هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نعم ... الجن اذكياء

عبد الرزاق كيلو

كنت قد قرأت مقالاً في إحدى الصحف العربية الالكترونية المميزة تحت عنوان
" الشيخ الجندي يكشف أكذوبة ووهم قدرات الجن الزائفة " و ذلك بما طرحه من
معلوماتٍ جديدةٍ لم يصل إليها غيره حول عالم الجن و قدراتهم و طبيعة
خلقهم ، و أسمت هذه الصحيفة تلك المعلومات بالمفاجأة التي أطلقها الشيخ
خالد الجندي و فجرها خلال برنامج "البيت بيتك" على القناة "الفضائية "
المصرية وذلك بما انتهى إليه علمه الجم و الغزير الواسع الذي استطاع من
خلاله أن يسبر أغوار عالم الجن عن كثب ليخلص إلى نتيجة كان قد رددها أحد
العلماء قبله مفادها : أن أعقل بني الجن كطفل لديه ستة أعوام سنوات
والدليل أن الله لم يبعث منهم رسلاً لهم". و إذا كان الشيخ الموقر قد بدأ
حديثه الذي أسمته الصحيفة المشار إليها مفاجأة كمفاجأة اكتشاف حل لمعضلة
علمية بهذا الزعم الذي يقلل فيه من شأن الجن كمخلوقات خلقها الله لتشارك
الإنسان بالعيش فوق هذه الأرض ، و لتقوم مثله بالواجبات و التكاليف
الشرعية انطلاقاً من القيام بالجانب الأهم الذي يحدد علاقة المرء بالله و
المنبثق عن اعتقاد المؤمن بربه I و إيمانه المطلق بوجوده و بالتالي ...
ألا وهو الجانب التعبدي اِستناداً إلى البيان القرآني الذي يخبرنا الله
فيه عن مشاركة الجن لنا فوق هذه الأرض بالواجبات الشرعية فقال تعالى في
محكم كتابه " و ما خلقت الجن و الإنس إلاَّ ليعبدون " .... و بالتالي
استناداً إلى التحدي الإلهي للثقلين " الإنس و الجن " بتجاوز أقطار
السماوات و الأرض من غير امتلاك سلطان العلم الذي يمكنهما من بلوغ عالم
الفضاء و الكواكب و كشف مجاهل الكون في أفق السماء فقال تعالى في سورة
الرحمن " يا معشر الجن و الإنس إن استَطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات
و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " و إن كان بني الإنسان هم
المخاطبون أولاً في البيان القرآني و في خطاب المولى لعباده فهذا لا يعني
أنَّ الجن متخلفون علمياً أو لا يتمتعون بقدرات عقلية أو خفية يستطيعون
من خلالها القيام بالخوارق و العجائب أو القيام ببعض الأعمال الصعبة التي
لا يستطيع الإنسان إنجازها بسهولة عادةً . و إلاَّ لما كان هناك أي معنى
لتكليف الله لهم بالقيام بالواجبات مثلنا ، ..! لو اعتبرنا عقول الجان
كعقول أطفال الإنس الذين لم تتجاوز أعمارهم الست سنوات ..! ولكن ههنا في
هذه الأية الكريمة يخاطب المولى تبارك وتعالى الجن أولاً لأنهم ربما
كانوا الأقدر على تجاوز أقطار السماوات و الأرض لما تتمتع به من قدرات
خفية على بلوغ أهدافها و إنجاز أعمالها لا يملكها الإنسان ..! يقول
الدكتور زغلول النجار تعليقاً على هذه الآية ( ولو أن الجن عالم غيبي
بالنسبة لنا‏,‏ إلا أن ما ينطبق علي الإنس من عجز تام عن النفاذ من اقطار
السماوات والأرض ينطبق عليهم‏.‏
والآيات الكريمة قد جاءت في مقام التشبيه بأن كلا من الجن والإنس لا
يستطيع الهروب من قدر الله أو الفرار من قضائه‏,‏ بالهروب إلي خارج الكون
عبر اقطار السماوات والارض حيث لا يدري أحد ماذا بعد ذلك‏,‏ الا ان
العلوم المكتسبة قد اثبتت بالفعل عجز الإنسان عجزا كاملا عن ذلك‏,‏
والقرآن الكريم يؤكد لنا اعتراف الجن بعجزهم الكامل عن ذلك أيضا‏,‏ كما
جاء في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي لسان الجن‏:‏
وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا‏*(‏ الجن‏:12)‏ وذلك
بعد أن قالوا‏:‏ وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا‏*.(‏
الجن‏:8)‏ ) ..... و لا أخفي على أحدٍ سرّاً أن حديث الشيخ الجندي الذي
عرضت أفكاره و محاوره في المقال المشار إليه فيه الكثير من المغالطات
التي لا تتفق مع حقائق العلم و الدين ، فضلاً عن مناقضتها لقوانين المنطق
و مبادئ التفكير و التفكر الصحيحين في مظاهر و ظواهر الكون الغيبية ...
إضافة كذلك إلى تأكيدنا الجازم بأن حديث الشيخ الجندي هو حديث إعلامي و
إعلاني غايته بالدرجة الأولى تخليص عقول المشاهدين و المتابعين من بعض
الأوهام و الخرافات التي نسجتها الأساطير و الروايات المغلوطة و المدسوسة
عن الجن و تصويرهم بأنهم مخلوقات شريرة مسخها الله و أنزل عليها غضبه و
مقته .. و لذا فإن محاولة الاقتراب من عالم الجن و فهمه يعتبر كفراً ...
أو يعتبر تمرداً على العلم و خروجاً عن الوعي الإنساني الراشد ... ، أو
لربما صرف أنظار الناس إلى هدفٍ ما أو غايةٍ من الغايات عبر التسويق
الإعلامي من خلال هذه الأحاديث المشوقة عن العوالم الغيبية التي تشغل
عقولهم كثيراً ..! و إذا كنا نتفق مع الشيخ الجندي في غاية تخليص عقول
العامة من الأوهام و الخرافات بقليلٍ أو كثيرٍ ... فهذا لا يعني أننا
نؤيّده بما أطلقه من مزاعم و مغالطات حول عالم الجن و قدراتهم ... و
كتعميماً للفائدة و المعرفة نذكر بعض هذه الحقائق العامة عن عالم الجن
التي هي بمثابة عقائد إيمانية ثابتة و مًؤيدة بالحجج و البراهين الشرعية
و العقلية و العلمية معاً ، و لا يستطيع امرؤً مهما أوتي من علم و قوة
نكرانها أو الجحود بها شرعاً و ديناً و منطقاً و عقلاً :
1... بادئ ذي بدءٍ نقول (منطقاً و عقلاً) : إذا كنا نعتقد ببعض الحقائق
عن عالم الجن وفق ما أملاه علينا قرآننا العظيم و هي التي يسميها الشيخ
الجندي وفق ما أملاه عليه علمه الجم جهلاً أو قصوراً علمياً ، فما هي
حججه و براهينه العلمية و الدينية على حد زعمه بأن أذكَى و أعلم جني لا
يتعدى عقله عقل طفلٍ لم يبلغ السادسة من عمره بعد من بني الإنسان ...!؟
2 إن الجن كما هو ثابت في الأدبيات الدينيّة و في الحقائق التي اتّفقَتْ
عليها العقول البشرية ، و قصر علم الإنسان عن التّثبت منها على وجه
اليقين القطعي مخلوقات من خلق الله و أمم أمثالنا و هي مخلوقات غير مرئية
لها عالمها الخاص على ظهر هذه الأرض يروننا و لا نراهم خلقهم الله
كملائكة من نار و دخان كما هو ثابت في البيان القرآني و هي مخلوقات عاقلة
وذكية و ربما في بعض الأمور و الأعمال فاقت الإنسان و علمه قوةً و ذكاءً
و إنجازاً ، و هم مكلفون مثلنا بالواجبات و التكاليف التي افترضها الله
على عباده و معنيونَ بالرسالات السماوية التي أنزلها الله على عباده كما
هو ثابت و متحقق في الأديان السماوية الثلاثة اليهودية و المسيحية و
الإسلام ، و في شرائع الأنبياء السّابقين ، فمنهم اليهود و المسيحيون و
المسلمون و منهم الكافرون الذين لا يُدينون بدين سماوي و لا يعبدون الله
تعالى و يعصونه في كل شاردة و واردة وهم قوم الشياطين أتباع إبليس و
العياذ بالله تعالى منهم و من شرّهم .
3 و قد ثبت في البيان القرآني فَضلاً عن الحديث النبوي أن الجان يَتمتعون
بِقدرة فائقة على التأثير بِعقول البشر و بأجسادهم و في كٌلِّ جارحة من
جوارح الإنسان و بِشكل خاص الشياطين منهم الذين أمرنا الله كثيراً
بالاستعاذة منهم و اتقاء شرهم و تجنب مواطن تواجدهم و الأوقات التي
ينتشرون فيها بين ظهراني البشر في الليل و آخر النهار ... هذا إضافة إلى
أن النبي الأعظم بما أكرمه الله به من حفظٍ و رعاية لم ينج من شرهم فناله
منهم نصيب من التأثير في عقله و جسده و ذلك عندما أصابه شيء من المسّ
نتيجة عملٍ سحريّ قام به أحد أحبار اليهود في المدينة مستعيناً بالشياطين
، فنزل جبريل الأمين بالمعوذتين و رقى بهما النبيّ الأعظم و دله على مكان
وجود ذلك العمل السحري فبعث الرسول الأعظم الصحابي الجليل علي بن أبي
طالب و استخرجه من بئر في أحد الأمكنة .
3 أما زعم الشيخ الجندي من أن الجن ليسوا معنيون بالرسالات السماوية و لم
يكن منهم أنبياء فهذا أمر واضح و جلي لكل ذي بصيرة إذ خَصَّ اللهُ البشر
وحدهم وحدهم و الذكور منهم دون النساء بالرسالات كما هو مقرر في آياتٍ
كثيرة في القرآن الكريم فكان الأنبياء و الرسل منذ عهد آدم أبي البشر إلى
خاتم الرسل و الأنبياء محمد بن عبد اللهr من البشرالذكور ( فهل المرأة أو
الأنثى من بني الإنسان يساوي ذكاؤها و علمها عقل طفل صغير من الذكران
...؟) و ليس هذا الأمر مفاجأة فجرها لأول مرة معالي الشيخ الجندي على
شاشة قناة المصرية ، في الوقت الذي كان يعلن المولى سبحانه في بيانه
الإلهي أن الأنبياء مرسلون إلى الإنس و الجن على السواء ، و كما هو ثابت
في أدبياتنا الدينية و في قرآننا العظيم أن الجن كانوا يَسمعون إلى هداية
النبي من غير علمه ، و في أحيان أخرى كان بَعض الجن يَظهرون للنبي الأعظم
و يسألونه عن أمور الدين و الدنيا و ربما طلبوا منه العون على خَصمهم
الكافرين الذّين يُحاربون الله و رسوله و يَعسون في الأرض فسادا ، حتى أن
علماءنا الأجلاء ألّفوا في ذلك المصنفات العديدة و الموثقة عن الحوادث و
الأخبار من هذا القبيل ، و على سبيل المثال لا الحصر فقد صنف الإمام أبو
بكر الخرائطي كتاب (هواتف الجنان و عجائب ما يحكى عن الكهان ) و قد اعتمد
كتابه هذا كبار المؤرخين كابن عساكر الدمشقي والحافظ ابن حجر و الحافظ
ابن كثير و موضوعه ما هتفت به الجن أو نطقت به الكهان مبشرة بمبعث رسول
الله و الخرائطي هو صاحب كتاب مكارم الأخلاق و كمثال لما أورده في كتابه
هذا من قصص و أخبار تصور و تبرهن لنا عكس ما ذهب إليه الشيخ الجندي قدّس
الله علمه و سره جهاراً نهاراً على قناة المصرية بمغالطاته الفكرية و
العقائدية عن الجن و عالمهم و صفاتهم و قدراتهم و هو يحاول إرضاء من
ينكرون ظواهر الحياة الغيبية علماً أن الإيمان بالجن جزء لا يتجزأ من
تعاليم العقيدة و أصولها التي قامت عليها ... يذكر الإمام الخرائطي هذه
الحادثة التي تصور لنا العلاقة المتبادلة بين عالم الإنس و الجن و تأثير
كل منهما في حياة الآخر إما سلباً أو إيجاباً :
حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، قال: ثنا عمارة بن زيد، قال: حدثني أبو
البَخْتَرَي وهب
بن وهب، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى ابن عبد الله بن الحارث، عن أبيه،
قال: حدثني سلمان الفارسي، قال:
كُنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في يوم مطير، ذي سحائب ورياح، ونحن
ملتفُّون حوله، فسمعنا صوتاً لا نرى شخصه، وهو يقول: السلامُ عليك يا
رسول الله. فَرَّد
عليك السلام، وقال: ردَّوا على أخيكم السلام قال: فرددنا عليه. فقال رسول
الله صلَّى
الله عليه وسلمَّ: من أنت؟ قال: أنا عُرفُطة، أظهر لنا "رحمك الله" في صورتك. قال
سلمان: فظهر لنا شيخٌ أَزَبُّ أشعر، قد لبس وجهه شعر غليظ متكاثف قد واراه، وإذا
عيناه مشقوقتان طولاً، وله فم في صدره، فيه أنياب بادية طوال، وإذا له في
موضع الأظفار
من يديه مخالب كمخالب السباع، فلما رأيناه اقشعرَّت جلودنا، ودنونا من
النبيِّ صلّى الله
عليه وسلَّم.
فقال الشيخ: يا نبيّ الله. أبعث معي من يدعوا جماعة قومي إلى الإسلام،
وأنا أردُّهُ إليك
سالما إن شاء الله.
فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلَّم لأصحابه، أيُّكم يقومُ فيبلِّغُ
الجنَّ عنِّي وله عليَّ
الجنَّة. فما قام أحد.
وقال الثانية والثالثة، فما قام أحد.
فقال عليٌّ كرم الله وجهه: أنا يا رسول الله.
فالتفت النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الشيخ، فقال: وافِني إلى
الحرَّة، في هذه الليلة، أبعثُ
معك رجلاً، يفصل بحكمي، وينطق بلساني، ويبلَّغ الجنّ عنّي. قال سلمان: فغاب الشيخ،
وأقمنا يومنا، فلما صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العشاء الآخرة،
وانصرف الناس من
المسجد، قال: يا سلمان سر معي. فخرجت معه، وعليٌّ بين يديه، حتى أتينا الحرَّة.
فإذا الشيخ على بعير كالشاة، وإذا بعير آخر على ارتفاع الفرس، فحمل عليه رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً، وحملني خلفه، وشدَّ وسطي إلى وسطه بعمامة، وعصَّب
عينيَّ؛ وقال: يا سلمان لا تفتحنَّ عينيك حتى تسمع عليّاً يؤذِّن، ولا
يروعك ما تسمع، فإنك
آمن إن شاء الله. ثم أوصى عليّاً بما أحبَّ أن يوصيه، ثم قال: سيروا، ولا
قوَّة إلاَّ بالله.
فثار البعير سائراً يدفُّ كدفيف النعام، وعليٌّ يتلو القرآن؛ فسرنا
ليلتنا حتى إذا طلع الفجر
أذَّنَ عليٌّ، وأناخ البعير، وقال: انزل يا سلمان. فحللت عينيَّ ونزلت،
فإذا أرض قوراء، لا
ماء ولا شجر، ولا عود ولا حجر، فلمَّا بأن الفجر أقام عليٌّ الصلاة
وتقدَّم وصلَّى بنا أنا
والشيخ. ولا أزال أسمع الحسَّ حتى إذا سلَّم عليٌّ التفت، فإذا خلق عظيم،
لا يُسمعهم إلاَّ
الخطيب الصَّيِّت الجهير، فأقام عليٌّ يسبِّح ربَّه، حتى طلعت الشمس، ثم
قام فيهم خطيباً،
فخطبهم، فاعترضه منهم مَرَدَةٌ، فأقبل عليٌّ عليهم، فقال: أبالحقِّ
تكذِّبون، وعن القرآن
تصدفون، وبآيات الله تجحدون؟
ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: بالكلمة العظمى، والأسماء الحسنى، والعزائم الكبرى،
والحيِّ القيّوم، محيي الموتى، وربِّ الأرض والسماء؛ يا حَرَسَة الجنِّ،
ورَصَدَة الشياطين،
خُدَّام الله الشرهباليين، ذوي الأرواح الطاهرة.
اهبطوا بالجمرة التي لا تطفأ، والشهاب الثاقب، والشواظ المحرق، والنحاس
القاتل، بآلمص،
والذاريات، وكهيعص، والطواسين، ويس، و(ن والقلم وما يسطرون) (والنجم إذا هوى)
(والطور وكتاب مسطورٍ في رَقٍّ منشورٍ والبيت المعمور) والأقسام والأحكام، ومواقع
النجوم؛ لما أسرعتم الانحدار إلى المَرَدةِ المتولِّعين المتكبرين،
الجاحدين لآيات ربِّ العالمين.
قال سلمان: فحسستُ الأرض من تحتي ترتعد، ثم نزلت نار من السماء صَعِقَ لها كلُّ مَن
رآها من الجن، وخرَّت على وجوهها مغشيّاً عليها، وخررتُ أنا على وجهي، ثم أفقت
فإذا دخان يفور من الأرض يحول بيني وبين النظر إلى عَبَثَة المردة من
الجن، فأقام الدخان
طويلاً بالأرض.
قال سلمان: فصاح بهم عليّ: ارفعوا رؤوسكم: فقد أهلك الله الظالمين، ثم عاد إلى
خطبته، فقال: يا معشر الجنِّ والشياطين والغيلان، وبني شمراخ وآل نجاح،
وسكان الآجام
والرمال، والأقفار، وجميع شياطين البلدان:
اعلموا أن الأرض قد مُلئت عدلاً، كما كانت مملوءة جوراً. هذا هو الحقُّ (فماذا بعد
الحقِّ إلاَّ الضلال فأنى تُصرفون).
قال سلمان: فعجبت الجنُّ لعلمه، وانقادوا مذعنين له، وقالوا: أمنّا بالله
وبرسوله، وبرسول
رسوله، لا نكذِّب وأنت الصادق والمصدَّق.
قال سلمان: فانصرفنا في الليل على البعير الذي كنّا عليه، وشدَّ علٌّ
وسطي إلى وسطه،
وقال: اعصب عينيك، واذكر الله في نفسك.
وسرنا يدفُّ بنا البعير دفيفاً، والشيخ الذي قدم على رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم
أمامنا، حتى قدمنا الحرَّة، وذلك قبل طلوع الفجر، فنزل عليٌّ ونزلت،
وسَرَّح البعير فمضى،
ودخلنا المدينة فصلينا الغداة مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا
سلَّم رآنا، فقال لعليٍّ:
كيف رأيت القوم؟ قال: أجابوا وأذعنوا. وقصَّ عليه خبرهم. فقال رسول الله:
أما إنهم لا يزالون لك هائبين إلى يوم القيامة.
و من هذا القبيل قصة الصحابي الجليل " سواد بن قارب " مع الجن
لَقد كان سواد بن قارب الدوسي في جاهليته شاعراً و كاهناً على اتصال
بالجن يعيش في بلاد اليمن بعيداً عن مكة و لم يكن قد سمع ببعثة النبي قط
، و لكن حمل إليه خبر بعثته صلى الله عليه و سلم جنياً قَد هاتفه بذلك و
هو نائم ، كما نصحه الجني و أمره أن يذهب إلى مكة و يؤمن بهذا النبي
الكريم المبعوث رحمة للعالمين ، و إليكم القصة من مصادرها .... يذكر
الخرائطي في كتابه هواتف الجنان ما يلي :
حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤذن، قال: ثنا محمد بن عمران "بن محمد بن عبد
الرحمن" ابن أبي ليلى، قال: ثنا سعيد بن عبيد الله الوصافي، عن أبيه عن
أبي جعفر محمد
بن علي، قال:
دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب، فقال: نشدتك بالله يا سواد بن
قارب؛ هل تحسُّ اليوم من كهانتك شيئاً؟
فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني
به. قال: سبحان الله يا سواد! ما كنّا عليه من شركنا أعظم ممّا كنت عليه من كهانتك،
والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجب من العجب.
قال: أي والله يا أمير المؤمنين، إنه لعجب من العجب. قال: فحدثنيه. قال:
كنت كاهناً في
الجاهلية، بينما أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني جنيّ، فضربني برجله، ثم قال:
يا سواد! اسمع أقل
لك. قلت: هات قال "من السريع":
عجبتُ للجنِّ وإيجاسها ورحلها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشمٍ واسمُ بعينيك إلى رأسها
قال: فنمتُ، ولم أحفل بقوله شيئاً، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني
فضربني برجله، ثم قال:
قم يا سواد اسمع أقُلْ لك. قلت: هات. قال "من السريع":
عجبتُ للجنِّ وأخبارها ورحلها العيسَ بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنوها مثل كفّارها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشمْ بين روابيها وأحبارها
قال: فعلمتُ أن الله عزّ وجل قد أراد بي خيراً.
فقمتُ إلى بُردة لي ففتقتُها، ولبستُها، ووضعتُ رجلي في غرز ركاب الناقة حتى انتهيت
إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فعرض عليَّ الإسلام، فأسلمتُ
وأخبرته الخبر. قال: إذا
اجتمع المسلمون فأخبرهم.
فلمّا اجتمع الناس قمتُ فقلتُ "من الطويل":
أتاني نجيِّ بعد هَدءٍ ورَقدةٍ ولم يكُ فيما قد بلوتُ بكاذبِ
ثلاث ليالٍ قولُهُ كلَّ ليلةٍ أتاكَ رسولٌ من لؤيّ بن غالبِ
فشمَّرتُ عن ذيلي الإزار ووسَّطت بي الدُّعلبُ الوجناءُ غبر السَّباسبِ
وأعلمُ أنَّ اللهَ لا اربّض غيرُه وأنك مأمونٌ على كلِّ غائبِ
وأنك أدنى المؤمنين وسيلةً إلى الله يا بن الأكرمين الأطايبِ
فمرنا بما يأْتيكَ يا خيرَ مُرسلٍ وإنْ كان فيما جاءَ شيبُ الذَّوائبِ
وكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ سواك بمغنٍ عن سواد بن غاربِ
قال: فسُرَّ المسلمون بذلك.
فقال عمر: هل تحسُّ اليوم منها بشيء؟ قال: أمَّا مُذ علَّمني الله القرآن فلا.
و يقول العلامة صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات عن ترجمة
الصحابي سواد بن قارب الدوسي ما يلي :
الدوسي
سواد بن قارب الدوسي؛ كان شاعراً ثم أسلم، وداعبه عمر يوماً فقال: ما
فعلت كهانتك يا سواد؟ فغضب وقال: ما كنا عليه يا عمر من جاهليتنا وكفرنا
شر من الكهانة، فما لك
تعيرني بشيء تبت منه وأرجو من الله العفو عنه؟ !
4 كما ثبت عقلاً و شرعاً أن الجن كان لهم إسهاماتهم المختلفة على صعيد
الحياة البشرية و عمرانها فوق هذه الأرض و كان البشر يستعينون بهم على
إنجاز الأعمال الصعبة و الشاقّة التي تَستعصي على البشر في أعمال البناء
و الكشف و التنقيب و استطلاع الأخبار في الأماكن البعيدة و النائية و
الإخبار عن بعض الظواهر الكونية الطارئة كالرياح و الأنواء و الزلازل و
الفيضانات ربما بحكم اعتمادهم على خبراتهم السابقة لما ألمع إليه
المفسرون من أن الجن سكنت الأرض قبلنا بآلاف السنينن أي قبل خلق آدم و
كانت لهم حياتهم المتحضرة على ظهر الأرض مثلنا تماماً و لكنهم تحاربوا و
سفكوا دماء بعضهم بَعضاً و كفروا و طَغوا فأرسل الله إليه قوماً من
الملائكة بِقيادة إبليس حيث كان طاووس الملائكة حينها و حاربوا الجن على
الأرض و غلبوهم و أفنوا حضارتهم و ربما حرمهم الله من السيادة على الأرض
و منحها فيما بعد لبني البشر بعد خلق آدم ... و كما هو معلوم أن كثيراً
من الملوك و العظماء و الأنبياء في التاريخ الإنساني القديم كانوا
يستعينون بالجن و الشياطين على تثبيت أركان ملكهم و إشادة عمران مملكاتهم
كما حدث و أن سخر الله الجن لداود و سليمان ، حتى أن ظنون العلماء ترجح
اليوم أن كثيراً من الصروح الأثرية العظيمة و المحيرة قد بناها القدماء
بالاستعانة بالجن كسور الصين العظيم و كأهرامات الجيزة في مصر أو تمثال
برومثيوس الذي كان موجوداً في بلاد اليونان قديماً .. و قد أجمع المؤرخون
و المفسرون أن الذي قام بإحضار عرش بلقيس من بلاد اليمن إلى مملكة سليمان
في فلسطين هو كبير الجن الذين سخرهم الله لسليمان و عالمهم و اسمه آصف بن
برخيا و هو المذكور في قوله تعالى " و قال الذي عنده علم من الكتاب أنا
آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك )
و لم يجمع المفسرون على أن الذي قام بنقل العرش هو جبريل الأمين كما رجح
سعادة الشيخ الجندي . لأن الملائكة تتلقى الأوامر و تنفذها من قبل الله
سبحانه وحده دون سواه . و كما قيل بأن جزء من عرش بلقيس نقل إلى إحدى
المدن الإسبانية قديماً منذ أن قامت العلاقات بين مملكة سليمان و بين
مملكة الإسبان أو الإشبان .
4 و أخيراً أود من كل قلبي لو أن الشيخ الجندي يحاول من جديد قراءة
الآيات البينات في قرآننا العظيم التي ذكر فيها المولى سبحانه الجن و
عالمهم و صفاتهم و بشكل خاص سورة الجن فعلّه يكتشف لنا جديداً عن عالم
الجن أو لربما فجرَّ لنا مفاجأة .. بل مفاجآت أخرى جديدة كانت عقول البشر
غافلة عنها و قصرت عقول
علمائنا الأجلاء من سلفنا الصالح عن إدراكها ... أما أنه لو فعل ذلك لخرج
لنا بنتيجة و حقيقة جديدة عن الجن ألا و هي أن ذكاء الجن و مقدراتهم
العقلية لا تساوي أو لا توازي عقل طفل رضيع لم يبلغ الفطام بعد من بني
الإنسان من أجل التسويق الإعلامي و صرف أنظار الشارع إليه .... و أعاذنا
الله من الغرور العلمي و من التعالي على علم من سبقونا من علمائنا
الأجلاء و أعاذنا من أن نجهل أو يجهل علينا و وقانا من شرور أنفسنا و من
زلات عقولنا و ألسنتنا فإنه نعم المولى و نعم النصير .

عبد الرزاق كيلو


التعليقات




5000