..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصـة قصيرة / بَــريـدُ ألأب

فرج ياسين

لو لم أكن متأكداً من أننّي على بعد مائة وسبعين كيلو متراً عن تلك الجاذبيّة القَدريّة العجيبة ، وأن الساعة لم تزاول نبضها على مدى ثلاثين عاماً ، إلاّ حين أكون داخل المنزل ؛ يقظاً أو مُهوّماً أو مستغرقاً في نوم عميق . لو لم أكن مُتأكداً ... لما ساورني أدنى شك في أن ما بتُّ أسمعه تلك اللحظة ، ليس سوى طلائع نبضاتها المألوفة ، وهي تهمس لي بنبراتها الصافية العذراء .

     كُنتُ - كما فعلتُ ذلك عشرات المرّات في حياتي - قد اتخذتُ من ساحة الميدان محطة أولى ، وتلكأتُ مفتوناً في خلال اجتيازي ظلال حوائط جامع الحيدرخانة ، قبالة مقهى حسن عجمي ، ومقهى البرلمان المرّحلةِ منذ أواسط الثمانينيات إلى قروح ذاكرتي ، ثم انصرفتُ إلى رحلة الأغلفة والعنوانات والأسماء والقراطيس والأقلام والحقائب ، من شارع المتنبي حتى نهاية شارع السراي . وبعد خطوات خاشعة بجوار جدران المستنصريّة وساحاتها حيث ( مرايط خيولنا ) ، دخلتُ - كالعادة - إلى مقهى الخفّافين .

     يجذبُني هذا المقهى ، بأرائكه الخشبيّة المنجدّة ، وبأعمدته ، وبأرضه النظيفة وكان عليّ أن اتخذ مكاناً يتيح لي مواجهة الممر الضيّق المُضيء ؛ حيث تتراصف دكاكين بائعي وروّاقي السجاد والعباءات والملابس العربيّة ، مختلفة الأشكال والطُرز؛ لأنني لمحتُ في خلال المهاتفة التي أجراها معي تاجر القطع الآثاريّة ، الذي سوف يلتقيني اليوم ، أنه غير متأكد من مكان المقهى . لكنني شغلت بملاحظة زبونين يجلسان على الأريكة المقابلة ؛ رجل عجوز أعمى ، وآخر في أواسط العمر ، أول ما لفت نظري فيه مسبحته الطويلة ، ذات الخرزات الصفر الكبيرة ، قلتُ لنفسي: إنهما قارئ قرآن و( قارئ ) مقام ، وأنشأتُ الحق فيهما ما تداعى من صور ، استحضرتها من أنقاض ذكريات هرمة .

     لقد جال في خاطري : ربما كانت نسخة قديمة لي ، قد تعرَّفتْ على هذين الرجلين ، يوم كُنت أحد طلبة المدرسة المستنصرية في العهد المغولي ، أو - ربما - كُنت قد نعمتُ بلحظات الالتقاء بهما في هذا المقهى ، أيام النقاهة من الثالوث المأساوي : الفيضان والطاعون والغزو العثماني ، بعد عهد الوالي داود باشا . أو ، ربما ... ثم انتابني وجيب الإشارات الصوتيّة ، صالَ وتردّدَ في صدري ، وما لبث أن رفَّ لاهثاً ، فحشا رأسي بالمقاطع الثلاثة النابضة : ( لا . تَف . عَلْ ) .

 

******************************************

 

     كانت تلك دقات ساعة أبي ، وهي ساعة جيب من نوع أوميكا ، توقفتْ عن العمل منذ ليلة الخامس من حزيران عام 1960 عند الساعة الحادية عشرة والنصف وبضع دقائق ، وأذكرُ أنني سمعتُ - وأنا في منطقة نصف اليقظة - صرخة واحدة طويلة ، أعقبتها سلسلة من الصرخات المتقطعة الجريحة ، كأنها أصوات قطيع من بنات آوى في لحظات انفجاريّة عارمة ، وهي تقاسي رعباً مقيماً . وحين صحوتُ واعتدلتُ في السرير ، اتضح كل شيء . ولم يقل لي أحد أين ذهبتْ مقتنيات أبي الشخصيّة وأغراضه بعد ذلك . عدا أنني علمتُ أنهم أعطوا أصدقاءه من الفقراء كلَّ ملابسه ، وبضمنها فروَته المصنوعة من جلود الخراف الرُضّع ، مع نارجيلاته التي كانت أجزاؤها تُغطي رفّاً كاملاً بطول مترين ونصف : الزجاجات ، والبكرات ، والخراطيم . ويا لتلك الدقائق الفاتنة ، حين كُنت استمتع بالقرقرة الرتيبة المموسقة، التي ما عتمتُ أحنُّ إليها كلمّا شاهدتُ رجلاً يدخن النارجيلا . وفي وقت متأخر من عقد الثمانينيات ، جمعتني المصادفة برجل عجوز في مجلس أحد الأصدقاء ، كان يجلس صامتاً منصرفاً إلى جذب دخان نارجيلته . ولما حاول أحد الحاضرين مساومته لشرائها أكدّ بأنه لا يقايضها بذهب الدنيا ، لأنها تعود إلى شخص عزيز عليه ، مُشيراً إليّ بطريقة تقطع بأنها إحدى نارجيلات أبي .

     أما ساعته ، فقد كان من المنطقي ألاّ تعود إليّ إلاّ بعد وفاة آخر أعمامي ، يوم أحضر لي ولده الأكبر كيساً بلاستيكيّاً يفهق بالأوراق والصور والوثائق والوصولات ، قائلاً إليك كل ما يتعلق بأبيك مما عثرنا عليه بين مخلفات والدي ، فقد انفرط عقد تلك الأثرة العائليّة التي كان يحملها على منكبين من رخام .

     لكنني رأيتُ بعد ذلك حلماً ، رأيتُ أبي ، وهو يدخل من باب حجرة الضيوف ، ويقترب غاضباً من أحد أدراج خزانة الكتب ، وفي اللحظة التي أراد فيها أن يسحب الدرج التفت إليَّ وقال زاجراً : أليس عندك قليل من الوقت توقفه للاعتناء بهذهِ الساعة ؟ بيد أن الحلم لم يُسعف بأكثر من ذلك ، إذ استغرقتْ مشاعري في زخارف اليقظة . وفي ذات يوم كُنتُ مستغرقاً في قراءة حكاية حسن الصائغ البصري ، في المجلد الثالث من كتاب ألف ليلة وليلة ، فانقطع التيار الكهربائي وحلَّ الظلام ، ولما هممتُ بوضع شيء ما عند الصفحة التي توقفتْ قراءتي عندها ، مددتُ يدي مُتقرّياً سطح منضدة القراءة ، فأمسكتُ بجرم مستدير بحجم راحة اليد ، ذي سلسلة طويلة تنتهي بحلقة صغيرة ، بدا ذلك الشيء ثقيلاً بارداً ، قمتُ بوضعهِ بين الأوراق ، ثم أرّثتُ سيكارة ، وطققتُ استرجع صورة لسطح المنضدة ، لا بد أنّ مُخيلتي اختزنتها قبل مغادرة النور ، فلم أعثر على شيء . ومن أجل أن أتخلّص من وساوسي السود ، خرجتُ من المنزل وعدتُ بعد ساعات لأفتح الكتاب - وقد عاد النور - فوجدتُ أن ما وضعته بين الأوراق لم يكن غير ساعة أبي العتيقة البيضاء .

     لولا سلسلتها البرونزيّة ، وغطاؤها الذي طالما داعب مُخيلتي بطرقته الناعمة في طفولتي ، لما وجدتُ سبيلاً إلى التعرّف عليها أبداً . ثم عثرتُ بعد ذلك بأيام على علبة فضيّة اللون ؛ من ذلك النوع الذي شاع إهداؤه في حفلات عقد القران . كانت العلبة ذات غطاء مربع مرتفع مؤلف من عدة طبقات ، منضدّة بعضها فوق بعض ، فيما يُشبه مصغراً لزقورة . يرتفع فوقها مُجَسَّم لزهرة بيضاء مفتوحة الأوراق . لكم فكرتُ ، بأن ذلك الغطاء يُشبه غطاءَ تابوت ! ولكي أتوافق مع هذه الفكرة ، أحضرت منديلاً ورقياً أبيض ، ولففتها فيه فأصبح المنديل كفناً دائماً . إذ وجدتُ ذلك ينسجم مع فكرة الاحتفاظ بالموت المتحفزّ للانقضاض عبر أي قدرٍ مواتٍ ، في واقعة ما سوف تحصل ذات يوم .

     أضعتُ الساعة - بعد ذلك - في البيتِ ، ولم أضعها . أخذتُ أراها في كل مكانٍ، أو لا أراها ؛ فأتعمّد البحث عنها في دُرجها أو في الخزائن والأدراج الأخرى . أنتهز فرصة خلوّ البيت ، فأشمّر عن ساعديّ ، وأبدأ رحلة شاقة للبحث في كل زاوية ومنعطف وثقب وخزانة وطيّة فراش . لكنني ما أن أعلن عجزي ، وأكف عن البحث، وأركن إلى مكان ما في المنزل ناكصاً مغلوباً ؛ حتى أشم رائحة خفيفة رائعة ، كأنها تتناهى إلى دمي في موكبِ نسمةٍ تزفّ مع صخب أجنحة ملائكة . وبتّ أتعرّف على هذهِ الرائحة من دون أي جهد ؛ فهي رائحة احتضان أبي لجسدي الصغير ، رائحتُه وهو يضع رأسي لِصقَ صدره ، إذ كنت ما أن أشم تلك الرائحة المضمخة - بالتنباك والعرق الرجولي ؛ حتى تصدح في روعي نبضات موقعةً توقيعاً لا يمكن لها أن تصدر إلاّ عن ساعة جيب .

     وعَبر لحظات اشتباك المشاعر ، وصراعها وتجاذبها ، لم أخطئ الظن في أنها نبضات ساعة أبي ، لكنني بعد برهة من الزمان وحين ألتفتُ إلى الخلف أو إلى أحد الجانبين ، أشاهد العلبة الفضيّة ، في أقرب مكان يصل إليه بصري . وبتُّ انتظر كل نهزة تعرض لاصطياد لحظة الدخول في مداراتها .

     وفي خلال فترة من الافتتان والقلق ، رضيتُ بأن تغيب أو تحضر بروحها الجوّالة متى تشاء ، ولم أحدّث بذلك أحداً ، لكن أمراً غريباً حصل ذات يوم . إذ كنتُ مُستلقياً للقيلولة في ظهيرة صيف ، فخطفت في مُخيلتي صورةَ صديقين رحلا إلى مكانين مُختلفين في هذا العام . ما برحتْ رسائلهما تصلني ، وتتحرش بثوابتي المهنيّة والأسريّة والأخلاقيّة ، عَبر سجالات تدور بيننا ، في سيل من الرسائل لا ينقطع ، جعلتُ أستعرض بعض مفاصلها في تأملاتي الملتهبة ، وأنا مستلقٍ أنظر في سقف الحجرة . وفي منطقة ما في صميم ذلك الأتّون الغاضب ، هفت روحي إلى الاعتراف بعظم ما فعلاه قياساً على حياتي الراكدة العجفاء ، فجاشت وهوّمت في بركة من الخدر الحريري . وما هي إلاّ برهة قصيرة حتى دهمتني طرقات ناعمة ، راحت تقترب من أذني ، كانت تلوب في مدار تشكلات وصور وتشظيات من حروف وأرقام ، قصاصات مسوّدة وهباء حرائق ، ونديف بّرد ، ورشاش قار ؛ ترسم صوراً ، وتمحو خطوطاً وتستعرض وتخبو ، وتتلوّن ! وفي سورة من كل ذلك ، كأن مارداً نطق في أذنيّ مُوتيفاً نغميّاً بالنبرة الجهيرة العذراء موقعّاً : ( لا تفعل ! ) .

     بعد ذلك بأيام ، عدتُ إلى المنزل في منتصف الليل ، وكان آخر ما اختزنت ذاكرتي حديث أصدقاء تداولوا على مدى ساعة من الزمان أقوالاً تمحورت حول ظروف الحصار ، والاستفادة من بيع حاجات قديمة لم تعد منازلنا بحاجة إليها ، مثل قدور وأواني البرونز وملاعق الفضّة وأدوات الألمنيوم ، وبعض أنواع الآنية والأباريق والأقداح والتحفيات المصنوعة من السيراميك أو الكريستال . ثم عَرّج الحديث على الأقلام والساعات . فذكروا أن ثمّة من يشتري الآن أقلام الحبر الذهبيّة والساعات السويسريّة الأصليّة ، ثم يهربها إلى خارج البلد . وربما تخيلّتُ أن أحدهم ذكر ساعة الأوميكا . هل نبع في روعي لحظةً بأنَّ ساعة أبي قد تدخل في صفقة بيع ؟ لقد أمضيتُ هزيعاً من الليل ، وأنا مسهدٌ أقرّع نفسي ، وأكيل لها اللوم والتخذيل ، ثم جاء النبض الصاعق المدوّي : ( لا تفعل ! ) .

     ما الذي أبرق نداء ساعة أبي تلكَ اللحظة ؟ لا بد أنه تمَّ بفعل ما تبقى راسباً في ذاكرتي من أيام الطفولة الأولى ، حين كُنت ألصق وجهي إلى صدره مُستنيماً إلى إيقاعات النبض المتبادل بين قلبه وساعته ، أو لا بد أن ذلك النداء يمثل جزءاً من رسالة أبويّة مقطوعة ؛ فقدت أخطر حلقاتها أثر رحيله الفاجع المبكّر . لأنني ما زلتُ أذكر موقفاً صاخباً ، كثيراً ما جاست سنابكه مواطئ حلمي :

     كان أبي يجلس متربعاً ، وحيداً في إيوان المنزل ، أمام الموقد ودلال القهوة ، وقد ألقى كوفيته وعقاله جانباً ، يمسك بكفّه اليسرى ذلك الجزء المفضض من خرطوم النارجيلا . وبكفه اليمنى ملقط الجمر ، حين دعاني للجلوس إلى جواره . كنتُ آنذاك في سن العاشرة أو دون ذلك بقليل . وضع كفه على رأسي ، وبدأ حديثاً لم يسبق له أن تحدث به معي ؛ حديثاً عن طاعة الله والاستقامة والنبل والشرف . وأوحى إليّ بأن ثمّة أموراً أكثر خصوصيّة ودقّة ، لا يود الخوض بتفاصيلها ، لأنني أصغر من أن أدركها الآن . وكنتُ - وقتها - مفتوناً بالسباحة والألعاب ، فأكد لي : سوف يأتي زمن تتخلى فيه عن هذهِ المُتع العبارة ، لأن الزمن يخذل الأهواء والرغبات . كنت أشاهد صفحة وجهه واتساع حدقيته الصفراوين الباسمتين ، وفجأة استجمع شهيته لقول شيء ما ، فالتفت إليّ ، ونظر في عينيّ ، وربت على خدّي ، بحيث أوقع في روعي ما أراد أن يصرّح به ، لكن أحد أصدقائه دخل المكان دخولاً مفاجئاً ، فانصرف إلى استقباله ، ولم أحظ بمعرفة ما أراد أن يُبلغني به بعد ذلك أبداً.

     وفي خلوة منزليّة صافية ، عمدتُ إلى مراجعة ما أملك من مقتنيات أبي التماساً لأمر قد يبدو أكثر من اعتيادي ، كان ثمة دفتر الخدمة العسكريّة ، وشهادة الجنسيّة العراقيّة ، وبطاقة استخدام في أحد مواقع شركة النفط ، ووثيقة توكيل بيع السكر والشاي في أوائل الأربعينيات في خلال ظروف فرض سياسة الطوارئ ، بعد فشل محاولة الضباط الأربعة الانقلابيّة ، وانهيار حكومة رشيد عالي الكيلاني .

     وكان ثمة بضع صور شمسيّة ؛ بالكوفيّة والعقال أو بدونهما ، منفرداً أو مع آخرين ، فضلاً عن عدد من المفكرات صادرةً كلها عن جمعيّة ذات توجهات دينيّة ، كتبَ في بعض صفحاتها بخطه البدائي ، ملاحظات من قبيل ( اليوم رزقنا بأبنتنا فاطمة ) أو (اليوم أمطرت السماء ) أو ( اليوم قُتل الملك والوصي ) . ثم ثلاث أوراقٍ دوّنتُ عليها بخط يدي - في زمن لاحق لا أذكره - إشارات وصوراً وحوادث ، يبدو أنني ما كُنت لأرغب في نسيانها ، أكثرها أهميّة سبعة أسطر عن ثلاث طابوقات حمر ، ما زالت واجهاتها تحتفظ بكتابات غامضة ، يبدو أن أبي قايضها بمسبحة ومعطف مع راعي غنم جوّال ، ذكر الراعي أنه عثر عليها حين لجأ اتّقاء المطر إلى مغارة في خرائب ، ما كان يعتقد أنه دير من الأديرة الكثيرة المنبثّة رسومها حول مدينتنا .

 

     لقد كان ذلك الوجيب يتسرب عبر مقدمات جسديّة تُلِّم بي بين آونة وأخرى ، تتخذ حالاتٍ مَرَضيّةً قد ينبذني بعضها زمناً في السرير ، وصرتُ أنتظر لحظة انفجار الأصوات ، وأنا أكابد وَضعاً نفسيّاً قاسيّاً ، يحلّق بروحي في طواف سحري من خلال حالة نصف الحلم ، فيقتادني إلى معرفة ما لم أكن قد عرفته قط . وأجرّب ألواناً من النشوة، لم أصادف ما يماثلها وجعلت أهلي بما تزّينه لي تلك الحالة ، حتى أنني تحدثتُ مرّة أمام أصدقاء مرتابين عن جزر مسحورة ، وكنوز من الذهب والأحجار الكريمة مبعثرة في قم جبال لم تطأها قدم ، وقصور مشيّدة على سفوح خضر تسكنها الحوريات ، ورُخّ يحمل الرجال بمخالبه ... كما كنتُ أحدثهم مفتوناً ومتبسطاً عن توقعات واستشرافات مريبة مثل حصول حرب ، واحتمال موت أحد المعارف ، وغير ذلك من الأمور الغيبيّة ، مما حدا بأقرب صديق لي ، أن يصارحني بقائمة الانطباعات المؤسفة التي بات الآخرون يتداولونها بينهم ، وعرض مساعدتي إن أنا أسعفته بالإجابة عن أسئلته ، والإقرار بتأثري المنفلت بكتاب ألف ليلة وليلة ، وأكاذيب الرحالة والمستكشفين الأوائل فضلاً عن خيالات اليوتوبيين وقصص الخيال العلمي وخرافات الشعوب ... ولم أجد وسيلة أجدى لإقناعه ؛ من مصارحته بحقيقة البريد الإلهي الذي يصلني بين حين وآخر عن طريق تلك الإشارات الصوتيّة ، ولما بسطتُ له تأريخ ساعة أبي الأوميكا ، وقصتها معي كاملة ، بهت الرجل ، وطلب أن أريَهُ إيّاها ، فلم أجد غضاضة في ذلك ، إذ اصطحبته إلى المنزل . وما أن أشاهد الساعة حتى نصحني بالكف عن إعلان تلك الإيحاءات مجدداً ، ثم انصرف حائراً !

     لكنني رأيتُ في تلك الليلة حلماً ، رأيتُ وكأن أبي يقتادني ، وأنا صغير ، ربما في سن السادسة ، ويدخلني في مكان يشبه مدرسة أو خاناً أو مجمعاً لحصر الحبوب ، يتألف من عدة حجرات ، تتجاور حول حديقة مربعة مهجورة . أدخلني إحدى تلك الحجرات وبحث بين أنقاض كثيرة ، حتى عثر على صندوق صغير ، يشبه حقيبتي المدرسيّة يوم كنتُ تلميذاً في الصف الأول الابتدائي ، أمسك بغطاء الصندوق وقد أصبح خشبة في هذا الجزء من الحلم قديماً ومقصّفاً ، في كثير من مواضعه ، وقبل أن يرفع الغطاء قال لي : دونك هذا ، كان ثمة خنجر قديم طويل من نوع (دَبان)، وقد جلا الحلم لحظتئذٍ صورة صديقي المرتاب ، وجعله يقف إلى جواري . ومع أن أبي لم يلتقط الخنجر ، أو يجرده من قرابه ، إلاّ أنني تذكرتُ - وأنا في سورة الحلم- أنني كنتُ أعرف هذا الخنجر ، مع أن أحداً لم يحدثني عنه ، أو عن مصيره بعد وفاة أبي ! وقبل أن تكتفني شباك اليقظة بشكل كامل ، أنخرم الوجيب في رأسي وأنشأ يوقّع أمره المنظّم الجهير ، ولكن في مقطعين زاجرين هذهِ المرّة : (إفْ عَلْ ) .

     في صباح اليوم التالي ، قابلتُ صديقي المرتاب ، وقصصتُ عليه تفاصيل الحلم الذي اقترحه شاهداً ، فهش لفكرة المتابعة ، وأظهر حماساً صادقاً للبحث معي عن المكان ، وطفقنا نفتش في الحي الوحيد الذي نجا من معاول الهدم ، وبقي محافظاً على الهيئة التي كانت له في السبعينيات ، فعثرنا على بيت كبير ظلّ مهجوراً منذ رحيل آخر العمال المصريين العُزّاب ، بعد أن سكنته أفواج منهم في خلال عقد من الزمان ، وقد نما إلى أسماعنا أن مالكه قد جعله مستودعاً لبضاعته من المواد المستعملة ، لكنه انصرف عن هذهِ التجارة إلى مهنة أخرى ، فهو لا يحتوي الآن ، إلاّ على أنقاض ونفايات لا تجدي نفعاً ، وحين سعينا إلى استحصال موافقته قيل لنا ، إنه مكان مهجور منذ سنين ، تأوي إليه الخفافيش وطيور البوم ، وتتجول بين مرافقه الخالية أرواح الموتى .

***************************************

     بدت جدران البيت متآكلة ، وسقوفه متهاوية ، وتوجب علينا البحث بين أكوام من الأنقاض المتروكة في الباحة ، أو المحشورة في الحجرات وقد رأينا الصدأ وهو يعلو كلّ شيء ، ثمة صهاريج مياه بحجوم مختلفة ومخلفات مضخات زراعيّة ، وسخانات ماء نفطيّة ، وثلاجات مُختلفة الأبواب ، مسلوبة الأحشاء ، مُبعجّة الصفائح ، فضلاً عن عدد من أشلاء أجهزة التلفاز ، وقضبان من البلاستيك ، أو الآهين ، بعضها مغروز في الأرض ، صّوَّحَ فوق بعض أجزائه هشيم الربيع المغادر . أما القطع الصغيرة، فقد كانت مودعة في الحجرات إذ اضطررنا إلى كفكفت أكوام من الحجارة والطابوق ، وسَقَط طلاء الجدران الجصّي ، في حين استوقف أنظارنا في إحدى تلك الحجرات وجود كميات كبيرة من بقايا الدراجات الهوائية والبخاريّة . كان ثمة أبدان وأنابيب وعجلات وسلاسل وخزانات وقود ، مع عدد من الحقائب المعدنيّة مُختلفة الأحجام مبعثرة بين تلك الأنقاض .

     شاه وجه صاحبي حين رأى تلك الحقائب ، مع أنها لم تكن مصنوعة من الخشب؛ لكي تتطابق مع رسالة الحلم ، وحين كنتُ اتسمّع إلى طلائع النبض السحري ، وهي تقبل متباطئة راحَ صاحبي يزيل الأحجار ، والأتربة المتصلّبة بكفيّه ، ويعالج اشتباك الحقائب مع الأشياء الأخرى . ولمّا أصبحتْ إحداها بين يديه ، قال لي وجبهته تفطر عرقاً ، إنني لا أجرؤ على فتحها ، فشرعتُ أزيل غطاء أيّة حقيبة ما تزال تحتفظ بغطائها . كانت جميعها فارغة تماماً ، تنتشر في بطونها نشارة الصدأ ، لكنني عثرتُ في إحداهن بعد أن أزلت الأتربة المتكلسة ، على رغوة سوداء هشة ذابت بين أصابعي ، مثل عظام رفات ما قبل الطوفان ، وثمة ما خيّل إليّ أنه يشبه هلالاً كابياً متحجراً مُلقى خلف تلك الرغوة ، غير أنني لم أقل لصاحبي شيئاً ، على الرغم من تأكدي من أنه لم يكف عن مراقبة أصابعي وهي تختبر ما تبقى من مزيج التراب ونشارة الصدأ ، وحين أخذتُ أفكر باحتمال أن هذهِ الرغوة السوداء ، ليست سوى قراب الخنجر ، عثرتُ تحتها على مدية محدّبة متآكلة يعلوها الصدأ ، قدرتُ طولها بعشرين سنتيماً ، وقبل أن أشهرها في وجه صاحبي ، أحدقتْ طلائع النبض السحري بجسدي ، فأرعشتْ أصابعي ، وتراءت لي في زجاجة العتمة المعقودة بيننا ، صورة أخيرة لذلك الحطام ، ظلّت تمعن في تراجعها في الزمان ، حتى الفتني احتمل ضغط أصابع أبي المنفعلة ، وهي تمرّن كفيْ على تناول مقبض الخنجر والأطباق عليه بقلب لا يرتجف .

     لا بد أن صاحبي قصَّ تجربة الحلم على الأصدقاء ، ولا بد أن الأمر خرج عن دائرة الأصدقاء إلى أناس آخرين ؛ لأنني صادفتُ - بعد بضعة أيام - رجلاً كهلاً لا أعرفه ، ذكرَ أنه موظف متقاعد وأنه مولع بالأساطير وموضوعات الأحلام ورموزها ، بحيث يستطيع تعبيرها من خلال مبادئ ابن سيرين وفرويد ويونج وبافلوف ، فضلاً عن خبرته ومهارته الخاصّة ، التي اكتسبها بالممارسة الطويلة فهو ممّن يؤمنون (بأن المشاركة الغيبيّة تعتمد على الغريزة ) فأصغيتُ إليه متحاملاً على بعض شروحه ، بعد أن جهدتُ في تصحيح كثير من المقحمات التي فرضها الرواة المتعددون على الحلم ، وبعد أن ناقشتُ نقاط الخليط بين الحلم كما تمثل لي ، والحلم وهو يداث بحكاية اكتشاف الخنجر . وحين وجدني بعيداً عن التحمس لقراءته الممنهجة أسرّ لي : أنه لا يستبعد ما يشاع من أن لدَيّ ساعة تتكلم ، لأن الضمير قد يتخلى عن التجريد ، ويلجأ إلى بعض قوالب التشخيص لكنني ذكرتُ له بأنني لستُ مريضاً ، فشرح لي قراءتُه الرمزيّة للحلم ، قائلاً : إن الخنجر يمثل رسالة تحذير في ظروف الاستعداد للحرب القادمة ، كما حدثني عن علم الباراسايكولوجي واختراع التلغراف وفصول طويلة أخرى ، مما يعدُّ تبسيطاً مرذولاً لتجربة شخصيّة لا سبيل إلى شرحها بغير وقائعها الصارخة .

*************************************

     مضى على تلك الأحداث أكثر من شهرين ، كنتُ في خلالهما قلقاً اشعر بالذنب والخجل ، كلّما ربطتُ بين توقف مخاطبة الساعة لي ، وتلك الطريقة الرخيصة في إعلان سِرّنا الخاص ، ولم يشفع ما كنتُ أنصبُه لنفسي من افتراضات وحجج وأخذتُ أحسّ كمن ذبح الدجاجة التي تبيض له كل يوم بيضة من ذهب ، متجرعاً خطيئة تناسي أسطورتي الخاصّة ، مع مرور الأيام ، وأتعامل مع ساعة أبي وكأنها فوّهة بركان ؛ كفّ عن الانفجار منذ قرون طويلة ، إذ أخذتُ أهرع إلى مكانها في الدرج الذي يؤوي علبتها البيضاء ، وأقوم بتنظيفها ، وإبدال المنديل الورقي الملفوفة به، حتى كان يوم ، استلمتُ فيه رسالة من تاجر القطع الآثاريّة ، يشرح فيها : أنه يراسلني يطلب من أستاذ جامعي متخصص في موضوع تطوّر الكتابة في بلاد الرافدين . وأن أحد طلبته من أبناء مدينتي ، أراه صورة مشوشة لسطر واحد من الكتابة المنقوشة على سطوح الطابوقات الثلاث ، لكنها منقولة بقلم الرصاص ، على قصاصة ورق ، الأمر الذي ألهب شهيته إلى معرفة المزيد عنها ، ثم طلب مقابلتي ، وقياس استعدادي لبيعها فكتبتُ إليه شارحاً : أن لا أحد ممن عرضت عليهم استطاع التعرف على الكتابة المنقوشة عليها ، وأنني احتفظ بها بوصفها أيقونةً تذكاريّة احتراماً لذكرى أبي ، إلاّ أنه صار يهاتفني مبدياً رغبته في التعرّف عليّ ، ومدّعياً - بحسّه التجاري - بأن نبرةً ما في صوتي سوف تغدو سبباً لعقد الصفقة بيننا ، وهكذا ، اتفقنا على الالتقاء في مقهى الخفّافين ، المصاقب لحائط المدرسة المستنصريّة في بغداد ، عند الساعة الحادية عشرة والنصف من ظهيرة ذلك اليوم ، حين أدركتُ مُجدداً بأنني أمثل في حضرة تلك الجاذبيّة القدريّة العجيبة . وإذ انتابني وجيب الإشارات الصوتيّة ، صالَ وتردد في صدري ، وما لبث أن رف لاهثاً ، فحشا رأسي بالمقاطع الثلاثة النابضة : ( لا . تفْ . عَلْ ) !  

 

فرج ياسين


التعليقات




5000