.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المقاييس والأحكام اللغوية والفنية في القصة العربية القصيرة / الجزء الأول

جعفر كمال

القاص محمد خضير

    إن المرحلة الأولى التي يبدأ بها الكاتب.. بالبحث عن هوية تكشف عن قدراته في التكوين البنائي اللغوي في صناعة القصة القصيرة، أو أي تكوين أدبي آخر، يتطلب منه الاستقلالية أولا في منحاه الأدبي، والظهور أمام القارئ والناقد، بمظهر الجديد الآتي بنمط فني مميز ومختلف عن الأسلاف والمعاصرين، وقد يتضح هذا في القصة الأولى، التي يجب أن تضع لكاتبها مرتكزات أصيلة بين الوسط الثقافي عامة والأدبي خاصة، ويتأتى هذا بفضل ذكائها وثروتها من الابتكار المحكم، وتهذيب مضامينها الهندسية، الذي في كثير من الأحيان يغني التعاطي الجديد، والذي من شأنه أن يفاجئ ويدهش المتلقي، إذا جاءت الأصوات والمعاني تتلاقى في سلم سردي يعزف على تفجير مكامن الحكاية، لتصفو وتحلو، فتأتي بإمتاع لذيذ المغزى، متداخل بإحساساته الوجدانية الخالصة، من هنا يندرج الخيال ليحدد ما هو مألوف.. وما هو استثناء في بسط نماذج جذابة متفاعلة، وقد يتطلب هذا الجهد من البحث المتواصل في المُنَاخات الملائمة والضرورية، من مصادفات استثنائية يستغلها المبدع، لتكون قصة متخصصة من نتاج ثلاثة عوامل:

التخيل

التأمل

الاستقصاء

 

    تشكل هذه العوامل نتاج لبناء نص يمتاز باستقلاليته، وطموحه الذاتي والمعنوي، غير مقيد أو منسوب إلى نطاق معين، قد يفشل التجربة ويضرها، وإنما يجب على الكاتب أن يخلق النطاق الأدبي والفكري من سياقه الخاص، يستعان بنصوصها من مآثر اجتماعية  أو استعارة الأفكار من بلاغة الأقدمين المعبرة عن حلاوة النص تعبيراً حسياً، مدخلاً عليها إيقاع نسيجه الفني، ومشاعره. أو حتى تداعيات لما تخزنه ذاكرة المنشأ من حالات تشكل تلاحقا مترابطاً بين الماضي والحاضر، في تحديد إدراك المعنى، وهنا يشار إلى الدور المعرفي للقدرات اللغوية والثقافية، وبُعد رؤية الملامح الصوتية عنده، التي تحقق نجاح الاتجاهات الفنية، وأشكال تعبيرها النثري المنساب في ثنايا البناء المحكم. والأسلوب الذي يشد من أزر التوثب إلى خلق حكاية ناجحة، ورؤى تستمد خيالاتها من واقع بيئة الراوي، أو معايشته عبر تنقلاته وأسفاره، لأن الأصل هنا أصل استلهام وإحياء في التجديد وانتقاء الأفضل والأسهل، ومن أجل هذه القيم الإبداعية وفي سبيلها يتم الاختيار والاعتناء بالمضامين والخصائص الأسلوبية. وقد سماها النحات بالمقابلة، كما ذكرها وعلق عليها السكاكي في قوله: " المقابلة أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما.1" والرأي هذا ينطبق عند الخطيب القز ويني أيضاً حيث يقول: " هو أن يؤتي بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة.2" وقد أوردتَ هذين المثلين لأهميتهما، وذلك للاستفادة من المتابعة والاطلاع عل آداب السلف من أهلنا مع أهمية الاختلاف المنهجي، والإبداعي عند كل أديب.  

    لا شك بأن القاص الذي يمتاز برؤيا ثاقبة وحس مرهف، يستطيع دملجة اللغة عبر فنونها، في تسريب المعاني التي تنساب في الكلام المنثور، على لسان البطل وقد تنمو هذه النبرات وتتفاعل لتشكل تجربة متطورة في إذاعة نماذج قصصية جديدة، تقود المتلقي إلى باحة لغوية وفنية هادئة ومفيدة، في نشوء المناخ الثقافي المتطور للإدراك الجمالي الواقعي، وتجاوز الوصفي المقيت والتزينية السهلة. التي طالما رسخت مفهوم الأدب القصصي التقريري، الذي شاع في العقد الأول من العصر المنصرم.

    هذه المرحلة أنجبت أقلاماً عديدة على امتداد الوطن العربي من استلهام مشرقنا بكل أبعاده التاريخية والاجتماعية والدينية والبيئية المتناقضة في أسلوب حياتها واتجاهاتها، ويتأتى هذا من خلال الاتصال بالجوانب النفسية الخفية أحيانا، والظاهرة في أحايين أخرى، وخاصة بالمجالين السياسي والاجتماعي، يقودنا المفكر الكبير علي الوردي إلى رأي، علاقة الفرد بالمجتمع، ومدى تأثير العام المجتمعي على الخاص الفرد حيث يقول: " إن المقاييس الفكرية الخاصة بمجتمعه قد انغرست في عقله الباطن وأصبحت توجّه تفكيره من حيث لا يدري. فتفكيره محاط بإطار لا شعوري. هو يظن بأنه حر في تفكيره وهو واهم في ذلك، إذ أنه لا يختلف في قيوده الفكرية عن غيره من الناس.3" رغم أني اختلف قليلا مع مفهوم "المطلق" في هذا المقطع، إلا أن الأديب العربي استفاد كثيراً من هذه التناقضات، فحاول جهد إمكانه أن يخفف منها من خلال إشاعة نص جديد أكثر تحرراً وإشراقا، يأخذ الكاتب إلى التجديد والتطور وتحسين العلاقات العامة بينه وبين الآخر، وذلك بالتركيز على الثقافة والتنوع والاستفادة من السحر الجمالي المملوء بكثافة الصورة، وتعدد الإيقاع الصوتي، في ثنايا النص المتقدم عند القاص محمد خضير. والقاص محمود عبد الوهاب، والقاص محمود البياتي، وخاصية هذا الجيل باختزال الموروث اللغوي الصوفي المهم، وبشكل خاص عند الحلاج وفريد الدين العطار، وسوف يتبين هذا من خلال تحليلنا للنصوص التي نتناولها لهؤلاء المبدعين، فجاءت هذه الكتابات تشبع النفس التي عانت في "مجتمعنا العراقي بشكل خاص" من العبودية والتخلف والكبت والإحباط في العهد الممتد بين 1963 إلى 2003. ومن أجل هذا أخذت تنمو حركة انفتاح واسعة بعد عام 2003 تعتمد إنتاج صيغ جديدة منوعة متحررة من سيف الجلاد، تتجلى في الأبعاد اللانهائية للمتخيل، واقتناء الحيلة التقنية الساحرة.. تلك التي تنحوا بالسياق العام نحو اللقْطّةِ المثيرة المتوترة، التي تولّد شعور بالإعجاب، وتمايز الذوق بهذا المنشأ الأدبي أو ذاك.  وقد أختارْ للتدليل على هذا.. نماذج عربية مبدعة، أحاول أن أوفق في استدعاء بعضهم:" عبد الملك نوري, سميرة المانع، سحر خليفة، بثينة الناصري، جليل القيسي، عبد الباقي شنان، محمود الجنداري، كريم عبد، أدوار الخراط، علي سرور، رحيم كريم، سميرة عزام وجنان جاسم حلاوي. هؤلاء القصاصون يمثلون الاستثناء في بناء النسيج اللغوي والفني، بقدرات أصيلة ورؤيا متكاملة، لها بنائها الداخلي المتماسك الذي يستمد عناصره من الوحي المجتمعي، وبهذا فإن منهج التطور المعرفي فيما يختص بالدراسات النقدية التي تحلل قيمة النص الأدبي، في بلوغ الحداثة الفنية في مجال القصة القصيرة يؤكد، أن هؤلاء الأدباء يمتلكون فن يُرَكزْ الانتماء إلى محيطه البيئي، لإنتاج يؤسس لتطلعات جديدة، تبني أسس للرفض، وتحدٍ للأسلوب اليومي المتخلف والمتطرف، حتى يستطيع القاص من خلق نص متحرر تتجلى فيه أوجه الانسجام والتماسك في صياغة تعبيريه صادقه، ويبرز بين هؤلاء الأديب الكبير القاص محمد خضير. حيث أن تناولي لهذا القاص المتميز، تشكلني حالة هي غاية في الصعوبة في التحليل والنقد لكتاباته، لأن نصه أكبر بكثير من أي دراسة نقدية مهما ركزت وتوسعت في دقتها، وتنوعت في تحليلاتها الدقيقة منها أو الشاملة بحساسيتها، ولكني أحاول جاهداً أن أدخل إلى عمق النقطة من بحره الأدبي الواسع، لريتما أوفق في الوصول إلى مبتغى. هو أن أقدم الأستاذ القاص محمد خضير للقارئ من خلال أهمية نصه المتقدم على نصوص كثيرة في مجال القصة القصيرة، " أرجو من القارئ الكريم أن لا يفهم من ما تقدم من كلامي بأنني مداحا لشخصية الكاتب، بل ربما مقصراً بحق هذا الأديب الكبير، لتأخري في الكتابة عنه، ولي أن أقول بأنني أقف مع النص بالند منه بشكل مباشر، أما الكاتب فأنا حيادي تماما اتجاهه. "

    لنتأمل منظومة القيم عند خضير من خلال افقها المنظور من جهة، والمختزل في الصورة التي تحكم سبر معانيها المركبة من جهة أخرى، بنصوص تتسع بدلالاتها وإشاراتها لما تتضمنه من تقويمات إدراكية، ومضمرات حسية، وإيحاءات ذات بعد رمزي تحتمل كثيرا من التأويل والمكاشفة:

 

أطياف الغسق

    هو النص القصصي الذي نود تحليله وتشريحه على هذه الصفحات، حيث ينقلنا إلى مساحة منفعلة وعميقة في أبعادها، قد تحتاج منا أن نتابع الأحداث بدقة وروية، ربما لأن النص القصصي عند خضير مبني على حبكة دقيقة في نسيج مضمونها الداخلي والشكلي أيضاً:

    " أين يُلقى بالأنقاض والنفايات والأجسام العضويّة المتفسخة؟ أين تصير الأحلامُ والأفكارُ الرّثّة والتجاربُ الفاشلة؟ أين يذهب الزمن المتسارع، أو المتباطئ، الذي ينقل هذه الأنقاضَ إلى مقبرتها؟ بل أين هذا المكان الذي لا يتحرك، وتتحرك فيه الأشياء الميتة؟ فكّرَ النحّاتُ الجليلُ الشّأنِ، الحفيدُ الرّابعُ لمنعم فرات، " ويكتفي باسم فرات الرّابع" بهذه الأسئلة وهو يقود سيارته على الطريق الدائرية الخامسة نحو بقعة الصحراء التي تركتها المدينة الجديدة على الحافة الدائرية السابعة. كانت الصحراءُ المكانَ الوحيد الذي نجا من تدهور المدينة القديمة، لم تفسد فيها جاذبيّتها الهائلة لما تبقى من الماضي، وما استُحدثَ بعد ذلك من حياة، أيكون ذلك الامتدادُ الفارغ موطن الأشياء الراحلة من مركز المدينة الحيّ؟ أيكون ذلك الثّقبُ الأبيض مصدر الرؤى التي تسلك الطرق السّبع الدّائرية لتتدخل في إفساد التصاميم الكثيرة التي وضعها النحات، مع مساعديه في مركز الفنون، للتمثال الكبير الذي اقترح نصبه على حافة الصحراء؟ تسارعت الأفكار مع تسارع السيارة، وكانت آخر فكرة خطرت بباله فكرة أفلاطون عن "المدينة المكتفية التي تمتاز على المدينة العظيمة ". فقد كان يدنو من قوس الصحراء المزروع بهوائيّات الاتصال، وقرص مرآة الأبعاد، وأسطوانات دار الموسيقى المثقبة.4"

    بدءاً اشتغل محمد خضير هنا على تداعيات موسوعة الفكرة، خاصة في هذه القصة، وهذا ربما ما يفسر عزوفه عن النص التجسيدي الفج من جانب، ومن جانب آخر ابتعاده عن البهرجة التي تقع في التشكيكية المعقدة، ولهذا جاءت نصوصه تعتمد على البلاغة النثرية ومحاورها السهلة: لغة باطنية تسبر أغوار الحدث وتغذية متعة الألفاظ والمعنى. وظاهر يمنح الشكل ما تلاقى مع المضمون. وبالتالي يوحد الحكاية مع ما يعادلها من الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية، وهذا الدلالي التفسيري للأحداث السياسية الحربية الأمريكية بمشاركة دول عربية "شقيقة" مثل سوريا الجارة!! ومصر أم الدنيا، والسعودية عبر مجموعتها من الطيارين الذين قتلوا بدم بارد أبناء العراق عام 1991. هذه الضغينة القاتلة ضد حضارتنا جعلت من خضير يعتمد أسلوباً تشكيلياً فهو يشخص المكان بدقة، ويفصله فصلاً تصورياً، وكأنه يشرح المكان كالفسلجة المرقمة للجسد، فيومئ إلى المكان من طبيعة تشكيلته الهندسية ويركز عليها في هذا: " يقود سيارته على الطريق الدائرية الخامسة نحو بقعة الصحراء التي تركتها المدينة الجديدة على الحافة الدائرية السابعة " .

    هذا التشريح الدلالي العابر إلى تعميم الرؤية المسكوبة على بنية الموازين من الجزء حتى الكل، تجعل من الحدث معمقاً ومتجانساً لما يفرزه المكان على الحكاية، ومن هذه الدقة ومن أجلها، عمل على أن لا يطفئ عنصر المتعة من النص السياسي والاجتماعي. وبذات الوقت أن يتخذ من الأسلوبية الرمزية نص يتلاءم مع الدلالي التعبيري، خوفا من سيف الجلاد الذي كان يلامس رقبة كل عراقي. وهذا من خلال دراية الكاتب وتحليلاته الثقافية العامة لمجتمعه والنظام القائم آنذاك، وتساؤلاته الأربعة التي ابتدأ بها قصته أراد منها وبحس ثاقب أن يوصل أفكاره إلى المتلقي العام، وعلى هذا الأساس بنيّ مضمون الحكاية، واشرأب معناها من خلال صور محكمة التفاصيل والجزئيات، تتلاقى تلاقياً طردياً مع الحدث ومسبباته، وخضير له طموحه الخاص باجتذاب القارئ ودفعه إلى تحليل المعنى. والبحث عن مداول الرموز التي تشكل الخطوط العامة لأنسجة الحكاية، وطرح متلقياتها مع الشعبي العام، وهذه القيمة الأدبية وما يرافقها من طموح ذاتي، جعل من نص هذا القاص الحاد في لغته الأسلوبية، أن يطرح نصاً متداخلاً لما تحمله اللغة من طموحات متعددة، تعمل على إثارة قوانين جديدة في القصة العربية عامة، وهذا ليس بالجديد على البصريين بشكل خاص.  وأدباء العراق بشكل عام أمام الجمع العربي الأدبي، فمن مميزات القاص محمد خضير: انه لا يستثني جزئيات الأشياء، بل يعمل على تدفقها إلى مراميه البعيدة في النقد والتحليل الذهني للظاهرة، والدقة هنا إنه لا ينظر إلى الظاهر فقط لبناء موضوعاته إنما يجعل من الحكاية تنثال مطردة أمام قارئه، من مصادره الذاتية وأدواته التي تشكل فلسفته الخاصة، ولعل ما ننقله من النص هنا يقدم لنا نموذجاً متقدما أمام النص العربي، حول معالجته للخراب الذي حصل من حرب الخليج الثانية لبغداد والبصرة، وقليلا لمدن عراقية أخرى، ومن أجل هذا وما سوف نقرأه في الفقرة الآتية يشكل امتدادا فكرياً لأفلاطون لاسيما في فكرة " المدينة الفاضلة "، يقول: " تسارعت الأفكار مع تسارع السيارة، وكانت آخر فكرة خطرت بباله فكرة أفلاطون عن " المدينة المكتفية التي تمتاز على المدينة العظيمة " إذن أصبحت لدينا مدينتان، مدينة أفلاطون الفاضلة أو العظيمة، ومدينة خضير المكتفية التي امتازت على سابقتها من أوجهٍ عديدة. متلاقيات الحضارة الحديثة وما رافقها من تطور صناعي وثقافي وأدبي ومعرفي واقتصادي وعسكري الخ، أفلاطون كان يتمنى أن تكون مدينته فاضلة، وخضير واقف على بوابة المدينة التي أكتفت بكل عناصر التطور ونمو متطلبات الحضارة الجديدة، ولكن هل بقيّ هذا الاكتفاء لمدينة خضير كما هو، لنتوقف هنا ونرى إلى أين يأخذنا الانحدار في هذه الفقرة: " وأحس باتّساع المدى الرّؤيويّ المغبّش الذي يحيط بالطرق الدائرية للمدينة وقلبها. " الدمار الذي أحال المدينة المكتفية عند خضير إلى مدينة على اتساع مداها مغبش. والغبش هنا يعني خراب ما حل بالمدينة، وهو تعبير لاستخدام وظيفي للرمز في النص الأدبي، هذه اللفظة تعددت في تشكيل معانيها اللغوية بين الفصيح والشعبي، فالعامة من الناس يقولون "الغبشة" وتعني اقتراب الفجر، ومغبش "شعبية" تعني لا يوجد مدى واضح، أو انكفاء الرؤية عن المكان، أما رأي خضير الذي يقصده بهذه المفردة وبرمزها الدلالي، هو ظلام ما أو زوبعة ما تحمل الغبار الرمادي. إذن فالظلام هو الذي حل بالمدينة، وأحالها إلى مدينة تزحف باتجاهها الصحراء بقوة، بكل ما تحتمل هذه الكلمة من معان مأساوية.

    القفزات الثقافية التي تنقلنا نحو التطور المجتمعي عبر مسافات زمنية، تشكل اختلاف ظروف العصر، التي تؤشر على تطور الفكر وحاجاته، لإطلاق منظومة فكرية واسعة على اختلاف مكونات التعبير من خلالها، وهو نقل الإنسان نحو الأفضل إلى الإبداع، والعمل، والمقومات الإنسانية، والعلاقات الاجتماعية، والابتكار، والاجتهاد،  ولكن الغريب في الأمر أن ما حدث في العراق في زمن البعث، يؤشر إلى غير ذلك بالمطلق، هناك دول كانت تقف خلف العراق بصف طويل من حيث تطور الجانب العلمي والصناعي والمعرفي والأدبي، ولكن ما أن وصل الطاغية المجرم صدام حسين إلى السلطة، حتى بدأت مرحلة تدمير العراق وتجويعه وتشريد طاقاته العلمية والأدبية والأكاديمية وغيرها إلى خارج الوطن، ومن منطلق تفكير صدام حسين الأعرج أعاد العراق إلى عصر، ما قبل عصر النهضة مهرولاً إلى الوراء، مع أن العراق كان وما يزال أغنى احتياطي نفطي في العالم، ويمتلك أغنى فكر بشري، ويمتلك أرضاً سميت بأرض السواد لكثرة مائها وخضرتها، ومع كل هذا الإذلال والتحطيم والإلغاء والتهميش للإنسان العراقي، إلا أن هناك طاقات هائلة من المبدعين الذين بقوا داخل العراق، وحافظوا على كيانهم الإنساني الأخلاقي، فأبدعوا سراً ومنهم القاص الذي هو بين أيدينا في التحليل والتشريح، وآخرين أمثال القاص محمود الجنداري الذي قتل بعد خروجه من السجن مباشرة، والقاص محمود عبد الوهاب الذي التزم ببعده عن السلطة ولم يروج لها، وقصي الخفاجي الذي كتب الكثير من القصص الملتزمة والمعارضة بمعناها العام ضد سلطة البعث الخ من المبدعين وهم كثر، وما هذا النص الذي بين أيدينا ما هو إلا تعبير حي عن هذا التحدي الذي آلفه الإنسان العراقي، وأشير هنا إلى أن هذا العمل قد كتب في عهد الطاغية. ولكي نتواصل بحب مع القاص.. قطعاً من واجبي أن أشير إلى تاريخ هذه الكتابة، وهي على درجة عالية من الأهمية والتحدي، لأن عناصر مكونات هذه القصة تعتمد اعتماداً دقيقاً على الزمكانية لتاريخ الكتابة، ومن أجل هذا الإصرار على التحدي عبر الولوج إلى مصيبة الحدث، لابد أن يشير إلى حقيقة، مادام الكاتب في حالة انشغال دائم بمشكلات شعبه، فمن المناسب له أن يطرح فكرة التحدي عبر نصه، لفضح هذا النظام الوقح، الذي سلم شعبه لإرادة الحروب، فقتل أبناء شعبه واضعف مقدراته وتطلعاته نحو مستقبل مزدهر تطوري يواكب شعوب عصره، والكاتب هنا انفعالي الشعور، وملم في إثارة أو تحريض الفرد على السلطة القمعية فهو:

 

يرى.

يحس.

يتألم.

 

    ثم يتجلى ويكتب بصمت مشاهده، وبهذا الصمت يعتمد الأسلوب الرمزي للحفاظ على أن لا يخسر حياته، من ظلم الطاغية، لأن الكتابة في زمن ذلك النظام تعتمد رضا الرئيس الفهلوي، فالنص يجب أن يكتب عن صفات الرئيس التي تقوم على أساس نزعة الزعيم الوحدانية المطلقة الذي لا مثيل له، فهو أي الرئيس الذي يطلق نزعة التنزيه اللالوهية على شخصه، لكي تمنحه رفعه المناسبة بينه وبين الله، لأنه يعتقد، أو هكذا يصور للناس إنه مقدس الذات منزه المعاني والإحكام، " سبحانه ". 

    ولكن انظر إلى ما أنتجه كتاب العراق من شأن عظيم الكتابة والتألق فأجزلت لهم الطليعة من تعاظم الشأن والرفعة، لأن وحي العقل هنا واقعي معاين وملموس، وفي ذات الوقت هو عاطفي بإحساسه ومعانيه ولطائفه، لذلك جاء نص محمد خضير متوازن المدركات الحسية العاطفية، والواقعية المتجسدة في أحداث بصرياثا، وهو أيضاً جامع بين معرفة تجلي الفكر، وبين فاعلية السرد القصصي في التقاط  اللمحة المعدلة والمؤثرة، وهنا تشكل سريان الأحداث بنسق يتطابق مع رؤيته للحدث، ومن أجل هذا ارتقى ارتفاع التدفق التصويري الدقيق والمنسق بعناية فائقة، إلى هذا التنويع الفني الملحمي بهذه القصة. وهنا نستمع إلى الأستاذ الكاتب ميثم الجنابي في كتاب بحثه عن الغزالي يدلنا إلى أن: " أن الحصيلة المجردة في التطابق بين الواقع والفكر لم تكن بسيطة إلى الدرجة التي يمكن إخضاعها على الدوام لمبدأ أعلى، إلا أنه التمييز الذي يعكس معالم العملية الواقعية لتطور الفكر المجرد. " وفي مكان آخر يرفد هذا القول: " والتي شكلت في بعض جوانبها قوة الفاعل الفكري في إظهار "اعتزال" المعتزلة، لم يكن بإمكانها أن تخلق تيارا مستقلا دون أن تكون قد تضمنت في أعماقها طاقة الصراع المنصرم، أي القوة التي اختزلت صراع الاتجاهات، الاجتماعية - السياسية - العقائدية عن السلطة. 5" إذن التطابق في نص القاص إنما هو تلاءم لطبيعة الموضوع المنسجم تماما مع ما افرزه الواقع من خلال تجليات الحقائق، فالرؤية البصرية العريضة لتجليات القاص تتوافق مع أبطال الحكاية توافقا معرفياً. ولأدامه الكتابة النقدية دعونا نستشرف تجليات النص البلاغية من هذا المقطع: " انتظر الاثنان أن يبادر أحدهما بابتداء الجولة، وينطق بكلمة تحطّم زمان الأحياء أو ديمومة الموتى، ليس مستغربا أن تكون الأشباح أكثر جرأة، فتصفع الإلهام الذي ظلّ يبحث عن تركيز أشد، قال الشبح بلهجة قديمة: "أنه منعم فرات. جدك الأكبر. راقبتك تروح وتجي على هذه المكان كلّ يوم. شتصور؟" / أجاب النحات: "أبحث عن شئ يشبه تماثيلك. هل أنت جدي حقاً؟" / قال الشبح: " لو ما جدّك ما تورّطت واجيت." / قال النحات: إنّها لحظة عظيمة انتظرتها طويلاً، أريد أن أعرف لمَ ظهرت الآن؟" / قال شبح منعم فرات: " هسَّه آنه روح.. شبح مثل ما يكولون.. آنه روح من الأوّل.. لحكتني تماثيلي.. أرواح مثلي.. المدينة مليانه أشباح.. أرواح.. هاي الكاميرا جننتني.. شتصور؟".

    كأني أرى القاص محمد حضير هنا يبسط المعاني بتخيّلها، ثم يمظهرها بصرياً على لسان بطله منعم فرات، من خلال تجليات ذات العين الفاحصة، من حيث الإثبات، والتركيب التصويري، والتهيؤ، فإن العقل لا يعطي إلا ما يكتنز من ثروة معلوماتية، فيها جمع ما فيه تابع للذاكرة التي تطلق المعلومة بتخصصها في حينها، وقول القرآن :  " وأوحى في كل سماء أمرها " وهذا تطابق حي لوحي العقل للإنسان، لأن الإيعاز هنا منتزع من أحوال المكان، وهو ما نقش في اللوح المحفوظ في الباطن العقلي، وهذا ما أستطيع أن أسميه بالحاسة الإبداعية، أو الحاسة المنكفئة التي يفجرها الإيحاء في الوقت المناسب. وهنا نجد منعم فرات "الشبح " يقفز إلى الذاكرة في هذا التداعي الإيحائي، والذي هو في النسل الحكواتي يكون جد الرائي " النحات "، والرائي هنا لم يبصر روح منعم فرات " الجد الأكبر " آتية في الواقع إليه، إنما تحسسها أو تمظهرها قربه، تحدثه في مدينته المكتفية التي تزحف إلى الصحراء. عندما كان منعم فرات يتابع حفيده النحات يبحث في تاريخ تماثيل المكان، كانوا هنا، في هذه المدينة الأطلال، منشغلا ومحتاراً باختفائها، فهو المريد بالسماع والوجد إلى حضارة مزقها جاهل غبي، وعليه فالنحات هنا يسأل جده الأكبر منعم فرات: " لم يظهر شئ حتى اللحظة. مجرد أطياف. ماذا يحدث هنا في الصحراء أيها الجد؟ إنْ لم يخطأ حدسي فأنت أمير الأشباح كما كنت ملكاً على تماثيلك." ما هيّ الحقيقة التي يسعى لأجلها النص عبر هذه الحوارية؟ بين الشبح الآتي من الغياب الجد الأكبر، وبين حفيده النحات المقيم في الحياة، بتقديري أن القاص يريد أن يوصلنا عبر هذه الفلسفة المتوترة قليلا، وأظن أن ما يعنيه. أن الحدود الذاتية غير عسيرة المنال، لتعريف الأشياء بماهية حقائقها وسلوكياتها، حصراً بالحدود اللفظية وما توحي به من إشارات ودلالات، تمثل الأدوات التي تكشف بما اقترن في تجليات الحكاية ومعانيها، وهو أي الراوي يريد أن يترك للفظ مساحة يشاء على سهلها نص مختلف بكل عناصر السرد وفنيته، والإيقاعي وروافده من خلال مكونات طبقات مجتمعه، والأشياء المختلفة المحيطة به في الهيئة والفعل. ولو أردنا أن نقيم الحجة على هذا القول دعونا نستمع إلى الشيخ الجرجاني حيث يأخذنا إلى واقع دعوانا: " تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبّه، ألا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يُعنَ بما تنال الرؤية، بل بما تعلق الرؤية، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث تُوَعي فتحويها الأمكنة، بل من حيث تعيها القلوبُ الفطنة. 6" والمقصود هنا "بالممثل" ليس هو من تقمص حالة ما فطبقها أو مثلها في السينما أو على المسرح مثلاً، إنما المقصود بهذه الفقرة من نص الجرجاني من مَثْلَّ الدار أو الطبقة أو الحكمة أو التشريع أو النص. فالنص عند خضير يحتمل ضربين من مطابقة اللفظ للمعنى لسببين اثنين:

    أحدهما: محمول على ارتباط وعي الكاتب بميزات مجتمعه، وما يُحّمْل نصه من  أساليب واعية تعتمد على تجديد عناصر وفنون بيانية: من التشبيه، والاستعارة، والكناية، لذا جاء النص يحمل تطوراً انفعالياً متقدماً على الأسلوب والمنهج الذي اتَبَعَهُ القصاصون من مبدعي جيله وعصره، وهذا القيام الفني المتصاعد نحو الأفضل بشكل مستمر، يمنح الكاتب صحة التقدير في موضوعاته وتنويعها. 

    ثانيهما وهو المهم: وقوف الكاتب مع نصه بالتماثل، وإظهار تجانس الوعي عبر متلاقيات الذات الحسية المزدوجة، بأبعاد صورها وخصائصها وبلاغتها، وصدق العاطفة وقوتها، مع ما شكل هذا التلاقي من قفزات ناجحة على مستوى تحديث قانونها التقني الفني، وهذا مما شكل تقدم نصه على النصوص القصصية الأخرى. كون القاص وبكل جدارة قد ضبط الترتيب البلاغي في وحدة الحكاية، وجمع التاريخ والأسطورة بالتناسب مع ما تحمله الموضوعات من معان باختلاف زمنها، مع إدراك قيمة التناسب وحصره.

    كأن استمرارية البقاء عند خضير ليس متحداً في ثنائية الموت والحياة، في البعد الملحمي التاريخي، وهذا بعكس مفهوم نظرية الخلق والنفي، كونه يشكل تطابقا مع فكرة نوح أو نوبانشتم لقومه عن الموت، بعد أن جمع من كل جنس زوجين على سفينته لاستمرارية الحياة. حين غضب الإله على البشر فأغرق الأرض. والإله هنا مصنوع خيالي من خوف العقل من الظلمة، والأشباح، والغيب، والوحدة." لأن تركة حرب الكويت عام 1991 بسبب احتلال نظام البعث في العراق للكويت، خلقت وعممت تركة ثقيلة على تدمير وتخويف الإنسان العراقي وتخلفه، وهذا من شدة هول العصف المدمر الذي كان يذيب البشر والحيوانات والحديد، وهنا استخدم القاص تصعيد الشعور الجماهيري ضد نظام البعث في العراق، تزامناً مع ثورة الشعب حين سميّت "بالانتفاضة الشعبانية".

    ومن خلال هذا التجانس اللغوي التشكيلي، اقتضى نصه اختيار النخبة المثقفة لفهم منهجه الرمزي، الذي اتسع في شموليته التعبيرية باتجاه بعده الأسطوري، كحل لتمرير ما تعني التماثيل المنتشرة في العراق، وخاصة تماثيل مدينة البصرة، تلك التي تمثل هدام حسين وهو يشير بيده نحو إيران، وقادته من الضباط الكبار، لما تحققه هذه التماثيل من عنف يضغط على الشعور العام للناس، والرعب الذي يذكر الإنسان بالموت في مدينته التي تعيش في قلب الحرب. كتب ريتشارد فريبورن في مقالته الشهيرة حول الرمز والأسطورة قائلاً: " الفكرة بسيطة، سواء جرى التعبير عنها، عن فكرة الولادة.. بلغة الأسطورة أم بلغة الدين، وما يرافقها من رمزية، فأن البشرية قد استخدمتها للإيحاء بالتغير الأساسي، وربما لا توجد هناك تجربة أخرى يمكن لهذه الفكرة أن تنسحب عليها، وفي الشعور بالموت.. وهو الحالة النهائية للولادة" وفي مكان آخر يواصل الفكرة: " وقد صان النثر كأكثر ألوان الفنون وضوحاً هذه الفكرة عبر القرون التي سلفت من الثقافة. وإن أدباً يحاول عن وعي أن يبدل من نمط الحياة الإنسانية، يفترض أن يجيد التعبير عن جوهر هذه المسألة، حتى لو كان إدراكه لمعناها قاصراً، بقوة أكبر ومباشرة أشد من التعبير الذي يقدمه أدب وضع كي يخدم متطلبات الوضع الراهن. 7" وهذا ما أراده خضير من سر التخيل والمعالجة من خلال القدرة على التحكم بمفاصل الفكرة وتوصيلها للآخر المتلقي. لنقف هنا على ما يحمله لنا هذا المقطع من استغراب النحات لأفكار جده الأكبر حيث يقول: "استغرب النحات من الاسم فقال من منعم فرات: " يجوز أسميه طنز .. بيه سحنة طنازه.. كل تماثيلي هالشكل تتطنز.. تخيّل تمد لسانه وره ظهرك" ومعنى الطنز أو التطنير مفردة شعبية عراقية تعني الاستخفاف بالآخر أو احتقاره، أو نعته بأوصاف تقلل من قيمة الفرد ومحاولة إلغاء صورته الحقيقة التي يتصف بها ذلك الفرد، وربما قد تكون تلك الشخصية عظيمة، وهذا الرمز التمثال الذي يستخف بمشاعر الآخرين يشير إلى زمن هو الأكثر ظلماً وتخلفاً وانهياراً للإنسان العراقي عامة، كانت الجمهورية العراقية مستلب قانونها، وهي ملزمة بالخضوع لقانون "القائد الضرورة" الذي هو التمثال الأثري من علياءه المريض، فالذي يرمي تمثال أو تماثيل "القائد" بنظرة رافضة أو كارهة أو ساخرة، عليه أن يذهب للإعدام فوراً، أو يذوب في أحواض التيزاب، باعتبار أن هذا التمثال الذي يشير إلى الدمار والخراب هو مزين بالزى الصدامي، على حساب كرامة وطن أسس أول حضارة في تاريخ البشرية. لأن صدام أراد لهذه التماثيل أن تمثل الأسس البعثية القمعية الإرهابية، كونها تمثل صرح لأهم حقائق الإرهاب الدموي في عصرنا، المتعلق بالانقلاب الدموي الذي مارسه صدام حسين على رفاقه من قادة البعث لحظة استلامه للسلطة. وأيضاً على مجمل طبقات وفئات الشعب العراقي العظيم، ومن أجل هذا أراد خضير، باعتباره يمتلك حقائق عن تلك المرحلة، كونه عاش في قلب الأحداث، أن يبسط الطريق أمام القارئ، فيكشف عن حقبة تمثل ميراثاً معقداً يضرب جذوره في الفساد الوطني السياسي والأخلاقي والثقافي والعلمي، الذي تمثل في النظام السابق، وأسباب تدميره لأسس الدولة، وإيقاف عجلة تطورها في كافة الميادين، لنستمع إذن إلى القاص يقول: " قال النحات لمساعديه المبهورين في ظلام الأستوديو. كانوا وحدهم بين سكان المدينة يبصرون أهدافهم الغائبة، حقيقتهم الهاربة. تدافعت على المجسام أشباحُ النّسخة المصغّرة من المدينة. كانوا مضطرين، واهنين كنزلاء دار رعاية المسنين، انفصل عنهم شبح بدين، وتجسّد في وسط الغرفة بقامته البشرية الاعتيادية." وفي مكان آخر يقول: " قال النحات لمساعديه: " لا أعتقد أنَّهم يستعملون أسماءهم الحقيقية، لا يتذكرون اسما لمخلوق عاش معهم. أغلب الضن أنَّها أسماء مخترعة." ولكي نوضح الحكاية ونبسطها للسهولة نفسر ما يلي: فظلام الأستوديو: يساوي ظلام الفكرة، أي الفترة المظلمة التي حيدت العراق عن محيطه وموقعه الدولي، وأوقفت عملية التفاعل والتصاهر مع الماكينة المعلوماتية. / أهدافهم الغائبة: تساوي عدم وضوح الأفكار. / حقيقتهم الهاربة: تساوي لا حقيقة أخلاقية لحزب البعث. / أنفصل عنهم شبح بدين: تدل على وحدانية "القائد الضرورة" لأنه يخاف الوقوف بين الجمع، وفي ذات الوقت فهو يقف على أرض تمقته وترفضه، كونه لم ينتم إلى هذه البيئة.

    رأى تولستوي في منهجه " جدليات الروح ".  نأخذ من تبنيه لهذا المنهج المقطع التالي: " وهو نهج مناسب لوصف التفاعل بين الشخصية والبيئة أو العلاقات الاجتماعية عموما، على الرغم من التشديد المتزايد على الجانب المتطور أخلاقياً في هذا التفاعل، وتركز التشديد بصورة متماثلة على الخلق المفصل للبيئة المحلية والخلفية، على علاقة سمات الشخصية بالتكيّف الاجتماعي، وعلى سبر الأفكار المحركة للسلوك البشري.8 " ولهذا فمحمد خضير يهتم كثيراً بالتلويح إلى طبيعة الحدث، من خلال تبينه للرمز إذ يضعه في تحصيل التأمل والمناورة على طبيعة النص، مستفيدا بقوة من قول تولستوي " وصف التفاعل بين الشخصية والبيئة" وهذا الرأي مأخوذ أيضاً من قول ماركس " يتأثر الإنسان ببيئته تأثرا مباشراً" وهذا المستقر واللا مستقر هو نتيجة الإيعاز العقلي للبشر، أن يملي على الإنسان بما يتنوع به العقل من ميزات يختص بها دون غيره عند هذا من الناس أو ذاك.  إذن فالرموز، والإشارات، والإيعاز الدلالي تمنح النص خصوبة متطورة مثل: " المجسام ، الأشباح ، النحات ، كاميرا الغسق ، كاميرا الأطياف ، الرقائق الفوتوغرافية ، الأنبوبة القاذفة ، الأطياف ، أشعّة الموت ، الكائنات اللا منظورة ، الرؤى المجسمة ، التماثيل ، المطيافات ، الأستوديو ، برج الرؤيا ، دماغ المدينة ، الشعاع. " وغيرها من مكونات الخيال والفكرة، أراد منها القاص أن يصنع معجزته الأدبية، الفريدة في تشكيلاتها اللغوية والفنية المحيّرة في بنائها الهندسي المثير، والأستوديو هنا هو الورشة. والورشة هنا ورشة إنتاج عسكري. ابتدءا من التخطيط، والتوزيع، وإحداثيات المكان، وكمية المعلومات، وسير الوحدات العسكرية واتجاهاتها، والصور الملتقطة للمكان المطلوب التحرك إلية، والكاميرات هنا لها اختصاصات مختلفة، كلاً منها يؤدي الدور المناط بها، وأشعة الموت هي الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً التي استخدمت في حرب الكويت، على الوحدات العسكرية العراقية، وما الرقائق الفوتوغرافية، إنما هو شعاع يؤين جسد البشر، فيصاب بأمراض متطورة الحساسية القادرة على قتل الإنسان، ومنها الأمراض السرطانية، ومرض موت الأطراف. ولكي نُبَسّطْ الصورة أكثر، لأن المشهد هنا ليس مشهداً أُحادياً، إنما له وجهان من حيث الرؤية التشكيلية للحدث: المشهد الأول كما يقام شرحه مشهد عسكري بحت. أما المشهد الثاني الذي أراد له القاص أن يكون مدافعا ومهزوما، يختص في حركتين، أولهما الخاضع للموت المجاني هو الجانب العسكري العراقي، الذي استخدمت عليه كل أشكال الموت عبر الآلة العسكرية الأمريكية وحلفائها، أما الجانب الثاني من المشهد فهو الشعب العراقي المدني، فقد دخل القاص في أدق تفاصيل الجو المحيط بالحدث، ابتدءا من النخلة إلى القصاب والقطار، ودار المسنين، و"الخرجية" والتحيات بين الجيران، إذن هذه الميزات المتحركة والمتداولة بين الناس شكلت رافدا قويا للعلاقات الاجتماعية بين الحي الواحد، ارتباطا بالعام من خلال وجود القطار. وهنا لابد أن تستقيم العلاقات العامة بين المجتمع، لكي يتم سد فراغ الخلل الذي تفرزه الحروب على اليومي المجتمعي، فأنك تستطيع أن تدرك التأثير النفسي نحو الإيجاب بمساعدة الفرد للآخر يقول المفكر الكبير علي حرب: "لكل كائن حقيقته وقسطه في الوجود، ولكل مخلوق قدرته وقوته على الصمود. " ويقول في مكان آخر "إنها مخلوقات تمتلك واقعيتها بقدر ما تفرض نفسها علينا وتمارس حضورها بيننا، فهي إذن كائنات قادرة على البقاء والصمود9". ومن خلال هذه العلاقات الطيبة ما بين الشعب الواحد، الذي ارتبط بأرضه وشعبه ونهضته وحضارته، التي كانت وما زالت المعين الحقيقي لصمود هذا الشعب بالانتماء إلى أرضه، والوقوف بقوة لمن أساء إليه وناصبه العداء، وأعني هنا رأس النظام السابق. وبهذا يكون القاص محمد خضير ، قد وفق عبر فلسفته الخاصة الذي تفرد بها، أن يخلق نصاً تميز بنسيجه اللغوي بين الفصيح والمحكي العامي، وبين الفني والمعرفي في ذات الوقت، لأن يكون نصاً مجدداً لتطور القصة القصيرة والقصيرة جداً، رغم الغموض الذي شاب في بعض الأماكن في النص فأضعف قليلاً من قيمته التوصيلية للمتلقي، وفهم مقاصده.

                                             **********

 

محبة لقرائي الكرام.. أن لا أدعي بأنني قد وفقت في الوصول إلى كل جزئيات تحليلي النقدي، لهذا النص الخلاب بعذوبته، وتنويرا ته البلاغية  للآخر المثقف بشكل خاص،  ولكن ربما أكون قد أديت شيئا من الواجب الأدبي الأخلاقي، اتجاه هذا النص المتميز. وهي دعوة مني للقارئ الكريم أن يُغني مكتبته باسم هذا الأديب الكبير.    

                                            ******

يتبع في الجزء الثاني دراسة تتناول القاص محمود عبد الوهاب، والقاص المبدع محمود البياتي، والروائية والقاصة سميرة المانع، ضمن هذه الدراسة الموسعة عن القصة القصيرة العربية.

 

 

 

الهامش:

1- أنظر كتاب الإيضاح لجلال الدين القزويني

 2- نفس المصدر مداخلة للخطيب القزويني

3- أنظر علي الوردي في وعّاظ السلاطين  

4- قصة أطياف الغسق، والذي نحن في صدد دراستها للأديب محمد خضير.

5- أنظر كتاب الغزالي للكاتب الأستاذ ميثم الجنابي .

6- أسرار البلاغة. للشيخ الإمام عبد القادر الجرجاني.

7- ريتشارد فريبون

8- رسائل تولستوي، صفحة أدباء روسيا على الانترنيت.  

9- كتاب الفكر والحدث للمفكر علي حرب.  

 

جعفر كمال


التعليقات




5000