..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مذكرات قرية جنوبية -1- البنت ذات الثوب الأبيض

جواد المنتفجي

إلى ثوار وأبطال انتفاضة الجنوب
( من مخطوطة : ذكريات من الزمن الصعب ) 

-لا تقتلوه.. بل عذبوه حتى يموت ! 
هذا ما كان يصرخ به الضابط العسكري ، مناديا زمرة من جنده المحتشدين فيما حوله بينما كان ينفث دخان سيجارته التي أشعلها للتو بوجه الجريح المسجى تحته ، وراح يهرس بمقدمة قدميه المثقلتين بالحذاء العسكري فتحة الجرح العميق ، أما الجريح .. فعلى الرغم مما كان يعانيه من صعوبة آلام مبرحة ، ألا انه آثر على أن يحبس أنفاسه بما تبقت له من قوة، صاعقا إياه بأطراف أصابعه المرتعشة ليحتج على تواتر وعنف تعذيبه.
قبل ذلك كان كل شيء يبدو هادئ بعد المعارك التي جرت وقائعها منذ فجر ألامس حتى صباح هذا اليوم .. معارك كانت ضارية جدا وقد استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة ، وشيئا فشيئا بدء الجريح يصحو من إغمائه ولم يعد يسمع سوى زعيق ذلك الرفّ من حومة العقبان ، والتي أمست تملئ الفضاء ثاقبة بصرها ، منتهزة فرصتها لتنقض على أكداس الجثث المنتشرة أشلائها في كل شبر من ناصيتي الطريق العام الذي كان يربط القرية بالمدينة ، بينما تناثر القسم الأغلب منها ليطفح على سطح وضفة النهر الموحلة التي كانت تحاذي ذلك الطريق ، حيث لم يتسع لأي منن الجانبين إلى إخلائها ومن ثم دفنها بسبب المواجهات العنيفة التي حصلت بين أهل القرية وفلول الجند الذين داهموهم على غفلة ، والذين كانوا قد تراجعوا في اللحظات الأخيرة من المعركة معلنين بذلك انسحابهم من القصبات والبساتين بسرعة اثر شدة مجابهة وكثافة نيران فرسان المقاومة الذين هبوا من كل صوب وحدب ووقفوا كتف إلى كتف كحصن منيعة فيما حول البيوت ، مخلفين ورائهم مجازر عشرات من الجرحى والقتلى ومن كلا الجانبين .
في الفينات الهادئة من سكون آلامه المريعة.. كان الجريح يخلد بهجود على تلك الومضة الجميلة المكتنفة بتقاسيم وجه أخيه القتيل والجاثية جثته جنبه وقد عفر بهائها الرمل المضرج بالدماء ، ومن لحظة إلى أخرى وبينما كان جفنيه ينسدلان بخفوت ، كانت هناك دكنة من غمامة سوداء تغشيه لتهمي بين ثناياها الكثير من المشاهد والصور التي كانا قد عاشاها سوية منذ الطفولة، كان لكل ذكرى طعمها الخاص ، كان لكل ثانيه من ثوانيها ملامحها ، ومنها تلك التي تهادت أليه للتو قبل أن يلفظ أخر أنفاسه عندما تواردت على ذهنه ما كانا يتجادلان به أثناء العملية الفدائية الجريئة التي نفذاها سوية بعد خمود نيران أخر معركة ، حيث ناغاه صوتا أتيا من صوب الجثة:
- وصلنا الهدف!
فأجابه الجريح باقتضاب مهيب به :
-هيا أذن ناولني ما تبقى من المتفجرات التي في جعبتك لنثأر لشهدائنا الذين قتلوا على أيدي هولاء المجرمين .
وهكذا أمسيا يتوسدان الأرض بلهفة ، وانكفئا غارسين كفيهما بأكوام الرمل الحار ليزرعا وباستعجال اللغم الذي ظلا يتنشقان عبق رائحته بشغف قبل أن يضعانه في كوة الحفرة العميقة ، وبشوق مضطرب سرحا الاثنان بإغفاءة خفيفة في مكان كان قد اتخذاه قرب هوة الكمين ، وكأنهما توأمين ناما على صدر واحد ليدر لهما دفقات من دفء حنانه بعد أن شعرا بالإرهاق نتيجة لسيرهما الطويل من اجل بلوغهما نقطة الهدف المقصود .
راوده طيف أخر اكتنزه من هموم مضت.. هموم نسجته مخيلته من لحظات كانت عابرة عاش حيثياتها بلوعة ومرارة خلال أيام الزمن الصعب ، وهكذا انغمر بين فصول بعض من حكايات مغامراتهم حينما كانا يخترقان ثكنات الجيش المحصنة ، والتي كانت تغص فيها الكثير من الدبابات والدروع وهي تحتل كل مكان من تلك المروج الخضر التي كانت ممراتها فيما مضى تعج بالضباب والندى .. بالطير والعصفور .. بكل ما هو جميل ، وهما يدوران بعناء فيما حول المجمعات العسكرية بحثا عن زهور برية رغم برودة الجو الشديدة وزخات المطر ، ليجمعانها ومن ثم يقدمانها في آخر مطاف جولتهما لأختهما الصغيرة ( فاطمة )، والتي كانت تنتظرهما بإطلالة ثيابها البيضاء الفضفاضة تحت نور الشمس كيمامة أبانت من أطراف البيوت الواقعة في أخر البساتين ، ملوحة بيديها بفرح لعودتهما سالمين ، قال الأول متحسرا بعد أن مسح العرق الذي بلل جبهته:
- كل الأشياء التي كانت تقوم بها مذهلة ، وخصوصا تلك الأطواق الرائعة التي كانت تصنع منها باقات الزهور ، والتي كانت تصر على أن نجلبها لها متى ما ذهبنا إلى نزهتنا، هل تعرف أنت السر في ذلك ؟
رد الثاني بعد أن تملى بوجه الأول لحظات طويلة محاول تنويره:
- كلا.. فكل ما كنت اعرفه هو أنها كانت تبدع بزخرفة الأطواق التي تعملها من خوص سعف النخيل أو من قصب البردي لتحشيه بالزهور، ومن ثم تقوم بتثبيتها قرب التعاويذ التي كانت تملئ حيطان غرفة جلوسنا ونحن نقضي فيها أحلى أوقات السمر وهي تحكي لنا شتى الأحاجي عن جنيات التي ستبتلعنا حينما نسبح في النهر.. وحتى أنها كانت قد أنبأتنا في أخر ليلة من عمرها عن البومة التي سوف تلفي لقريتنا حالما يجنح الليل لتقتنص العصافير والطيور الساكنة في أعشاشها التي كانت تبنيها قرب الطلع في أعالي النخيل، وأنت ألم تلاحظ أن أشياءها التي كانت تحتفظ بها معظمها كانت بيضاء ؟
- وهذا ما كان يدهشني فيها ، فقد كان الأبيض هو لونها المفضل ، ولكن آه من شراسة قذائف مدفعيتهم الهمجية التي جعلت كل شيء عليها يصطبغ بالأحمر الفاقع عندما بدؤوا بقصف البيوت في ذلك الفجر الكئيب بينما كان الجميع يخلدون إلى النوم ، لحظة ائذ كان لحم جسدها يتناثر في كل أرجاء الغرفة، ثم ما برحت أجزائها المتبقية ألا أن تتقافز هنا وهناك مثل الحمامة التي تهوى مذبوحة على الأرض ، هل تتذكر ذلك المنظر المقزز وهي تستحم بدمها الحار ؟
- نعم وهذا ما سأظل أتذكره طيلة عمري، فأنا الوحيد الذي كان يشعر بدفئها متى ما عانقتها بحرارة يوم كانت مفعمة بالحياة ، ولا زال عبق أنفاسها يشذوا بأنفي ، وخصوصا حينما شممت رائحة البارود الذي مزق ملابسها بعدما تركتها بين ثنايا المنزل قبل رحيلها ، من منا كان يتوقع أن أولئك الأوغاد سيذبحون حتى الصغار الذين لم يسلموا من هلع قذائفهم وهي تنهال فوق الرؤوس لتذبح الكثير منهم . تريث قليلا ثم ختم حكايته :
- سأسمي هذا اللغم باسمها ( فاطمة ) !
- هيا أسرع أذن لننهي الأمر باكرا، إذ لم يعد لدينا متسعا من الوقت، فدوريات أولئك الأوغاد ستمر خلال الثواني القادمة.
زحفا قليلا ليعتليان تلا صغيرا كان ينأى عن الهدف بعدة أمتار، وحاولا أن يخيفان جسديهما خلف صخرة كبيرة مترصدين الشارع الموازي للكمين . مسح الأول يديه المغبرتين بصدره جالسا القرفصاء ، متكئا بذقنه على ماسورة بندقيته وهو مشبوب بالحيرى فيما يفعله إزاء الحرقة التي أوجرت نيرانها بين خبايا ضلوعه عندما تذكر تلك الجلسة التي اتخذها ليوثب كالأسد على ذلك الجندي القزم ذو الرائحة الآسنة المنبعثة من بدلته المعروقة ، والذي طفق يوخز ظهر أبيه بهراوته الغليظة وبدون رأفة ، وقد آل به أخيرا إلى أن يجرجره بعيدا عن أفراد عائلته باصقا بوجهه، متوعدا إياه أن لم يغادر المنطقة مع عائلته بسرعة بعد أن يدفن جثة ابنته الصغيرة ، وهذا ما حز بنفسه اكثر من أي شيء مضى بينما كان يبتلع غصة خجله وهو ينصت لما كان يقوله الجندي لأبيه الذي تأسف عليه في الكثير من الأوقات السابقة ، متأوها بندم فيما لو كان بمقدوره أن يمتلك في تلك اللحظة حجرة ليجعلها تغور هامة ذلك الجندي النحيف ذا الوجه الأصفر .. قال له والده مجهشا بشهقات بكائه وهو يوارى ثرى جثمان طفلته الصغيرة ( فاطمة ) بعد أن طبع على وجنتيها الشاحبتين أخر قبلاته، محاولا تهدئة غضبه قليلا لئلا يرتكب حماقة ضد ذلك الجندي الذي ظل واقفا منتظرا مغادرتهم المنطقة، مناشدا إياه:
- ولدي.. إذا أجبرونا على الرحيل من هذه الأرض، وحينما أموت يوما حاول أن تجلب جثتي لتدفنها هنا جوار قبر ( فاطمة )، لأنها ستغدو يوما ما شجرة مباركة ! وفجأة أيقظه نداء قطع عليه تأملاته جاءه من صوب جثة أخيه الهامدة:
-هيا انتبه .. وتهيا لنكمل ما بدأناه، فقد بدأت طلائع سياراتهم بالوصول إلى المنطقة.
لم يكمل جملته هذه حتى دوى صوت انفجار الكمين الذي مزقت شدة وهول صوته سكون المنطقة، إذ ذاك وفيما كانت بعض من العجلات تتطاير في الهواء والأخرى تنشطر إلى نصفين لتختفي شظاياها تباعا في مهاوي الكثبان الرملية ، صرخ الاثنان فاتحين نيران بندقيتيهما صوب الناجين من الدورية وهما يرددان سوية :
- عاشت الانتفاضة الجنوبية .. والتحيا عيون ( فاطمة ) العراقية.
حضن الجريح جثة أخيه الشهيد والممتدة إلى جانبه ، حينئذ بدء جفنيه تنسدلان بخفوت ليسلك معه درب الشهادة ليحل ضيفا عزيز عليه هناك .

 

جواد المنتفجي


التعليقات




5000