..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حرق الدم

مهدي شاكر العبيدي

  

محمد مستجاب استجاب الله دعاءه أن يريحه من النفرة الملازمة له مما يعتور الحياة الأدبية في بلاده من اختلال ونقص يتمثل في كثرةالمدعين والمتسلحين بالمكر والحيلة بأمل صنع وجودٍلهم فيها وحمل الناس على الاعتراف بسمو مواهبهم وتزكيتهامن كل شينٍ وأثرٍ لانتحال ، فعجل بموته عام 2005 ، بعد حياة طويلة نسبياً لاسيما انه تولد عام 1938م ، وقد لا يعد بعضهم مغادرته الدنيا وهو دون العقد السابع بقليل من قبيل إيذان الخالق له سبحانه بالرحيل ، إذ لم يكن  وقتها في طراوة العمر ولقي في سنيه الماضيات من الأحوال والتجارب ، وعجم ما في طيات السرائر والقلوب من النزوات والأهواء ، ما شحذ مكنته من تصوير ما تجيش به نفسيات الأشخاص القليلين الذين عبر عنهم في مجموعتيه القصصيتين الحاملتين لتسمية غريبة بعض الشيء بالنسبة للقارىء العربي في غير مصر ، هي ( ديروط الشريف ) وقد أطُلِقت على القسم الأول من هذه القصص المختارة ، فأما القسم الثاني فقد نعت محتوياته كونها جرت بعيداً عن وجود ديروط الشريف ، علماً أنهما لم تفدا إلى سوق الكتب عندنا منذ صدورهما في أوائل ثمانينيات القرن الفائت ، وكذلك في عمله الروائي وربما يكون الوحيد والمسمى ( من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ ) ، وكان يمكن أن تطول مدته ويستأني أجله الموعود ويجتاز ما صار إليه من تجويد وبراعة ، أو أوفى عليه من تهكم وسخرية وانتقاد لاذع لما يجري في الحياة الواقعية ، ويقاسي الملأ من التضجر والملل والسآمة ، وحسبهم منه أن يقتصروا على هذا الحد دون أن يشفعوه بصنع شيء ما من شأنه تجميل حياتهم وتغيير رتابتها ، مما تنبي به هذه المقالات القصيرة المقتضبة أو قل المركزة والمشتملة على المضمونات والفحاوى والتشوفات الذهنية المقترنة بأسنى عاطفات مبتغي الخيرلشركائه في البلاد ، بقدر ما أنه يفعم نفوسهم بالمرارة جراء ما يشوب أوضاع مجتمعهم من مفارقات ، أبينها هذا البؤس الرائن على حياة ذوي النباهة والذكاء لحد يوهم بعجزهم وخمولهم وقعودهم عن السعي، بينا خلص النعيم وصفو الحياة لكل موغل في الدناءة ومجرد من هذه الصفات والخصائص وعارٍ أصلاً من كل فضل ومزية ، ثم تسري روح المرح والسخرية تدريجياً إلى نفوسهم قبيل إتمامهم قراءة العمود الصحفي أو المقالة المودعة بأوجز الألفاظ والمتضمنة سخرية ونقداً لما يترتب على هموم العيش من أوجاع وأسقام .

       وهذا هو قوام كتاب ( حرق الدم ) ومجمله  مما نشره محمد مستجاب متفرقاً في الصحف المصرية ، وللتسمية مدلولها وإشاراتها البينة إلى انه يعتصر قلبه حين يفرغ للكتابة وينقطع لتدوين ما يرتعش به وجدانه من خطرات أو يجول في ذهنه من خوالج.

     ومدار عموم هذه الخطرات والشذور على مشكلات الأدب المترتبة جراء تكاثر الطفيليين والمدخولين وإقحامهم ذواتهم على الوسط الأدبي بحيث أمكن لهم أن يتسللوا، بتأثير العلاقات والقرابات أحياناً إلى التلفاز والإذاعة ، وإلى التصدر في المنتديات والمحافل ، ويكون لهم رأي وسجال وصيال في استعراض محتويات كتاب لمؤلف ما، شاء لداته أن ينصفوه ويثيبوا نتاجه ويشيدوا بإبداعه ، متحاشين في ذلك الوقوع في شطط الاسراف والمبالغة ، فإذا كان المؤلف المخصوص بالتكريم والإعلاء ، كاتباً قصصياً مثلاً ، انبرى ذلك المدخول على الصنعة الأدبية ، فقرع أسماع الحضور ، بكلمات غاية في الركاكة والتهافت والسطحية والخلو من أي حكم فصل ورأي محدد، من نحو  " لقد أجاد وصف الريف عندما كتب عنه ، كما أجاد وصف البحر حينما كتب عن الاسكندرية " .

وتؤذيه وتؤلمه وتملأ نفسه قرفاً مسألة الهيمنة على الصفحات الأدبية في الصحف اليومية ، واستئثار زمر من أنصاف المثقفين بأحقية نشر مقيلاتهم فيها دون سائر كتاب مصر وأدبائها الكُمّل من بقايا عهود الكتابة الزاهرة أو تلامذتهم من الجيلين الثاني والثالث ممن اقتفوا خطاهم وجروا على منوالهم في تثقيف أذهانهم وتنوير عقولهم ورفدها بكل سامٍ من الفكر ورجيح من الرأي مع التخلق بخلال الاعتزاز والاعتداد بما لأسلافهم الغابرين من إسهام في صنع الحضارة ونشر الوئام والصفو والمسالمة بين سائر الأمم والشعوب .

       وظاهرة هبوط مستوى الصفحات الأدبية في الجرائد المصرية ، هي إحدى افرازات التحولات والمتغيرات المستجدة في عالم السياسة ، وظهور أكثر من منافس لها يعين الفرد على استنفاد وقته وأخصها التليفزيون الصارف لمعظم شبابنا في الدنيا العربية عن الانقطاع والتفرغ لقراءة كتابٍ، أضف إلى ذلك طموح بعض طلبة الكليات ممن يشومون في شخوصهم قابليات أدبية ، ونتيجة توقهم لفرض أسمائهم ووثوقهم المستعجل بأنفسهم إذا جاز التعبير ، تشبثوا بغير وسيلة لتسلق الدرجات الموصلة إلى حيث يقبع أصحاب القرارات والمراكز وبيدهم القطع والبت في شؤون الجريدة ، وكذا عفى الزمن على حقبة شهدت ازدهار النتاجات الأدبية وإصدار الملاحق الأدبية التي استطارت فاعليتها في تنشيط حركة الأدب لا في مصر وحدها بل في العالم العربي عموماً ، كملحق جريدة السياسة ومناداة هيئة تحريرها بحرية الأفكار والانفتاح على العالم ، والتخلي عن الموروث الجامد من الممارسات والتقاليد ، والاقتصار على تراثات جابر بن حيان في النظر العلمي وابن سينا في محصلاته من علوم الطب والتشريح والجراحة ، والمتنبي في حكمته ، والمعري في فلسفته ، وتفكره في شأن الوجود ، والتوحيدي في نثره المستوحى من ضنكه وضيقه بمفارقات مجتمعه ، والخوض في هذه السياقات من القول يطول وشرح ما واجهوه من عنت جراء رفضهم ونبذهم للأوهام والخرافات ودعوتهم للاحتكام إلى العقل في كل ما يعنيهم من الأمر، لا يقف عند حد أو نهاية .

       ولعل نقيب الصحفيين المصريين حافظ محمود ( وأظنه رحل إلى رحمة الله في السنوات المتأخرة ) ، وهو رديف محمد حسين هيكل في إعداد صفحة الأدب وكذلك الملحق لجريدة السياسة عام 1926، وحافظ محمود هو بلا شك غراس محمد حسين هيكل الرائد الاول في كتابة السيرة النبوية و صاحب المؤلفات المشهورة : ولدي ، في اوقات الفراغ ، وتراجم شرقية و غربية فضلا على روايته زينب ، و هكذا خلقت ، وقد صدع بتوجيهه وتعلم منه الكثير ، ليعقبه صفوة ممن توافرت لذواتهم قابليات في الكتابة الإبداعية وقدرات على التحليل والتعليل وتشخيص الأسباب لمختلف المعضلات السياسية والاجتماعية وصوغ ذلك في ديباجة ناصعة واسلوب من النثر الفائق العالي ، واحمد بهاء الدين الذي هو واحد من اولاء الذين أوغل محمد مستجاب في الاعتراف بترصنهم وتساميهم وترفعهم عن ( الخبص واللمز والغمز والنم والدس والشك والتربص وقطعالعيش ) ، وأفاض بتعاليه الراقي فوقها، ويبدو أنه لم يسلم في أخرياته من المناكفات والأدواء المتفشية في صفوف الأدباء والصحفيين ، قلتُ لعل هذين الاديبين الصحفيين يشكلان استثناء في ملة محمد مستجاب لتجردهما و اخلاصهما و زهادتهما في الانتفاع و الارتزاق من وراء الادب و الصحافة .

وكذا ندر أن تخلو صفحة واحدة من صفحات كتاب ( حرق الدم ) في أولها والختام ، من تذكير أفهام قرائه بقضايا إدمانه أو سرفه في نعتهم كونهم " محدودي الموهبة ، فقيري العطاء ، ومدمني شعارات " ( ص 236 ) ، وتشوفه إلى أن تسترد الشواهد الأدبية التي تدبجها أقلام كتاب مصريين ، عافيتها وجزالتها كشأن رصيفاتها من توافر التجويد والإبداع فيها قبل أو حتى بعيد الحرب العالمية الماضية ، يوم لم يكن هنالك ما يغري أربابها باسترخاص مواهبهم واستنفادها في تنميق الأعمال الفنية الهابطة وسيرورتها بين الناس من طريق هذه المخترعات الحديثة التي غزت حياتنا كالتليفزيون الذي يخال الكاتب أنه تسبب في انقلاب الأوضاع ، ولو أطلّ علينا قبل هذا الوقت بسنوات لحال دون ظهور طه حسين والعقاد والحكيم والمازني وسواهم من اعلام الفكر والبيان والتجديد والاستنارة ، وهذا ما استبقه وحذر منه كاتب فرنسي هجر حرفته الطبية وامتهن الأدب وهام بالكتابة ، وانصرف للتأليف حول الأزمات الثقافية في العالم المعاصر بمختلف ضروبها وأشكالها ، وذلك هو جورج ديهامل أيام مباشرة بني الإنسان للسينما والراديو ، فكيف تكون أحواله النفسانية الآن لو ظل يتنفس الحياة كما يتنفسها الآخرون وقد ائتلفت غالبيتهم وهذه الأداة العجيبة التي اهتدى اليها الانسان بمحض عقله و تفكيره ؟

ويغلب على هذا النوع من الكتابات الموجزة في عمومها إذ تستوعب الواحدة منها صفحتين أو ثلاث من مطبوعة متوسطة الحجم ، قلت يغلب عليها طابع الرصانة والتوشح بقدر من الجدية والتماسك مع غناها بما لا تحيط بشأنه مقالة كهذه ، من ضروب المعارف والمعلومات الثقافية ، وصنوف الخطرات الذهنية ، وألوان الخلجات والانطباعات النفسية والوجدانية المؤثرة ، وأقمن بالذكر منها جميعاً هو هذه الروح المهذبة الموحية والمتكشفة عن خلق رفيع عالٍ وتائقٍ لأن يزهر بين الملأ نتاج الأدب الباذخ .

       ذلك ما أمكن لنا استخلاصه واعتصاره من هذا الدفق في العبارة والرشاقة في اللفظ والسلاسة في الاسلوب والبيان عن كل ما يجول بباله من رأي أو يقطع به من حكم ، ويسفر عنه من عاطفة أو وجدان ، ولا مراء أن يستدل القارئ على طول انصرافه للقراءة ، وتزوده بصورة خاصة من تآليف أعيان الكتاب الأوائل زمن النهضة الحديثة ممن صدعوا بدعاوة التجديد في المسلمات الموروثة ووجهات النظر المتكلسة حول شتى حقائق الحياة ومواضعات الديانات ، وجاوزوها إلى الجهر بما توصل إليه العلم فضلاً عن نصبهم وتناهيهم في الاشفاق على لغتنا الكريمة أن يظل مستخدموها في أداء آرابهم وأشواقهم أسارى الرقاعات والسفاسف والزخارف اللفظية ، فشارفوا أنواعاً متباينة من الأساليب والقوالب البيانية أي منها لصيق بصاحبه ودال على سماته وخصائصه ، غير انها تلتقي جميعاً عند خصيصة بعينها ، ألا وهي الابتعاد عن الحذلقة والتعمل ، وتحرص على لزوم العفوية .

       أما عن النموذج أو القدرة والمثال الذي احتذاه واقتفاه في التهيؤ لدخول عالم الفن وتجويد الصياغة وتكثيف المعنى بقليل من اللفظ ، فما وجدنا أحداً بذاته من ممارسي حرفة القلم يكون قد ترسمه وسار على هداه ، وإن مر بنتاجات أعلام الأدب العربي في مصر من الأساطين الراسخين الأثبات أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وابراهيم عبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل وعبد العزيز البشري وتوفيق الحكيم و احمد حسن الزيات وأضرابهم، وقبس من كل واحد منهم الخصلة أو الخصيصة التي تميزه من بين قرنائه، فإنه عَوّل على تثقيفه الذاتي في صقل ملكته وترهيف موهبته وعلّم نفسه بنفسه ووقف في تحصيله المدرسي عند المرحلة الثانوية ، وأذعن للظروف المعيشية القاسية آونة فعمل بأشغال السد العالي بأسوان ثم ارتحل إلى العراق ولبث نزيلاً في أحد فنادق بغداد وذلك أواخر ستينيات القرن الماضي ، قبل أن يشهد سكنتها وفادة الشغالة والعملة المصريين والاستعانة بهم لتصريف الأعمال وتدوير الأمور والشؤون الحياتية في أرجاء الوطن الذي عافه أبناؤه غصباً عنهم طوال حقبة من السنين شغلوا إبانها بخوض الحروب الدفاعية أو المفروضة كما يقول الإعلام .

ويحكي في واحدة من اكتوباته هذه عن تعرفه في الفندق الذي نزل فيه على تاجر أخشاب من الشمال ، تطلبه ذات يومٍ أن يرافقه في الذهاب لبيته في جنوبي الموصل، حيث صار له وقع في نفسه ، فقد بهره امتلاكه لمكتبة متواضعة حاوية بعضاً من الكتب المفيدة ، فأهداه منها رواية الرباط المقدس لمؤلفها توفيق الحكيم وديوان الشاعر الكبير الجواهري ، فكبر في عينه لحسن ضيافته له أولا ً ولتفهمه معنى الحضارة وغرامه بالكتب وتداولها ثانياً ، وتمنى لو طُبِع عموم المقاولين ورجال الأعمال العرب على هذه الشاكلة من إيثارها على سائر المقتنيات والأجهزة وملء غرفاتهم بها ما يحتاجونه منها وما لا يستخدمونها في يومهم أصلاً سوى التباهي بحيازتها لا غير ، والتفاخر بكونهم تعبوا وكافحوا حتى وصلت بهم الحال إلى هذه الدرجة العالية والمستوى الرفيع من ابتسام الحظ وخفض العيش .

      ولا مراء أنه لم يستجب للدعوة التي جاءته متأخرة بعد نومة طويلة في كنف الملحق الصحفي أو المستشار الثقافي أو ما شابه ذلك بحسب ما شاءه من تصنيفات وتقسيمات لهذه الأنواع من المسؤوليات والوظائف ، وزهد بحضور ملتقى المربد الشعري في إحدى دوراته ببغداد أو البصرة ، وفضل عليها الذهاب إلى مدينة الأقصر وأن " يخترق الجوف المصري إلى منجم آثار العالم ، إلى معجم تاريخ البشرية، إلى خلاصة الفعل الزمني ، إلى الإنجاز الذهني حينما يختزل إلى صروح ومعابد وهندسة، ولذا فقد قررتُ مخلصاً ان لا يزعجني أحد أو يعكر صفوي إنسان " لماذا " لأن الدعوة وصلت إلى الجميع : الأدباء وأشباه الأدباء وموظفي الصفحات الأدبية والعابرين على هوامش الأدب ، وظلت القاهرة تتكلم وتثرثر على المقاهي والمنتديات .

      وما أرى أديباً غيره يضارعه ويباريه في اقتضاب الجملة وإيداعها المعاني الثرة بدلاً من تطويل المقالة والإسهاب في مضمونها لحد مفض ٍ ومورط في إثقالها بما لا يلابسها من شروح أو استطرادات ، غير الدكتور هادي الحمداني، المفرط في الإعجاب  بشعر ابي فراس الحمداني، لذا أسمى نجله "  فراساً " في عصرٍ انتفت فيه الحاجة للفروسية واختفى من ساحته الفرسان ، وتخلى شاعرنا المحدث هذا عن تدريس موضوع تخصصه في : تاريخ الأدب العربي ، ونزع منه إلى العناية بتبسيط ألفية ابن مالك التي يختلف النحويون حول ما تنطوي عليه من تفاسير ودلائل ، وتنوسي إثر أوبته من اليمن بتعرضه لحادثٍ مفجع وذلك في زمن الحصار المقيت ، وهو على زهده في الكتابة وعزوفه عن النشر سوى في المجلات الرصينة المحكمة وأحياناً ، فقد انبرى ذات يومٍ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي لمساجلة صنوٍ له في تصديه معترضاً على ما يتردى إليه كتاب الصحف من الهنوات والأغاليط في النحو وفي ما ترمز له المفردة الواحدة وتحيط به من معنىٍ، وصارت كتابته شبه دائمية في حيزٍ من الصفحة الأدبية لجريدة العراق، ومن رأي الحمداني بخصوصها أنه لا ينبغي لنا أن نتشدد ونتزمت ، والأحجى أن ندع اللغة العربية تزدهر وتتطور لوحدها ، وكفاها ما شابها واعتورها من تحريفٍ وتعسير وتقعيرٍ وابتذال وركاكة وقت تصارع الجارتين العزيزتين تركيا وإيران بشأن اقتسامها في العصور الخالية أو الهيمنة على بلادنا واقتسارها ، ولا يعني هذا بحال أن نجيز نصب الفاعل ورفع المفعول !

      ومع أن الفاضل الذي تصدى مصوباً لذلك الكم الهائل من الأخطاء والمزالق، قدّم لشخصه في البدء على سبيل التعريف بهويته ، بأنه عمل في شبيبته بمعية الدكتور محمد مهدي البصير بوصفه سكرتيراً له يعاونه في القراءة وينجز بعض أعماله لأنه مستطيع بغيره ، وهذا صحيح أعرفه من سنوات بعيدة ترجع إلى سنة 1962م، وجاز يومها أن نعدًّه هو الآخر أحوجَ إلى مَن يقاسمه جهده وعناءه في القيام بأسباب البصير، لأنه يكاد يماثله في ضعف بصره وكلال عينيه ، وأخيراً انتهى هذا اللد حين تعاتب مع أستاذه الحمداني ، فقد ظهر أنه مدين له بالتلمذة على يديه إبان دراسته الجامعية، والعجيب أن اسمه الكريم لم يحضرني بعد هذا العمر ! الذي تنكر لي دهري فيه على ما يقول الشاعر ابو المظفر محمد ابن ابي العباس القريشي الأموي وكنيته الأبيوردي،واقتضاني من الجلد والتثبت في جاحمٍ لأريه كيف يكون الصبر على مصيباته وكنود بني آدم ، وهذه فضلة من القول ونافلةٌ من الكلام ، رجوتُ أن لا تصرفنا عن التنويه بمكنة المرحوم الدكتور هادي الحمداني من التوصل لاستنباط الأفكار و المعاني المفيدة بأوجز الألفاظ الدالة ، وبأقل ما يتيسر منها من دون انجرار للإسهاب والتطويل والإفاضة والسلام.

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000