..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


موت الضمير

زوزان صالح اليوسفي

ما حسبت أن ليلة 11 من حزيران سيكون العشاء الأخير لنا معاً نحن الأصدقاء الخمسة الذين أنضممنا سوية وعن قناعة إلى التطوع نحو خدمة الدفاع عن الوطن مع خيرة شباب الوطن، وكم كانت فرحتنا عظيمة حين حصلنا جميعنا على القبول، لن أنسى ذلك اليوم السعيد ونحن نقرأ أسمائنا أسماً تلو الآخر على لائحة قبولنا للتطوع في القاعدة الجوية سبايكر، وعدنا إلى منازلنا لنبث فرحتنا لأهلنا ونحن نُردد بشغف ونصفر طول الطريق نشيد موطني، ذلك النشيد الوطني الذي طالما كان له مفعوله السحري علينا حينما كنا ننشده كل خميس في يوم رفعة العلم منذ مرحلة الأبتدائية، هذا النشيد الذي زرع في قلوبنا حب الوطن منذ صغرنا ولحد آخر يوم عشناه في هذا الوطن الجريح.

كانت فرحة لا تضاهيها فرحة ولن أنسى ذلك اليوم الذي بادرنا بها سوية على وليمة المسكوف الرائع على ضفاف دجلة قبيل إلتحاقنا بيوم، أحلام رائعة كانت تراود خيالنا النامي المغامر المليء بعنفوان الشباب والتحدي والقوة، فنحن أصدقاء منذ المرحلة الأبتدائية ثم الثانوية ثم قررنا أخيراً الإنخراط في خدمة الوطن، فنحن من حي واحد، وأولاد حارة واحدة، أنا وحيدر وعلي وحسن وكاوه من محافظات متنوعة تربطنا صداقة قوية وصحبة جار قديمة، ورغم أننا جميعاً من مذهب واحد لكننا لم نكن يوما نفكر بأننا مختلفين عن أصدقائنا الآخريين من المذاهب الأخرى، فأثنين منا أمهاتهما من السنة وكاوه كردي فيلي، وكان لنا دوماً أصدقاء من كل الأطياف التي تعيش في العراق فمدارسنا كانت دوماً تعج بالسنة والشيعة والأكراد والتركمان والمسيح والصابئة وغيرهم، لم أتذكر يوماً بأننا أختلفنا أو تشاجرنا أو حقدنا على بعضنا البعض، بل دائماً علمونا أهلنا بأننا شعب نعيش بوئام وسلام وتجمعنا نشيد موطني.

حين ألتحقنا وضعونا ضمن فرقة الإستطلاع مع ثلاثة آلف جندي من عدة محافظات ومكثنا هناك شهراً كاملاً، وفي اليوم الثامن من حزيران تم تحريك وحدتنا بجميع جنوده إلى قيادة الأستطلاع ضمن قاطع عمليات صلاح الدين، كان مقرها قريباً بعض الشيء من جبل حمرين، وفي حدود الساعة العاشرة من ليلة الحادي عشر من حزيران تحركت وحدتي إلى قاعدة سبايكر بأمر من قائدها، فدخلنا إلى القاعدة بسيارات وملابس عسكرية، كانت فيها قوات من الفرقة الذهبية وسوات ووحدات عسكرية أخرى، عملها تصدي لاي هجوم مسلح على القاعدة، كنا مطمئنين بعدم قدرة أحد من الوصول إلى تلك القاعدة المحصنة، ولم نعلم حينها أن محافظات الموصل وصلاح الدين والمناطق المحيطة بهما أصبحت تحت سلطة المسلحين خلال أيام بل ساعات معدودة؟!!، ولم نجهز بأي من قطع السلاح؟!!.

في موقعنا ليلاً وقبل الحادث المأساوي البغيض، همد الهواء وحر حزيران اللاهب الذي كان يتسلل إلى جلدنا كالأفعى، في هذه اللليلة سكن فيه كل شيء وغاب الأصدقاء في غفوة، ورغم أن النعاس لم يكن يبرح جفوني إلا أن في داخلي كان شيئاً محيراً ومقلقاً لم أفهم أو أتوصل إلى مغزاه،وقد أمتلئ الجو بجحافل البعوض المستذئبين وماصصي الدماء، مدتت يدي لأهرش قدمي فبعوضة حاقدة أخذت حقها من دمائي لتشبع جوعها الوحشي ثم أفرغت ما في جوفها من السموم ومن حقدها على بني البشر، تمنيت أن لا تتهنا بدمائي تلك الحشرة الوحشية الحقودة، فلا هنيئاً ولا مرئيا لها.

أخذت أفتش في حقيبتي لعلي أعثر على شيء إلهي به نفسي حتى يستلمني النوم، أخيراً وجدت ضالتي كتاب أودعني بها والدي من أرشيفه القديم، كان شديد الشغف بالكتب التاريخية، تذكرت كلماته وهو يدس الكتاب في حقيبتي ويردد بحزن قائلا: خذ هذا الكتاب يا ولدي لعلك تتسلى بها في أوقات فراغك إنها حكاية عن الحرب العالمية الثانية.

أجبته بأبتسامة قائلاً: نحن في القرن الحادي والعشرين يا أبي، وقد مرت سنون على الحرب العالمية الثانية، على العموم من أجلك سوف أقرأ كتابك إذا سنحت لي الظروف.

أخذت الكتاب وأنا أتذكر وجه والدي الحبيب الحزين على فراقي، وبدأت أقرأ الكتاب بنهم وقد سكن كل شيء حولي سوى سمفونيات شخير بعض الزملاء لي في القاعدة من شدة التعب والأعياء بعد أنتقالنا إلى هذه القاعدة، أخذت أحسدهم على هذا النوم العميق، فرغم النعاس الذي لم يفارق عيني إلى أنني لم أزل متيقظاً كامل اليقضة وما زال شيئاً خفياً يدغدغ حاستي السادسة، أجهل سره؟!!، ولكن الكتاب ساعدني على التغلغل فيه وقد شرعت في قرأته ومرت ساعة وساعتان، كان الكتاب عبارة عن وقائع ونتف هنا وهناك، حكايات مؤلمة، مريرة عن الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية في ( برلين )، قوات التحرير تتقدم نحو المدينة، حيث بدأت على بعد 61 كم وأنتهت إلى رفع راية التحرير فوق قمة متهدمة من ( رايخشتاخ ) الذي جعل من تعذيب الإنسان ومن إبادة الجنسي البشري وتجويع البشر شعاراً وشريعة، حتى ذهب منفذوها إلى جهنم هروباً وأنتحاراً أو ألتف الحبال حول رقابهم ( في شباندو )، القصة كلها حكاية خراب ودمار وموت الضمير!!أجل موت الضمير ذلك هو مشكلة الإنسان، الدور والأبنية تتهدم، على الرؤوس، تطمر أجساد بشرية تحت الأنقاض، تتلون الشوارع والأرصفة والأزقة بلون الدم الأحمر القاني، بقايا أدمغة بشرية هنا وهناك، القذائف والطلقات النارية والقنابل تمزق كل شيء حتى البشر وتحوله إلى أشلاء، الدخان الأسود يملاء السماء وقصبات الأطفال والنساء والعجزة، البرد يقتل والجوع يقتل، نساء أستوردن للسخرة وإمتاع الماردين، كل لحظة كانت تحمل موتاً للضمير،والعيون تظل ترنو في الظلام إلى نور يهدي بصيص أمل،وتلك هي موت الضمير.

أنتهيت من كتابي على صياح الديك ليؤذن إعلان الفجر، وحتى بات صوته يرن في إذني وكأنه يصيح موت الضمير.. موت الضمير .

هرب النعاس من جفني وأزداد قلقي وتوتري نهضت لأصلي ركعتي الفجر وانا أدعو من الله القدير بأن يُحي الضمائر ويجمع أمتنا على الألفة والمحبة، ثم تمنيت في هذه اللحظة أن أعود إلى أهلي سالماً أنا و اصدقائي.

مرت ساعات الصباح من يوم الخميس 12 حزيران كالدهر، الأجواء متوترة، الوضع محمومٌ ومربكٌ تتخلله بعض اللحظات الهستيريا، أوامر غريبة، ضجيج دون سبب ومعرفة، وجوه بعض قادتنا تحمل ألف علامات الإستفهام؟!!، رائحة الغدر والخيانة باتت تفوح شيئاً فشيء، كل شيء حولنا يدل على مؤامرة سرية مجهولة، وما أن أقتربت الساعة من التاسعة صباحاً حتى نادونا للتجمع، ودون مقدمات أخبرونا أن الأوضاع آمنة وليس هناك ما يقلق وسوف تحصلون على إجازات لمدة أسبوعين، تلتحقون بعدها، عليكم النزول بملابسكم المدنية وعليكم أن تتركوا هوياتكم ووثائقكم وأجهزات جوالكم هنا تحسباً لوجود المسلحين على طريق بغداد، أزداد شكِ وبدأ مفعول حاستي السادسة تزداد، وأيقنت أن هناك شيئاً سوف يحدث، رغم أن زملائي كانوا عاديين جداً ولم تبدو عليهم أي علامات الأستغرب، ولم يدركوا أن الخيانة تسلك طريقها إلينا كسرعة البرق، هكذا حتى بدأت حكاية موت الضمير، قادونا في طابور يتقدمنا ماردين ملثمين بالسواد فتحوا علينا العصي والهراوات، جراح تنزف منا، رايات سوداء ترفع، كل شيء أسود حتى شمس الضحى بدا لي كأنه موشح بالسواد، طلقات نارية أنهالت كزخات المطر، أختنقت الأصوات وأحتضرت الأرواح وأبيدت الضمائر.
وبدأ المسلحين يقومون بتفتيشنا بحثاً عن الأسماء والهويات والهواتف، أستمر هذا المشهد التراجيدي أكثر من ساعة، ثم هجم علينا المسلحين وقيدونا وعصبوا أعيننا وأركبونا في سيارات حكومية، وبعد مسافة توقفت السيارات وطلبوا منا الترجل منها أخذوا يضربوننا بأعقاب البنادق يقودونا في غرفة منفردين للتحقيق معنا والتأكد من أنتمائتنا كنت من بين المنتظرين لدورهم وأنا في غضم الذهول، أدخلونا في أحدى القصور الرئاسية، ورمونا في غرفة ضيقة أمتلأت بالأسرى، وبعد ساعات بدأ الموت الطائفي من جديد كان البعض يعادون إلينا وهم مبرحون ضرباً وتعذيباً وبالكاد يتنفسون، فيما ذهب البعض الآخر ولم يعود لأنهم يبدوا قد حصلوا من خلال إنتمائهم المذهبي إلى مبتغاهم، وأيقنت أن أصدقائي الأعزاء كانوا جميعاً من بين هؤلاء، كل شيء حولي بلا ضمير، وأنا بين الحلم والحقيقة أعيش، شعرت بأن الموت قادم نحوي أيضاً لا محالة، أخذت أتشهد وأتلو الآيات واحدة تلو أخرى، ومرت سلسلة حياتي أمامي كشريط سينمائي سريع العرض رأيت من خلالها أمي وأبي الغاليين إخوتي الأعزاء وأصدقائي الأوفياء، طفولتي صبايا حارتي، جارتي وحبيبتي ياسمين.
رميت بدفعة فولاذية تحت أقدام الماردين تذوقت طعم الطين المعجون بدماء قانية شممت رائحة التراب ومن حولي دمار وفناء وإبادة أخذوا يرموني بحفنات التراب، أختلطت أنينا وآهاتنا بأنين الأرض، أنفاس متقطعة محتضرة تلهث بحثاً عن الفناء.. الأندثار.. الموت.. الضياع.. الخلاص..المتهات في وطنٍ مات فيه الضمير وأندثر، في عالم مفقود الضمير كل شيء فيه مباح، لا جدوى من المقاومة لا جدوى من الصياح لا جدوى من البكاء لا جدوى من الدفاع لا جدوى من أي شيء حينما تجابه من هم أموات الضمائر، الروح ألتهمها اليأس، وللجسد ليست قيمة طالما أندثر في التراب، هنا تذكرت والدي الحبيب وكتابه والحرب العالمية الثانية ورايخشتاخ، وخجلت من نفسي حينما أخبرته أننا في القرن الحادي والعشرين، نظرت إلى السماء الزرقاء الصافية، تمنيت لو أن السماء تتلبد بالغيوم وتمطر حجراً من النار لتفقئ بها عيون الغادرين، كما حدث في معجزة الكعبة وعلى جيش إبرهة، ولكني أدركت بأنني لسنا في عصر المعجزات حيث تموت الضمائر، وأدركت أن التاريخ يعيد نفسه كلما ما مات الضمير، وبقيت لأخر لحظة أردد دون وعي نشيد موطني الذي أبى ترك شفتي بتردديه وأنا في غضم الأحتضار أمام موت الضمير.


موطني... موطني

الجَلالُ والجَمالُ والسَناءُ والبَهاءُ

في رُبَاك

وَالحَياةُ وَالنجاةُ وَالهَناءُ وَالرجاءُ

في هواك

هل أراك سالماً مُنعماً وغانماً مُكرماً

هل أراك في عُلاك تبلغُ السِّماك

مَوطني... مَوطني

الشبابُ لمْ يَكلَّ هَمهُ أن تستقلَّ أو يبيدْ

نَستقي مِن الردى وَلن نكون للعِدا كالعبيدْ

لا نريد ذُلنا المؤبدا وعيشنَا المُنكدا

لا نُريد بلْ نُعيدْ مَجدنا التليدْ

مَوطني.. موطني

الحسامُ وَاليراعُ لا الكلام والنزاعُ

رَمزُنا ومَجدنا وَعَهدُنا وواجبٌ إلى الوفا يَهزُنا عِزُنا

غايةٌ تُشرفُ ورايةٌ تُرفرفُ

يا هَناك في عُلاك قاهراً عِداك

مَوطني... مَوطني

 

 

زوزان صالح اليوسفي


التعليقات




5000