح أبو موسى الأشعري نسيبه عبد الله بن عمر خليفة. ثم ظهر معاوية منافساً قوياً بعد التحكيم. 

وأرى أن الإمام علي مرَّ بمرحلتين مع الخلافة. في المرحلة الأولى طلبها لأنه رأى نفسه الأقرب إليها لسابقته وقرابته من الرسول وعلمه وجهاده. ولأنهم اختاروا أبا بكر على أساس القرابة من الرسول، فعلى هذا الأساس يكون الإمام علي أولى من أبي بكر بها لأنه أقرب إلى الرسول منه. بل كأنَّ قريشاً بهذا المبدأ أهدته الخلافة ثم سلبتها منه، لذا قال لقريش: " أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص) وتأخذونه منا أهل البيت غصباً. ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الإمارة؟ وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. نحن أولى برسول الله حيا وميتاً فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون"(11). وهذا الأمر أكده الإمام الحسن (ع) في رسالة بعث بها إلى معاوية: " فلما توفي (يقصد الرسول) تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلُّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقه. فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأنَّ الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد. فأنعمت لهم العرب وسلَّمت ذلك. ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاجَّت به العرب،

 فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لهم"(12).  وكان طلب الإمام علي الخلافة في هذه المرحلة مرده إلى عدم توضّح (واقع الخلافة العملي)، ونظر إليها بأنها استمرار لكل فعل رسولي رسالي مارسه النبي، أي أنها امتداد كامل للرسول الكريم. وكان النزاع على الخلافة من بعض الصحابة غير المستحقين لها واستثمارهم سابقتهم في الإسلام وتأثيرهم الروحي في الناس، وما جرَّ من حروب دامية، جعل الإمام علي يعيد النظر بوقت لاحق في موضوع الخلافة. ففي خطبته الموسومة بـ(الشقشقية) يذكر رغبته في الخلافة أول الأمر (أرى تراثي نهباً)(13) ورغبته عنها بعدما تكشفت له حقائقها (لولا حضور الحاضر، ووجوب قيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم أو سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها)(14). لذا تخلى في المرحلة الثانية عن الخلافة فلم يوصِ بها لابنه الحسن وقال عندما طلبوا منه الوصية: " لا آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر"(15). وقد بيَّن عدم رغبته في الخلافة بعد عثمان في قوله يخاطب الذين اختاروه عنوة  " والله، ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها"(16)!!

بين الخلافة والإمامة

   أطلق لقب خليفة أولا في اجتماع السقيفة من القرشيين، ولا عهد للعرب بهذا اللقب فهم يسمون زعماءهم ملكاً وأميرا، لأنهم أرادوا إضفاء الصبغة الإسلامية على زعامتهمً. واخذوا لقب (خليفة) من آيات في القرآن الكريم مثل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(17)، و(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(18)، و(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)(19)، و(فكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ)(20)، حملا لهذه الآيات على معنى (الخليفةُ: من استُخْلِفَ مكان من قبله)(21).  وزعم المفسرون أن الإنسان خليفة لله، وذهب آخرون هو خليفة للجن الذين سبقوه إلى سكن الأرض، ثم فسدوا فقالت الملائكة: إن الإنسان سيفسد كالجن. وبهذا الفهم فخليفة الرسول عنوا به (البديل من الرسول)!! ولما كان الرسول يجمع السلطة الدينية (النبوة) والسلطة الدنيوية (الحكم)، فخلافته بمعنى (البدلية) غير ممكنة، لأنها تصدق على جزئه الدنيوي فقط.  وإذا قرأنا الآيات السالفة قراءة دقيقة نراها لا تعني البدلية؛ فلا يصح أن الإنسان خلف الله في الأرض؛ لأنه لم يضف إلى بنائه، بل (صنَّع) ما فيه المصلحة وبه الحاجة. فلم يحفر محيطاً ولا بحراً، بل نهراً وجداول لإصلاح حاله، ولم يبنِ جبالاً جديدة، بل نحت من الجبال أو من صخورها بيوتاً ليسكن فيها، وهو ما ذكره الله (Y) صراحة في قوله: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)(22).

لذا الإنسان لم يخلف الله في شيء.  أما الزعم بأن الإنسان خلف الجن، فليس لما قالوا إثبات، بل لو جادلناهم سنقول لهم: هل سمعتم أن من طبيعة الجن أن ينزفوا الدم؟ فمتى فسدوا وسفكوا الدماء؟! والصحيح إن الملائكة تنبؤوا بأن الإنسان إذا ملك وتصرف في الأرض سيفسد، لشدة ذكائهم، وبناءً على معطيات خلق الإنسان، وطبيعته الناتجة عن مادته الطين التي ستكون حاسمة في تصرفاته. والصحيح إن الخلافة في الآيات السالفة تعني (الملك والتصرف). وكأنَّ الإنسان في تصرفه بالأرض وتسخيرها له كأنَّ الله خوَّله ذلك فقام مقامه. وليس هو ملك تام أو تخويل تام؛ فالإنسان والأرض بيد الله.  وهذا يعني خطأ اختيارهم لقب خليفة بمعنى البديل، وعلى الخطأ اللغوي بُني الخطأ الشرعي، فصار الخليفة بصلاحيات النبي. مما جعل لقب خليفة الأشأم في تاريخ الإسلام، فقد أفاض دماءً ما لم تفضه البحار ماءً.  وواضح أنَّ المكيين خلطوا بين الخليفة والإمام، فأسموا من انتخبوه خليفة، وعندما عارضهم المدنيون احتجوا بحديث (الأئمة من قريش). فالخليفة والإمام هنا واحد. ولغة يختص الإمام بالعلم والدين والاقتداء، فالإمام " كل من اقتدي به وقدّم في الأمور... والنبي إمام الأمة"(23). وهو المعنى الذي تجسده الآيات: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(24)، (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(25)، (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)(26)، ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(27)،

(وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)(28). فالإمام أخص بالدين، والخليفة أخص بالدنيا.  فالشكل الأمثل للحكومة الإسلامية توزيع المهمة بين إمام (أعلم بالدين) وأمير (أصلح للحكم). ونحن إذا نحترم الإسلام ونصدّق أقوالنا في أنه دين فاعل في الحياة، قادر على تحقيق السعادة في الدنيا، كما هو قادر على تحقيق السعادة في الآخرة، فعلينا أن نفهم استيعاب الإسلام لمفهوم الدولة بشكلها الصحيح. وكل الدول الناجحة اليوم توزع السلطة ولا يستأثر بها ويسيّرها على هواه حاكم فرد كما وجدناه في شخصية (الخليفة المسلم). وفي الخلافة الراشدة أمثلة في العدل والديمقراطية واضحة كقول الخليفة أبي بكر الصديق (t): " فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني"(29). وضرب الإمام علي أعجب الأمثلة الديمقراطية وفي أحرج القضايا وهي قبوله التحكيم وقبوله ترشيح أبي موسى الاشعري له لأنَّ قادته اختاروه ولم يكن يحبذه. وإذ كان الرسول يوحى له، ومنزلته لا يبلغها إنسان قط، وهو مكلف من السماء بأمر يفوق ما يكلف به الخليفة من الناس، فوجود هذا الخليفة خرافة كان يجب أن لا تصدَّق.

ولكن المسلمين - للأسف - صدَّقوها، فكان ما كان من كوارث جرت عليهم واستمرت إلى اليوم.  ولقب الخليفة حوَّل أناساً اعتياديين بين ليلة وضحاها إلى مقدسين تجب طاعتهم، ويكفّر الخارج عليهم مهما قالوا خطأ وأساؤوا عملاً كخلفاء الدولتين الأموية والعباسية، فأنتج دكتاتورية دينية أساءت إلى الإسلام والصورة التي أرادها لشكل الحكم.  ولما كان الرسول لا خليفة له على الحقيقة "لا نبيَّ من بعدي"(30)، فموته يعني انتهاء مرحلة النبوة وهذه استكملت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(31)، ولم يعد المسلمون بحاجة لنبي خلف. ولكن يبقى خطه يستمر به (إمام) يختاره هو، يكون أعلم المسلمين بالقرآن وأحفظ للعلم الإلهي الذي توارثه الأنبياء. وكان الإمام الذي اختاره النبي هو (علي بن أبي طالب). وموت النبي محمد يعني انتهاء رياسته بوصفه حاكماً منظماً لأمور المسلمين، وهذا الجزء بحاجة إلى الاستمرار، وممكن اختيار الأمة من يمثله، يكون ذا مؤهلات قيادية وليست دينية بالضرورة. وقد وعى الرسول ذلك وحياً وفطرة، ووعاه الصحابة متأخرين حينما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، وصار الصراع مكشوفاً على الدنيا. وهذا يقنعنا بأن الرسول أوصى قبل موته بالإمامة وسمَّى الإمام علي لها، وترك ولاية المسلمين لمن يختارونه لها، بأمل أن يحكم الحاكم المنتخب بإشراف الإمام الأعلم. وقد جوَّز أهل السنة وفرقة من الخوارج تسمى السليمانية أن يكون الإمام (الحاكم) غير مجتهد، ولا خبير بمواقع الاجتهاد، ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام، ويستفتي منه في الحلال والحرام. ويجب أن يكون في الجملة ذا رأي متين، وبصر في الحوادث نافذ"(32).

  وتطبيق ذلك - لو أنه كان طبق - تفسير لقول الرسول الذي حاجج به أبو بكر الأنصار (الأئمة من قريش)(33). فإذا كان المقصود الخلافة فان خلفاء بني أمية وبني العباس ملوك جور وفسق وحاشا للرسول أن يعدَّهم خلفاء مرضيين. وإذا كان المقصود الإمامة فإطلاقها غير صحيح فأئمة الدين غالبيتهم موالٍ كالإمام أبي حنيفة والاوزاعي ومكحول، أو عرب من غير قريش كالإمام مالك فهو من بني أصبح، والنخعي من النخع، والإمام أحمد ومحمد بن الحسن من شيبان، والثوري من بني ثور. فلم يبق إلا أهل البيت وهم من شهدت لهم الأمة بالإمامة. ولم يستخلفوا عدا علي وابنه الحسن. وهذا يعني أن الرسول أوصى بالإمامة الدينية لعلي بن أبي طالب وذريته من الأيمة، وأهمل الخلافة الدنيوية. وتمييز الخلافة عن الإمامة لم يناقشه الأوائل تهرباً، كما لم يناقشه المعاصرون انصياعاً للأولين أو انصياعاً لتهربهم! وميَّز بينهما ابن خلدون بدقة علمية وإنصاف ديني بقوله:  " قالوا ولما كان أمر الخلافة لقريش حكماً شرعيا بالإجماع.. وجب أن تكون الإمامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي (ص) إما ظاهراً كبني عبد المطلب، وإما باطنا ممن كان من حقيقة الآل"(34). اختار الرسول الكريم علياً للإمامة وأعلمه بذلك.

وصرَّح به يوم غدير خم أمام المسلمين في قوله "من كنت مولاه فعلي مولاه"(35)، فموالاة الرسول تكون بالدين خالصاً غير مشوب بدنيا. ولم يوصِ الرسول للإمام علي بالخلافة لأنَّ فيها جانباً دنيوياً هو سلطة وملك وما يجران من ظلم وحرام، فكره أن تختلط الإمامة الجليلة بالحكم الدنيوي. ومصداق ذلك أنه (عليه السلام) أطلق عليه مبكراً دون غيره لقب (الإمام). وثمة دليل حاسم على أنَّ الرسول لم يوص لعلي بالخلافة هو أن الخلافة اسماً ومنصباً عرفت أول مرة في السقيفة ولم يذكرها الرسول أو عرفت في وقته. وذكر الصدوق أنَّ النبي قال لعلي: إنَّ الله تبارك وتعالى خلقني وإياك، واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة واختارك للإمامة(36). وإذا قرأنا رأي الإمام علي بعمق من خلال أفعاله، فسنجده غير آبه بالخلافة، عدا تلك المدة التي تلت وفاة الرسول. لذا لم يوصِ لابنه الحسن بالخلافة،

 ولكنه أقرَّ إمامته وإمامة أخيه الحسين: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا"(37). كما جعل الوصية المتوارثة في الإمامة حسب، فعندما غادر الحسين (ع) مكة إلى العراق ترك عند أم المؤمنين أم سلمة (الكتب والوصية) فلما رجع علي بن الحسين دفعتهما إليه(38). ثم استمرت الوصية بالإمامة وحرص الأيمة عليها؛ فناظر الباقر أخاه زيداً عندما نازعه على الإمامة. وأعلن الإمام الكاظم أنه الإمام زمن هارون الرشيد وهو يعلم خطر ذلك، وبالفعل قام الرشيد بقتله(39). واستمرت الإمامة على مبدأ الوصية إلى الإمام المهدي (ع). ويقدم الإمام الحسن أفضل مثال على التمييز بين الإمامة والخلافة بتنازله لمعاوية، فانه تنازل عن الخلافة وتمسك بالإمامة، أي انه تنازل عن السلطة له ليكون خليفة، وبقي على إمامته ليستمر إماما، فكانت الخلافة طارئة في حياة الأئمة بينما الإمامة هي الثابتة لهم.

معجزتان علميتان  للأيمة

للأيمة معجزات علمية كثيرة تدلل على إمامتهم، وكونهم ورثة العلم الإلهي الرسالي. وحسبنا هاتان المعجزتان للإمامين: محمد الباقر والحسن العسكري (عليهما السلام).   

الأولى:

في زمن عبد الملك بن مروان هدد ملك الروم بأن ينقش على الدنانير شتماً للنبي محمد (ص)، فجمع عبد الملك أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به. فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه. فقال: ويحك من؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي (ص)! قال: صدقت ولكنه أرتج عليّ الرأي فيه. فكتب إلى عامله بالمدينة بإشخاص الباقر وطلب منه المخرج. فقال له الإمام الباقر بعلمه الإلهي الذي خفي على الجميع: تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله (ص) أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل(40). فكان الحل الناجع الذي حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من هذا البلاء.

الثانية:

وفي عهد الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) وقع قحط في سامراء، فأمر الخليفة العباسي الحاجب وأهل المملكة أن يخرجوا الى المصلى للاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام متواليات إلى المصلى يستسقون فما سقوا. فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء، ومعه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب فلما مدَّ يده هطلت السماء بالمطر، وخرج في اليوم الثاني وهطلت السماء بالمطر! فشكَّ أكثر الناس وتعجبوا كيف يستسقي المسلمون في المصلى فلا تمطر ويستسقي النصارى في الصحراء وتمطر!! وصبَوا إلى دين النصرانية، فأنفذ الخليفة إلى الإمام العسكري وكان محبوساً، وقال له: الحق أمة جدك فقد هلكت! فخرج الجاثليق ومعه الرهبان في اليوم الثالث، وخرج الإمام مع نفر من أصحابه. فلما رفع هذا الراهب يده أمر الإمام بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بين أصابعه، فإذا عظم أسود فيها، فأخذه الإمام وقال للراهب: استسق الآن،

فاستسقى فلم تمطر! فقال الخليفة العباسي للإمام: ما هذا العظم يا أبا محمَّد؟ فقال: هذا عظم نبي من أنبياء الله تعالى ولأجله كانت السماء تمطر(41)! فأعاد هيبة الإسلام في النفوس وحفظ الأمة من الضلال. ولكل إمام فضل لا ينكر في حفظ الإسلام والتفريج على الأمة الإسلامية بحضوره العلمي الإلهي، بما يثبت أن أهل البيت إنما سخرهم الله للإمامة ولم يقدرهم على الخلافة والسلطة والحكم، لذا نجدهم من الإمام السجاد إلى الإمام الحسن العسكري يتركون السياسة لأهل السياسة وينشغلون بالعلم والهداية. فرفضها الإمام جعفر الصادق حين عرضها عليه أبو سلمة الخلال(42)، وقبـِلها الإمام علي الرضا على مضض. ووجدنا أئمة أهل البيت يبايعون طالبي الخلافة من العلويين وهو زيادة في الزهد فيها، ودليل على أنهم يطلبون ما هو أسمى.

 

 

 

 

 

د. محمد تقي جون


التعليقات




5000