هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية (جمعة ذات الأسماء الخمسة)

يونس ناصـر

مركزية الشخصية ودائرية الأحداث والزمن

ائماً ما يختلط "السياسي" بما هو "اجتماعي" في المنعطفات المهمة من حياة الشعوب والأمم، وفي أغلب الأحيان يتقدم الاجتماعي إلى الواجهة باعتباره المتأثر المباشر بالسياسي، ومن معطيات الواقع الاجتماعي يمكن الاستدلال على اتجاهات الحراك السياسي والقوى الفاعلة فيه من حيث أهدافها وخطابها الشامل. ذلك أن ما هو اجتماعي هو الهدف والوسيلة في آن، بغض النظر عن الظاهر والمضمر من شعارات السياسي.. غير أن أثر الحراك السياسي وهو في طريقه للتغيير الشامل يتجلى بمستويات ما يطفو على السطح مما يمور به المجتمع من إرهاصات تبدو أثمانها باهضة يدفعها الناس البسطاء والأبرياء الذين ينسحقون تحت مفارقة شعارات طرفين متناقضين لكن وسيلتهما واحدة: الجماهير!

هذا المعطى يمكن أن يشكل أحد المداخل إلى رواية "جمعة ذات الأسماء الخمسة"، للروائي اليمني ياسين سعيد نعمان.. وهي رواية سياسية ـ اجتماعية، مع وضوح وطغيان الجانب الاجتماعي عليها مرموزاً له بالبطلة الرئيسة "جمعة".. وهي لكاتب متمكن من الإمساك بخيوط اللعبة الروائية باقتدار يضعه في الصف الأول من الروائيين العرب..

المخاوي جاء من المجهول برفقة زوجته الحامل في شهرها السابع بولده الأول، استقر رأي سكان الحي على أنه رجل من أهل الله الطيبين وكانت زوجته صالحة ويروون حكايات عن كرمها وأخلاقها ومساعدتها للأسر الفقيرة. وكانت حياة الأسرة هادئة.

ومثلما هبط فجأة برفقة زوجته غادروا ذات مساء ولا أحد يعرف إلى أين توجهوا وإلى أين استقر بهم المقام.. اختفت "جمعة" هكذا..

في هذه الأسرة نشأت "جمعة" فتاة عادية تحلم بأن تكون محبوبة وتحظى بإعجاب الجميع، وتشغل عقول وقلوب شباب الحي من هم في سنها، ولترضي غرور الأنثى التي بدأت تتعرف إليها في داخلها بشيء من اللذة والانتشاء، وهو غرو مبرر على أي حال وطبيعي إزاء حالة الانبهار، ومقبول ومسيطر عليه في الوقت نفسه، فهي " لم تكن تغازل إلا لتكتشف جمالها في تلك السن المبكرة، وترضي بذلك غرور الأنوثة المتفتحة كوردة شقت درعها بعنفوان لتخرج إلى النور". كما تتبدى لديها في هذه السن المبكرة نزعة المشاكسة البريئة وقدرتها على التحكم بمشاعرها واتخاذ القرار في ما يخصها شخصياً، وهي تدرك تماماً ما سيتركه هذا القرار من ألم أو سعادة لدى الآخرين "ربما تذكرت الآن كيف كانت تشجعه على أن يخطف نظرة من وجهها الصبيح الباسم ولكن من دون ابتذال، حتى إذا أيقنت أنه قد تعلق بها راحت تمتنع عن الظهور عليه أياما طويلة، ثم يشق عليها أن تراه وقد غلبه الانتظار فتتكرم عليه بإطلالة تنتزعه من كابوس الانتظار الطويل وتغرقه في حلم جميل يعوض عناء الانتظار الممل... لكن باله لم يهدأ إلا حينما شهد الجميع بعفتها".

بهذا الاسم بدأت تتكون شخصيتها في نمو جسدي ونفسي طبيعي يتناغم والمرحلة العمرية والمحيط الاجتماعي وما يسمح به من العلاقات في دائرة القيم والتقاليد المتعارف عليها اجتماعياً إلى مستوى وحدود مقبولة. وكان هذا الاسم الخازن للفطرة والطفولة والبراءة، ورغم سطوة تعب السنين ورحلات الألم والقسوة والعذاب فإن مجرد سماعها أسم "جمعة" كان كفيلاً بفتح كل ما كانت تعتقده مات وانطمر تحت عجلات الزمن في اندفاعه المريع الى حيث لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمنتهاه أو محطته الأخيرة "كنت أحس بغربة شديدة إلى أن سمعت صوتاً ينادي "جمعة" وسط هذا الضجيج... هذا الصوت جعلني أتصالح مع اسمي القديم. وينك يا زمان؟".

وعلى هذه الفطرة تتقاطع خيوط الرواية في جسد وروح "جمعة"، وتتقرق ثم تعود لتلتقي عبر اسمائها الأربعة الأخرى، لتكون "جمعة" البؤرة الدلالية التي تدور حولها تفاصيل السرد. وهي وإن كانت غير مثقفة بالمعنى التقليدي، فقد أجبرها أخواها على ترك المدرسة، إلا أن قدرتها على التعامل بصلابة عمق وصفاء جعل من تلك الأحداث واضحة بما يكفي من الشفافية والصدق أمام القارئ فلا يجد مناصاً من أن يكون مشاركاً بطريقة ما في الرفض والقبول والغضب والانزياح.

ورغم ان زمن الرواية يمتد على مساحة عقود، إلا أن السرد الروائي حوّله إلى مساحات تابعة لحركة "جمعة" أو تراكمه لتعلن عنه في لحظة مناسبة على قدر أهميته بناء الرواية، تماماً كالمكان الذي اختفى وراء تسارع واشتباك الأحداث والشخصيات والحوارات، ولم يعد مؤثراً أو حاضراً إلا من خلال إشارة "جمعة" إليه.. بما يشكل شاشة عرض تتلون وتعكس ما يعرض عليها، أو مسقطا معمارياً لتشكيل الروايةـ"جمعة": اسماً وسرداً وأحداثاً.

من هنا تبدأ المقاربة، من عتبة النص، العنوان ـ الاسم، ما يحتمل الإحالة إلى الميثولوجيا في أهمية الاسم ليس للإشارة وتعريف المسمى، وإنما إطلاق الاسم يعني اعترافاً بالكينونة والصيرورة، وهما عنصران أساسيان في تمثيل/ والدلالة على الكائن.. أي كائن.. وبمعنى من المعاني فإن للاسم إيقاعاً وتأثيراً قد يكون غير منظور ولكنه موجود بأثره النفسي. ومن هنا

لم يأت إطلاق أسماء عدة على بطلة الرواية، وتغيير الاسم بحسب مزاج كل زوج، مجرد رغبة طارئة وزائلة، ولم يكن اختياراً اعتباطياً، على الرغم من أن ذلك لم يكن يعني جمعة بشيء، "يالله.. ولاء ولاء إيش جنيت من فضيلة؟"، وإنما إضاءة للكشف عن طريقة تفكير وسلوك الشريحة التي يمثلها كل واحد من الأزواج الأربعة (حتى أخويها)، سواء كان طفيلياً أو استحواذياً أو انتهازياً أو مثقفا مزيفاً أو ناشطاً سياسياً ومناضلاً يتخفى عن عيون الشرطة والأمن.. بما أكسب شخصية "جمعة" صلابة في الموقف وكثيراً من الحكمة والخبرة الحياتية الممزوجة بالبراءة والعفوية تتبدى في لغة واضحة وبسيطة وحاسمة، سواء في الديالوغ أو المونولوغ، وهي تتدفق في السرد الذي بدا بطلاً موازياً في الرواية، "علمتني حياة "عهدة" كيف أتعامل مع الناس زال مني الخوف الذي صنعته الأقنعة. تراءى لي أن كل واحد يمثل.. الجميع يمثلون، هناك من يمثل القوي وهو ضعيف، وهناك من يمثل الطاعة وهو حاقد، ومن يمثل الحب وهو منافق، ومن يمثل النزاهة وهو لئيم، ومن يمثل الأمانة وهو خائن...".

لقد نجح الروائي ياسين سعيد نعمان في التقاط وتقديم نموذج بسيط ولكنه مشع في الوقت ذاته، ولم يتدخل لا في لغة البطلة ولا سيرتها ولا سردها، ما أبعدها عن النمذجة التي تخل بالبناء الروائي والنمو الطبيعي للشخصيات والأحداث، بخاصة عند التعامل مع شخصية روائية مثل "جمعة" يختلط ويتداخل فيها الواقعي بالمتخيل في السرد الروائي الشفاف الذي يغري الكاتب، أحياناً، في أن يكون نائباً عن الشخصية في بعض المواقف والأفكار والحوارات.. ولذلك جاءت لغة السرد، في تداعيات "جمعة" واستذكاراتها مزيجاً من الحكمة والتهكم والسخرية، تساوت وتداخلت فيه الفصحى والعامية اليمنية وتناوبتا في القدرة على التعبير والدلالة والإيحاء بإيقاع محبب عميق وآسر يستدرج القارئ بانسيابية، تستله من عالمه الفيزيائي وتدخله في سديم الرواية، مترقباً ومراقباً.. كما شكلت الرواية زمنين متداخلين، تقليدياً وروائياً، الأول يمثله الراوي الذي سرعان ما يغطس في الثاني الذي يدور حول محيط دائرة مركزها "جمعة" وإشعاعاتها التي ينطفئ منها ما هو غير قابل للامتداد لأنه يمثل حضوراً طارئاً، وإن كان مؤثراً بنسبة ما، ويعطي دلالة يستدعيها البناء العام للرواية للإشارة الضرورية إلى القوى الفاعلة في حاضر ومستقبل المجتمع.. بينما يبقى شعاع العراف "السيد" ممتداً لأنها هي التي قررت الاقتران به عكس أزواجها الآخرين الذين أجبرت على الزواج منهم ثم اكتشفت حقيقتهم فنفرت منهم ورفضتهم، كناية عن نفور ورفض المجتمع لهم، تماماً كما اكتشفت حقيقة "السيد" المخالفة والمتناقضة مع الآخرين "مرّ على وضعنا أكثر من ستة أشهر، كنت "عهدة" أكثر مني زوجة. وخلال هذه المدة زال نفوري من "السيد" اكتشفت فيه الإنسان الآخر الإنسان الذي يرى بعينيه لا بأسراره التي يبيعها للناس.." لتستمر شخصية "السيد" في الكشف عن مغاليقها وأسرارها ما يشكل في كل مرة مفاجأة لـ"جمعة" والقارئ ولكن ليس بطريقة مستفزة أو ناتئة "ما رأيك تدفني كل الأسماء الماضية في حفرة؟/ لاطفته قائلة: وتخلي الجن يحرسهم؟/ تبسّم وقال: ما رأيك باسم أصيلة؟".

هل اكتملت دائرة الشخصية البطلة في الرواية بهذا الاسم الخامس والأخير؟ قد يبدو كذلك وهي تختصر نصف المسافة في الواقع والفصل الأول من الرواية وصفحاتها، وترزم حاجياتها استعداداً للرحيل الى المجهول مع السيد "الذي وضعت مصيرها بين يديه في لحظة كانت مرغمة فيها على أن تقايض حياتها الزوجية بمأوى ولقمة عيش شريفة" تاركة أمها للمجهول بانتظار مصير أخيها المجهول في السجن.

قد يعيد التاريخ نفسه أحياناً، وقد يتشابه أو يتطابق، ولكن ماهو التاريخ، هل هو مجموعة من الحوادث والوقائع والسير تتراكم بطريق المصادفة والعشوائية، تتوافق أحياناً وتتصادم أخرى، أم ثمة يد خفية وقوى لامرئية ترتب كل شيء بهدوء ونحن ننفذ بمنتهى الغفلة والدقة ونتوهم أننا الفاعلون؟ إننا نجيب بطريقة التنفيذ وننسى لماذا وكيف ومن وإلى أين.. هي لحظة تفرض سطوتها وتستبطن ما سقط في الذاكرة من أزمان ومسافات وتضعنا من جديد أمام بدايات ونهايات متتابعة كأننا نسير على محيط دائرة مغلقة،"بعد هذه السنين أجد نفسي في نفس الوضع الذي كانت عليه أمي منذ مايزيد على ثلاثة عقود. يفرض عليّ سير الأحداث أن ألعب نفس الدور الذي لعبته أمي مع ذلك الغريب الذي هبط على ذلك الحي من مكان مجهول، واحتفظ بسرّه تحت كومة هائلة من فعل الخير والسلوك الحسن".

قد لاتتطابق الأحداث في حياتنا وقد لا تتشابه، ولكنها تندفع بالاتجاهات نفسها بوعي أو من دون وعي منا، ونحن نؤدي وننفذ السيناريوهات نفسها بمهارات متباينة للمخرج نفسه الذي يحركنا من وراء الكواليس لنعيد تمثيل الوقائع والأحداث، وقد تعود إلى نقطة انطلاقها نفسها بعد أن نكون قد قدمنا خسارات غير مبررة ولكننا نسميها تضحيات لمداراة خيباتنا الداخلية..

وفي الختام.. لقد كسبنا روائياً من السياسيين، ونرجو ألا نخسره سياسياً في وضعنا الملتبس الحالي.. فالمبدع أثبت من السياسي في كل الأحوال.. وهذه واحدة مما أوحت به "جمعة" وأسماؤها الخمسة..

يونس ناصـر


التعليقات




5000