..... 
مقداد مسعود 
.
......
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
.
علي الزاغيني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور السادسة للابداع / النقد الادبي - الفائز الثاني مكرر

امجد نجم الزيدي

 

جائزة النور للابداع دورة الشاعر يحيى السماوي

2014

 

القصة القصيرة والرسم

 مقاربة إبداعية


 

(إن كل الكتاب الجيدين ملونون جيدون)

فرجينا وولف

      إن المساحة الابداعية للأدب مساحة واسعة وفضاء لامتناهي، حيث يمكن للمبدع فيها اجتراح ورسم الكثير من الخطوط التي تبني فضاءات افتراضية ومقاربات تشكيلية، حيث تلعب المخيلة بدلالات اللغة الأدبية، لتصنع ممالكاً وصوراً مختلقة، تجاس ارضها لاول مرة، عوالم خيالية كان يغذي بها الانسان روحه المتعطشة للجمال والسمو، حيث تلعب الكلمات والحروف دور الوسيط الذي يفتح كوة بحجم العالم لتلك العوالم، بالاضافة لكونها وسيط جمالي فهي وسيط معرفي مشحون بالدلالات والعلامات المعرفية، تحمل روح الانسان ومعاناته وأشجانه، لان اللغة وخاصة الادبية كانت على الدوام ومنذ عصور بعيدة أكثر التصاقاً بالانسان وعوالمه وخيالاته، لذلك ربما تشترك اللغة بروابط متينه بكل وسيلة تعبيرية خلقها الانسان لتكون واجهة له، ومنها الفن التشكيلي وخاصة الرسم  والسينما والمسرح.. الى أخره من فنون واعمال كانت ممثلة للانسان، إذ تربط الأدب وفن الرسم - مثلاً- قرابة قوية إذ إن كليهما ينتميان إلى قاعدة إبداعية واحدة وإن اختلفت بينهما الوسائل، أو الخامات المستخدمة حيث يعتمد الادب ومنه القصة القصيرة والرواية على الكتابة وتمظهرها بصورة حروف وكلمات، وهي تشكيلات طباعية ورموز كتابية تهدف الى توصيل افكار ومعاني ودلالات الى المتلقي الذي يتلقاها بصورتها التشكيلية تلك، ثم تتشكل في ذهنه ارتباطاتها الرمزية المقترنة باللغة، والمقصود هنا طبعاً اللغة المكتوبة، لان اللغة بصورتها الشفاهية تختلف في بناها الصورية والعلاقة بين الدال والمدلول الذي  تسميه كرستيفا بالصورة الصائته، إذ في الكلام المنطوق ليس هناك تشكل بصري مادي للدال ليقترب ربما من الرسم الذي هو تشكيل بصري من ألوان وخطوط وكتل، أما على مستوى تاريخية تلك القرابة فربما ترجع تلك القرابة ربما الى العصور الرافدينية القديمة، إن لم تكن أقدم من ذلك، منذ الرسومات الأولى على جدران الكهوف (كان الشكل الكتابي والتشكيل الرافديني، يتحرك في دائرة قوامها الرمز فهناك المضمون والغاية والمدلول، ومن الجهة الثانية التعبير والتظاهر والواقع، ومابين هذين المظهرين تشابك وتداخل)1، حيث لعبت اللغة دور الوسيط بين هذين الفنين، أذ لعب التشكيل الصوري والرسم دور اللغة المكتوبة لازمان طويلة، وكان هو الوسيلة الوحيدة للكتابة منذ فجر التاريخ، وإن نحت الكتابة السومرية منحاً أكثر تجريدا، وأصبحت الاشكال الكتابية التي تمثل اللغة رموزا دالة، ولم تشر الى الواقع وتمثلاته الصورية بصورة مباشرة كما فعلت الهيروغليفية، وانما كان هناك للغة السومرية نظام من الرموز، تخطى التماثل الايقوني بين صورة الكلمة ومدلولها، وربما تكون هي الخطوة الاولى التي فصلت - وإن كان بصورة غير مباشرة- بين اللغة والمدلولات الصورية الواقعية التي تعكسها، وإن كانت اقل أعتباطية من اللغة الحديثة ومرموزاتها الكتابية من حروف وكلمات، وانما كانت علاقات أكثر تجريدية من اللغات الصورية الاخرى، إذ مَثلت الكلمات ولم تعكسها كصورة من الواقع الخارجي الموضوعي،  كانت عبارة عن تشكيلات بصرية دالة.

 

•·       أليات التداخل

     إن الفنون جميعاً بكل تمظهراتها الخلاقة وبناها الاجرائية هي بصورة عامة عبارة عن مجموعة من الدلالات والعلامات التي تعبر عن مضمون ما، تمرعبر وسيط، وهذا الوسيط هو الذي يميز ذلك الفن ويعطيه ميزته النوعية، وبهذا التوصيف تكون كل تلك الفنون تمتلك جذرا بنائياً واحدة، وبذلك تقترب بعضها من بعض وخاصة من اللغة الادبية المكتوبة التي هي عبارة عن دلالات وعلامات تعبرعن مضمون، تمر عبر وسيط غرافيكي، وأيضاً إن الادب ينقل اللغة من مجرد اداة توصيل وتواصل الى فضاء الخلق الفني، الذي يربط كل الفنون بكل مظاهرها إن كانت لغوية أو تشكيلية، ويظهرالوشائج التي تجمعها.

     هناك الكثير من الفنانين وخاصة الرسامين من يستعين بالكتابة في رسوماته ويستغل بنيتها التشكيلية والتصويرية، او ربما قيمتها العلامي الايقونية، محاولا الاستفادة من مرجعياتها الثقافية والدينية المحتملة، ولا تنفرد تلك التوظيفات الكتابية من كلمات وحروف بوجود معزول ومقنن بأحالاتها اللغوية، وانما تشترك مع البنى التشكيلية الاخرى في اظهار المبنى الدلالي للوحة، وهذا أيضا لا يعني بأن بعض الفنانين التشكيليين لايستفيد من القيمة الدلالية لمحتوى الكتابة وقيمتها الاحالية، وإن كانت بصورة بسيطة ومختزلة، إذ إن (الأمر الذي يشترك فيه الفنانون بوجه عام إنهم لا يتجهون في تجاربهم إلى الصيغ الرقشية التزيينية للحرف والكلمة، بل إنهم يسعون دائما كي تلعب الحروف والكلمات دورا تعبيريا أو تجريديا.. وبمعنى آخر كي يقدم الحرف الصيغة الفنية كما يقدم الدلالة والمعنى.)2.

      وهناك من الكتاب وخاص الذين يكتبون الاعمال الأبداعية -كالقصة والشعر وغيرها من الكتابات الابداعية-  من يجعل للرسم دورا مسانداً للكتابة، ومعبراً عنها في مجموعة من الانساق العلائقية، كما في الرسومات التي (تتخلل النصوص لتشكل ظهيراً بصرياً ذا وجود نفعي على مستوى العلامة الدالة والتعبير الجمالي)3، وقد ظهرت هذه الرسومات المرافقة للنصوص قديما - كما في رسومات الواسطي لمقامات الحريري- حيث تكون اللوحة التشكيلية مرادفاً للنص الكتابي ومعززاً له، فبالاضافة لكونها قراءة للنص وتأويلا بصرياً له بالدرجة الاولى، ستدخل ضمن بنية النص بأعتبارها جزءاً من البنية العامة له، وستؤثر في تشكيل دلالاته واحالاتها، من خلال التنافذ بين كلا النصين، الكتابي والصوري.

   وأيضا هناك ألية تشكيلية أخرى هي بنية البياض والسواد لورقة الكتابة، والتي تظهر من خلال توزع النص على الورقة البيضاء والتي تشكل البنية الصورية للكتابة، فبالاضافة لكونها صورة طباعية للكلمات، تأخذ لها حيزا تشكيلا علاميا، يمثل على أقل تقدير الصورة التي يتشكل فيها النص في بعض الأنواع الكتابية، والتي كما هو معروف تختلف في طبيعة توزيعها على الورقة، كالشعر العمودي والسرد القصصي وايضا الكتابة المسرحية ..الى أخره من أنواع كتابية أخرى، إذ (يعد السواد، بوصفه نظاماً لفظياً قبل كل شيء، وجودا فيزيائياً لاحقا لأن البياض هو الوجود الأول الذي تم اختياره بحيث لا يمكن احتسابه فراغا أو هامشا تزيينياً)4،بل إن العلاقة التوزيعية بينهما تمثل الصورة العلامية للكتابة كما أوضحنا، ويعتبران أيضاً جزءا مكملا ومتمما للنص في الطروحات النقدية، أي إن هناك علاقة تواشج وتبادل كبيرين بين النص الكتابي وبخاصة الأدبي والرسم، والتي ربما تعكس (إن البلاغات الطالعة من كلتا اللغتين، القاموسية والبصرية، تنطوي على دلائل وتأويلات تشتغل ظاهريا في حقول مشتتة لكنها مرتبطة من الداخل بمصادر سرية واحدة)5، وربما أيضا تعكس ذلك النسغ الذي يوحد جميع الفنون الابداعية بأعتبارها نواتج بشرية خلاقة، تظهر تمسك الانسان بالجمال والفن وإن تعددت مصادره وتشعبت أدواته ومرجعياته، ولكن مع ذلك لايمكن التفريط بالمنحى الدلالي لكلا الجانبين وخصوصيتهما الفنية والاجرائية، وهناك أيضا مجموعة من الاليات التي أستعان بها الكاتب أو النساخ القديم، كالتشجير مثلا.

 

•·       النص الادبي والرسم

      ممكن أن يوظف الرسم في النصوص الأدبية ليس من خلال استخدام الخطوط والألوان او الاليات التي أوردناها سابقاً، وإنما من خلال استيحاء الرسم من قبل النص الأدبي، كما في القصائد التي تكتب عن الأعمال الفنية، والتي قد أورد الكثير منها الدكتور عبد الغفار مكاوي في كتابه القيم(قصيدة وصورة)6، فكلاهما - أي الكتابة الأدبية والرسم- تعتمدان على أعمال الإبداع واجتراح عوالم جمالية بالاعتماد على الإمكانيات الإيحائية لكلا الفنين بوسائلهما واشتراطات أدواتهما الإبداعية المختلفة، والتي تعكس أيضا مدى التقارب بينهما.

     تقول (سوزان لانجر) لا يمكن ( أن نغفل الثمار التي جناها الأدب والفن التشكيلي من التجاوب الروحي والعملي بينهما، ولا شك في إننا مهما ميزنا الفنون بعضها عن بعض وأبرزنا الفروق البنيوية التي تجعلها تعبر عن عوالم مختلفة بوسائل مختلفة فأن الوظيفة الرمزية واحدة في كل أنواع التعبير الفني)7. ودراستنا هذه ليست معنية بالعلاقة بين الفنون الأدبية والفن التشكيلي في صناعة الصورة الشعرية وإنما بالعلاقة التبادلية بينهما، بكونهما يحملان نفس البنية التكوينية، وإن اختلفا في أدواتهما وشروطهما الإبداعية، وإن كان الفن التشكيلي احد الروافد المهمة في بناء الصورة الشعرية8.

    إن علاقة التوازي والتداخل بين الفنون الإبداعية،  ولنكن أكثر تحديداً بين الرسم والقصة القصيرة، تعطي النص قواما إشكاليا، بتمازج بنيتين متضاربتين في أدواتهما وتقنية عمل كل منهما، إذ إن توظيف اللوحة التشكيلية داخل النص الأدبي وبخاصة القصصي يأخذ في أكثر الأحيان مداه معتمدا على آلية الوصف والدخول في حوار مكاشفة ومقارنة واستنطاق للوحة التشكيلية، إذ ستتعامل اللوحة التشكيلية مع الألوان والخطوط كخطاب دلالي يحمل بين طياته الأثر الجمالي، وتتعامل الكتابة الإبداعية ومنها القصصية بالكلمات ليست بصيغتها الشكلية طبعا، وإنما بدلالتها وقيمتها داخل الجملة التي تخضع  لاشتراطات اللغة الأدبية، فسعى (لسنج) (في القرن الثامن عشر جاهدا للمقارنة بين احتمالات المحاكاة في السرد اللغوي وفن الرسم، قسم العالم (...) بينهما، فخص سرد الأفعال بالإشارات المتوالية الاعتباطية للقص، وخص وصف الموضوعات والأشخاص بالإشارات المتزامنة المقصودة للرسم)9، مما أعطى للوصف قيمة التلوين داخل البناء السردي، ولكن هذا لا يعني بأن دلالات النص واستعاراته ومبناه العلامي غير معنية بتشكيل تلك العلاقة أو ليس لها نفس القيمة التشكيلية، إذ إن النص القصصي سيمثل اللوحة بما تحمله من إيحائية وإشارات  واستعارات تشترك بها مع النص، إذ ستؤثر تأثيرا مباشرا في تنقلات القاص داخل نصه، فالاستعارة (اللفظية يمكن فهمها فقط من خلال الاستعارة البصرية)10، أما حجم تأثير اللوحة فسيكون من خلال توزيع الكتل اللونية والخطوط وعلاقتها بدلالة اللوحة بالمقابل مع النص وارتباطه بتلك الدلالة.

    من الآراء التقليدية التي تنظر إلى الخيال الأدبي الناتج من خلال التعالق بين النص وأشياء المحيط الخارجي ومنها اللوحة التشكيلية، الرأي الذي يقول بأننا (إزاء حركة تبدأ من الخارج، بمعطيات جاهزة، تنعكس على ما هو في داخل الأديب، فيبدو ناتج الانعكاس بمثابة تكوين ذاتي للمعطيات الخارجية الجاهزة)11، ترينا هذه الإضاءة بأن التأثيرات الخارجية -أي الخبرة البصرية والمعرفية والإدراكية الخارجية- تساهم في بناء النص من خلال انعكاسها في ذات الناص بصورة دائرية تعيد إنتاجها دون التفريط بوجودها الحقيقي، ولكن هذه العملية تجعل المعطيات الخارجية الجاهزة، منفصلة عن ذات الناص ويكون عمله فقط بتوجيهها إلى جهة معينة محافظا على وجودها الأولي، منفصلة عن جوهر العملية البنائية للنص، عكس ما نحاول أن نظهره في دراستنا هذه، وذلك بأن الخارج الممثل باللوحة الفنية التي تمتلك نفس الإستراتيجية البنائية تندغم في الوجود المتشكل للنص في لحظة الكتابة، خالقة نصاً مركباً بإلية تناصية، استشرافية لنقاط ارتكاز كلا الحقلين الدلاليين، وتعزيز مرتكزاتهما البنائية، لتدعيم ذلك التمازج والاندغام، فلغة القاص هي (اللغة التي تأثرت كل كلمة منها بإحدى القيم في ذاكرته وانقسمت بين اتجاهات متعددة من التذكر والأفكار المتداعية التي غاص معظمها في اللاوعي)12، بالإضافة إلى التأثيرات الخارجية أو المعطيات التي تساهم بصورة مباشرة في رفد تلك الذاكرة، أو اللاوعي وبصورة متكررة بنواتج الوعي بالمحيط الذي تكون اللوحة الفنية جزءاً منه، وهذه المساهمة تتم ليس بصورة انعكاسية وإنما بتحليل القيم العلامية والرمزية ومحاولة تمثلها من خلال ما تختزنه الذاكرة من علامات. 

    للقصة القصيرة قدرة على الاختزال كما للرسم، من خلال اقتصار القصة على حدث مبتسر وحبكة بسيطة، تتوائم مع ما للرسم من قدرة على اختزال المواضيع الكبيرة في أطار محدود موزع على مساحة اللوحة، وأقتصارها على حبكة بسيطة من خلال الالوان والخطوط والكتل، وهو أسلوب  تتناوب به شخصيات القصة من جهة والوان وخطوط اللوحة وتوزيعها والتي تخفي الزمنية السردية، التي تبدو في القصة أكثر صراحة ووضوحاً، وقد يبدو ان كلامي مقصور على اللوحات الواقعية، التي تصور الانسان ضمن زمكانية مقاربة للعالم الموضوعي، ولكن ما اقصدة هو الفن التشكيلي والرسم وضمن أي مدرسة فنية أو أتجاه، إذ إن الزمان والمكان إيحائيين وأيضا ما تعكسه التركيبة اللونية والخطوط وتوزع الكتل داخل اللوحة من تناصات وأحالات.

 

•·       ظاهراتية الصورة القصصية

       ولنأخذ مثالا عن ما اوردناه سابقا، نص( اللوحة)13 للقاص وجدان عبد العزيز، إذ تعامل مع اللوحة التشكيلية باشتراطاتها، عندما تناص مع لوحة السيد المسيح، وهو تناص لا ايقوني بلغة السيميائيين (حيث لا تصبح هذه الأدلة التناصية أيقونية- نصية إلا حين تؤثر في نفس الوقت على تثمين لطاقة أدراك -أحدى الذوات أو كل الذوات - للنصوص الفنية التي تكون بصدد إدراكها)14، بينما في قصة (اللوحة) لا تسعى الذات إلى إدراك اللوحة الفنية، وإنما تتمثلها ولا تماثلها، إذ إن (الايقونية تتحقق عندما تتماثل - في الأدب - الثيمة مع المرجع الذي تنهض منه)15، ففي قصة (اللوحة) أعتمد القاص على إعادة تمثل للوحة والتماهي معها دون اعتمادها مرجعية واضحة لذلك التماهي، إذ إن النص رسم لوحته الخاصة المنبثة داخل تفاصيل النص، بالترديد على نغمة التجاوب الثيماتي مابين النص واللوحة، حيث قام ببناء نصه على حوار متقابل بين اللوحة وثيمة النص من خلال عقد مقارنة بين متنيهما المختلفين والمتمايزين، فمتن اللوحة يظهر كـ / خطوط مستقيمة..متوازية..متعامدة..متقاطعة، تشكل ضلالا من الزرقة المتقرحة على كفيه/ ، بينما يظهر المتن الأخر للنص/الوجوه الغريبة ذوات السحنة السمراء وخطوط غير بائنة من التعب تميل نحو ألوان البرونز والرصاصي/، حيث يقوم القاص باستكشاف مجاهيل اللوحة من خلال إعادة قراءتها وباسقاطها على الثيمة بتحري خطوط الظلام والضوء وتجسدهما داخل النص/القلوب المرتجفة في لجة خطوط الظلمة/، وعلاقتها الحوارية ببنية الخطاب التي تجمع كلا المتنين، حيث أصبح السرد عبارة عن منلوج داخلي تردده اللوحة، بإعطاء خطوطها وألوانها ذلك العمق السردي، حيث (تمارس النصوص تلويناً على صورها يمكن تصورها من خلال ما تتركه العلامات من انطباع لوني، وقد تغير في ذلك من الدلالات اللونية لألفاظ الألوان، كما يمكن للنصوص التي تنبئ على حركة مشهدية أن تخلق إيقاعا لونياً مقارباً للإيقاع اللوني الذي تنتجه اللوحة)16، /كل هذه الأشياء قد تخلق حالات إضافية عن روحه المعلقة بين متاهات الظنون وبحر المسافات التي لا تشكلها أي أنواع من الخطوط المتوازية او المتعامدة/ ، والمقترن بالحاجة التي أدتها اللوحة داخل النص ومدى انسجامها وتوحدها مع الثيمة /نحو الخطوط المستقيمة تلك التي توصلني إلى حدود وألوان الطيف الشمسي لأجعل من الأبيض لباسي المحبب(...) بيد ان الخطوط تتوازى وتتعامد وتتقاطع وحينما تكون هكذا، تبدأ حدود الرؤيا تضيع منه/.

      قام القاص (وجدان عبد العزيز) بالتقاط العلاقات الدلالية والاشارية التي مكنته من توظيف اللوحة داخل نصه ، وتقدير مدى ارتباطها بالثيمة، حيث إن زاوية نظره للوحة كشفت مقدرته على قراءتها وتأويلها وسردنتها، بما يتلائم مع نصه واتجاه الرؤية فيه ، فحساسية التلقي التي تلقى بها القاص اللوحة انعكست في تعامله مع النص من خلال إعادته لبناء المعطيات الإيحائية للوحة بصورة أدت إلى إعادة بنائها سرديا من وجهة نظر جديدة استفادت من خلفيتها السسيودينية، حيث اظهر القاص أن للنثر والقصة القصيرة بالتحديد القدرة على رسم اللوحة التشكيلية ولكن بالتماهي وإعادة تمثل بنيتها السردية.

       إن إضاءة العنوان ثريا النص ( اللوحة) للمدخل ترينا انه افتتح بالمبتنى الشكلي واللوني للوحة، فما (العنوان إلا بنية صغرى تؤلف مع القصة وحدة عمل على المستوى الدلالي، ولا يمكن ان يحقق أية دلالة بمعزل عن نصه الكبير، القصة أو الرواية، كما لا يمكن النظر اليه خارج سياق النص الذي تحته)17،  /خطوط مستقيمة.. متوازية.. متعامدة.. متقاطعة تشكل ظلالا من الزرقة المتقرحة على كفيه/، وهذا المدخل يرمينا في لجة اضطراب العلاقة الدلالية الموتورة ما بين تلك الخطوط المتوازية والمتعامدة وبين/ الجسد المسجى / الذي يمثل البؤرة التي تتجمع وتنطلق منها الخطوط والألوان وايحاءية اللوحة وإشاراتها، لتصبح كل العلاقات التي يوجدها النص بينه وبين اللوحة وتركيزها على / الجسد المسجى / جسرا تعبر عليه دلالة الألم المتقابلة ما بين اللوحة وارتباطها بآلام السيد المسيح وبين الآلام التي يبثها النص / ابنتي تتلوى من ألم حاد / وهاتين الصورتين تنمزجان في صورة واحدة أو لوحة واحدة يجسدها النص عندما تتداخل الألوان والخطوط وارتباطاتها السالفة بمركز اللوحة وهو / الجسد المسجى / = / السيد المسيح / مع اختلاج أفكار ( أنا النص) وقلقه وظنونه /اختلاج أفكاره حينما تتلاطم والساعات الأخيرة من الليل / ، /القلق المتزايد من صعودها والجسد معا /، محاولا التخلص من هذا الاضطراب باللجوء إلى ألوان اللوحة وخطوطها وايحائيتها / يا يسوع المسيح خذ بيدي / ، بيد انه يغرق في لجة / الخطوط المتوازية والمتعامدة / وتقوده ظنونه إلى المقابلة بين حالته وخوفه من فقدان ابنته واللوحة التي تصور السيد المسيح وصعود روحه إلى السماء / إن القلق المتزايد عن صعودها والجسد معا، خلقت هوة سحيقة في علياء فردوسه/ .

      أراد نص(اللوحة) من خلال حركية ( أنا النص ) واضطراب أفكاره أن يعكس إيحائية اللوحة، وإقامة بنية تشكيلية تصويرية مقابلة لها، حيث رسم القاص خطوطا وأشكالا ووزع كتلا لونية، من خلال استخدامه للوصف كفرشاة يلون بها ثغرات خطابه القصصي - كما ذكرنا سابقا -  والمتماهي مع اللوحة التشكيلية / أثواب رثة وأرجل شبه حافية، تبتلع هذه الأشكال ذهنيته ليكون الجوع شهية لعينه تحترق في مسافاتها رغبات عديدة تتقاطع في كثير منها مع خطوط الرحمة والحب /.

     إن نص القاص وجدان عبد العزيز، قد أستفاد من التقارب الذي يجمع القصة القصيرة على اعتبار أنها فن لغوي يمتطي صهوة السرد، مع الرسم والذي هو فن يتعامل بالون والكتلة بدل الكلمات والحروف، إذ استطاع انارة الجانب السردي الذي من الممكن ان تخفيه اللوحة التشكيلية خلف مظهرها السطحي، لقد كانت العلاقة بين اللوحة النص واللوحة التشكيلية - بالاضافة لما أوردناه سابقا- علاقة قائمة على بعد تأويلي متبادل ممكن ان نقرأ به اللوحة والنص، على الرغم من إن النص قد سار في سياقات متقاربة إبداعياً، إلآ انها متعارضة من حيث الخامات، باندماج جنسين إبداعيين متغايرين -هما جنس القصة القصيرة والفن التشكيلي الممثل بالرسم- حيث اشتغل القاص بأدواته السردية في منطقة التشكيل وأنتج لوحة مقابلة للوحة التي استوحاها نصه باثا فيها لغته القصصية التي استنفذت اللون وانعكاساته والخطوط وتشكيلاتها ، الضوء والظلام وتجسيدهما للعمق الإنساني في اللوحة والنص، وهو في هذه التجربة ربما يختلف عن ما جاءت به البيانات المرفقة بالفن والتجارب الفنية التي (غالبا ما تخفق في إمدادنا بحوار هادف يجري بين الكلمات والصور)18، وذلك لأن ذلك الحوار هو حوار خارجي غير نابع من علاقة التفاعل مابين بنية الكلمات والبنية الصورية للرسم وتمثلاتهما الإيحائية، لان تلك البيانات تلتزم بالبنية الوصفية، أي النظرة من الخارج، عكس الحوارية التي أقامها النص القصصي مع اللوحة، والتي تنتج من خلال تلك التمثلات والتي هي نمو تصاعدي من الداخل إلى الخارج في سبيل تكثيف الإيحاء، الذي يقارب معطى الفنين اللغوي والفني.

 

 

 الهوامش

•1-  جذور الكتابة الرافدينية في الرسوم الفخارية - د. زهير صاحب - مجلة الاقلام العدد 5 السنة 37 - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد ايلول/ت1 2002 ص81

•2-  أضواء على الفن العراقي المعاصر - عيد سعد يوسف - مجلة الثقافة العربية - العدد7 - السنة 6 - تموز 1979- مطابع الثورة - بنغازي ص92

•3-  تداخل الفنون في القصيدة العراقية الحديثة- دراسة في شعر مابعد الستينيات - كريم شغيدل - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد 2007 ص72-73

•4-   ن. م  ص63

•5-  بلاغة اللغة الايقونية - الصورة بوصفها بلاغة - شاكر لعيبي - كتاب الصباح الثقافي - بغداد (بدون تاريخ) ص73

•6-  قصيدة وصورة- د. عبد الغفار مكاوي ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 1987

•7-   قصيدة وصورة- ص20

•8-    ينظر دير الملاك - د. محسن أطيمش - دار الرشيد للنشر - بغداد ص257

•9-   السيمياء والتأويل - روبرت شولز - ترجمة سعيد الغانمي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 بيروت 1994 ص114-115

•10-          الشعر والرسم - فرانكلين ر. روجرز - ترجمة مي المظفر - دار المأمون للترجمة والنشر - بغداد 1990 ص144

•11-          الخيال المتعقل - دراسة في النقد الايحائي - د. جابر عصفور - مجلة الاقلام - العدد 11- السنة 15 - دار الجاحظ للنشر - آب 1980 ص61

•12-          الفن الحديث والنقد البنيوي - بيار داكس - ترجمة رضا الكشو - مجلة الاقلام - العدد 11 - السنة 15 - دار الجاحظ للنشر - آب 1980 ص91

13- وتكور الحل عند ظفيرتها (قصص) وجدان عبد العزيز- دار الينابيع - دمشق 2010 ص63

14- سيميائيات التظهير - عبد اللطيف محفوظ - منشورات الاختلاف - مطابع الدار العربية للعلوم بيروت ط1 2009 ص72

       15-  التجريب في القصة العراقية القصيرة - حقبة الستينات - حسين عيال عبد علي - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد 2008 ص129

16- الشعر والرسم - ص211

17- تداخل الفنون في القصيدة العراقية الحديثة - ص30

18- ثريا النص - مدخل لدراسة العنوان القصصي - محمود عبد الوهاب - الموسوعة الصغيرة 396 - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد 1995 ص46

19- حوار بين الفن ونظرية التربية - ايريناد كوستاك - ترجمة أحمد خالص الشعلان - مجلة الثقافة الاجنبية - العدد 2 - السنة 27 - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد 2006 ص8

امجد نجم الزيدي


التعليقات




5000