..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من مذكرات قرية جنوبية ( 3 ) سراب آيل للزوال

جواد المنتفجي

القصة الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة جريدة صوت المعلم  



- لتكن زيارتك هذه الأخيرة لقريتنا ، فخذ راحتك وتكلم بما يحلو لك !
قال المضيف هذا وهو يشد بقوة على كفيّ ضيفه القادم من تيهه البعيد من دون الترحاب به ..
تمضي فترة :
يتظاهر فيها الغريب بنفض عنه غبار السفر ، بعد أن رمي بثقل جسده كاملة على الوسادة التي نضدها لـه من هوى إلى جنبه فجأة نتيجة لذهول صدمته المباغتة بجفاء ما لقي به من كلام كان غير مرحب به ، وشيئا فشيئا تنقشع عنه غشاوة الدكنة بينما كانت عينيه تجول متنقلة بين ما كتب من آيات قرآنية والتي وشمت بسملتها تخوم معظم الجدران المحيطة به.. الجدران التي هذبت نهاية ثناياها بالتعاويذ المنبثقة من السقوف بشكلها الهندسي الجميل لتنضح منها عدة أعين فاتنة لتطرد الشرور والحسد بدءا من مداخل المضيف والذي يبدو انه قد بني حديثا ، إذ لم تكن إطلالته هو الآخر على شاكلته هذه عندما زار القرية أخر مرة ، والتي جرت منذ زمن ليس ببعيد ، حيث تلألأت واجهاته المضيئة بحزم تسطع بلمعان ألوان البيارق .. بيارق العشيرة التي ظلت مغيبة لعقود خلت ، والتي أضحت أشراقاتها تجذب القاصي والداني ، فها هي تبزغ بطلائع سواريها المشرعة برفرفتها الأخاذة على محراب المضيف العتيق ، وهذا ما اثبت لـه فعلا صحة كل ما وردت أليه من أنباء من أن هناك الكثير من التغيرات قد جرت مؤخرا على القرية التي عاد أليها الكثير من أهلها الذين هجروها عنوة .
تمضي فترة أخرى :
يحاول فيها الغريب درأ حواف فنجانه بين شقي شفتيه اليابستين ..شفتين لم ترتويا بعد من ظمئا مساره لمسافات طويلة كان قد قطعها في وصوله بالرغم من تناوله للتو قدحين من الماء قدما لـه قبل تلذذه بالقهوة التي تغيرت نكهتها كثير عما مضى ، فأخذ طعمها المر المطعم برائحة الهيل يسري ليعيد أليهما شيئا من الانتعاش مكتسحة بذلك هول الجفاف الذي اعتراهما .. الجفاف الذي تحول بدوره إلى خدر كاد أن يشلهما ، حتى انه لم يعد بمقدوره التمييز بين إمكانية النطق بهما ، أو بين السكوت الذي ما فتئا ألا أن يتحول إلى أنين مطبق ليغزوا حنجرته التي اختفت من بين أوتارها كلماته الميتة
- ولكن ما لذي جرى ؟ ولماذا لم تعد الأشياء كما كانت على شاكلتها ؟
هذا ما ترادف بباله عندما كان مطرق رأسه بخيبة ، حيث بدا واضحا للعيان بأنه ضائع .. شارد الذهن ومضطرب ، وخصوصا عندما ترادفت على باله تلك الأسئلة .. كم من الأسئلة المقيتة فجرها خوفه الذي أنبث من أعماقه ، متحسب من أن هناك خطر مغدق يحدق به من كل الجهات .. بل وكاد أن يقترب منه ليبتلعه ، وهذا ما ستقرره الدقائق القلية القادمة ، فعلى الرغم من عدم مضي الكثير من الوقت على مكوثه ، وعلى الرغم من أن الصباح لا زال في مبتدئه ، ألا أن تقاطر تلك المجاميع الكبيرة من أهالي القرية بشكل غير مألوف ، والتي كانت تتزاحم قدوم ومغادرة بدخولها إلى صنا المضيف بمجرد سماعهم بنبأ وصول أحد الغرباء ممن كان يبحثون عنه هي التي دفعته إلى أن يساوره وساوس ذلك القلق المدمر .. وساوس أوجرت شكوكه تلك الهمهمات التي بدأت تنثال من طوابير المتهافتين ، وهم يحملون على أكتافهم المعاول والمناجل ، ثم تبعهم بعد ذلك حشد من الصيادين الذين راحوا يتحدونه بنظراتهم المبهمة منذ أن كانوا يركنون قواربهم وشخاتيرهم على الجرف المحاذي ليطئون اليابسة بأقدامهم العارية قبل دخولـه إلى المضيف ، ليكونوا على مقربة منه ، ومن ثم أخذوا يتفرقون بين زوايا المضيف الذي لم يعد يتسع للجميع .. معتصرين ثيابهم بانفعال وتوتر من بقايا بلل الماء الذي اجتاحت زفرته الممزوجة برائحة السمك والبردي لتزكم كل الأرجاء.. رائحة كانت قد تشبعت بها أنفاسه منذ الوهلة الأولى التي اطل فيها على مشارف القرية التي كان يعرف عنها الجميع بأنها كانت في يوما منطقة غير مأهولة وشبه منسية بعد ما اغتيل الجفاف والتصحر كل ما هو اخضر عليها.. القرية التي يمحو صمتها ألان زمجرة الآليات وهي تشق طرق جديدة لتوصلها بالأماكن الأخرى، يعقبه ضجيج الصخب المنبعث من صوت المكائن الدوارة والتي باتت مشغولة بسحب الماء لتصبه في ترع وممرات الأنهر الواصلة إلى الحقول المحروثة .. حقول كان لا يعرفها غير قاصديها ، والتي تحولت في يوما ما إلى دروب ضيقة امتلأت خنادقها بشظايا قشور السمك الميت ، وبعض من بقايا نتف ريش لأجنحة طيور مغدورة تناثرت هنا وهناك ، والتي قيل عنها بأنها انتحرت عندما عادت ذات يوم لتحط ببيضها بين ظليلة بيادر تلك البقاع .. وها هي تعود مجددا لتجدها قد تحولت إلى أحراش كثيفة من السرو المخلوط بالأثل ، حتى غدت أكداسها المبعثرة لكل من يلمحها من بعيد وكأنها آفات أخذت أشكال مخيفة لتزاحم جذوع النخيل الشاهقة والمتنائية بامتدادها إلى الشارع العام .
يقينا.. وبعد مرور كل ذلك الوقت ، كان يحس بمرارة غربته القاتلة ، أو بشيء من العزلة ، كلما ازداد تطلعه بشغف لساعته ، والتي باتت عقاربها تنوء بحملها ، وكأنها تزحف ببطء لتتوقف كدقات قلبه الذي اخذ يخفت خفقانه كلما ازداد تمعنه وهو يفتش بوجوه جميع من حضروا إلى هنا عن بعض الذين لم يشاهدهم لحد ألان ، أشخاص عهدهم طوال تلك الأعوام أول من كانوا يرحبون بحضوره بمجرد وصوله إلى القرية ، حيث اتفقوا معه ومنذ اليوم الأول الذي قدم به على إنجاز الكثير من المشاريع التي لطالما آلفها أهل القرية من أنها لم تكن سوى خدع وحجج واهية من آمال كان يحاول فيها عبثا ومن خلالها تحقيق الكثير من نواياه ومطامعه الرخيصة .. مطامع كانت تخوله بامتلاكه لمساحات كبيرة من هذه الأرض ، وهذا ما جعله ألان يشعر بالندم ، أو بأنه ربما أقحم نفسه في مآزق كان أعده لـه أولئك الذين غادروا القرية مبكرا قبل وصوله المفاجئ ، ليتركونه هكذا تائها تلفه دوامة هائلة من الأفكار التي قادته إلى ما حيث لا يدري ، حينما اقدم وعلى عجل بمثل هذه الزيارة ، والتي توقع فيها البدء بتلك الأعمال كما كان يخيل لـه ، محاولا الإمساك بمحض وهم ذلك الحلم الذي لم يبارحه منذ أن اصطنعه مع ثلة لا وجود لهم ألان .. مجرد سراب خلفه ضباب سنين غاب فيها الفجر والشمس .. سراب فتته ملامح الرجال الذين لوحت وجوههم لفح الشمس الحارقة ، والذين سرعان ما هرعوا فأحاطوا به ببساطة وعفوية ليثاروا منه ، حتى انه اخذ يشعر بالاختناق وكأنه لم يعد يتنفس شيئا من الهواء غير لهاث أنفاسهم القريبة منه والمشبعة برائحة الدخان والتبغ ، وبقايا من روائح الطين النفاذة التي كانت تهب عليه آتية من صوب ثنايا ملابسهم الموحلة لكائنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليه ، فهم يعرفونه جيدا ، وكذلك هو كان يعرفهم كيف كانوا مغرمين بحب هذه الأرض المعطاة قبل أن يبتلعها جدب السنين .. جدب أفقدها سحرها القديم الذي كان شعاعها يوسم أرضها الخضراء المحفوفة بشتى أنواع الطيب والنعم ، فلا عجب من أن يشعروا بالزهو وهم يحتفلون بانتصار عودة هذه الأرض لهم، وكيف كانوا يضحون بالغالي والنفيس ، دافعين غلتها من دمائهم التي نزفها كل من جرح أو استشهد من اجلها الكثيرين من فلذات أكبادهم كي لا يضيع شبرا منها !
تمضي فترة
يستعيد فيها شيئا من انتباهه ، عندما تناهت لمسامعه بعض من أصوات وهديل كانت تزغرد به رف من القبرات والطيور المهاجرة ، وهي قادمة من مفازات بقاعها البعيدة ، والتي أمست تعود منذ فترة لتهجع من جديد في أعشاشها التي كانت تبنيها في الماضي بين شقوق وأعالي سقوف السطوح وعلى أمد أعمدة وأسوار الجنادب التي توصل مزارع القرية بتلك الرقع الخضراء المملوءة بحزم البردي والقصب ، والتي كانت تدنو بعلوها لتغطي كل الفناءات ، فتتفاقم حيرته ، ويكتسحه بغتة شبه إعياء .. إعياء ظلت أعراضه تراوده منذ أن أحس بلظى رميات أنصاف العيون.. بل جلدات كل العيون وهي تشتعل لتلاحقه نيرانها ، مقتفيته كل حركاته ، وكأن توهجها امتد ليحرق أحشائه التي ازداد لهيبها عندما تذكر كذب وعوده الطراقة منذ اكثر من عشرين سنة تقريبا ، يوم اخبروه بأن معظم الأهالي هجروا هذه القرية إلى منافيهم البعيدة ، ولن يعودوا إلى هنا ثانية ، وقتئذ تشب به علامات صداع مدمر فيشعر بالتداعي ، محاولة منه أن يستخدم عصارة أفكاره ليكلم نفسه هاذيا مرة أخرى:
- وأين ألان كل أولئك الذين شاركوه بدسائسه ؟
- هل يا تراهم نكثوا بوعودهم التي قطعوها لـه ليختفوا ألان هكذا بلمح البصر ؟
- أم يا تراها كانت مجرد وعود من سراب لم تخلف لـه سوى آماله التي تبددت ؟
- لماذا لم يخبروه بكل شيء قبل وقوعه بمثل هذه الكارثة ؟
- وما الذي يفعله إزاء كل هذا الخوف الذي راح يتملكه ويكاد أن يطبق وهكذا ..وعلى خر أخر أنفاسه ،وعندما همّ ذلك المضيّف بالجلوس على مقربة منه لينفرد به كرسوخ الجبل الأشم ، وهو يراقبه مكتفيا بنظراته إليه منذ الوهلة الأولى لدخوله إلى المضيف ، والذي سرعان ما راحت تتفجر الدماء بعروقه كلما داس غوائل الأرض بمطبات عقبيه تارة ، وفي أخري كان يلم قبضة يديه منطلقا نحوه كالبرق الخاطف ، ثم يركع على ركبتيه أمامه مشيرا أليه بسبابته لينهره بكلمات مشتعلة .. ماسحا قطرات عرق سحت من جبينه .. فاتحا عيناه على اتساعهما ليستشف الأسباب الحقيقية التي دعت هذا الرجل الغريب بالحضور إلى القرية في هذا الوقت بالذات :
- لماذا أنت ساكت ؟ هيا عجل وتحدث بما تريده.. حاول أن توجز لنا ما بجعبتك قبل أن تطرد من هنا عنوة !
كان الصوت على اشد ما يكون في داخل المضيف وخارجه ، وهذا ما جعل كل من كان يتكلم أن يلتزم جانب السكوت وخصوصا حينما لاحت بوادر المعركة الفاصلة ، بينما قام البعض بالتكاتف متغلغلين بين خواصر الزوايا والأمكنة ، متخذين لهم موقعا بين الرقع القريبة منهما ، فيصغون بترقب إلى ما سيفضي به المضّيف في الخاتمة بعد صفق كفيه الواحدة بالأخرى صارخا:
- هيا افصح عن مآربك ، فصبر الجميع بدأ ينفذ ولا رغبة لنا بإيذائك !
كان الصمت هائلا بحيث أطبق هذه المرة على كل شيء .. مجمدا كل حركة ، وهنا حاول الغريب أن يجمع شتات أعصابه المرتجة بسحب جسمه قليلا إلى الخلف محاولا إسناده على الجدار الذي خلفه مباشرة ليريح ذلك وخز الوجع الذي سببه هلعه المخيف ، وهذا ما فضحه اصفرار وشحوب وجه الذي اغبر لونه ، وقد ظن من كان ينظر صوبه بأنه كان يفتش عن ثمة حل آخر ليجد مفر له ، وهنا يدس الغريب أصابعه المرتجفة في جيوب حقيبته المحتمية بين ساقيه ليستل منها خلسة حزمة من الأوراق وآنف بفردها ، ثم أشار لمضيفه طالبا منه بدنو رأسه ، وما لبث إلا أن وضع فمه ليهمس في أذنيه ، وبدون خجل راح يتلو عليه بضع من كلماته الماكرة وعن السر الدفين الذي كان يقبع بين سطور تلك الأوراق :
- هدأ من روعك يا صاحبي ، فصراخك هذا سوف لا يدوم طويلا أن عرف الجميع مغزى ما تحمله هذه الأوراق ، والتي فيها ما سيذهلكم !
يرده المضيّف باحتقار بعد أن دفعه بقوة مقرفصا بجلوسه مرة أخرى إمامه:
- ويل لكّ أيها المرائي ! فأنا لست بصاحبك ، ووفر ما تحتفظ به لمن بايعوك سلفا ، والذين تجهل عنهم ألان أي شيء بعد أن استبحتم كل ما هو جميل في هذه القرية !
- لن تصمد!
- سنصمد ، بل وسننتصر، ولتعلم أيضا بأننا لن ندعك تتجاوز خطك الأحمر مجددا ، فأنت وما تبقى من أزلامك آيلين للزوال وبلا ريب !
- سأحسدك أن ثبت صحة هذا !
- اخرس .. وكفاك سخرية ، وإلا سيكون قدرك مثل الذين لم تجد لهم أثرا
- وهل لديك برهان على تدعيه ؟
- نعم .. فقد زالت فرقتنا ، ووحدنا شمّلنا ، ولن نضاهي أحدا بعد الآن حتى بشجن أحزاننا.
- اثبت هذا أذن !
وهنا يلتفت المضيّف إلى الجمع المكتظ حولهما بغبطة ، وأدرأ يخبرهم بأمر لم يعد يقوى على كتمانه.. وفجأة يتلمس صدره لينبري هاتفا كالصاعقة المنقضة ليشق الصمت الذي حل في ثنايا المضيف:
- تعالوا.. واكشفوا له عن صرح ندوبكم الدامية ، هلموا.. وليشهد شغف عروة صدوركم المحكمة ، هيا تعالوا وليرى كيف صار للحب عليها موطئ قدم !
يرتج الملأ بقلوبهم الملتهبة.. يكبّر المسنين المنزويين قرب سديم المواقد المشتعلة ، في حين بدا البعض برمي أعقاب سجائرهم ، وهب للوقوف كل من كان جالسا ، فتتوحد القامات ، وتتماسك الأكف ببعضها ، وسرعان ما شمروا عن عريّ صدورهم الصلبة ، واسرج صرير حناجرهم مدويا بدمدمة وأهازيج ملتهبة لتجهض حالة الترقب والانتظار:
- هيا تعال وتلمس .. هاك انظر آثار ندوبنا.. هيا انظر.. هيا ارحل.. ارحل.. أر...ح... ل !!!
نهض الغريب متثاقلا بارتباك طاويا أوراقه الثبوتية ليسترجعها في داخل حقيبته ، وانصرم راكضا نحو باب المضيف العتيق ليغادره مسرعا .
تمضي فترة .. فيتلاشى سراب الغريب ويغور ظله بين مدد القامات الشامخة !

 

جواد المنتفجي


التعليقات




5000