..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جمالية المكان في قصائد(من أوراق الموريسكي) لحميد سعيد

عصام شرتح

تمهيد:

 لاشك  في أن للمكان والزمان  خصوصيتهما  في ذات المبدع أو الأديب، نظراً إلى الدور البارز الذي تلعبه هذه الثنائية في حياة الإنسان عموماً فكيف في حياة الشاعر أو الأديب الذي  يمتلك من الرؤية وعمق الأحاسيس ما يخوله أن يتبوأ مكان الصدارة في التعبير عن مشاعره إزاء الأزمنة الهاربة والأماكن المتغيرة، فالشاعر دائما ً يعيش في رحلة عذاب واغتراب منذ وعيه وتميزه كمبدع ، أو مفكر أو أديب، ومن هنا، يعد البحث في هذه الثنائية هو في صلب الدراسات الأدبية والنفسية والسيكولوجية في حياة الأديب، ولاغرو إزاء ذلك، أن تكتسب هذه الدراسات مصداقية في النقد الحديث والدراسات المعاصرة، ومن يدقق في مثل هذه الدراسات  يدرك بكارة نتائجها وعمق ما وصلت إليها، نظراً إلى أهمية هذه العلاقة الجدلية  التي تربط الإنسان زماناً ومكاناً في الوجود، وتكشف الكثير من المواقف الوجودية والفلسفية،والنفسية والشعورية التي تربط الذات بواقعها، ومدى تفاعلها مع هذا الواقع إن سلباً أو إيجاباً،ولهذا"كثرت في الآونة الأخيرة تلك الدراسات الأدبية والنقدية التي تستقرئ بالمكان أو بالزمان أو بكليهما معاً، النص الأدبي، واستجلاء مرامي أدبيته. والحق أن هذه الدراسات - مع كثرتها- مازال بعضها يستكشف في النص ما يضاف إلى أبعاده الجمالية، والحضارية والثقافية جميعها؛ من حيث بكارة الرؤى"(1) وعمق المواقف والمؤثرات الوجودية،  وما ينبغي التأكيد عليه أن كل الدراسات الأدبية والنقدية في تحليلهما للنصوص الشعرية تكاد تجمع أن ليس ثمة فصل بين الزمان والمكان، في سعيها إلى استكناه أدبية النصوص. ذلك أن طبيعة النص الأدبي مهما  اختلف جنسه، إنما يدور في إطار أفعال تتم من خلال أحداث وأزمنة يستوعبها حيز مكاني. فالزمان يكسب المكان هويته ومكانيته إن صح التعبير.(2)

وهذا يعني أن المكان لاينفصل على الزمان في حراكهما الوجودي والفني والرؤيوي،صحيح أن كلاً منهما لايوجد منفصلاً عن الآخر أو معزولاً عنه، لكنهما في  النصوص الإبداعية يبقى للمكان قدسيته وخصوصيته في ذاكرة المبدع، ينظر من خلالها للزمان، على أنه وعاء لحيز المكان،وليس العكس، وكما يقال إن المكان هو الجذر الوجودي للزمان ، وهو الحاضن لمتغيراته وتأثيراته صحيح " أن ارتباط الإنسان بالمكان، وإحساسه به شيء فطري"(3) لكن تختلف درجات إحساس المبدع وارتباطه بالمكان عن غيره من العامة، فالمبدع يمتلك حساسيته ورؤيته الخاصة إزاء الكثير من الأشياء، ومن ضمنها إحساسه بالمكان، ومنظوره الرؤيوي العميق للزمان.

 ويرى الناقد حسني محمود أن ثمة فرقاً ً بين الزمان والمكان من حيث ارتباطهما، فيقرن الزمان بماهو معنوي أو مجرد، ويقرن المكان بما هو حسي أو مجسد، إذيقول:" هناك اختلاف بين طبيعة إدراك الزمن، وطبيعة إدراك المكان ، حيث إن الزمن  يرتبط بالإدراك النفسي،أما المكان فيرتبط بالإدراك الحسي، ومن هذا المنطلق،  نرى أن المكان ليس حقيقة مجردة، وإنما هو يظهر من خلال الأشياء التي تشغل الفراغ أو الحيز. وأسلوب تقديم الأشياء هو الوصف، بينما يرتبط الزمن بالأفعال(الأحداث)"(4).

 وبمنظورنا ، لا يمكن فصل المكان عن الزمان، وفق ارتباط كل منهما، فقد يرتبط المكان بما هو معنوي، وقد يرتبط  الزمان بما هو حسي، وهذا يعني أن مسألة ارتباط الزمان بالمكان مسألة جدلية، متعلقة بالمنحى النفسي والرؤيوي لدى المبدع  أو الفنان ، وإحساسه بهما، فكثير من المبدعين ما يعيش الزمن بمنحى وجودي فلسفي عميق ، فيرتبط الزمان لديه بجوانب روحية عميقة ، قد تصل مرتبة التصوف ، وهذا الأمر ينطبق- كذلك- على مسألة المكان، فكثير من المبدعين ما يقرن المكان بما هو روحي يصل مرتبة الوله والتصوف المطلق،  ولهذا تبقى هذه العلاقة شائكة ومتداخلة بينهما، ولانبالغ إذنقول: إن علاقة الزمان بالمكان علاقة متداخلة متفاعلة، بقدر ما يتم تفعيل المكان لدى الشاعر بقدر مايكون الزمان متحركاً وإحساس الشاعر به خصباً أو غنياً، وبقدر ما يكون الزمان متغيراً وإحساس الشاعر به عميقاً بقدر ماتكون مؤثرات الأمكنة فاعلة رؤيوياً وفنياً، في الكشف عن الكثير من الجوانب العميقة في تجربة المبدع أو الفنان.  

 وبما أن دراستنا النقدية موجهة إلى كشف هذه الجدلية(الزمان/ والمكان) في قصائد(من أوراق الموريسكي) لحميد سعيد، فهذا يعني أننا ينبغي أن نقف حول رؤية الشاعر الحقيقية لهذه العلاقة التي تربطه زماناً ومكاناً بالوجود والخلق والكون، و ما تفرزه  هذه العلاقة من منظورات عميقة إلى حقيقة الأشياء لدرجة أن المكان أو الرؤية المكانية - عند حميد سعيد- تعد من عناصر القصيدة الرئيسية، ومرتكزاً من مرتكزاتها الإبداعية، وهذا ما أشار إليه حميد سعيد في قوله:"لقد اتسمت قصيدتي  في جميع مراحلها وما شهدت من تحولات،بكثير من سمات التشكُل الواقعي،  لا أقصد طبعاً ، استنساخ الواقع، ولا قول ما ينتظره الآخرون من قول ، واستقبال ما يعرفونه بشيء من التطامن الذاتي.بل هو تشكُل إبداعي لا يحاصر بالوصف ولا يضيع في التجريد، وهذا التشكُل لابد أن يكون المكان من مقوماته الأساسية بالإضافة إلى مقومات أخرى، يستكمل بها النص الإبداعي تشكُله الواقعي."(5).

وهذا المنظور عضدَّه برؤية الديوان عامة، ليشي بدلالات عديدة، ورؤى تضمرها الكثير من رموزه من أمكنة وشخصيات، ومواضع، خاصة رمز الموريسكي، إذ يقول:" 

*أنت تعلم بأنني عمدت إلى رمز الموريسكي ، تحديداً فيما يعني من بعد عن فضاء الروح، الوطن والبيت وكل ما يشكل الذاكرة ، مكاناً وأناساً وأحداثاً وشواخص، وبغداد هي فضاء الروح الذي يختصر كل هذه المفردات التي أشرت إليها.

وإذا كان الموريسكي القديم قد أبعد عن الفضاء الأندلسي ، فإن الموريسكي في قصائد الديوان هو الذي اضطر إلى أن يكون بعيداً عن الفضاء البغدادي ، وهو ليس بغداد المدينة المعاصرة حسب، بل هو الماضي والحاضر، وهو المستقبل ، لقد كانت بغداد في جميع منعطفات التراجع في التاريخ العربي ، هي المستقبل وهي وعد التجاوز.

وفي هذه المفردة الإشكالية - بغداد - تجتمع عصور وأمجاد وانتصارات وهزائم، ويلتقي أبطال وشعراء وفلاسفة وصعاليك ، مؤرخون وموسيقيون وصوفيون وفقهاء وملاحدة و .. و..

لذا لابد من أن تتوزع على أكثر من مكان وأن تكون الشاهد على كل زمان، وهي التي علَمت القصيدة كيف تكون المزاوجة بين الزمان والمكان"(6).

وهذا يعني أن ثمة موحيات مكانية ، ومؤشرات زمانية رؤيوية عميقة تبثها قصائده الموريسكية على المستويات كافة، وهذا ما سنتطرق إليه في بحثنا لخصوصية المكان، وموحيات الزمان في قصائده، وما تضمره من دلالات باطنية ترتبط باغترابه وإحساسه الوجودي المأزوم، وفق مايلي:

 

خصوصية المكان،ومحركاته الشعورية:

 

إن للمكان خصوصيته في ذاكرة المبدع، وهذه الخصوصية  هي التي تميز مكاناً عن آخر ، وقصيدة عن آخرى،تبعاً لحجم الحساسية الشعرية في تفعيل الحيز المكاني في  هذه القصيدة دون سواها،وتعد القصيدة(المقدسية) من أكثر قصائد مجموعته(من أوراق الموريسكي) احتفاء بالمكان، لدرجة أن المكان في قصائده يتحرك بهندسة فنية، مخصوصة، إيحاءً وشاعرية، وخصوبة عطاء، فالمكان في هذه القصيدة،ليس حيزاً فيزيائياً أومساحة جغرافية يسكنها، إن المكان في هذه القصيدة خلجات روحية، وإحساسات وجودية ، وهذا ما يجعل المكان متحركاً يشي بأكثرمن دلالة ، ويعبر عن أكثر من رؤية، بمعنى أن المكان بؤرة حراك الدلالات ، ومبعث نشاطات الرؤى التي تبثها القصيدة، لتفتح قنوات الرؤية على أكثر من موقف، وأكثر من منظور، لكن ما يجمعها كلها في بوتقة نصية واحدة أنها موجهة صوب(القدس)، وهذا العنوان يشي أن محمولها المكاني  محمول تراثي/ معاصر، ومكانها مقدس، والقصيدة منذ عتبتها النصية الأولى تشي بذلك أي بمضمونها التراثي، ومحمولها الوجداني المقدس في الذاكرة العربية والتراث الديني بوصفها أولى القبلتين، ولكن هذه القصيدة تتجاوز في فضائها المكاني القدس مكاناً أو مدينةً أو أثراً دينياً، لتفتح فضاءها الرؤيوي على مختلف الأمكنة المعاصرة، ولانبالغ : إنها تفتح فضاءها الدلالي على مختلف الأمكنة العراقية، فالأجواء العراقية مبثوثة في عبير الأمكنة القدسية التي تبثها القصيدة،ولكن رغم ذلك لم يستطع الشاعر أن يتجاوز المكان كهالة قدسية  إلى هالته الرؤيوية ، إذ إن قدسية المكان، جعلت القصيدة تدخل في محراب التصوف، لترقى أعلى المستويات، ودليلنا على ذلك الفاتحة الاستهلالية  التي  دلت منذ البداية على المكان المقدس، أو القدسي، إذ يقول:   

"لحجارتها لغةٌ

وُلدت في ظلال النبوّاتِ

واكتهلتْ في نصوص السماءْ

فإن فَتَرَ الوحيُ .. نادتْهُ

أقبِل .. ومدَّتهُ بالعنفوانْ

هي أوَّلُ معجزةٍ .. وحدَّت بينَ طيف القراءاتِ"(7)

إن القارئ يلحظ منذ الكلمة الأولى  الهالة القدسية للأمكنة، بلفظة حجارتها المقدسة ، التي هي رمز ديني للتراث المقدس الذي تمثله فلسطين من خلال معلمها المقدس ( المسجد الأقصى)،وهذا ما تدلل عليه عبارة( ولدت في ظلال النبوات)، والمكان لا يمثل فقط هالة العظمة والفخامة والتقديس للمكان، وإنما يمثل الحضارة والمعاصرة والانتماء. ولعل أبرز البنى الدالة على هذه القدسية قوله من هذه القصيدة، كما في قوله:

إنّها..

 

النجمةُ المضيئةُ حيث يكون الأُفولْ

الحَصانُ الرَزانُ البتولْ

أُمُّنا ..

بِكْرُ ملاحِمنا .. وقصيدتنا والنشيدُ الجليلْ

لأريج البيوتِ العتيقةِ فيها ..

أناشيدُ محفورةٌ في البيانْ

وملحمَةٌ ..

بدأت منذُ كانَ الزمانْ

وتبقى مباركةً ..تتجلى على عرشها الأرجوانْ"(8).

إن إحساس الشاعر بالمكان هو إحساس تقديسي مؤسطر، فالقدس هي المدينة الفاضلة التي يتحثث فيها الإرث الديني والحضاري، والجذر الوجودي  الذي يدل على الانتماء والتاريخ العربي المجيد، فقد مثلت هذه المدينة معقل الحضارة والانتصارات والمآثر الدينية العظيمة والأمجاد والبطولات المشرفة على مر التاريخ، ولهذا عبر عن خصوصيتها المكانية بحقل مفرداتي مقدس ، أو يحمل هالة قدسية، كما في المفردات التالية( النجمة المضيئة- الحصان الرزان البتول- النشيد الجليل- بكر ملاحمنا- أناشيد  محفورة في البيان"، ومن أجل هذا غلبت على المفردات المكانية هالة من القدسية ، لارتباطها بالمكان، خاصة إذا أدركنا أن المكان" يعني الارتباط الجذري بفعل الكينونة لأداء الطقوس اليومية للعين، للوجود، لفهم الحقائق الصغيرة،لبناء الروح،للتراكيب المعقدة والخفية لصياغة المشروع الإنساني ضمن الأفعال المهمة"(9). وهذا ما حققته الرموز المكانية في القصيدة من دلالة على  المسمى المكاني المقدس أو المطلق، ومن يتابع حيثيات الأمكنة في القصيدة يدرك انتماءها إلى ماهو مقدس قلباً وقالباً كما في قوله:

 

فَعنْ أيِّ أسطورةٍ يبحثونْ ؟

أيُّها المسجد ُ الذي كان قبل الزمانِ ..

ترآى لمن سيكونْ

وصلّى على أرضه الأنبياءُ ..من قبل ما يولدونْ

وكانت فلسطينُ .. سجّادةً في السماوات والأراضينْ

من عبيرٍ وطينْ"(10).

إن أول ما يتحثثه القارئ في هذه الأمكنة، الطابع المقدس، الذي يدل على الأرث الديني، فالمسجد الأقصى كان وما زال رمزاً للانتماء والوجود العربي، ومن هذه الصفات المقدسة نذكر منها مايلي:" صلى- الأنبياء - سجادة في السموات- عبيروطين"، وهذه الرؤى المقدسة للمواضع أو الأمكنة يهبها قدسيتها وجلالها العظيم، وهو ما يريد أن يسم مدينة القدس والبطولات العظيمة التي سطرتها المقاومة الفلسطينية في الزمن المعاصر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن فلسطين هي مهد الحضارة والعزة والإرث الديني منذ العهد القديم.

ومن يتابع حيثيات الأمكنة، وموحياتها، ومؤثراتها في هذه القصيدة يقف على الكثير من الدلالات والرؤى المقدسة التي تفيض بها الأمكنة من خصوبة ومرجعية إيحائية مشتقة من متعالقاتها الدلالية المقدسة في الأذهان، كما في قوله:

"في كتابٍ مضيء ..قرأنا وصيَّة أشجارِها

وأناشيدَ أحجارِها

والمراثي التي خطَّها الظاعنون . .

وتبقى ..

كما أبدعتها العروبةُ .. من لغةٍ أودعتْها القصيدةُ ..

بعضَ شمائِلها ..

لا أخالُكِ إلاّ كما أنتِ .. من صلواتٍ ونورْ

وما ترَكَ الغاصبونَ على صفحات كتابِكِ ما يَسطرونْ"(11).

إن القارئ يدرك الخلفية المقدسة للأمكنة، ويدرك المدلول الماورائي المرتبط بها، ويدرك الصلة بين الصورة المكانية المقدسة، وجمالية العلاقات المجازية المرتبطة بها ، من حيث الاقتران بماهو مقدس، وشاعري ووجودي مصطهج بتوق التعظيم والتمجيد المطلق لهذه الأمكنة ، خاصة  إذا أدركنا أن " المكان لايقتصر على كونه أبعاداً هندسية وحجوماً، ولكنه فضلاً عن ذلك نظام من العلامات المجردة يستخرج من الأشياء المادية الملموسة، بقدر ما يستمد من التجريد الذهني"(12). وهذا يعني أن الكثير من الأماكن أو المسميات المكانية تخرج من نطاقها المادي الضيق إلى فضاءات روحية ونفسية ترتبط بما هو أعمق من جسدها المادي، ترتبط بأجواء صوفية روحانية مقدسة ، كما في الملفوظات التالية:( كتاب مضيء- أناشيد أحجارها- صلوات ونور- ما يسطرون)،وتبعاً لهذا تحتفي المسميات المكانية ببعد روحاني عميق،تشي بجو صوفي مقدس، ولو تتبعنا الحيثيات المكانية الجزئية لتبدى لنا طقسها الصوفي في القصيدة كما في قوله:

   "انتظري .. ويكون النشورْ

أنتِ عَلَّمتِنا ..أن يكون الحوارْ

بينَ جارٍ وجارْ

وليس مع المُفترينَ على وردِنا والذمارْ

لاأخالُكِ إلاّ كما كنتِ ..

من جنَّتين اثنتين .. تُقبلينْ

السُرى والقيامة ..

أما الذين .. يُريدونَ أنْ توغلي في الكهانةِ ..

أو توغلي في المهانةِ ..

فانتبذي دونهم .. وطناً ساحراً ..

واصعدي في معارجكِ ..اقترني باليقينْ"(13).

إن الشاعر يخاطب مدينة القدس بوصفها المكان الروحي الذي يحمل الكثير من الشجن الروحي، والنبض الروحي لدرجة التصوف في عشقها، فهي طيفه الروحي، وأنسه، وكينونته، وعشقه، التراث، والتاريخ، والانتماء، وهي مكمن اليقين، والنور، والحقيقة، وهي مهد الأنبياء، والأخيار، والأبطال، والصالحين، وهي جنة الدنيا جمالاً وخصوبة وعطاء، والدليل المرجعي على ذلك قوله:( لا أخالك إلا كما كنت.. من جنتين اثنتين.. تقبلين السرى والقيامة) ويعزز الدلالة المرجعية المقدسة للمكان بقوله:( واصعدي في معارجك.. اقترني باليقينْ)، وعادة ما يقرن المتصوفة ذروة فاعلية الأشياء باقترانها باليقين أو وصولها إلى أوج الحقيقة، لأن الله يمثل جوهر الحقيقة، ونورها المطلق الكامن في الأشياء أو خلف ماهية الأشياء،  وتأسيساً على هذا يمكن القول: إن للمكان في قصائد الموريسكي خصوصية قدسية، وروحانية مشبعة بالنبض والإحساس ليتجاوز المكان دلالته المادية الحسية إلى فضاءات روحية تسبح في عالم المطلق، وهذا دليل أن"للمكان أثره الكبير في الانزياح، والتحول، والنفي عن أمكنة الواقع، حيث يصبح للمكان خلقة أخرى في النص"(14). وهنا، تحول المكان من مكان واقعي حسي إلى مكان روحي، وتجاوزت الأمكنة مساحتها الفيزيائية المادية لتشكل الخلفية الروحية أو الدفق الروحي لماهية الأشياء، فالقدس هي بالنسبة للشاعر رمز العراقة ، ورمز التاريخ، والوجود، والدفق الروحي، وهي كما بغداد تمثل له الحضن الدافئ، إنها رمز الصيرورة والكينونة والانتماء، والعراقة والتاريخ والجذر الوجودي، الذي لا غنى عنه لإثبات موجوديته. وتبعاً لهذا، تحركت الأمكنة على أكثر من محور أو دلالة، وهذا، ما منحها فاعلية الكشف، وشعرية الرؤية، وعمق المنظور الشعري، ودقة الكشف عن مخزونها، ومحتواها الفكري.

 

الحواشي:

 

•(1) جمال الدين، حافظ محمد،2004- شعرية المكان والزمان، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي جدة، ج2/، م13،ص52.

•(2)  المرجع نفسه، ص54.

•(3) المرجع نفسه، ص57.

•(4) محمود، حسني، 1999- بناء المكان في سداسية الأيام الستة لأميل حبيبي، مجلة علامات في النقد، الناقد الأدبي بجدة،مج 10/ع34، ص195.

•(5) نجار، سليم،2015- تأويلات نقدية، تونس، ص 5

•(6) المرجع نفسه، ص5-6.

•(7) سعيد، حميد،2012- من أوراق الموريسكي، دار أزمنة عمان، ط1، ص 8-9.

•(8) المصدر نفسه، ص10-11.

•(9) النصير، ياسين،1986-إشكالية المكان في النص الأدبي، دار بيضون الثقافية، بغداد، ص165-166.

•(10)                    سعيد، حميد، 2012- من أوراق الموريسكي، ص 12.

•(11)                    المصدر نفسه ،ص13-14.

•(12)                    عثمان، اعتدال، الصكر، حاتم،1986- الشعر ومتغيرات الرحلة، بغداد، الشؤون الثقافية العامة، ص51.

•(13)                    سعيد، حميد،2012- من أوراق الموريسكي، ص14-15.

•(14)                    لوتمان، يوري،1996- مشكلة المكان الفني، تر: سيزا قاسم، ضمن كتاب جماليات المكان، مجموعة من المؤلفين، الدار البيضاء، المغرب، ص618.

عصام شرتح


التعليقات

الاسم: عصام شرتح
التاريخ: 09/11/2015 13:45:26
لقد غمرني الكثير بلطفهم بهذه الإطراءات الجميلة ، وأشكر حساسيتكم المرهفة ، ومنحتموني أكثر مما أستحق لقد كلفتموني مسؤولية مضاعفة آمل النجاح بها. وآمل من قرائي الاضطلاع على كتاب (فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد )* فهو أهم ماكتبت وزبدة ماوصلت إليه في دراساتي الصوتية السيميائية والجمالية، أعترف كل ماكتبته في كفة وهذا الكتاب في الكفة الثانية، وقد ير جح على كل ماكتبت،، فهو الأغلى والأحب إلى قلبي من جميع مؤلفاتي التي وصلت إلى ثلاثين كتابا ونيف، الكتاب صادر عن دار أزمنةالأردن 2016

الاسم: رودينا محفوظ طالبة جامعية سنة رابعة لغة عربية
التاريخ: 09/11/2015 13:26:41
إن عصام شرتح أعجبني في مقاله وأرى أن أسلوبه جميل ودراسته مبدعة وأتمنى من أساتذتنا التسهيل والرشاقة والسلاسة اللغوية كما في هذا المقال

الاسم: أمل مهتدي شاعرة وقاصة
التاريخ: 08/11/2015 17:14:17
كلنا أمل أن نرى كتابنا السوريين يتميزون ويثابرون في هذه الظروف الحالكة التي نعيشهاواحمد الله أن وجدنا جديدا للناقد عصام شرتح الذي تابعته كثيرا وفي كل مرة اكتشف ما هو جديد في كتاباته إنه ناقد مبدع وحساس كان صديق الدراسة الجامعية،وكان مزاجيا لدرجة غريبة لكن لم نعتقد أنه سيصل إلى هذا التميز والسلاسة في الكتابة النقدية، والأسلوب المشوق.

الاسم: نجلاء الحميدو سورية دبلوم تأهيل تربوي
التاريخ: 07/11/2015 18:19:52
أنا من المعجبين بالدراسات التي تبحث في المكان والزمان، وهذه الدراسة تجاوزت نطاق المقول الشعري الظاهرإلى الباطن ، ولا أدري مصدر المخيلة الخلاقة التي يمتلكهاالشاعر والناقد معا، فالناقد رائي بامتياز والشاعر ذو مخيال خصيب، الدراسة ممتعة رغم قصرها وعدم استطالتها، والشاعر أذهلني بحق. وأتمنى أن أصادفه. مع تحياتي إلى القائمين على مركز النور تعريفنا بالطاقات الشعرية والنقدية الجيدة.

الاسم: عبد العزيز الموسى روائي سوري
التاريخ: 06/11/2015 19:36:01
أولاً الشاعر جديد علينا،وما يحسب للناقد عصام شرتح أنه عرفنا على شخصية شعرية متميزة في توصيف المكان ،، وإبراز مشاعره بألق جمالي،لكن الدراسة تتطلب الكثير من الشرح والتحليل النصي والوقوف على الجماليات، ونعتقد أن الباحث شرتح لاينقصه ذلك خاصة في مقاله المطول ماهية الجمال في شعر نزار قباني المنشور في مجلة الكلمة، لكن مع ذلك الدراسة جيدة نشكر جهود الباحث، ونأمل له التطور، وللشاعر مزيدا من التقدم والازدهار. عبد العزيز الموسى

الاسم: عصام شرتح
التاريخ: 06/11/2015 10:39:54
أشكر كل من علق على المقال سواء أكان ذلك إيجاباً أم سلباً، فأي تعليق هو إكرام لي وللمقال ،فأنا أعتز بالقراء وأغتني بآرائهم،نحن دائماً نكمل بعضنا المهم الإخلاص، فأنا لست سوى ذرة في طريق العظماء من النقاد أمثال أدونيس وصلاح فضل وأستاذي الفاضل فؤاد المرعي ، أحاول تطوير ذاتي وأدواتي النقدية ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، وأشكر الشاعر حميد سعيد الذي أغنى فضاء رؤيتي بأشعاره ،وأغنى بصيرتي

الاسم: الدكتور ياسين أيوبي
التاريخ: 05/11/2015 16:50:03
عصام شرتح صديق قديم شاركنا معا في ندوة بدوي الجبل ووجيه البارودي وقدم دراسات مهمة إنه ناقد كبير نشرت له بحثين في مجلة قطوف اللبنانية..

الاسم: الدكتور سيف الدين قدي دكتوراة في التربية
التاريخ: 05/11/2015 15:54:22
إن الدراسةالمتميزة للناقد عصام شرتح تبشر بالخير والإبداع، وهو من زملائنا الأفذاذ في النقد الأدبي، لقد ىظلم كثيراً وهو قامة نقديةنأمل لهالتميزوالعطاء الدائم

الاسم: الدكتوراة ماجدة ياسين دكتوراة في علم الجمال
التاريخ: 05/11/2015 14:10:25
لاشك أأن الباحث عصام شرتح من النقاد الأفذاذ في وطنناالعربي ويعد كتابه(مستويات الإثارة الشعرية في شعربدوي من أهم كتب علم الجمال الشعري، ودراسته الصادرة عن مجلة الكلمة(ماهية الجمال في شعر نزار قباني )من أهم الدراسات التطبيقية، وهذه الدراسة عن جماليةالمكان إفراز معرفي جمالي عنها نشكر الشاعر والناقد معا على إبداعهما الأول في الشعر والثاني في النقد الممتع،وتفضلوا بقبول كامل شكري وامتناني، الدكتورة ماجدة ياسين.

الاسم: الدكتورة ميسا العلي دكتوراة في النقدالأدبي
التاريخ: 04/11/2015 19:17:16
الشاعر مهم جدا والدراسة جديرة بالتقدير، والأفضل لو أن الناقد شرتح استفاض بالتحليل لأن سلاسته اللغوية، وعمق إصابته الرؤية من الصميم، من أبرع ما يمتاز به ، وهو ذو أسلوب مشوق فرض نفسه على خصومه امثال أحمد ويس، وسعد الدين كليب وآخرين ، وأكثرهم فظاظة الدعي الدكتور علاء ،وهذا لن يقلل من كفاءته النقدية واكبر دليل على ذلك كتاب (فضاءات جمالية في شعرحميد سعيد ) وهو اهم كتاب نقدي أكاديمي أفدت منه في بحثي عن الأصوات والبنى الصوتية في شعر سعدي يوسف نرجو إعطائنا إميل الباحث لنتواصل معه، وما هوجديده الرجاء ثم الرجاء أن تتابع مؤسسة النور نشر أبحاث الناقد ودراساته القيمة. نرجو من المؤسسة أن تتبنى نشر كتب كاملة له. فهي مفيدة لطلبة الدراسات العليا.

الاسم: نسرين الضبع
التاريخ: 31/10/2015 18:37:16
ماهي مؤلفات الباحث عصام شرتح وهل لديه جديدفي الأعداد القادمة في مجلتكم.

الاسم: حمود أبو الوفا
التاريخ: 31/10/2015 18:31:18
دراسة واعية لشاعر موهوب وناقد يبشر بالخير

الاسم: سعاد نجلاء
التاريخ: 31/10/2015 18:28:06
إإن هذه الدراسة قيمة وتدل على خبرة معرفية.




5000