..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
 
 
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


التذكير بهذا الكتاب الخطير موسى فرج رئيس هيئة النزاهة الأسبق في كتابه قصة الفساد في العراق

حسين سرمك حسن

 

وقفة جسور سوف تدخل تأريخ العراق

--------------------------------------------------------------

(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض)

                                                       (سورة المائدة : 33)

 

 

(واجهتُ الفساد في العراق عن قرب وعرفته عن كثب كمفتش عام ونائب رئيس هيئة النزاهة ورئيس هيئة النزاهة في العراق . وخلافاً لغيري في عهد المحاصصة والفساد ، لم أضع درهما في جيبي عدا راتبي . ولم أعيّن إبناً أو أخاً . ولم أقايض منصباً بالخضوع أو إخضاع هيئة النزاهة للأمريكان أو الحكومة أو الأحزاب خلافاً للدستور ، ولقاء ذلك حظيتُ برضا أناس طيّبين كثر .. لكنني لم أفز برضا الأمريكان ولا الحكومة ولا الطبقة السياسية في العراق . ولست بآبه فذاك يُسجل لي وليس علي )

                                                     موسى فرج

                                           كتاب "قصّة الفساد في العراق"

 

 

 

# تمهيد : مأزق اسمه "علي بن أبي طالب" :

في إشارة مهمة للباحث النفسي الدكتور "محمد العبودي" في كتابه "أحاديث نفسية" ، أشار إلى أن هناك معضلة كبيرة جداً تواجه كل من يتسنم مقاليد السلطة في العراق ؛ معضلة اسمها "علي بن ابي طالب" ؛ بمعنى أن كل من يضعه القدر في موقع القيادة في العراق ، سيقوم العراقيون ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بمقارنته بالصورة الزاهدة العادلة العظيمة والسلوك الإداري الحازم المؤمن للإمام علي عليه السلام في إدارة شؤون الأمة والتعامل مع مال المسلمين . وهذه الصورة تلوب في لاشعورهم الجمعي بفعل الثقافة الدينية والعامة ، وتتأجج بفعل الإنحطاط اليومي في سلوك السياسيين ، والذي يوغل في التردّي مع مرور العقود . ولا يمكن أن تقرأ كتابا - عراقياً أو عربياً - عن القيادة والسلوك السياسي في التعامل مع ثروات الأمة وإدارة المال العام ، لا يتعرض لأنموذج علي بن أبي طالب ، وكأنه إدانة غير مباشرة للحال الفاسد القائم . ولن يكون كتاب "موسى فرج" ، رئيس هيئة النزاهة في العراق سابقاً ، هذا "قصّة الفساد في العراق" (1) استثناءً ، فقد اشار إلى الحادثة التي قد تدخل في إطار "الأساطير" والخرافات حين نقارنها بسلوك السياسيين الحاليين ، وذلك حين نادى أحد الأعراب ، وقد تسوّق بضاعة ثقيلة من سوق الكوفة ، نادى على أحدهم من اصحاب البنية المتينة : يا حمّال .. ودعاه ليحمل بضاعته فاستجاب الرجل . ولكن الإعرابي شعر أن عدد الذين يسلّمون على هذا الحمّال كبير .. حتى قال أحدهم للحمّال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فتسمّرت قدما الإعرابي وصاح جزعا : أأنت علي بن أبي طالب؟ فرد عليه أبو تراب : نعم يا أخي ( ص 18 و19 بتصرّف) .

وحتى عندما يتحدّث المسؤول "الحديث" عن محنة الفساد والنزاهة في إدارة المال العام ، فإنك تجد "أسلوبه" يميل إلى روحية خطاب الإمام علي وسمات وحرقة صاحب نهج البلاغة دليل نزاهة الحاكم المسلم . يقول موسى :

(واجهتُ الفساد في العراق عن قرب وعرفته عن كثب كمفتش عام ونائب رئيس هيئة النزاهة ورئيس هيئة النزاهة في العراق . وخلافاً لغيري في عهد المحاصصة والفساد ، لم أضع درهما في جيبي عدا راتبي . ولم أعيّن إبناً أو أخاً . ولم أقايض منصباً بالخضوع أو إخضاع هيئة النزاهة للأمريكان أو الحكومة أو الأحزاب خلافاً للدستور ، ولقاء ذلك حظيتُ برضا أناس طيّبين كثر .. لكنني لم أفز برضا الأمريكان ولا الحكومة ولا الطبقة السياسية في العراق . ولست بآبه فذاك يُسجل لي وليس علي - ص 7 و8) .

 

# الكلمة تُحيي وتُميت :

وكنت وما زلت أقول إن الكلمة كما ذكر أجدادنا السومريون ، وكما جاء في التنزيل العزيز أيضا ، "تحيي وتميت" . هي لا تحيي وتميت من الناحية الجسدية مادياً ، ومن الناحية الفورية زمنيا ، برغم أنني شاهدت وسمعت عن أناس قتلتهم كلمة مثل الشيخ الذي أهين من قبل أحد الوزراء من العائلة الحاكمة في عهد النظام السابق في التسعينات بـ "كلمة" ، فأطلق الرصاص على رأسه وانتحر . ولكن الكلمة تقتل وتدمّر على المستوى التأريخي الذي يستخف به الفاسدون الآن . وهذا واحد من الدوافع الخطيرة التي تقف وراء مشروع موسى فرج التاريخي هذا في فضح الفساد حيث يخاطب القرّاء العراقيين :

(أقف بينكم أنتم فأقص عليكم قصة الفساد في العراق ، وأضعها بين أيدي أولادنا واحفادنا كي يتسلحوا بها في مواجهة ابناء وأحفاد الفاسدين ، فإن تفاخروا باسلافهم وقال القائل منهم : كان أبي ، قال له أحفادنا : من أبوك يا هذا ؟ ما كان أبوك إلا فاسداً لغّافاً ، ولا تستحق صورته أن تُعلق فوق الرؤوس . لقد سلب ونهب واغتصب حق الشعب في التمتع بموارده ومقدراته ، واستأثر بالمناصب والمال . وفي عرفنا ليس بالدنانير وحدها يسمو الإنسان . أنزل صورته وإلا فتحنا ملفّه . فقد ترك آباؤنا ملفات آبائكم وهي تنزّ بما يزكم الأنوف . وفي هذه الحالة لن يغلب احفادهم أحفادنا مثلما غلبونا يوم قالوا : كان أسلافنا . وأسلافهم ما كانوا سوى شويخات وإقطاع ومطايا للإستعمار - ص 9) .

 

# توجّس : تقصير هيئة النزاهة نفسها :

وأقول الحق ، وبلا تردّد ، إنني يوم وصلتني نسخة من كتاب الأستاذ موسى فرج هذا ، كان يصدّني عن قراءته إحساس مرير جداً ، ورأي راسخ مفاده أن هيئة النزاهة صارت جزءاً من آليات الفساد في العراق ، وأنها تتحمّل جزءا كبيراً من مسؤولية استشرائه الأخطبوطي . فعلى أقل تقدير أن الهيئة مطالبة بعقد مؤتمر سنوي علني ، تطرح فيه أمام الشعب الصورة المفجعة ، والأبعاد المؤلمة الدقيقة عن النهب الذي تتعرض له موارده وأمواله وبالأسماء والتواريخ . ثم كم هو مقدار الأموال المنهوبة التي استردتها الهيئة لمصلحة شعب العراق المحطّم ؟ وكيف يسافر المسؤولون الفاسدون من المحاكم أو السجون إلى الخارج علنا وبلا رادع ؟ ألا يخضعون للإنتربول الدولي مثلا ؟ وكانت نقمتي على الهيئة تزيد كلّما سمعت عن موظف بسيط أو مفوّض شرطة أو مدير مدرسة يُلقى القبض عليه ، وبالصوت والصورة ، بتهمة الفساد ، في حين يولغ كبار المسؤولين في دماء هذا الشعب وثرواته .

وما زاد الطين بلّة هو الإتهامات التي توجّه إلى الهيئة نفسها علنا آنذاك ، وهي التي يجب أن تكون منزّهة عن الفساد ، وخصوصا بعد هروب رئيسها السابق "راضي الراضي" معلنا التسليم أمام طوفان الفساد الماحق ، ثم اتهامه هو نفسه بالفساد المالي وتعيين اقربائه .. إلخ . يرد موسى فرج على ذلك بالقول :

(صحيح قد يقول قائل : ان موسى فرج وهيئة النزاهة لم يبطشا بالفاسدين ولم يستردّا الأموال المنهوبة . وفي هذا القول الكثير من الصحة ولكني أقول : ان الهيئة تتحمّل نصف الوزر في هذا فإن في بعض إداراتها هنات . ومن به هنه لا يصلح هنات الآخرين . ولكن النصف الآخر من وزر الإخفاق تتحمّل مسؤوليته بيئة مكافحة الفساد في العراق . فلو كانت الهيئة مرتبطة (بالفيفا) لحققت شيئا ولكن أن يكون مراجعها واحداً كان كل ثلاثة ايام يأتيك مقبلا مدبرا وهو يتأبط حضن فايلات صفراً يسعى لتعيين أبناء عمومته الأقربين من السُواعِد بوظائف (بودي كاردات) في الهيئة .. فتُرمى تلك الفايلات في المكان الذي تستحقه ، والآخر يرفع عقيرته ويتآمر ضدّك كلّما هممت بقطع الطرمبة الخاصة بشفط النفط والثالث يقول لك : ما لگيت غير جماعتنا ؟ والرابع إذا تنطخ بواحد من جماعته يتهمك بتهديد المشروع الوطني ..؟ والخامس بس تقترب من واحد من جماعته يصدح بالنشيد القومي القائل بأن العراق لم يعد من زاخو إلى جنوب الكويت إنما من عفك للرزازه .. والتاجر العراقي يستورد مواد ملوثة بالإشعاع القاتل لكنه يمضي نصف يومه بالبحث عن مطعم يقدم لحما مذبوحا على الطريقة الإسلامية ..!

وإذا تشتكي عند المراجع الدينية على أمل تقويم سلوك أتباعهم فالمرجع أول شيء ينظر إليه في وجهك هو ذقنك .. محلوق بالموس لو بالمقص (..) ..

في بيئة كهذه كيف تحقق نتائج في مواجهتك للفساد ؟

في بيئة كهذه كيف تريدون من موسى فرج أن يجعل العراق خاليا من الفساد ..؟ - ص 9 و10) .

ثم يطرح أمامنا الشرط الحاسم المفقود في البيئة العراقية ، والمتمثل في عدم وجود رأي عام ضد الفساد :

(أقول لكم سر .. مضمونه الآتي : ان تحقيق نتائج حاسمة في مواجهة الفساد يتطلّب رأي عام عامر ، فهل يوجد في العراق شيء من هذا ..؟ إبحثوا عنه أو عمّروه واجتهدوا في ذلك عندها تضعون حدا للفساد في العراق ، ودون ذلك لن تفلحوا - ص 10) .

ولكني لدى اعتراضات كثيرة على ذلك ، فعملية الرأي العام يجب أن تُحدد صيغتها ومكوّناتها . ما للمقصود بالرأي العام ؟ و ما هي طبيعته ؟ إن أي عراقي تسأله عن الفساد يقول لك أنا ضد الفساد ، ويلعنه ويقطع جازما بأن مرتكبيه سيرمون في جهنم . ويذكّرك فوراً بعدالة وزهد وتعفف محمد وعلي وعمر . المجتمع عموما ضد الفساد بكل هيئاته ومكوناته . لكن المقصود بالرأي العام من وجهة نظري هي الجهات الرقابية . أليس الضمير الجمعي ضد الفساد ؟ أليست الصحافة السلطة الرابعة كما تسمى عبثا هي ضد الفساد ؟ أليست المرجعيات الدينية كما تعلن هي ضد الفساد ؟ فما هو المطلوب ؟ المطلوب هو الدور الرقابي والقانوني المعاقب الجسور و"الفدائي" في هذه الظروف أولا ، وأقصد به هيئة النزاهة ، وتحديد الرقابة والرأي العام (على منْ) ثانيا .

# بين فساد المسؤول الكبير وفساد الموظّف الصغير :

هذا ما يحدّده موسى بصراحة في تعليقه على كلمة للسيد إبراهيم الجعفري وخلافه معه :

(نقطة الخلاف البسسيطة تلك هي : انه يقيد الفساد في العراق ضد مجهول ، فالقول (بأن الناس بدأت تمارس الفساد ولا تستحي) فيه من الضبابية والعمومية الشيء الكثير، وهو يشمل الجاني والمجني عليه . والقول بأن (الموظف أصبح يبتز المواطن علنا من دون أن يستحي ) أيضا فيه من العمومية الكثير فرئيس الجمهورية موظّف والفراش موظف ورئيس مجلس النوّاب موظف وسائق مصلحة نقل الركاب موظف ورئيس الحكومة موظف والشرطي موظف - 12) .

إنني أعتقد أن هناك جهات معروفة من مصلحتها ملاحقة الموظّفين الصغار وفضحهم - وهذا يعني فضح عوائلهم أيضا - علناً بسبب الرشوة والفساد ، لإضعاف ، ثم لإلغاء الإنتباه والتركيز على الفساد المستشري بين الهيئات القيادية العليا : الرئاسات الثلاث والحكومة ومجلس النوّاب . يقول موسى فرج :

(قرأت قبل أسبوع مخاطبات بين دائرة التسجيل العقاري في بغداد وأمانة العاصمة لتسجيل قطعة ارض مباعة من قبل أمانة العاصمة إلى أياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق ورئيس القائمة العراقية مساحة القطعة 600 متر مربع ثمنها 6 مليون دينار عراقي لكن سعرها الفعلي في السوق هو 6 مليون دينار عراقي للمتر المربع الواحد وليس لـ 600 متر مربع ..! في نفس الوقت الذي يصدر فيه قاضي عراقي في الناصرية قرار قضائي بحبس معلم أسكن عائلته في بناء على ارض تعود ملكيتها للدولة وأوصل تيار كهربائي من الشبكة الحكومية بطريقة الجطل فاعتبر سارقا لأموال الدولة والشعب ..! وأنا شخصيا استحق وفقا لقوانين الفساد المشرعنة قطعة ارض بحكم كوني قد أشغلت منصبا .. ولكن هل فعلتها ..؟ لا .. لكن أياد علاوي فعلها فهل يعني هذا أن إمكاناته المالية لن تتيح له شراء قطعة ارض ليبتني عليها دارا يلم شعث عائلته ..؟! طبعا أياد علاوي ليس هو الوحيد الذي سلك هذا السلوك .. إنما زملاءه في الطبقة السياسية العراقية جميعهم وهذه من ابسط أفعالهم فقد قرأت كتابا آخر ينص على تسجيل قطعة ارض مماثلة في منطقة العطيفية لخضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية بيعت له من قبل أمانة العاصمة بمبلغ يعادل ثمن متر مربع واحد منها في السوق ) .

ثم يضرب مثلا آخر من بين عشرات الحالات التي عايشها في هيئة النزاهة :

(وجدتُ في هيئة النزاهة قضايا مثارة أمام المحكمة من قبيل أن شرطي مرور تقاضى رشوة بمبلغ 10 آلاف دينار (9 دولارات) من سائق خالف إشارة المرور .. وقضية أخرى تتعلق بشخص تقاضى رشوة عبارة عن كارت موبايل .. وقضية معروضة على المحكمة تتعلّق بقيام وزيرة عراقية بإنفاق 300 ألف دينار (حوالي 280 دولار)على ترميم سياج الدار التي تسكنها والعائدة للدولة . أدري.. والله أدري بأن تلك حالات رشوة وهي أفعال فساد ولكن (جرّراتك مليانه بقضايا رشاوي الواحدة منها تبلغ مئات الملايين من الدولارات بل وتصل مبالغ بعضها إلى المليارات .. لماذا لا تعطيها الأولوية القصوى بدلاً من الإنغماس في قضايا هامشيّة من قبيل كارت الموبايل ..؟ - ص 461) .  

# عندما يصبح الفساد خطة تنمية رسمية :

ومن الناحية النفسية ، فإن ملاحقة الموظفين الصغار على حوادث الرشوة والإختلاس برغم مشروعيتها ، مع ترك الجهات القيادية طليقة اليد في استباحة ثروة الشعب ، سوف يراكم العدوان في نفوس الناس المسحوقة ، ليتفجّر في صورة "فرهود" مُعلن حين تتوفر الفرصة المناسبة ، أو فرهود "مستتر" ممزوج بالنقمة والمرارة كما يجري الآن في مؤسسات الدولة ؛ الدولة التي يجب أن تبدأ الخطوة الأولى في مقاتلة الفساد - وليس مكافحته فلفظة المكافحة خفيفة ومسالمة - من خلال ردع الجهات القيادية عن هذا الإستهتار بالمال العام ، والإستخفاف بسبل صرفه . وهذا ما يشير إليه بصورة مباشرة موسى فرج حين يقول :

(بلغت موازنات العراق خلال الأعوام : 2010، 2011، 2012 ، 2013، 82 مليار دولار ، 468 مليار دولار ، 100 مليار دولار ، 118 مليار دولار . وموازنات العراق السنوية تفوق موازنات 4 من الدول المجاورة مجتمعة وهي الأردن وسوريا ولبنان ومصر ، وأضاف لهن استاذي الجعفري خامسة هي فلسطين وحسنا فعل . في حين أن نفوس العراق لا يتجاوز عدد ثلث سكان مصر .. لكن معدل الفقر في العراق يفوق معدلات الفقر مجتمعة في تلك الدول .

أنا أسمّي ذلك فساداً . ماذا يسمّيه الآخرون ؟ الأمر يعود لهم - ص 15) .

ثم يواصل تقطيع قلوبنا عن الفساد الحقيقي الذي "فوق" ، لا فساد الموظفين البسطاء في "الأسفل" ، فيقول :

(تخصيصات مجلس النواب في عام 2006 بلغت 92 مليار دينار عراقي في حين كان المخصص لوزارة الزراعة لتلك السنة 57 مليار دينار . يصير نخصص للزراعة نصف ما نخصصه لنفر من النص ردن زكتهم الأحزاب وصاروا ممثلين عنها مو عن الشعب .. استغنوا براس الشعب العراقي ؟ ونستورد فجل وكراث من الخارج ؟

وبنفس السنة خصصوا للصناعة 22 مليار يعني خمس المخصص لمجلس النواب ! والنتيجة تفتر بالأسواق تريد شيء مكتوب عليه صنع بالعراق ماكو ونستورد حتى الإنجانة والدولكة ؟ يصير ؟ هذا فساد لو إبن عمه ..؟ الله عليكم ..

أعضاء مجلس النواب عددهم في عام 2006 كان 275 نائب .. في عام 2011 صار عددهم 325 نائب . المفروض المبلغ المخصص لهم في عام 2011 يكون 109 مليار لأن في عام 2006 كان 92 مليار وعددهم زاد من 275 إلى 325 فقط .. ليش طفر إلى 290 مليار في عام 2011 . هذا فساد لو موفساد .. بضميركم ؟

رئاسة الوزراء ارتفعت تخصيصاتها من 134مليار دينار عام 2006 إلى 566 مليار دينار في عام 2011 يعني أربع اضعاف .. هذا فساد لو مو فساد ؟ هاي انتم كولوها .. أخاف واحد من المقرّبين من المالكي يكول عليّ بعثي . في حين .. هذا زيجي وشوفوه وازياكهم يمكم : شوفوا يا زيج المقدود من قُبُل ..؟ ويا زيج المقدود من دُبُر ؟

تخصيصات وزارة الخارجية من موازنة عام 2006 كانت 133 مليار دينار ارتفعت في عام 2011 إلى 840 مليار دينار . يعني زادت خمسة اضعاف ونصف .. ليش؟ وجماله .. لا ردت ألنا بير نفط ، ولا طلعت العراق من البند السابع ، ولا زحزحت ميناء أمبارك أشبار ! والسلك الدبلوماسي العراقي مغلق على الإبن وابن الأخت ، وإذا يروح رئيس الجمهورية لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فأن الوفد المرافق له كلهم من حزبه ويتكلم باسم الإقليم حصراً .. وإذا تكول : الله يلعن الشيطان يكولون عليك شوفيني ! - ص ص 12 و15 و16 و17) .

# المحنة تكمن في فقدان "القدوة" :

إن الرأي العام مهيّأ ، تربويا ودينيا ، لرفض الفساد ، لأنه تربى على يدي "قدوة" زاهدة نظيفة الوجه واليد واللسان مختزنة في الوجدان الجمعي ، وورثتها الأبوة الصالحة المكافحة القديمة في البيوت . لكن قيمها انهارت عندما تصدّت لقيادتها "قدوة" فاسدة تعاني من "الجوع القديم" المتراكم . ومن الضروري أن يناقش اختصاصيوا علم النفس والإجتماع في بلادنا - الصامتون والمغيّبون - أمّ المشكلات هذه التي أسمّيها "الجوع القديم المتراكم" .

وفي مرحلة الإعداد لشهادة الماجستير في الثمانينات في القاهرة، كنت اسأل أستاذي المصري عن محنة مصر مع الفساد المستشري ، فكان يردّ : كارثة سببها ضياع "القدوة" التي يقتدي بها الناس أو الأبناء في عملية "التماهي - identification" النفسية ، وفي العراق المقصود به تحديدا وبلا لف ولا دوران ، "قدوة الحكّام والقيادات" ، وليس الموظفين الصغار البسطاء . إن الكارثة تأتي من هذه المرجعيات السياسية ، وتتمثل فيها وفي سلوكها  . يقول موسى :

(والذي يشد اللجام [= على الفساد] هو الفارس والفارس هو الحاكم .. وحكامنا ليسوا من النوع الذي يلجم الفساد ، بل من النوع الذي ينزع عنه اللجام ويفلت الزمام بل يسابقه في الطراد .. طبقا للقاعدة المعروفة : إذا كان رب البيت في الدف ناقراً - ص 23) .

أو ما جعله عنوانا لإحدى مقالاته في موقع "الحوار المتمدن" ، وهو شعار مرحلة بكاملها :

(الحكم في العراق منتج للفساد وليس محاربا له) 

ويضرب موسى مثلا على ضياع القدوة بالقول :

(برلمانيون كثر شهاداتهم مزورة ، وقد تخطى بعضهم هذه المرحلة ليمارس الغش في الإمتحان. نعم فقد ضبط مكتب المفتش العام في وزارة التعليم العالي اثنين من الأغراب عن كلية القانون في جامعة النهرين وهم يؤدون الإمتحان بدلا من عضوين برلمانيين، وعندما أرسلت دفاتر امتحاناتهم للسنوات السابقة للأدلة الجنائية لغرض المضاهاة تبين أن الخط مطابق لخط البدلاء ..! وعندما يعرض القضية على لجنة النزاهة في مجلس النواب ينبري أحد أعضائها بالإعتراض بدعوى أن هذين العضوين كانا من بين الذين وقّعوا على سحب الثقة من المالكي رئيس الوزراء وأنك ستفشل هذه الخطوة ! قلت للموظف هاتفيا : هذا العضو الذي اعترض عليك سبق أن قام بنفس بالفعل ذاته فهو قد انتمى إلى إحدى كليات البصرة في الوقت الذي يباشر عمله النيابي في بغداد وكان عندما يؤدي الإمتحان يجلس في المونيكا ويجاوب على الأسئلة . وهو اليوم أيضا يدرس في جامعة أهلية وعندما يؤدي الإمتحان لا يؤديه مع الطلبة وإنما يجلس في الإدارة ..!

في هذه الحالة هل يمثل هؤلاء القدوة والمثل الأعلى لمواطنيهم لينأوا بعيداً عن دروب الفساد ؟ - ص 182 ) .

# طبيعة الحكم من أهم اسباب الفساد :

ومن أهم أسباب الفساد في العراق ، وكونه عاملا رئيسا في الدفع إلى الإستهتار بالمال العام ، هو - حسب رأي موسى فرج - (طبيعة الحكم وتركيبته بعد عام 2003 فالحكم في العراق في هذه الحقبة لم تتصدر أولوياته مسألة بناء حكم صالح .. إنما شكّل الحكم غاية الغايات بل والغاية الوحيدة ولعدم إمكانية انفراد فصيل أو طرف سياسي بالحكم لأن ذلك يناقض البناء الذي قام عليه النظام السياسي والذي اصطلحوا عليه بما يُسمى بحكم المكونات وأجروا عليه عمليات الدبلجة والإخراج وعرضوه على الناس تحت اسم المحاصصة . وطبقا لمشاهده جميعا فإن كافة الأطراف بات هاجسها الوحيد هو الإستحواذ على أكبر ما يمكن من بساط الحكم ، والسبيل إلى ذلك معروف وهو استخدام المال ومصدر المال هو موازنات الشعب. إلى جانب ذلك فإن كل طرف يحاول إسقاط الأطراف الأخرى ولكن من خلال إعاقة اداء الدولة ككل وإعاقة اداء المقطع من الدولة الذي يديره أي من الأطراف الأخرى .. هذا يعني أن كل الجهود موجهة للهدم وليس البناء وليس التكامل ولا الإتساق - ص 42) . 

# حكومة كلبتوقراطية - kleptocracy :

زار الصحفي الأيرلندي "باتريك كوكبيرن" بغداد في شهر كانون الثاني من هذا العام 2013 ، ونشر انطباعاته عن هذه الزيارة الميدانية في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عبر ثلاث حلقات ،  كانت الأولى بعنوان، "كيف نسي العالم العراق"، فيما حملت الثانية عنوان "جهاز كشف المتفجرات المغشوش، يمكنه كشف الأدوية" ، أما الثالثة فعنوانها  "كيف تحولت بغداد الى مدينة للفساد ؟" . وقد وصف الحكومة فيها بأنها "حكومة كلبتوقراطية" . وقد بحثت عن معنى هذا المصطلح "كلبتوقراطية" ، فوجدت أنه يعني "نظام حكم اللصوص" . الكلبتوقراطية هو مصطلح يعني نظام حكم اللصوص . وهو نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة ، الذين يكونون الكربتوقراط ، وذلك على حساب الجماعة ، وأحياناً دون حتى ادعاءات السعي إلى خدمتهم . واللفظ مركب من مقطعين يونانيين ؛ أولهما "كلبتو" (Κλεπτο) بمعنى لص ، وثانيهما "قراط" (κρατ) بمعنى حُكم .

وعادة ما يكون نظام الحكم في تلك الحكومات في الأصل ديكتاتوريًا أو استبداديًا، ومع ذلك فقد تظهر الكلبتوقراطية في بعض النظم الديموقراطية التي انزلقت إلى الأوليجاركية (حكم القلة) (2).

وهناك حالة مرضية طبية نفسية معروفة بين الأطباء النفسانيين ، وهي مشتقة من الجذر نفسه ، وتُسمّى "كليبتومانيا - kleptomania" أو "جنون السرقة" ، وهي حالة تتميّز باندفاع لا يُقاوم إلى السرقة دونما ضرورة . حيث توجد ، لدى بعض الأفراد ، غواية متسلطة إلى السرقة ، يحاولون مقاومتها عبثاً . ويشعرون بالراحة حين يستسلمون لها . 

# الفساد اليوم هو "فرهود" الأمس :

وهذه ملاحظة خطيرة من الكاتب ، تعيدنا إلى واحدة من أخطر أطروحات الراحل الدكتور علي الوردي ، وهي ظاهرة "الفرهود" في سلوك الفرد العراقي . فما يجري من عملية فساد ساحقة ومدوّية في العراق الآن ، هي عملية تتمتع بكل شروط عملية "الفرهود" . (الفساد عندنا فرهود) كما يعلن موسى فرج (ص 44). والفرهود ثقافة ، فهو نمط سلوكي في التعامل مع ضغوط واختلالات الحياة . وهنا يحيلنا الكاتب إلى موضوعة أشد خطورة ، وتتأسس على الموضوعة السابقة ، وتتمثل في "تحوّل الفساد إلى ثقافة" ، وهو يجمع الحالتين السرطانيتين تحت عامل "فوضى العمل الحكومي الناجمة عن الفوضى السياسية" ، وذلك من خلال أن :

(الفوضى في العمل الحكومي تؤدي إلى فقدان سلسلة الأوامر والنواهي الحكومية فلا أحد يمنع أحداً مما يمارسه هو لأنه يعرف أن الجواب سيكون : وأنت ؟ ولا أحد يخشى من نواهي أحد إذا كان يمارس ذات الفعل .. وفي هذه الحالة يتحول الفساد لأن يكون الاختصاص الرئيسي لموظف الدولة يمارسه من خلال وظيفته أما بقية المهام فاختصاصات ثانوية ... وهي تؤدي أيضا ـ وهذا هو الأخطر ـ إلى انخراط الأدنى والأعلى في أفعال الفساد على حد سواء .. فالفوضى في العمل الحكومي تؤدي إلى رفع الحرج من أمام من يريد ممارسة الفساد وانهيار الضوابط والكوابح التي تقف في سبيله - ص 43 ) .

وهو يضع اجتماع هذه العوامل في صورة معادلة دقيقة ، برغم أنها قد تبدو ساخرة ، توصلنا إلى نتيجة من أخطر النتائج على واقع العراق الراهن ومستقبله ، وهي :

(هذا يعني حصول الأمرين معاً :

من آمن العقاب أساء الأدب + لا تستحي وأفعل ما شئت = الفرهود ... .

 فإذن الفساد عندنا : فرهود - ص 43)

ويضرب لنا موسى فرج مثلا جريئا على ذلك بمقارنة راتب رؤساء بعض الدول براتب الرئيس العراقي :

(مقارنة براتب الرئيس الفلبيني البالغ 2000 دولار شهريا فان الراتب الشهري لرئيس العراق وأيضا رئيس برلمان العراق يعادل رواتب رئيس الفلبين لمدة ثلاث سنوات ( ربك إذا يلتفت يغير الأحوال ..الفلبين يطلعها من حكم ماركوس وقنادر اميلدا إلى هذا أبو الألفين دولار .. والعراق يطلع من حكم صدام وسجوده يحطه بحلك هذه الديناصورات ..!). . ـ أما الرئيس الصيني فراتبه : 333 دولار شهرياً، أي 4 آلاف دولار سنوياً، يعني راتب فخامتنا الشهري يعادل رواتب الرئيس الصيني الذي يدير شؤون مليار ونصف من البشر لمدة 16 سنه .. ! - ص24) .

أليس هذا شكلا من اشكال "الفرهود" الرسمي المشرعن ؟

# أرقام فرهود اليوم يستحي منها فرهود الأمس :

إن الجانب الإحصائي المدمّر والدقيق ، هو واحد من أخطر الجوانب الإيجابية في جهد موسى فرج الموسوعي عن الفساد ( وكتابه في الواقع "موسوعة" عن الفساد في العراق) كفيل بتمزيق الأنفس والقلوب والضمائر ، وتأليب نفوس البشر على سارقهم الكبير والأول والأشطر والمحصّن قانونيا . وتواصلا مع موضوع راتب الرئيس ، يعود موسى - وهنا يكون التكرار مبرّراً - ليطرق من جديد على هذه الموضوعة التي لا تصدّق ، ولكن بأرقام تثبت أن فرهود الأمس سوف يستحي من فرهود اليوم . فراتب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان في العراق هو 75 مليون دينار أي (64103) دولاراً لكل منهما ، وهذا يعني كمقارنة أن راتب شهر واحد للرئيس أو رئيس مجلس النواب يعادل راتب الرئيس الفيتنامي (1650 دولارا) لمدة 4 سنوات ، والرئيس الأندونيسي (1900 دولاراً) لمدة 4 سنوات ، وثلاثة أمثال راتب الرئيس الأمريكي (23750 يورو) .. وثلاثة أمثال راتب ميركل (22711 يورو) شهريا .. وأربعة أمثال راتب ديفيد كاميرون (16100 يورو).. وثلاثة أمثال راتب ساركوزي (19300 يورو) .

راتب نائب رئيس الجمهورية 60 مليون دولار شهريا (51283 دولار) مع مليون دولار مخصصات !! كل شهر (يذكّر موسى فرج بأن السيد عادل عبد المهدي قال في لقاء على السومرية يتاريخ 3/2/2010 إنه صرف 11 مليون دولار منها للحالات الطارئة ؟؟ ) .. وراتب السيّد مسعود البارزاني (400) ألأف دولار شهريا ، وهو ما يتقاضاه أوباما خلال سنة .. وراتب مسعود البارزاني في المرتبة الثانية في أعلى الرواتب بين رؤساء العالم بعد الطالباني (ص 183) .

وراتب رئيس الوزراء هو 35 مليون دينار أي (29915 دولار) ، وراتب نائبا رئيس الوزراء هو 17 مليون دولار شهريا (14530 دولارا) ومليون دولار شهريا مصاريف لكل من هذه الرئاسات الثلاث . وبهذا يزيد رواتب هؤلاء على 200 مليون دولار شهريا .

وإذا ضربنا 200 في 12 شهراً يكون المجموع خيالياً وهو :

2400000000 دولار !!!! - ص 183 و184) .

وقد يتساءل قاريء ما عن أن هذه المعلومات التي يذكرها الأستاذ موسى فرج عن راتب الرئيس ، وعن رواتب رئيس مجلس النواب وأعضاء المجلس ورئيس الحكومة ، قد لا تقع ضمن التعريف المتفق عليه للفساد ، فكيف يُفسِّر ذلك ؟

# تحديد مفهوم جديد للفساد :

والجواب على هذا السؤال سيكون في غاية الخطورة ، لأنه سيحيلنا إلى أخطر وأهم ما في كتاب موسى فرج ، وهو ضرورة الإتفاق على مفهوم جديد للفساد في العراق ، يختلف عن التعريفات الدينية (الفقهية) والإقتصادية والسياسية العربية والعالمية . وأخطر تلك المفاهيم محليا ، هو ما يختزل الفساد إلى الرشوة والإختلاس فقط . كما أن مفهوم البنك الدولي لا يكفي ، فهو يرى أن الفساد هو (دفع رشوة أو عمولة مباشرة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات) . وكذلك الأمر مع تعريف منظمة الشفافية الدولية التي ترى بأنه (سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية), فالبنك الدولي يركّز على المعاملات التي تخصه للحفاظ على قروضه ، ومنظمة الشفافية تتحدث عن وضع استثنائي في الدول المتحضرة حين يستغل موظف سلطته لتحقيق مكاسب شخصية في حين أن أنظمة كاملة فاسدة في العالم الثالث .

أما مفهوم موسى فرج فهو :

(الفساد هو الجنوح عن الإستقامة في ممارسة المهام الموكلة للأفراد والجماعات في مختلف أنشطة الدولة والمجتمع وسواءً تم تجنيح الفعل أو تجريمه قانوناً أم لا . ففي حال عدم تجنيح فعل الفساد أو تجريمه فإن الخلل في القانون الذي لم يلتفت إلى ذلك الفعل بعد فيعالجه وذاك لا يغيّر من شائنية الفعل - ص 40) .

وهذا المفهوم في الواقع ذكي يناسب حال العراق المحطم ، وذو جذور قرآنية محكمة بخلاف التفسيرات الفقهية (الفساد منزلة وسطى بين الصحة والبطلان!) التي طرحها رجال الدين حينما صاروا وعاظا للسلاطين ، والذين يسائلهم موسى قائلاً :

(هل إن الفساد هو الموسيقى وقيادة المرأة للسيارة وعدم لبس الحجاب .. أم أنه مجانبة الحق والعدل ؟ هل قال القرآن الكريم لا تعزفوا الموسيقى أم قال : إذا توليتم امر الناس لا تفسدوا ؟ وهل قال القرآن الكريم أن المعوّل عليه لبس العمامة والحجاب وترديد الأدعية وإطالة اللحى ولبس المحابس ؟ أم نه قال : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله ورسوله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل . وما هو المقصود بـ تولّى ؟ أليس المقصود به أنه تولّى على الناس - يعني صار حاكماً عليهم ؟ وما المفصود بإهلاكه الحرث والنسل ؟ أليس المقصود به تبديد ثروة الشعب وحياتهم؟ لماذا استللتم عبارة يتيمة وردت في القرآن الكريم وحرفتم معناها واستخدمتموها لتسويغ ظلم وطغيان وجبروت الفاسدين من الحكام فرفعتم (وأطيعوا أولي الأمر منكم) شعاراً لتركيع الناس أمام الظالمين والفاسدين - ص 35 و36) .

# وقفة لغوية :

في بداية جهده لتحديد مفهوم الفساد ، تحدّث موسى عن معنى الفساد في اللغة ، ولكن بصورة وجيزة جدا ، وفي فقرتين بسيطتين (أ و ب ) كلُ منهما بسطر واحد ، مأخوذتين من موقع "مقاتل في الصحراء" الإلكتروني ، في حين كان بإمكانه أن يعود إلى معاني الجذر "فسد" في المعاجم العربية التي ستثري بحثه ، وتغني مفهومه ، لأن هذه المعاني هي الأساس في فهم الموقف القرآني من الفساد . 

# وقفة قرآنية :

تناول موسى فرج المفهوم القرآني لموضوعة الفساد عبر سلسلة من الآيات القرآنية بدءا من صيغة الإرشاد (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) (الأعراف : 56) ، وصيغة النصح (ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب  المفسدين) (القصص : 77) ، ومروراً بالتحذير (البقرة : 220) ، والإستنكار (البقرة : 11و12) ، فالغضب (إذا تولّى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) (البقرة : 20 و25)  ، وانتهاء يالحكم النهائي العقابي الرهيب (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض) (المائدة : 33) .

ولا أعرف لماذا تداعى ذهني ، وأنا أقرأ سلسلة الآيات الكريمة التي ذكرها الأستاذ موسى ، إلى  آية أخرى خطيرة في هذا الإطار ، والتي تضع الشرط المكمّل للصورة السابقة وهي :  (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (سورة الإسراء : 16) .

ودائما كنت أتساءل لماذا لم يقل ربّ العزة فدمّرناهم أي المترفين الفاسقين الفاسدين وليس القرية المسكينة ببشرها المظلومين الذين لم يفسقوا . والآن الجواب واضح ومحدّد وأفضل أمثلته هو الواقع العراقي في هذه المرحلة . أليس "مصطلح" "الفاسقون" أكثر تعبيراً عن سلوك من نسميهم الفاسدين ؟

# "أبو البتيته" عضواً في مجلس النواب :

يذكر الأستاذ موسى تصريحا لأحد النواب ، بأن "راتب عضو مجلس النواب لا يكفي جهود عمل النائب" ، فيعلّق على ذلك ساخرا :

(إيه مو على أساس يشتغل خبير بـ ناسا .. الحوك ! واحتمال يدير مختبر مدام كوري - ص 24).

ثم يضرب مثلاً يقول فيه :

(في إحدى جلسات مجلس النواب العراقي .. زهك رئيس البرلمان محمود المشهداني على أحد أعضاء المجلس فصرخ في وجهه : ولك إنت مو جنت تبيع بتيته مفرد وجبناك ويانا ؟ - ص 24) .

ولم يلتفت موسى إلى ما هو أخطر من دلالات هذا المثل عن حجم الجريمة التي ارتكبت بحق العراق ، حين جلب السياسيون الذين يعتقدون أنفسهم "محترفين" ، "ويّاهم" ، أبو البتيتة، والدلّالة، وبائع الأدوات الإحتياطية، والقصّخون وغيرهم للتصدي لقيادة العملية السياسية .   وهذا يقودنا إلى إشكالية خطيرة (كم من الإشكاليات الخطيرة سمّموا بها حياتنا ؟) ، تتعلق بالحديث عن أن الفساد هو الأفعال المباشرة التي يقوم بها الموظّف الحكومي . وللإطاحة بهذه الذريعة المستشرية يضرب موسى فرج مثلاً عن مسؤوليتك - أيها القاريء - لو كنت أباً راشدا عاقلاً وأعطيت إبنك الغير بالغ والغير راشد بندقية محشوة مسحوبة الأقسام فقتل شخصا ما ، فهل تسحب نفسك من المسؤولية والعقاب ؟ أم تُعتبر شريكا في الفعل الجرمي هذا ؟ . من هنا - وباسلوب استدراجي ماكر- يصل موسى إلى بيت القصيد المدمّر حين يخاطب القاريء بألم  :

(أعطني فرقا بين هذه الحالة وبين حالة أن تعيّن مدير عام شهادته الدراسية مزوّرة وقد يكون وزيرا ومن باب أولى مشرّع ؟ أو تستوزر شخصاً لوزارة الزراعة يحمل شهادة في العلوم السياسية ؟ أعطني فرقا بين هذه الحالة وبين حالة استيزارك شخصاً يحمل شهادة العلوم السياسية وزيراً للصناعة ؟ واستيزارك لشخص خريج الدراسات الإسلامية لوزارة العلوم والتكنولوجيا ؟ وشخصاً مختصاً بطب الأطفال لوزارة المالية ؟ بل شخص لم يحصل على المتوسّطة يكون محافظاً ؟ هل تريد المزيد ؟ وشخص محكوم عليه بجريمة السرقة 10 سنوات سجن تضعه في منصب قيادي في هيئة النزاهة المكلّفة بمواجهة الفساد في البلد ؟ - ص 68 و69) .

# الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة :

وحسنا فعل موسى فرج حين كشف أصل شعار مهم تداوله الإعلام العراقي منذ عام 2006 وحتى هذا اليوم من دون أن نعرف مصدره تحديدا . وظهر اليوم أن الأستاذ موسى هو أول من أطلقه في عام 2006 ، عندما زار مدينة الكوت ، وقال لمراسل جريدة الصباح : "الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة" (فقفز الشاب فرحا .. هاه ؟ قال : وجدت العنوان القوي . وصدرت الصباح في اليوم التالي وهي تحمل على صفحتها الأولى بخط عريض : الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة . ومن يومها باتت تلك العبارة هي اللازمة على ألسنة الساسة العراقيين .. لكن لو يدرون بيها من بنات لسان موسى فرج جان بطلوا يكولوها .. ! - ص 94) .

وهذه المعلومة للتاريخ ؛ التاريخ الذي مصدر خرابنا هو أننا أصبحنا لا نحترمه ولا نؤمن بمنطقه . آفة الفساد هو أنه إبن الحاضر النهم الإفعواني القلق الذي لا صلة له بالماضي ولا بالمستقبل . أما الإستقامة التي تحدّث عنها الله ، ووضعها موسى فرج مرتكزا لمفهومه عن الفساد فهي للمستقبل .. للتاريخ .. للأجيال القادمة تراجعه وتتسلح به . الله بعظمته يراهن على التاريخ ويحاسب كلا منا على تاريخه .. وليس مثل إبي الحسن عليه السلام ضحية أسطورة لحسّ المراهنة المدوّي والعظيم والمشرّف على منطق التاريخ وحركته .

يذكر لنا موسى من  ماضي طفولته - وهو أمر عشنا مثله لأننا من بيئة واحدة - أن أمهاتنا كنّ يحذرن من سرقة خيوط الصوف ، وهي الشيء الوحيد المتوفر آنذاك ويغري بالسرقة ، لأن الأطفال كانوا يصنعون منه "المحجال - المقلاع" (وهو الذي استخدمه أطفال الحجارة في فلسطين في مواجهتهم للصهاينة - يا لروعتك يا موسى) .. فقد كانت أمهاتنا يقلن لنا : الذي يسرق خيوط في الدنيا فإن الملائكة تسحبها يوم القيامة من مناخيره (ص 25) . كم ستسحب ملائكة الرحمن الغاضبة خيوط السحت السوداء من أنوف أرواح الفسدة الساسة الملاعين ؟؟

# السخرية سلاح ذو حدّين :

من السمات الأسلوبية الاساسية والبارزة لموسى فرج في كتابه/ موسوعته ، هذا ، هي سمة "السخرية" التي تتراوح من سخرية بيضاء بسيطة ، إلى سخرية سوداء مريرة تجعل القاريء في حيرة : هل يضحك أم يبكي ؟ وهي أعقد أنواع فنون السخرية الكثيرة . وفي الكثير من المواضع كان موسى فرج موفّقا إلى حدّ كبير في استخدام هذا السلاح التعبيري :

- رئاسة الوزراء ارتفعت تخصيصاتها من 134مليار دينار عام 2006 إلى 566 مليار دينار في عام 2011 يعني أربع اضعاف .. هذا فساد لو مو فساد ؟ هاي انتم كولوها .و أخاف واحد من المقرّبين من المالكي يكول عليّ بعثي . في حين .. هذا زيجي وشوفوه وازياكهم يمكم : شوفوا يا زيج المقدود من قُبُل ..؟ ويا زيج المقدود من دُبُر ؟

-(وأنا أجزم بأن العراقيون (كذا!) في الحزب الشيوعي العراقي وتقديرا منهم لشعبهم وسعادته لا يمنعون على الإطلاق بتحويل العمال إلى تجار أو أعضاء في مجلس النواب العراقي شرط توفير فرص عمل لهم ومعيشة لعوائلهم . أو أن ينضمّوا إلى تيار السيّد محمود المشهداني الذي تحوّل من دعوي سلفي إلى دعوي آخر.. وأن أخونا (كذا !) جاسم الحلفي مستعد لاستبدال لافتة يا عمال العالم اتحدوا بلافتة يا عشائر العراق اتحدوا..  وقد يقنع رفيقه جاسم الحلواني بالفكرة أيضا طالما أن ذلك لا يمس تحالفات حزبه بالساسة الكورد..! وخصوصا رابطة الأوس والخزرج التي تربطهم بالمام المرح الذي حل عندهم بديلا عن إيليتش- ص 111).

-(إن راتب الطالباني ومثله النجيفي يعادل ثلاثة أمثال راتب الرئيس الأمريكي .. وثلاثة أمثال راتب ميركل البالغ 22711 يورو شهرياً التي تدير شؤون الرايخ .. فهل يستوي الدايخ بالرايخ .. ؟ - ص 183) .

-(اليوم الجماعة يحدقون في ذقنك فإن وجدوه حليقاً بالموس وصفوك بالفاسق.. ! وإن صادفوا لساناً طويلاً مثل لساني يقول لهم : إن ملامسة خدود انجيلينا جولي التي تزور الفقراء العراقيين في تل جكوك وأحياء الحواسم والتنك هي أكرم عندي من مئات اللحى المتسربلة وبين طياتها البلاوي .. وصفوه بالفاسق ولكن مع أنفسهم على طريقة التقية - ص 38) .

-(سايق لو جايجي مقدم وثيقة تخرج من الإبتدائية مزورة .. ما هي الخطورة المترتبة على عدم حصول الجايجي على شهادة تخرج من الإبتدائية ؟ عود ميعرف يسوي دارسين ؟ ما لازم عود بالبيت يسوولك إذا عندك صلاحية . لكن هاي الفطاحل المناط بها بناء العراق الديمقراطي الاتحادي شهاداتها لو من مريدي لو من فرعه بلندن .. ! لو يدز البودي كارد يمتحن بمكانه بالجامعة العراقية .. ! فإذن ليس طبيعة الفعل هو الوحيد المعوّل عليه إنما خطورة الآثار المترتبة عليه أيضا - ص 461 و462).   

لكن السخرية سلاح ذو حدّين ، فهي - وخصوصا عندما تكون جرعتها مفرطة - قد تجهض الهدف الأساسي الذي استخدمها الكاتب من أجله ، وتطيح بالروح المتوخّاة في الغوص عميقاً في تمزيق روح المتلقي ممزوجاً بالإبتسامة الكسيرة التي تعبّر عن الإنهزام والإندحار الثابت والمستميت نفسياً في توفير إحساس ذاتي بالرهاوة والسيطرة التي لو فقدت فمعنى ذلك التهشّم والإنهيار والهزيمة النهائية . وقد يحصل هذا الإرتباك من خلال عدم اختيار التوقيت والموصع المناسب في سياق الحديث المطروح ، أو من خلال تناقض طرفي المعادلة فيجهض أحد الطرفين الآخر .  ببساطة تتحوّل الحالة من سخرية سوداء مريرة من الحياة والواقع إلى نكتة مضحكة أو سخرية من الذات :

-(آنا شاهد .. ليش يابه مجروحه شهادتي ؟ قابل أمطيّرجي ..؟ (.. ) لكن معدل الفقر في العراق يفوق حاصل جمع معدلات الفقر في تلك  الدول مجتمعة ! أنطوني أبن مره منكم يفسر السبب بتفسير آخر غير الفساد .. - ص 94).  نيأنيب ((محمد : 22) والغعستن

-(كانت أمهاتنا يقلن لنا : الذي يسرق خيوط في الدنيا فأن الملائكة تسحبها يوم القيامة من مناخيره.. ومن ذاك اليوم لليوم كلما أتذكرها تجيني العطسه.. ! عجب أبطال الفساد في عراق المحاصصة أمهاتهم مومثل أمهاتنا .. ؟ لو مناخيرهم أمّولسه .. ؟؟ - ص 25). 

-(إسألوا رئيس الجمهورية واسألوا رئيس الحكومة إن تمكن أي منهما أن يحدد بالضبط ووفق شواهد ملموسة ومعايير حقيقية فيما إذا كان الإقتصاد العراقي اقتصاد اشتراكي أو اقتصاد سوق لكم عندي عزومة مسموطه ريحتها يشمها المستطرق في رابع شارع - ص 14) .

# كسر انسيابية السرد :

(أمّا عندما يعتوره [= النظام] الفساد فإنه سيكون عليلاً والمرء منّا لو يحصل خوش صاحب لو يعيش بغير صاحب (أليس هذا ما يقوله نسيم عودة..؟ أخشى أن يعترض صديقي عدنان الظاهر على الإسم فهو دائم الإعتراض على من أنسب لهم الأغاني أشير إلى أغنية للميعة توفيق ، يكتب لي من ألمانيا قائلا : هذه لوحيدة خليل ..!) - ص 31) .

كان من المفروض أن توضع هذه الملاحظة العرضية في هامش أسفل الصفحة لأنها كسرت انسيابية السرد ، وحوّلت السخونة والتهاب المشاعر إلى وقفة باردة ، برغم أن المعلومة خاطئة أيضا ، لأن صاحب هذه الأغنية ، هو المطرب "علي جودة" ، وإسم الأغنية هو "لو أصاحب غير صاحب لو أظل من غير صاحب) . وموسى فعلا "ضعيف" المعلومات في هذا مجال الأغنية ، ولكن يبدو أن قلبه "أخضر" ، فقد ذكر على الصفحة ؟؟؟ أن أغنية "دق أبواب الناس كلها وبالآخر دق أبوابي" لسعاد يونس في حين أنها للساحرة اللبنانية "هيام يونس" ، ضحية بعض جنرالات 1958.

# أخطاء لغوية كثيرة جدا :

كنت أتمنى على الأستاذ موسى أن يحيل كتابه إلى مصحح لغوي قبل إرساله إلى الطباعة ، وهي عادة أغلب الكتّاب ، وخصوصا في تأليفهم كتب ضخمة الحجم وذات طبيعة موسوعية ، ككتابه هذا (560 صفحة من القطع الكبير) . فقد طغت الأخطاء اللغوية على متن الكتاب من صفحته الأولى "نصيحتي" (أن الفعل فساداً!) (الصفحة الرابعة طباعة والأولى أصلا) وعلى امتداد الكتاب إلى الحد الذي أفسدت فيه - في بعض المواضع - السرد الإنسيابي الحارق . ببساطة هل يتحمل مزاج القاريء أن إسما يأتي مرفوعا بعد حرف الجر أو منصوبا وهو فاعل أو مرفوعا وهو مفعول به ؟ أو أن لا نعرف عمل إن وكان وأخواتهما العزيزات ؟ وأنا أعزو معظم هذه الأخطاء إلى "السرعة" ، فأنا مقتنع بأن لغة موسى جميلة ورائعة في التعبير عن المضامين التي يصمّمها ، بل هي لغة عالية .

# التكرار :

وهناك سمة "التكرار" أيضا ، والتي يطالعها القاريء في العديد من مواضع الكتاب . بعض هذا التكرار ضروري لترسيخ الإشكاليات والمعضلات المطروحة في الأذهان ، خصوصا عندما تكون هذه الإشكاليات والمعضلات خطيرة ومخيفة وتتعلق بمستقبل شعب كامل . وهذه كانت من سمات الراحل "علي الوردي" الذي استقبل لقب "الدكتور صاقول" برحابة لأنه كان يعيد ويصقل الكثير من الموضوعات فعلاً . ولكن هناك تكرار يثقل على القاريء ولا حاجة له ، وكان من الممكن تحديده وتشذيبه بالمراجعة المتأنية لمخطوطة الكتاب للتعرّف على المتشابه من المعلومات والأمثلة والحوادث .

# المعالجات :

ومما يزيد كتاب موسى فرج هذا أهمية وشمولية وعلمية ، هو أنه لم يكتف بتحديد مفهوم سرطان الفساد ، وأبعاده وحجمه وخارطته وأضراره ومخاطره وأسبابه وأسباب فشل جهود مكافحته ، بل اجتهد في طرح خطة لمكافحته حددها بين اجراءات للجم الفساد وتجفيف منابعه (سلوك القادة ، وسلوك ممثلي الشعب،  والشفافية في ممارسة الحكومة لواجباتها ، وخضوع الحكام والمسؤولين لمسائلة الشعب ومحاسبته ، والخضوع للدستور والإلتزام بالقانون ، والإلتزام بالفصل بين السلطات الثلاث ، وإشراك منظمات المجتمع المدني ، ووضع قوانين انتخاب عادلة وقانون أحزاب ، والإعلام الحرّ ، واستقلال هيئة النزاهة ، واحترام الرأي العام وغيرها) وإجراءات لمواجهته وكبحه ممثلة بهيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين ودورهم أخطر من المجموعة الأولى .

لكن هناك أيضا ما سمّاه موسى "الإجراءات العاجلة" التي دعا مجلس النواب إلى اتخاذها فوراً ، وهي إجراءات كفيلة بلجم وتجفيف منابع الكثير من مصادر الفساد . وهذه الإجراءات العاجلة موجودة في الفصل الرابع (الصفحات 100 و101 و102 و103 ) .

# وحيدا كصالح في ثمود :

قد يكون موسى فرج صاحب أعلى صوت معارض ضد الفساد الآن ،  معارض بمعنى "المعارضة" الحقيقية التي لا تسخّر الموقف المعارض كمطيّة للحصول على الإمتيازات السحت ، والمنافع الحرام وتيسير السرقات . لو كان يبغي استغلال منصبه السابق ومن أين تؤكل الكتف الحرام ، لاستطاع الآن أن يهيء له ولعائلته ملاذا مرفّها محترما في إحدى أجمل الدول الأوروبية ، ورصيدا لا ينفد من الدولارات . لكن هيهات على هذا البطل العراقي الجسور إبن هذا التراب الطهور والمجبول من طين الفرات الخالد :

(كما هو شأني دائما : لن أخضع ، لن أهرب، لن استجير بغير العراقي على عراقي، ولن اذهب إلى الكونكرس أو الدوما بل إلى مجلس النوّاب بعد أن تكون قد أعيتني السبل والقنوات الرسمية وملجأي الأخير الشعب العراقي تلك المواصفات إلى جانب النزاهة والكفاءة والشجاعة هي ما أتمسك بها وأفتخر بها أمام عائلتي وهي أثمن من كل وظائف الحكومة وكل مرتباتها ولن آبه بغير ذلك وأن وجدت الطريق مسدوداً أمامي من قبل الأطراف العراقية عدتُ إلى عائلتي لأكون فخوراً بينهم بسيرتي وعملت لشعبي بقية حياتي في مجال آخر - ص 22 ) .

# ثقة بالذات أم غرور ونرجسية مرضية :

في مواضع كثيرة ، يتحدث موسى فرج عن ذاته ، وعن دوره المشرّف في هيئة النزاهة وغيرها ، بصورة متزايدة وتفصيلية وحماسية . وهو لا يتردد في كيل المديح لنفسه بصورة قد تجعل القاريء يحس بأنه أمام درجة من الغرور ، بل ومن النرجسية المرضية . لكنني أرى أنها نتيجة الرهاوة في معرفة الذات وفي معرفة مواقع تفوّقها على الآخر ، وهي "نرجسية صحّية" إذا جاز التعبير . إنها نتاج الثقة بالنفس ومعرفة الإمكانات المؤسسة على معرفة المخاطر الجسيمة المنتظرة والقدرة على مواجهتها والإقتدار على تقديم ضريبة التضحيات . لقد تحدث موسى عن سلبيات الجميع بصورة مباشرة وجسور وجارحة ، لكنها عادلة وامينة وموضوعية . لم يوفّر أحدا يعتقد بأنه يساهم بشكل أو بآخر في هذا التدهور المميت والمخزي من دون أن يضع سلبياته أمامه . حتى المرجعيات الدينية طرح المآخذ على بعض مواقفها في الصفحات (352، 353، و354) ، وتابع تحوّلاته الإيجابية في شجب وإدانة الفساد والدعوة إلى مكافحته ممثلة في مواقف السيدين أحمد الصافي ومهدي الكربلائي .

لقد واجه الفساد بصدر مشرع وإرادة حديدية متكلا على الله وعلى ذاته .. لم يضع درهما في جيبه .. لم يعين أبنا أو أخا .. ولم يقايض منصبا بالخنوع أو الخضوع . إن هذا الصوت العالي الذي يتحدث به موسى فرج ، و"النبرة" النرجسية المشروعة هي نتاج ما طرحه من المراهنة على التاريخ . فلو كان يحسب حساب الحاضر ومغرياته واللهاث المسعور للإداريين والسياسيين الذين من حوله ، لاكتنز الذهب والفضة ، ولكان حاله غير هذا الحال . هذه المراهنة على التاريخ هي التي جعلته يعلن من على شاشة إحدى الفضائيات قائلاً :

(أنا أكافح الفساد وأواجه كبار الفاسدين قبل الصغار منهم ومو بعيده يتراصفون لي بتهمة فيدخلونني الحبس بقصد منعي من أداء مهمتي ، والأمر سيان عندي أكنت طليقاً أو كنت محبوساً ففي كلاهما أنا حرّ لأنني لا بايك ولا سايك ..! والناس تعرف هذا .. وأنا أقول لكم : أمر واحد خذوه مني راس مال .. أنا لست فاسداً ولم أرتكب فساداً .. فإن حُبست فإن أجمل الأنبياء طراً قد حبس من قبل ، وإن سٌجنتُ فإن باب الحوائج قد سُجن من قبل .. فلا تسيئوا الظن بي رجاءً - ص 396) .

وهذه المراهنة أيضا هي التي جعلته يختم كتابه الموسوعي هذا عن قصة فساد النخبة السياسية الجديدة لا بسيرة ذاتية كما يفعل أغلب الكتاب والمؤلفبن ، ولكن بتعريف معنوي تقريضي فخم عن ذاته على الصفحة الأخيرة (ص 554) ، تحدّث فيه أولا بصيغة ضمير الغائب ، ولم يستطع التحمّل لإكمال التعريف بهذه الصيغة ، فتحوّل إلى ضمير "الأنا" :

(موسى فرج :

في زمن المحاصصة والإنتقال من جحيم الإستبداد إلى مستنقع الفساد .. دخلها بقيمه وبمواصفاته الشخصية وخرج منها وهو لم يضع درهماً غير راتبه في جيبه ، ولم يعين ابناً أو أخاً ، ولم يقايض منصباً بإخضاع هيئة النزاهة للأمريكان أو الأحزاب المتناطحة أو الحكومة خلافاً للدستور ومصلحة الشعب .. لم تعلق بوطنيته شائبة.. ولم تتلوّث ذمّته بما يشين .. ولم تعتري قيمه وعكه .. هذا سجله يتركه لأولاده وأحفاده فان تقبلوه منه بروح رياضية فـ أنعم الله ، وان أحجموا وطلبوا الأطيان والعزب فلست مغفلا كي أهرق عمري بهذا - ص 554) .

ولا أعلم لماذا أقحم مفردة "وعكه" ، وهي حالة مرضية عابرة تصيب صحة أي إنسان ليربطها بالقيم ، أقحمها في مسار يتحدث عن التلويث الخارجي فأربك التصاعد التعبيري ، ولا لماذا استخدم مفردتي : الأطيان والعزب ، اللتين تُستخدمان في العامية المصرية برغم جذرهما الفصيح ، فهما غير متداولتين في الكتابة السياسية والاجتماعية العراقية .    

ومن نفس منطلق العمل من أجل التاريخ ، والمراهنة على منطقه ، وعلى إرادة الناس فيه ، يمكن أن نعد هذا الكتاب ، أمانة ورسالة ، صاغها موسى فرج بوعي حاد وحرقة نفس وضمير لائب ، ليسلمنا إياها جاهزة وواضحة ، ويضعنا وجها لوجه أمام إحراج واستحقاق تاريخي ، فمن لم يكن يعلم بالكارثة التفصيلية الرهيبة والدامية التي تعصف بوطننا ، وتوشك على تدمير مستقبله إلى الأبد ، ها هي الكارثة واضحة صارخة بكل أبعادها واسرارها وممثليها :

(آمل أن أكون قد وُفقتُ في روايتي لقصة الفساد في العراق .. كما جرت ودون اساطير ولا تلميع لصورة هذا أو ذاك كي أأتمنكم عليها ليتوزع عبء حملها على الذين يشيلون الحمل عن الشعب - ص 10) .

فمن سيشيل الحمل عن صدر هذا الشعب المغدور ؟؟    

# الأسس العلمية لنشر الفساد :

إنني لا أستطيع فصل طوفان الفساد الحالي عن طبيعة التجربة الديمقراطية الساخرة التي وضع الأمريكان والملعون بول بريمر أسسها على ركائز طائفية أولا ، والسماح بتشكيل الميليشيات ثانيا ، ووضع ركائز الفساد خلال عامي 2003 و2004 ثالثا .

لقد أُنزلت التجربة السياسية على أرض الواقع العراقي بـ "سرعة خارقة" ، لشعب ممزق مذهول ، لم يصحو بعد على الأقل من صدمة ثلاثة عقود طغيانية ، وحصار تجويعي خرّب قيم الناس ، واحتلال أهار الدولة العراقية وقانونها ، وخلق أفواج من السرّاق والقفّاصة واللغافة الذين تسربوا إلى أغلب مفاصل الدولة الجديدة ، بالإضافة إلى عائدين عانوا من "الجوع القديم المتراكم" - والشعب كذلك - والتماهي مع المعتدي - identification with the aggressor - وهنا حديث خطير يطول - . هذه السرعة الخارقة أصبحت لعنة حيث جعلت عملية "التعويض" وهي أم مصادر الفساد في العراق تجري بصورة ماراثونية لا يتصوّرها أي عقل ، ولا يستطيع اللحاق بها أي رأي عام ، ولا تردعه أي صحافة ، ولا تكبحه أي هيئة نزاهة .

وأعتقد أن من الأسس النفسية التي تجعل الفساد عصيّاً على الكبح واللجم ، والتي رُسمت وخطط لها بعقل علمي ، هو جعل الفساد يطفح علناً في (البرّ والبحر) ، والذي سبق أن صًمم للتجربة المصرية بعد سقوط التجربة الناصرية ، وتصفية التجربة الإشتراكية ، ومجيء السادات بسياسة الإنفتاح ، ولكنها لم تكن عاصفة ومدوّية وماحقة مثل التجربة العراقية الفسادية بسبب الفارق الهائل في الإمكانات المالية للبلدين . إنني أعتقد أن السرعة الجنونية في بناء التجربة السياسية هي التي أفرزت - وكنتيجة طبيعية - فساداً بسرعة ضوئية حدّ الفسق والمعصية ، وتحت أغطية دينية لا علاقة لها بروح الدين يسّرت سكوتا غريباً وإذعاناً مريباً شبه عام ، وانجرافاً يبارك بصورة شبه جمعية ومستترة نحو تقاسم اللقمة السحت تحت شعار "أفد واستفد" .

إنك حين تريد أن تطفيء مخاوف وحساسيات شخص معيّن من شيء أو حيوان أو وضع ما (مثلا امرأة تخاف من فأرة) ، فهناك طريقة "التبليد - desensitization" التي تعرّض فيها الشخص للمثير المخيف تدريجيا إلى أن تميت حساسيته تجاه هذا المثير ، يحصل هذا مع شعب كان حساسا تربوياً ودينياً تجاه الفساد والذمّة الملوّثة ، حين يبدأ الفساد وأخباره تدخل حياته ببطء وهدوء في تداولات الشارع والصحافة والأخبار والتلفاز وغيرها .. والأهم بمراقبة الناس الصامتة - والتي ستصبح للأسف متحسّرة - للفاسدين ، وهم يتكاثرون ويتحركون وسطهم وأمام أعينهم في الحياة اليومية ، والأخطر حين يتنامى وضعهم الاجتماعي وإمكاناتهم المالية وتوفّر شروط الإحترام العلنية في الدائرة والشارع والمنتدى والعشيرة .. إلخ .

لكن هناك طريقة أسرع ، وهي طريقة "الغمر أو الإغراق -  flooding " التي تختصر الزمن وتحقق نتائج سريعة في إطفاء حساسية الشخص ومخاوفه من شيء ما (إمرأة من فأرة أو شعب من اقتراف إثم الفساد) ، وحسب التطبيع الشرطي "البافلوفي - pavlpvian" الكلاسيكي ، وذلك بأن تعرّض الزيون أو المريض للمثير المؤلم أو المقلق أو المخيف بصورة مباشرة ، وبلا لف ولا دوران كما يقال ،  كأن تربط المرأة المصابة برهاب الجرذان ، وتضع الفأرة في حضنها ، أو "تغمر" الشعب في مستنقع الفساد بصورة فورية وصادمة ، وتغطس حياته العامة في بحر من أخبار الفساد وحوادثه وسلوكياته اليومية إلى أن يتحوّل إلى "ثقافة" كما يحذّر موسى فرج . ولكن هناك شرطاً اساسياً هو أن يترافق مع هذا التكنيك أسلوب ينمّي "الإسترخاء - relaxation" ، لكي ينطفيء الخوف ، ويتراجع مستوى "الأدرينالين - adrenaline" الذي قد يسبب ردوداً عنيفة أول الأمر . وهذا ما تتكفل به الآن القيادات السياسية وبعض القيادات القانونية الفاسدة ، مع اكتفاء المرجعيات المؤثرة بالفرجة أو الشجب المتقطّع الذي لا يعادل كفّة كثافة المثيرات الفاسدة اتي تحاصر المواطن من كل جانب ، خصوصا عندما تكون في شكل عمليات فساد مالية ثقيلة جدا تحقق الصدمة كما هو الحال في العراق . وتساهم القنوات الفضائية الكثيرة التي تحاصر المواطن حتى في فراش نومه لأن الشرط المكمل هو منع الفرد المعني من الفرار أو التخلص من المثير المقلق ، كما أنها تشارك في عملية توفير شرط الإسترخاء من خلال عملية التكرار الموصل إلى "التبليد" الأولي . ويجب أن نضع في أذهاننا ، أن عملية غمر تاريخية كبرى قد تعرّض لها المواطن العراقي تمثلت في نهب وسلب الدولة العراقية في عملية "فرهود" ، ما الفساد الذي أعقبها إلا عملية فرهود هادئة معقلنة ويومية .

وكذلك لا ننسى أن ركائز الفساد الأخلاقي المطلوبة وفي مقدمتها تصعيد المطالب الحيوانية الغريزية في النفس البشرية ، وتحطيم قيم المواطنة ، قد تحققت قبل ذلك من خلال الحصار الأميركي الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة على شعب العراق لعقد كامل ، والسلوك المستهتر بالثروة الوطنية للنظام السابق ورموزه . 

# الحل العلمي "العراقي" للفساد :

ولعل موسى فرج - ومن دون أن يخطط لذلك وفق أدبيات علم النفس والطب النفسي المتخصصة - قد اجترح حلاً يرتكز في جانب كبير منه على سياسة "الغمر أو الإغراق أو الإفاضة - flooding" ، ولكنه إغراق من نوع جديد ، وذلك حين رأى أن علاج هذا الفساد الطوفاني ، لم يعد ينفع معه في الإصلاح سوى طريقة تعامله وفق حدّ واحد من حدود  اله في القرآن الكريم ، وفي آية واحدة محدّدة ، لا تقبل التأويل ، ولا المماطلة :

(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض) (المائدة : 33)

فقد أصبح الفساد من وجهة نظره ، وكذلك حقيقة على أرض الواقع "حرباً على الله ورسوله" .. وقد عبّرعن هذا الحل بجرأة بقوله :

(الإصلاح الحقيقي يبدأ بشكله الحقيقي عندما يرعوي هؤلاء الساسة ويرى كل منهم سواد وجهه هو قبل أن يرى سواد وجه الآخر .. ففي العراق لم يعد الحال كما كان عليه أيام علي الوردي حيث يقتصر الأمر على غرابين أسودين اثنين فقط يعير الواحد منهم الآخر بان وجهه اسودا وهو لا يدري أن لون وجهه اسودا أيضا بل أكثر سوادا.. فقد باتت الساحة تكتظ بأسراب الغربان والكل ينعق بسواد وجوه نظراءه مع فارق بسيط هو أن الغربان الحقيقية لا تدري أن وجوهها سودا في حين أن البشر يدري ويدري انه يدري أن وجهه بل ضميره وفعله كلها سود ..مع ذلك فهو مصر على النعيق ولا يفيد معه الإقناع إنما ( ألطك على الخشم ..) ولكن من أين تأتي بالقبضات الواعية الجسورة التي تكفي للطك على تلك ( الخشوم )..؟.. تنويه :

لا اقصد بالغربان شخص بذاته .. إنما كل واحد من عناصر الطبقة السياسية العراقية التي خربت العراق وما زالت مصرة على تخريبه .. ولا اقصد بالخشوم خشم محدد بل خشوم الذوات جميعاً....) .

# أخيراً : هل موسى فرج "مبدع" ؟ :

لقد وصف أحد الكتاب موسى فرج بأنه "مبدع" ، وقد يبدو هذا أمراً غريباً ، لأننا اعتدنا على أن نربط صفة الإبداع بمن يتعاطون الشأن الأدبي والفني بصورة رئيسية والعلمية بدرجة أقل ، ويحققون اشياء جديدة ومبتكرة غير مسبوقة فيه ، ولم نعتد على القول : المبدع الوزير الفلاني .. المبدع عضو المجلس الفلاني . المبدع رئيس الهيئة الفلانية . ولكني أعتقد أن موسى فرج قد اقترب من دائرة الإبداع كثيراً جدا ، من خلال ابتكار أسلوبية جديدة وطريقة تعبيرية للخطاب السياسي والإداري ، ومخطيء من يرى أن أسلوبية موسى تطابق أسلوبية الراحل المبدع "شمران الياسري - أبو كاطع" ، فاسلوبية موسى مختلفة كثيرا ، وليس هنا مجال شرح خصائص الإختلاف . وقد خلق موسى أيضاً مقتربا جديدا لتناول المعضلات السياسية والإدارية ، جعلها جزءا من حياة الناس العراقيين المسحوقين والمذلين ، أي صارت جزءاً من الخطاب الشعبي ، وهو أمر غير هيّن ، ولم تبق موضوعات لنخبة حكومية أو سياسية أو لكتّاب صحافيين محدودين . وقد جعل الموضوعة الكارثية التي يتناولها وهي الفساد ، "قصّة" فعلاً ،  ذات ملامح وأسس سردية . لقد حكى لنا حكاية ألف ليلة وليلة الفساد ، وتدمير حياة البشر الذين لا حول لهم ولا قوّة إلا بالله .. حكاية وطن مغدور وشعب مقهور ، اكتسح حياتهما (الفساد في البر والبحر ) (سورة الروم : 41) ليخنق البلاد ويذل العباد .. ويجفف الضرع ويحرق الزرع .. حكاية الشدّة الفاجعة الكبرى على أرض الرافدين والتي ستجعل الولدان شيبا .

 

# هوامش :

•(1)            قصة الفساد في العراق --موسى فرج (رئيس هيئة النزاهة في العراق سابقا) - دار الشجرة - دمشق - الطبعة الأولى - 2013 .

•(2)            راجع موقع ويكيبيديا .

•(3)            المعجم الموسوعي في علم النفس / الجزء الرابع - منشورات وزارة الثقافة - دمشق .

 

 

 

 

حسين سرمك حسن


التعليقات




5000