..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من ذكريات السنين العجاف......حوار مع عدنان الشاطي / الجزء الخامس

رحيم الغالبي

في نهاية الحلقة الرابعة من الحوار مع الزميل رحيم الغالبي تطرقت الى كيفية التحضير لهروبي من جبهات الحرب في البصرة والتخطيط لتجاوز نقاط السيطرة الحزبية والعسكرية من مدينة البصرة الى مدينة السليمانية في كردستان الحبيبة. وتحدثت عن المساعدة التي قدمتها لي عائلة الحاج محمد رستم وولديه علي وكمال الدين في تجاوز آخر نقطة حراسة للجيش العراقي شمال السليمانية وايصالي بأمان الى الأراضي العراقية المحررة من قبل قوات البيشمركة الكردية. وكما ذكرت المعاملة الطيبة التي قابلني بها الاخوة البيشمركة في كردستان العراق والمساعدة التي قدموها لي في كل خطوة من وجودي معهم حتى وصولي الى الحدود مع ايران.

وفي هذا الجزء من الحوار، سأجيب عن مجموعة أخرى من أسئلة الزميل رحيم الغالبي والتي تتعلق بدخولي الى اراضي ايران في تموز 1986.
كتب الحوار: عدنان الشاطي
بعد أن إقترب مني صاحبي الكردي محمود، من أهالي كركوك، وقال: هذه آخر محطة على الحدود العراقية والاراضي الأيرانية تبدأ في الجانب الآخر من النهر. توقفت قليلاً وأنا أنظر الى الجانب الأيراني وقلت في نفسي: ها هي المحطة الأخيرة، وعليّ أن أستمر بدون خط رجعة. وانتابني شعور بالحزن عند وصولي الى هذا الحد من المجازفة والمخاطر الكثيرة. فقد سبقني الى هذا الطريق الألاف بل مئات الألوف من خيرة العراقيين بكل أطيافهم وألوانهم الجميلة ومواهبهم وطاقاتهم .وسألت نفسي، لماذا فعلتُ كلّ هذا؟ لماذا لايوجد متسع في وطني لألاف العراقيين مثلي يحبون وطنهم وشعبهم؟ والى متى نستمر بالهروب من الوطن نحو المجهول؟!
أعرف أن أنظمة فاشية كنظام البعث في العراق تبتكرطرقاً ذكية وأسباباً كثيرة للتخلص من أفضل مواطنيها. إنه الخوف من إزاحتهم من السلطة وفقدانهم النعيم الذي يكون الشعب أحق به منهم. إنها المماطلة في صياغة دستور دائم للبلاد طوال القرن العشرين التي أضاعت حقوق الشعب. فلم ينفع الأعتراض السلمي ومظاهرات المجتمع المدني ومؤسساته للمطالبة بحقوق الشعب ودستوره الموعود كأسلوب للتعامل منذ الاحتلال البريطاني للعراق والحكم الملكي.
ولن ينفع هذا الأسلوب مع هذه الانظمة الدكتاتورية وسياسة الحزب الواحد في بلداننا العربية والاسلامية ، للأسف، وبقيت "القوّة" هي اللغة الوحيدة التي يحترمها الطغاة والفاشية بألوانها القومية والاسلامية في الشرق الأوسط. فكل هذه الحكومات يقودها أناس قفزوا الى كراسي الحكم بأساليب تآمرية ووراثية غير شرعية مستغلين تخلف شعوبها وفقرها وسذاجتها, وبعد استتباب الأمر لهم تحوّلوا بقدرة قادر الى مؤمنين وممثلين لسلطة الله على الأرض، وأسبغوا على أنفسهم ألقاب الفروسية والقدسية كما هو الحال في الجزيرة العربية ومصر وليبيا وغيرها. ولم يشذ صدام عن قادة هذه الدول بل زاد على هذه الألقاب وتجاوزعلى أقرانه الرؤساء والملوك والأمراء العرب. فأصبح حاميا" للبوابة الشرقية، وهذه المهمة أكبر وأخطر بكثير من حامي الحرمين!! وأبدع صدام في مهمة الضحك على الذقون وتجاوز بدهائه ونرجسيته الى مديات أوسع، إذ أقنع الملايين من جماهيرالأمة اليعربية - خصوصا من الفلسطينيين - بأن الطريق الى تحرير فلسطين يمر عبر طهران والكويت!!
س: هل تعتقد بأنك قمت بعمل بطولي؟
ج: أبداً. أنا لست عقيل حبش ورفاقه الذين تحدّوا السلطة القمعية في عقر دارها عام 1967 وحفروا نفقاً تحت الأرض طوله أكثر من عشرين متراً من داخل السجن وخرجوا منه الى الحرية والألتحاق بإنتفاضة أهوار الغموكة من أجل عراق أفضل. إن كل ما قمت به أنا هو هروبي من جبهات الموت ورهبة الأعتقال. لقد عاش عقيل ورفاقه في زمن آخر لازال فيه لدولة القانون شيئٌ من الأعتبار. وهناك أمثلة كثيرة في تاريخ العراق الحديث لألاف الأبطال الذين قادوا ثورات وانتفاضات عديدة ضد الظلم والطغيان والتبعية منذ ثورة العشرين حتى إنتفاضة التاسع من نيسان أو ساهموا فيها.
س: ماذا ترى الآن بعد 5 سنوات من سقوط حكومة البعث في بغداد؟
ج- سقطت حكومة البعث واجهزتها القمعية والأمنية ولم تسقط بغداد أمام جيوش الاحتلال. ولو كان صدام وفياً يحترم الشعب ويعمل من أجل مصلحته وسعادته لما تجرّأت هذه الجيوش على الدخول الى العراق. وما نراه الآن هو نتائج تلك السنين من حكم البعث وسياساته في تدمير الأنسان العراقي وتبجيل استخدام القوة وعسكرة العقول. وليس من الغريب أن نرى إنتشار المليشيات المتنوعة، وسطوة اللصوص والأنتهازية على مراكز الدولة، وتشتت القوى الوطنية وإنقسامها الى العديد من التكتلات والأحزاب. وهذا دليل على إنحسار الوعي الثقافي وغياب التضحية من أجل المصلحة الوطنية العليا للبلاد في سلوكها وبرامجها السياسية ، وهذا ينسحب على الأحزاب وشخصياتها وقادتها. إنه لمن العار أن يرضى هؤلاء القادة والشخصيات السياسية بتقسيم مناصب الدولة على أساس طائفي والشارع العراقي لا يعرف الطائفية! ومن العار أيضاً أن تقوم بعض هذه القيادات والاحزاب بسرقة وطنها وقوت شعبها المظلوم. والأفدح من ذلك يقوم بعضهم بقتل ابناء شعبه علناً و"في سبيل الله" ، بإستخدام مليشيات مسلحة في أنحاء البلاد. ولكن هذا الوضع الشاذ لن يستمرطويلاً، لأن أبناء العراق الأوفياء لن يقبلوا بهذه الحال وسينتهي حتماً عاجلاً أم آجلا.
س: مــاذا حصل بعد وصولك الزاب، هل عبرت الى ايران؟
ج: نعم عبرت الى الطرف الآخر عبر السلك الحديدي. وكنت أعرف أنني لم أستطع البقاء في العراق أكثر من ذلك، لذا قررت أن أحمل العراق معي وأرحل. حملت العراق معي وبين جوانحي بناسه ومدنه وهوائه وأهواره وسهوله ووديانه وجباله وتاريخه وثقافته، حملت كل هذا وعبرت الى الجانب الآخر. إنتابني شعور بالخوف أثناء العبور، وظلت أنظاري شاخصة على البيشمركه الشباب الذين وقفوا بصمت مودعين مجموعة أخرى من العراقيين الى مخيمات اللاجئين أو الى المجهول. لم يذكر أيّ منا كلمة وداع طوال هذه الساعات، ولكني كنت أحس أن الجميع يودع ويستقبل ولكن بصمت وحزن. لقد كان الجو عصراً وحار جداً وكادت أصابع قدميَّ أن تتهرّأ بسبب حرارة قاعدة حذائي المطاط على تلك الصخور الملتهبة. وسألني صاحبي الكردي فيما أذا رغبت بتأجير بغلٍ آخر، فقلت: شكراً لك ، لا أحتاجه اليوم! ولكني أسفت على ذلك بعد تسلقنا سفح الجبل المطلّ على الزاب. أحسست عند الصعود بأن قدميَّ رطبتان من الحر ولم أتمكن من تثبيتهما جيداً في الحذاء، ولكني قاومت بتقليل مسافات خطواتي حتى عبرنا الى الجانب الآخر من الجبل. إرتحت قليلا عند العبور الى الجانب الآخر وأجتازتني القافلة ببغالها. ونظرت امامي ووجدت نفسي أسيرعلى حافة طريق لا يتجاوزعرضه قدمين، أو ثلاثة أقدام بعض الأحيان، في منتصف سفح جبل شديد الأنحدار، والى يساري وادي عميق لا ارى فيه غير الاشجار الباسقة . وآقترب مني صاحبي وقال:
- لاتنظر الى الربية على الجبل عبر الوادي!
فقلت بإستغراب:
- لمــاذا؟
أجاب دون أن يلتفت نحوها:
- إنها إحدي ربايا الجيش العراقي، وقيل لنا بأنهم يصوّرون النازحين الى إيران، وكما ترى أن مدافعهم مصوّبة نحونا، ولهذا فالجميع يعرف بأن نترك مسافة عدة أقدام بيننا حتى نمر بسلام. أنظر الى يمينك في الجبل، هل ترى آثار القصف المدفعي؟!
فنظرت الى الجبل ورأيت حفراً سوداء فيه لم أنتبه لها. ونظرت الى يساري نحو الربية فرأيت جداراً صخرياً عالياً تتحرك خلفه بعض رؤوس الجنود العراقيين والى يسارهم مدفعٌ كانت فوهته مصوّبة نحونا. ففكرت في نفسي ماذا سأفعل لو قصفونا بمدفعهم الآن؟ ونظرت الى الوادي العميق، وقلت من الافضل أن استمر بالمسير مع أصحابي مهما حصل. ومشينا بهمة ولم يحدث شيئ. ووصلنا بسلام الى قرية إيرانية صغيرة في نهاية الجبل تقع مباشرة تحت مرمى مدافع ربية الجيش العراقي.

س: مـاذا رأيت في القرية؟
ج: كانت القرية خالية من البشر. وكانت قرية صغيرة جداً ولكنها جميلة متكونة من عدة بيوت مبنية على ضفتي نهر صخري حاد لا يتعدى عرضه الاربعة أمتار، وعليه جسر حديدى للمشاة. وتجري في النهر مياه غزيرة تأتي من ناحية الجبل وتنحدر بسرعة عجيبة نحو الوادي. وفيها أشجار عنب كثيرة وأشجار تين وكمثري وأشجار جوز في الطرف الآخروغيرها كثيرعلى جانبي النهر ومتجهة الى الوادي العميق. كانت البيوت مرتبة ونظيفة مبنية من الطابوق وفيها شبابيك وابواب. ويلاحظ فيها شي من المدنية والنظام، إلاّ انها كانت ضحية قصف لا يعرف الرحمة. فهدمت معظم البيوت والغرف ذات الجدران البيضاء، وخصوصا السقوف والجدران المواجهة للربية العراقية عبر الوادي. ولا نعلم كم قرية ومدينة عراقية هدّتها مدافع إيران مقابل ذلك!
إجتزنا هذه القرية المهدمة ذات الجدران البيضاء بسرعة، وسلكنا طريق القرية خلال نفق مظلل بأشجار كثيفة ترى فيها الأعناب تتلألأ في أشعة الشمس خلال منافذ عديدة بين أوراق الأشجار. وعبرنا الى الطرف الآخرمن الجبل وسط زقزقات الطير العديدة وكأنها تريد بهذا أن تبارك وصولنا بسلام الى أرض الأخوة الأعداء.

توقفت قافلتنا خلف الجبل ونزل الجميع من البغال. إستغرق طريق الجبل فوق الوادي العميق واجتياز القرية ساعة أو أكثر قليلاً، ولكن ذلك كان دهراً بالنسبة لي بحذائي المطاط. سلم أصحابي بغالهم لمحطة أخرى خلف الجبل، ومشينا قليلاً الى سيارة جيب كانت في الانتظار! وركبت مع بعض المسافرين أو النازحين بالسيارة وبقيت العائلتان بإنتظار سيارة أخرى أو أقارب لهم في كردستان إيران. لآ اذكر كم كانت أجور السيارة التي ستأخذنا الى مدينة سنندج الأيرانية، ولكني أذكر بأن جميع ماتبقى لديَّ هو 12 ديناراً عراقياً.
كان الطريق الى سنندج وعراً جداً في الجبال وكثيرالألتفاف حول الجبال ووديانها حتى وصلنا في المساء الى مخيم. ونزلنا من السيارة ولم أعرف أين أذهب. وكانت سيارات أخرى محملة بالعراقيين قد صلت معنا. وفي دقائق التفّ حولنا الكثير من العراقيين. وقيل لي بأن هؤلاء هم من احزاب المعارضة العراقية كحزب الدعوة والمجلس الاسلامي الأعلى وغيرهم. وهؤلاء جميعا بحاجة الى متطوعين للقتال في الجبهة مع العراق! وسألني أحدهم: هل تتطوّع للقتال مع المجلس الاعلى ضد العراق؟ فقلت: أنا لا أستطيع أن أقاتل العراقيين في جبهات القتال لأن أخوتي هناك! فسألني: انت منين أخي؟ فقلت من الناصرية. فذهب عني يسأل الآخرين دون أن يقول شيئاً. وجاء آخر وسأل: أكو بعد أحد وياكم لو بس انتم؟ فقلت: لا أعرف، هل تتوقع وصول آخرين؟! فرجع الى جماعته قرب أحد الخيم دون أن يجيب على سؤالي! التفتُ الى أصحابي فلم يبق منهم أحد. لقد ذهب الجميع مع معارفهم، " بس ظلّوا الماعندهم عشيرة"!!


بقيت في مكاني وحيداً، وأختلط الظلام وتجمع الناس حول بعضهم البعض في الخيم أو قربها. واقترب مني أحد الجنود الأيرانيين بملابس تشبه ملابس الجيش الشعبي في العراق! قدّمه أحد العراقيين بقوله: هذا "باسدار". فقلت: تشرفنا!! وطلب مني أن أذهب معه. ووددت أن أقول له: وأين باس- داران ، وباس - دوري؟!!! وعرفت فيما بعد بأنه أحد أفراد حرس الثورة الأيرانية الذي لم يتفوّه بكلمة واحدة طوال السفر الى مقرهم في مدينة سنندج.
ركبت في سيارة الحرس الثوري نوع تويوتا بيضاء بيكب في الخلف دون فراش وآنطلقت بنا لمدة ساعة أوأكثر. وصلنا بعدها الى أطراف المدينة. وتوقفت السيارة أمام بوابة حديدية عالية جداً بمستوى البناء، فعرفت بأنه سجن. ولكني لم أفكر بذلك كثيراً، فقد كنت تعباناً وجائعاً جداً. إذ لم يقدم لنا العراقيون في مخيمات المعارضة شيئاً نأكله، ولكني شربت قليلأ من الماء.
كانت البناية يحيط بها الحراس، وعلى جدرانها شعارت وكتابات كثيرة وصور قادة وبنادق في بوسترات ضخمة! وساءلت نفسي بصمت: أهذه إيران أم انني لازلت في العراق؟! هنالك تشابه كثير بين هذه الصور وصور العراق، إلا أن الاختلاف الواضح هو أن جيشهم الشعبي وحرسهم الجمهوري بلحى وعمائم!! وأما الشعارات والمتاجرة بالقضية الفلسطينية والسلاح الأعلامي هو نفسه، حتى خارطة فلسطين هي نفسها، تحيط بها البنادق، وشعارات تحريرها بأسرع وقت، ربما - بعد خمس دقائق فقط - من تحرير العراق!!


نزلت من سيارة الحرس الثوري ونظرت حولي قليلاً قبل أن أدخل من باب ضيق في منتصف البوابة الحديدية. ووصلنا الى باحة قليلة الأضاءة، وفيها بعض الاشجار العالية التي تفضي الى ساحة صغيرة أمام بعض الغرف الى اليسار، وتتوسطها أسرّة حديدية ومصطبة عارية ومنضدة خشبية. كان الوقت متأخر جداً وكنت متعباً ومستعداً للنوم أينما كان.
تركني الباسدار، حرس الثورة الصامت!، ودخل الى أحدى الغرف القريبة وخرج منها باسدار آخر مثله، ولكن لحيته كثة بيضاء. وعرفت من ذلك بأنه أكبر رتبة باسدارية من الأول. وأقترب مني وسلم بآقتضاب وكلمني بالفارسية فهمت منه ما يريد، وهذا ما أذكره الى الآن لكثرة ترديدي للقصة.
- إسم شـُما چِی؟ = ما أسمك؟
- باسبور داری؟ = عندك باسبورت؟
أعطيته الباسبورت العراقي وأنتهت المحادثة ! أخذ حقيبتي الرياضية الصغيرة وفتشها. ولم يجد فيها شيئاً ذا أهمية، وأشار بيده الى الممر متمتماً بكلام لم أفهمه. وتبعت الباسدار- وهذا ما أراده المسؤول.
إقتادني الباسدار بصمت الى دهليز آخر بسقف مرتفع تقع على جانبيه ابواب غرف حديدية، وتتدلى من السقف مصابيح متباعدة خافته جداً تكاد تكون شموعاً. توقف الباسدار في منتصف الممر وفتح غرفة صغيرة جداً لاتزيد على 6 أقدام طولاً و6 أقدام عرضاً ذات ارضية كونكريتية مفروشة بحصير. جلب لي الباسدار معه بطانية ونصف! وقطعة من الخبز والجبن الأبيض وأقفل الزنزانة واختفى. أكلت ما قدّمه لي الحرس بنهم وفرشت البطانية وتمددتُ في الظلام أسترجع ذلك اليوم الأخيرمن رحلتي الحافل بالوجوه والأحداث. وحاولت أن أبرّر سلوك الباسداران الجاف نحوي، وقلت أن بلدهم في حرب وإن من واجبهم الحذر من العراقيين! ولكن ذلك ينافي دعوات الأعلام الأيراني للجنود العراقيين واللجوء الى إيران الإسلام! وغلبني النوم وأنا في هذه الدوّامة من الأفكار المتضاربة.
س: هل كان معك سجناء آخرون، وهل قابلت أحداً منهم؟
إستيقظت على أصوات الطرق على ابواب الزنزانات وضجيج عرفت منه بأن الزنزانات الأخرى تعجّ بالنزلاء، وعرفت أيضاً بأن النزلاء يتكلمون خليطاً من اللغتين الكردية والفارسية، ولكني لا أراهم. ولم أرَ أحداً منهم طوال مكوثي هناك.
س: كيف تصف هذا المكان، وهل كنت وحدك في الزنزانة؟
فتح باب غرفتي عندما جاء دوري وخرجت من زنزانتي بصحبة باسدار آخر الى غرفة الحمام والمغسلة في الجدار الكونكريتي وحولها حوض للجلوس والاغتسال في مكان واحد. لم يتغير جوّ المكان رغم بزوغ الشمس. إنه مغلق تماماً ما عدا بعض الثقوب هنا وهناك والتي تختفي بين الحين والآخر. كان الجبن والخبز من الوجبات الرئيسية الى جانب بعض الحساء - شوربة عدس وأنواع أخرى من الخضار لا أذكر إن كان لها طعم ٌ خاص. قضيت معظم وقتي في النوم حتى إختلط علي الليل بالنهار. وكنت أسمع اصوات المقتل الحسيني ولطميات وأناشيد ثورية لساعات طويلة من سمّاعات قريبة في هذا السجن تبث في المكان جوّاً من الخوف والرهبة.
شاركني في الغرفة سجناء آخرون بعد يومين أو ثلاثة من وصولي، وكنت أشكّ بقصد وجودهم معي، لأن مكاني هو زنزانة إنفرادية. عرفت منهم بأن بعضهم كانوا أتراكاً وأخرين أكراداً أو فرساً، ولكني تظاهرت بعدم الفهم حتى جزعوا من محاولة الحديث معي. كل الأسئلة كانت تتعلق بهويتي ومن أين وأين ذاهب وماذا أعمل. وكنت أتضاهر أيضاً ببعض الجنون، فكنت مثلاً أتابع نملة في الغرفة أثناء توجيه الاسئلة لي من قبل ألسجين -أو العميل - التركي . فترك الغرفة في صباح اليوم التالي ولم يرجع. وبادرت آخر زائر لغرفتي الذي كان يتكلم بعض المفردات الانكليزية بنفس أسئلتهم المعتادة ولكن باللغة الايطالية، وكنت أحثه على فهم أسئلتي واستخدم الاشارات وإحتار بي! وحاول هذا الأخير أن يفهم ويرد ولكنه تعب مني، وضحك كثيراً على هذا الوضع الشاذ، وضحكت معه دون أن أقول شيئاً!
س: كيف ومتى خرجت من السجن؟
بعد هذه السلسلة من الأيام القلقة والزيارات الغير متوقعة خرجت من السجن بعد حوالي أسبوعين أو أكثرقليلاً. إذ فتح باب زنزانتي أحد الحراس وطلب مني أن أتبعه، وقادني الى غرفة المسؤول التي كنت أمامها قبل أسبوعين تقريباً. فوجدت حقيبتي تنتظرني على الطاولة أمام الغرفة فتناولتها وخرجت معه الى الشارع دون أي توضيح! كان الوقت صباحاً، ولم أستطع الرؤيا بسبب أشعة الشمس إلا بعد حين. والتفتُ حولي ورأيت صوراً لقادة كثيرين عرفت بعضهم. ولفت انتباهي شعار متكرر يقول " مرك ..مرك...أمريكا"!! ..وتساءلت بصمت، هل سيقطـّعون أمريكا ويعملونها مرقاً!! أم هم بحاجة الى المزيد من المَرَق الأمريكي؟!! وعرفت فيما بعد بأن ترجمة الشعار كانت " الموت..الموت لأمريكا ".
إستغرب الباسدار "الصامت" من ضحكي لوحدي وظنّ بأني مجنون حقاً ! لم يضرّني ظنـّه هذا، لقد سئمت من صمته وأريد أن ارى احد العراقيين من اللاجئين أو المهجّرين لأشكو صمت الباسداران عنده! لقد قتلني صمت الباسداران هذا، إذ لم يبتسم قط لأحَدٍ أو مع أحَد. وأعتقد بأنه وُلـِدَ هكذا!! وهذا ما بعث الراحة في نفسي طبعاً، فقد كنت أعتقد بأني كنت سبباً في كآبته الصامتة هذه!!

إتجه بي الباسدار "الصامت" الى سيارة واقفة الى يسار المعتقل. وقبل أن يُجهد نفسه ليقول لي -اصعد السيارة أغــا - بالفارسية، صعدت بنفسي الى سيارة الحرس الثوري البيضاء برشاشها الأمريكي المثبت فوق كابينة السائق و بأعلامها السود والحمروالبيض والخضر. سارت بنا السيارة الى الطرف الآخر من مدينة سنندج. وقفت سيارة الباسدار في محطة باص وموقف لسيارات التاكسي قرب سيارات حكومية تشبهها في سوق المدينة ، الذي كان يشبه سوق أربيل. ورأيت أناساً صامتين كثيرين في السوق وينظرون حولهم بحذر، وكان معظمهم بالزي الكردي. ارتحت لهذا المنظر المسالم وتذكرت بأن دولة مهاباد لم تكن بعيدة من هنا. أنا في كردستان أيران. لقد ضاعت جمهورية مهاباد وهي لم تعد بعدُ فتيـّة وضاع معها حلم الوطن الجميل.

تكلم الحرس مع أحد سوّاق التاكسي الواقفة على جانب الطريق، وأشار بالصعود الى السيارة ففعلت. ومضت بنا سيارة التاكسي الى الطرف الآخر من المدينة -كما أعتقد- ووقفت في حي سكني فيه بعض البيوت الحديثة البناء. توقفنا أمام بيت من ثلاثة طوابق وأمامه مجموعة من الشباب والنساء وبعض الأطفال. ودخل الباسدار الى البيت. واقتربت من البيت، وبادرني أحدهم بلهجة بغدادية وهو يبتسم: هلو..أبو الشباب!! الحمد لله على السلامة..إلزم سره ويّانه، الله يعلم إشوكت نروح للأردوكاه!! ولم أفهم كلمة الأردوكاه..فالتفتُ الى أحدهم مستفهماً. فقال موضحاً: يقصد مخيم اللاجئين!

يتبع

 

رحيم الغالبي


التعليقات

الاسم: مازن الحياوي
التاريخ: 08/08/2008 11:46:01
ساعد الله قلبك يااستاذ عدنان ابو زكي الورد علئ هذه الايام الصعبة والمتعبة التي تركت اثر كبير في حياتك تحياتي مازن المنصوري من اهالي الحي




5000