..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل ..الجزء الاول

د. بتول قاسم ناصر

مقدمة : فلسفة الطب 

الـفلسـفة هي العلم الذي يبحث في القضايا المجردة و يحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى عن الكون والوجود . وهي العلم الوحيد الذي كـان معـروفا في العصور القديمة . وتعد الفلسفة أم العلوم فهي تحضن جميع العلوم ، وذلك لأنها ترتفع في نتائجها الى مستوى المعرفة المطلقة العامة التي لها امكان ان تحتضن ماهو خاص في تلك العلوم وأن تعمم نتائجه .

  ولقد قام الطب على أساس الفلسفة وكان الأطباء في ما مضى كلهم فلاسفة فأبو الطب في العالم ( أبو قراط ) كان فيلسوفا ً معروفا ً وكذلك كان جالينوس وكل الأطباء القدامى ومنهم الأطباء العرب الذين كانوا مدراس للعلوم بكل أنواعها ، فابن سينا والرازي والكندي وابن رشد وغيرهم كانوا فلاسفة مرموقين ً. فالفلسفة كانت أساسا لعلوم الأوائل من العلماء العرب والذين سبقوهم . ولقد كان الطب العربي في المراحل المتقدمة منه يعتمد على التراث الفلسفي اليوناني وعلى الطب اليوناني والمصري القديم وعلوم و تجارب الأمم السابقة . وفي عصر الترجمه  ترجم العلماء العرب للعربية كتب الطب القديمة وخاصه كتب مؤسسي الطب اليوناني ابوقراط وجالنيوس . لقد كانت الفلسفه اليونانية الاساس الذي بنى عليه العلماء العرب  إنجازهم الكبير في علم الطب وقد طوروا ذلك الأساس وأضافوا اليه من الشيء الجديد الشيء الكثير من خلال تجاربهم و ملاحظاتهم . 

 وقد ارتفع الأطباء الفلاسفة العرب بالطب من مجرد مجموعة معارف تراكمت عبر الممارسة التي تقوم على الخبرة، إلى مرتبة العلم الذي تؤسسه "كليات"، أي أسس ومبادئ ومناهج يجب أن تعرف وتؤخذ كأساس للفكر الطبي وهذا ما فعله مثلا ابن رشد في كتابه (الكليات في الطب)  فالكتاب هو أقرب إلى أن يكون كتابا في فلسفة علم الطب، أو الابستيمولوجيا، بالمعنى المعاصر، منه إلى كتاب في الطب كممارسة(1) .

وفي القرن التاسع عشر، أصبحت فلسفة العلوم موضوع اهتمام ، وهي أحد فروع الفلسفة التي تهتم بالأفكار و الافتراضات والأسس الفلسفية الموجودة ضمن العلوم المختلفة ، وتحاول تعميم نتائج هذه العلوم والارتفاع بها الى مستوى الكليات الفلسفية وتبحث عن صحة نتائجها  ومقولاتها العلمية والتأكد منها لدى الفلسفة .



جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل في الفلسفة :


سنقتصر في بحث هذه القضية الفلسفية على ما قاله الفلاسفة اليونانيون الكبار ( سقراط وافلاطون وأرسطو )(2)وقد تطرقوا الى هذه القضية وهم  يبحثون عن الحقيقة الجوهرية التي تكمن وراء الأشياء والتي تحكم الكون كله وقد ولجوا الى باب هذه الحقيقة عن طريق قضية التناقض .

  لقد آمنت الفلسفة القديمة بمبدأ التناقض ووحدة الأضداد على عكس ما يقال من إيمانها بمبدأ عدم التناقض ، وآمنت بمبدأ الهوية . فالفلسفة الميتافيزيقية لا تنفي وجود الأضداد وما يحصل بين الأضداد من صراع أو تفاعل ، كما ان هذه الفلسفة لم تنكر الحركة .. وهذا التفاعل و الحركة بين الأضداد الخارجية هو من الديالكتيك ويمت الى التناقض الذي يقول به المنطق الميتافيزيقي بصلة .

إن التناقض بين الأضداد المستقلة إنما هو أمر ملاحظ ومعروف وهويدرك بالحواس وبالعقل . ومن صور التناقض التي تكلم عليها الفلاسفة الأقدمون التناقض بين الشيء وضده و التناقض بين الشيء ونفسه وهو الذي ينتج عنه تطور الأشياء والظواهر وتقدمها من مرحلة الى أخرى وهذا تحدثوا عنه من خلال التناقض بين الصورة والهيولى أو الجوهر و المادة .  

فمن صور التناقض لدى إفلاطون فضلا عن التناقض بين الأضداد الخارجية التناقض بين الصورة والمادة  فهو يصفهما بما يجعلهما يتناقضان . فالمثل لدى إفلاطون وهي من عالم الصور تتناقض مع الوجود المحسوس الذي هو من عالم المادة ، وهو يصفها بأنها الأسس الأولى للوجود ولا أساس لها وهي جوهر الأشياء ولا جوهر فوقها ولا يحدها زمان ولا مكان فهي أزلية أبدية لا تكون ولا تفسد .. إن عالم المثل هو عالم الأفكار والمعاني وهذا مبرر شرفه وكماله وأما عالم المادة فهو عالم الأشباح والظلال وهذا مبرر خسته ودناءته وهو يصف عالمنا بأنه عالم الأشباح والظلال في مقابل عالم الحقيقة ... المثل أولى الجواهر وأولى الموجودات وأجدرها بالوجود وهي الوجود الحق وكل ما عداها هو وهم وخيال فالوجود العقلي عنده أولى من الوجود الحسي . المثل من عالم الصورة المجردة من المادة او الهيولى وهي المصدر الأساسي لكل وجود هيولاني .. هي مصدر المادة التي هي عدم ووهم . يقول إفلاطون ان الصور مفارقة للمادة فهي جواهر تقوم بذاتها ولا تحتاج الى ما تقوم به غير ذاتها فهي مبدا كل وجود وكل وجود إنما منها يستفيد وجوده ولم يستطع تصور الهيولى أو المادة تصوره لشيء موجود باستمرار بل لقد قال  عنها إنها عدم صرف .

 وبالنسبة الى الوجود الإنساني فإنه مكون من صورة ومادة  كذلك ، فهو يتألف من نفس و  بدن . ويذهب إفلاطون الى ان النفس جوهر روحاني مفارق كان موجودا قبل وجود البدن وسيظل موجودا بعده وما وجوده مع البدن الا لفترة قصيرة من الزمن سيغادره بعدها الى الملأ الأعلى . التناقض بين النفس والبدن عند إفلاطون هو تناقض بين الصورة المفارقة للمادة  والتي هي جوهر روحاني خالد ومستقل وهو من عالم المثل وبين المادة التي هي عنده عدم وسلب أي ان التناقض بينهما تناقض بين الوجود والعدم اللذين يعيشان حالة انفصال وليس حالة تلازم .. 

إن عالم المادة أو العالم المحسوس  هو الصورة المتحركة للأبدية التي هي العالم المعقول وهو المثل . وهو يرى أن هذا العالم وكائناته المحسوسة لا تنشا الا عن مشاركة جزء من المادة في مثال من المثل فيتشبه به ويحمل على بعض كماله ولكنه ليس هو إياه إذ لا يمكن أن تكون المحسوسات هي المثل لأنها متصلة بمادة والمثل معقولة . إن المادة التي صنع الله منها عالمنا ليست حقيقية في أصلها لأنها ليست وجودا وإنما هي سلب للوجود ، إنها عدم محض وخلاء مطلق لا صورة لها ولا قوام ولكنها تتقبل كل صورة تحل فيها لتتقوم بها مؤقتا وتكون جسما . وهي رخوة غير متماسكة وتتحرك حركات مضطربة آلية بلا نظام ولا غاية لها ولا تدبير في سيرها . وهذه المادة هي أصل العالم ومصدر الكثرة فيه وسبب ما نرى من فيه من نقص ومن خسة . وقد ذكر إفلاطون في إحدى محاوراته ان الصانع قد احدث العالم محتذيا المثل أي انه ركب الصورة المأخوذة عن المثل في المادة الخام ( التي كانت عدما ) ومن هنا قال بعض المفسرين إن افلاطون يقول بحدوث العالم . لقد نظر إفلاطون الى المادة بأنها كانت سلبا أو عدما او فراغا في الأصل ولكنها تصبح شيئا واقعيا بعد أن تتلبسها الصورة أو الجوهر أو المثل . إننا نرى أن إفلاطون لا يختلف مع أرسطو في تصوره للمادة فأرسطو عبر عنها بالوجود بالقوة أو بما هو( ممكن الوجود قبل أن يوجد) وعبر افلاطون عنها بالسلب او العدم الذي يتحول الى وجود ونرى أن كلا التعبيرين يصدق على تصور واحد لم يختلفا فيه فالمادة لم تكن وجودا واقعيا إنما كان لها بعض التميز عن الوجود الجوهري أو الوجود بالفعل كما يسميه أرسطو والذي تمثله المثل او الله  ولذا فإننا استعملنا تعبير أرسطو في االعنوان ليدل على المفهومين .  هذا وإن المادة  كانت تتحرك حركة عشوائية غير منتظمة  الا أن الصانع تدخل لكي ينظم الكل تنظيما يظهر فيه اثر العقل والروية والغائية أي انه جعل حركتها موجهة بالعقل وإنها تتجه الى غاية إلهية . فتكونت جزئيات من المادة وتميزت في أشكال مختلفة حتى نشأت العناصر الأربعة . ومن هذه العناصر خلق الصانع جسم العالم وجعله على شكل الكرة أحسن الأشكال كما صنع الأشياء فيه على نماذج المثل ، لكن جميع الأشياء في العالم تظل تقليدا ناقصا لعالم المثل أو نقلا مبتورا عنه وهذا النقص لم يكن لعجز في الصانع بل لضعف في طبيعة المصنوع أي ضعف في الجانب المادي لا الجانب الجوهري ، فإذا لم يكن العالم كاملا فهو قريب من الكمال على كل حال أو قل هو تقليد للكمال . وهذا يعني أن المخلوقات المادية تبقى تتناقض مع عالم المثل الذي أراد الله الصانع لها ان تكون على غراره بسبب النقص الذي تعاني منه بسبب طبيعتها المادية . ولأنها تتضمن المثل أي تتضمن غاية إلهية وعقلا إلهيا فإنها تحاول أن تتجاوز هذا النقص حتى تكون في أعلى صورة لها . فالحركة كما يفسرها افلاطون إنما هي صراع وتفاعل بين عالم المثل الكامل أو عالم الصور وبين العالم الواقعي المحسوس الذي يتضمن في داخله نقصا هو ما عبر عنه بالعدم أو السلب الذي تحاول الأشياء أن تطرده عنها لكي يتحقق وجودها كاملا ، أي ان هناك صراعا يدور بين المادة التي هي عبارة عن انعكاس غير كامل عن المثل وبين المثل التي هي الجوهر الكامل ، إنه صراع بين الكل الكامل الذي هو جوهر الأشياء والجزء الناقص الذي هو الظاهر المتحقق منها . وهذا الصراع هو الحركة في العالم المحسوس .. إن الحركة إنما هي صراع بين المتناقضات ولكن قبل أن يخلق هذا التناقض وتخلق الأشياء المادية الواقعية كانت هنالك حركة – كما يذهب افلاطون - ولكنها حركة مضطربة لم تتوجه الى غاية فنظمها الصانع وشاء لها أن تتوجه بالعقل وبالغائية ومن هنا لا نستطيع أن نستنتج أن التناقض الواقعي هو مصدر الحركة عند إفلاطون ، نعم إنه مصدر الحركة المنظمة المتجهة الى غاية ولكنه ليس مصدر الحركة مطلقا لأن هذه كانت موجودة قبل أن تخلق المادة وهي موجودة كذلك عند أرسطو. إن هذا العالم متحرك ومحسوس وهذه الحركة المحسوسة هي الزمان الذي خلقه الصانع . لقد خلق الزمان بخلق العالم المحسوس ووجدت القبلية والبعدية فقد كان زمان الموجودات الأرضية من عمل الصانع اذ انه قد ولد بميلاد العالم المحسوس الذي هو الصورة المتحركة للأبدية التي هي العالم المعقول ..

أما أرسطو فرغم اختلافه مع افلاطون بكونه اتجه الى الواقع فإنه أبقى على المقدمات الافلاطونية في  نظرياته في أكثر من موضع ومن هذه النظريات نظرية الصورة والمادة او الهيولى فلم يكن واقعيا صرفا ولا مثاليا صرفا ..

يرى أرسطو من باب التناقض بين الجوهر والمادة أن الجوهر هو الأول في الوجود وأحق المقولات باسم الوجود إذ بانعدامه تنعدم جميع الموجودات وأما المقولات الأخرى فوجودها بالتبع لأنها حالات للجوهر . وهو سابق عليها جميعا فإنها تتقوم به أما هو فلا يتقوم إلا بذاته ، هو الشيء القائم بذاته . وهذا هو المفهوم المنطقي للجوهر أما المفهوم الوجودي له فهو ما يشير الى مفردات هذا العالم فهو الفرد الجزئي المكون من مادة وصورة ، أي ان الجوهر لا وجود مستقل له الا بالمنطق لا في الواقع  ما عدا الجوهر الذي يمثله الوجود الإلهي والذي لا يتحرك ولا يقترن بالمحسوس . 

 أرسطو الفيلسوف الواقعي يركز على الوجود العيني المحسوس فالكلي عنده رغم كونه شيئا حقيقيا وموضوعيا إلا انه ليس له أي وجود مستقل فإنما الوجود للجزئيات لا للكليات وكلما اقترب الشيء من الوجود الفردي كان أمعن في الوجود ، فمدار الجوهرية عند أرسطو إنما هو التحقق العيني والوجود في الخارج فكلما اقترب الشيء من هذا التحقق كان أمعن في الو جود وبالتالي أمعن في الجوهرية . لكن أرسطو لا ينفي ان تكون هناك جواهر مفارقة للحس وبريئة من المادة فهناك جواهر أزلية خالدة مفارقة للحس ولا تلحق بها الحركة على أي وجه كان وهي الله والعقول المفارقة والجزء الناطق من النفس المسمى بالعقل الفعال . والله هو صورة محضة لا تشوبها شائبة من الهيولى لأن الهيولى نقص وهو منزه عن النقص . ويترتب على ذلك انه فعل محض فلا يداخله شيء مما هو بالقوة وإلا لاحتاج الى فاعل آخر يخرجه من القوة الى الفعل فهو الأصل السابق بالنسبة الى الوجود المادي . وهو العلة الفاعلة  ، وهوعلة ذاته ولا يقتصر أمره على انه صورة محض او فعل محض وإنما هو في قمة الصورية والفعلية وأعلى درجة من درجاتهما . وهو خير محض لأن الخير المحض هو ما لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه ولذلك تصبو اليه كل الكائنات فهو العلة الغائية التي تتوجه اليها الأشياء والتي تحركها جميعا دون أن تتحرك . وأخيرا هو عقل خالص فلا عمل له إلا التعقل والتفكير . إنه يتأمل ذاته ويفكر فيها وحدها ، هو عاقل ومعقول وليس كالإنسان الذي ينشطر فيه العاقل عن المعقول .

 ولقد طبق نظرية الصورة والمادة في مذهبه في النفس فهو كأستاذه إفلاطون وقبله سقراط يقول بوجود بدن ونفس وهما نقيضان .. ولكن العلاقة بين النفس والبدن هي من الوثاقة والقوة بحيث لا يمكن للنفس أن توجد مفارقة كيف لا وهي صورة والصورة لا توجد مفارقة للهيولى ، فأرسطو ينكر حالة الإنفصال والمفارقة إنكارا تاما ويقول بتلازم المادة والصورة تلازما ضروريا لا مجال فيه لفصل أحدهما عن الآخر الا في بعض حالات وفيما عدا ذلك فكل شيء آخر لا تنفك فيه الصورة عن المادة فلا تفرقة بين المادة والصورة في الحالات الاعتيادية إلا  في الذهن وعلى سبيل التجريد ومن اجل العلم فقط اما من حيث التحقق العيني في الوجود فإن الطرفين يوجدان معا على الدوام ، لا وجود للصورة مفارقة للمادة فيه. .

إن عدم وجود الصورة أو الجوهر مفارقا للمادة إنما يخص الأشياء المادية فقط فجوهرها ملازم لها وهو ينزع بها نحو تحقيق الغاية من وجودها أو القوانين المتضمنة فيها . لا توجد مادة بدون جوهر  والمادة بدون جوهر( هي مادة في حالة كمون والجوهر هو الذي يجعلها حركة ) .

إن التناقض بين الموجودات لدى أرسطو أمر واقع وتتعدد أشكاله وهو يؤلف ثنائيات متلازمة وهذه الثنائية نراها تتجلى في كل فلسفته من حيث أن كل شيء يتكون من مادة وصورة حيث الصورة (الكيفية الفاعلة ) والهيولى أو المادة ( الكيفية المنفعلة ) . والتناقض في الأشياء هو حلول احد الضدين بعد الآخر بوساطة خروجه من القوة ( وهي المادة قبل أن يمسها الفعل ) الى الوجود المتحقق  .

إن التناقض في الأشياء يتخذ حالة الفرق بين نسبة المادة الى نسبة الصورة . حيث أن المادة أو الهيولى توجد في حال القوة قبل ان تخرج الى حال التحقق فتزيد من نسبة المادة أو نسبة الصورة المتجسمة في المادة . فالتناقض هو تناقض بين نسبة ما يتحقق من الوجود بالقوة الى نسبة الوجود بالفعل (الجوهر) ، بين نسبة الوجود الواقعي الى نسبة الوجود الجوهري الكامن . ومع أن أرسطو يقول ان المادة والصورة لا يمكن أن يفترقا ( في الأشياء المادية ) فإنه يتبين من تفسيره إنه توجد حالة للمادة تكون مجرد إمكانية للتحقق وأنها غير متحققة لأن الجوهر غير متجوهر فيها فهي منفصلة وغير ملتحمة بالصورة بعد وإنها تمثل نقصا في المادة يجعل المادة لاتعكس أو لا تمثل كل الصورة . وهنا يمكن أن نلاحظ حالتين متناقضتين : الحالة الأولى هي الصورة الجوهرية الكاملة والثانية هي واقع متحقق ولكن ينطوي على إمكانية ، وهذا يعني انه تناقض بين ما هو كامل وبين ما هو ناقص عن الكمال وهذا هو التناقض كما يراه أرسطو ، انه تناقض بين الكل وبين الجزء ، بين ما هو كل كامل وما هو جزء ناقص .

إن نسبة ما يتحقق من الصورة في المادة يجعل المادة تتناقض مع جوهرها وهو عالم الصور تناقض الجزء مع كله . فالعالم على درجات بعضها فوق بعض بتفاوت نصيبها من المادة والصورة . وما هو في درجة منحطة فمادته غلبت على صورته أي ان نسبة المادة التي لاتعكس الصورة أكبر .

هناك صراع دائم بين الصورة والمادة ولأن الصورة تنحل فيها العلة الغائية والعلة الفاعلة إذ الصورة فعل أو كمال فإنها تقتضي بطبيعتها الحركة وذلك لأنها تسعى الى الكمال وهذا هو غايتها ، وسعيها هذا يقتضي منها الحركة التي تتجاوز فيها ما هو كائن الى ما يجب أن يكون . وأما المادة فهي قابلة للحركة وتلقي أفاعيل الصورة فهي منفعلة لا فاعلة . هذه هي الناحية الحركية أو الدينامية في مذهب أرسطو . ففي الوجود دينامية دائمة وحركة لا تنقطع وبحكم هذه الدينامية فإن الصورة لا تنفك تجذب العالم الى أعلى كما أن المادة لا تنفك تجذبه الى أدنى ، فحركة العالم إنما تتلخص في جهد الصورة لتشكيل المادة ومقاومة المادة للصورة وعنها ينتج الكون والفساد في الطبيعة . فلولا مقاومة المادة لما كان فساد ولولا جذب الصورة لما كان كون فالكون والفساد أداة الطبيعة الى بلوغ أهدافها العليا وتحقيق غاياتها البعيدة في التحقق الكامل . أن الشيء ينطوي على ما هو وجود بالقوة وبواسطة حركة الصراع بين الصورة والمادة يخرج الذي هو عدم أو وجود بالقوة من القوة الى الفعل وبوساطة حركة التجاوز يتم تجاوز الصورة لكل الوجود بالقوة الكامن في المادة ..

 وبالنسبة للصراع الكائن في الجسم الإنساني بين النفس والبدن فإن النفس التي تقابل الصورة التي تقترن بها العلة الفاعلة تدفع الهيولى الى التحقق والخروج من حال الكمون او الوجود بالقوة الى الوجود الواقعي المتحقق وهذا هو تفسير نمو الجسم الإنساني . إن الخروج الكامل لما هو بالقوة يعني ما سماه سقراط بالتوليد فهي عملية تشبه الولادة حيث الخروج من عالم الكمون الى عالم الظهور والتحقق الفعلي .

 إن عملية الولادة تعبر عن التفاعل أو العلاقة بين الرجل والمرأة . والرجل يقابل الجوهر أو الصورة(الكيفية الفاعلة )  والمرأة تقابل الهيولى أو المادة ( الكيفية المنفعلة )  وبما أن أحدهما مقدم على الآخر فإن الرجل مقدم على المرأة ، فالرجل هو العنصر الفاعل أما المرأة فليست غير المادة التي يعمل فيها العنصر الفاعل والتي تتقبل فعل الفاعل . إن التفاعل الذي بين الذكر والأنثى وما ينتج عنه في عملية التزاوج هو انعكاس للتفاعل بين الصورة والمادة فكما إن الصورة تريد أن تتجلى  وتجذب العالم الى أعلى فإن الذكر يريد ذلك ويكون ناتج عملية التزاوج ذكرا  وبما أن المادة تحاول أن تجذبه الى أدنى تحاول الأنثى ذلك فيكون الناتج أنثى ،  فالصورة تسعى لتشكيل المادة كما تريد لولا مقاومة المادة للصورة وعن ذلك  ينتج الكون والفساد ، والكون والفساد أداة الطبيعة لبلوغ أهدافها العليا في التحقق الكامل للجنس الإنساني . أن االمرأة تنطوي على ما هو وجود بالقوة وبواسطة التفاعل بينها وبين الرجل ، بين المادة والصورة يخرج الذي هو عدم أو وجود بالقوة وبوساطة عملية التناسل بينهما يتم تجاوز الصورة لكل الوجود بالقوة الكامن في المرأة ..

إن الصراع بين الصورة والمادة إنما يسعى لتحقيق الكمال والوصول الى الأفضل ولما كانت العلة الغائية – التي تقترن بالعلة الفاعلة والعلة الصورية - هي الكمال الذي يتجه اليه كل معلول ولما كان وجود الهيولى هو وجود ممكن وغير واجب يخرج من القوة الى الواقع  فإن العلة الصورية الغائية الفاعلة تدفع الهيولى الى التحقق والظهور والوجود الواقعي وهكذا توجد الهيولى ويتحقق ظهورها . فالهيولى لا تتحقق الا بعد تحصيل الصورة لها أو تحصيلها هي للصورة وسعيها الى الالتحاق بها بسبب عشقها لها ، وهذا العشق المستمر للصورة من جانب الهيولى هو ما يسمى بالحركة ، فالصورة هنا هي علة حركة الهيولى وبشيء من هذا القبيل يفسر أرسطو تحريك الله للعالم . فهو علة غائية للكون تشتاق اليها الهيولى وتطلبها وهذا الشوق هو مصدر حركتها .

يفسر أرسطو ما نرى في الأشياء من تغير على أساس وجود موضوع قابل لتلقي أي فعل عليه . فالتغير لا يمكن تفسيره الا إذا سلمنا بوجود موضوع تطرأ عليه التغييرات و تتعاقب عليه ، وأن الهيولى هي هذا الموضوع القابل لأي صورة ممكن أن تتحقق فيها وقابل للتغير  . ولما كانت الهيولى مجرد قابلية واستعداد فهي قوة مهيأة للفعل ولكنها ليست فعلا إنها سلب للفعل او قل إنها لا تصبح أو لا توجد بالفعل الا عندما تحل فيها كيفية ما تعطيها صفاتها الذاتية وتكون ماهيتها وعندئذ تتجوهر ويدركها الحس . هذه الكيفية التي تحل في الهيولى هي الصورة فالصورة هي مجموع الصفات التي تطلق على شيء ما لأن بهذه الصفات يتم كمال الشيء فإذا سلبت عنه لم تبق فيه الا الهيولى فحسب أي إن الصورة هي الحالة الكاملة للشيء وهي التي تدفع الشيء للتحقق شيئا فشيئا فيحل عرض محل عرض آخر حتى يصل الى الكمال والنهاية وهذا التحقق يتمثل بالصراع بين المادة والصورة  .. فالوجود الحقيقي عند أرسطو إنما هو وجود الصورة لا الهيولى بينما وجود الهيولى أدنى مرتبة بكثير من وجود الصورة وذلك لان الوجود بالفعل أعلى مرتبة من الوجود بالقوة ، والهيولى وجود بالقوة بينما الصورة وحدها هي وجود بالفعل وليس معنى هذا كما يذهب أرسطو انه ليس للهيولى أي وجود والا لم تحدث الأشياء . 

إن الوجود المادي هو الوجود الفردي المحسوس المتحرك حركة واقعية محسوسة فالحركة هي أهم شرائط هذا الوجود عند أرسطو ، وهو يصف حركة الكون والفساد - وهي التي تتعلق بالصفات الذاتية للشيء وهي التي يتطور فيها الشيء بتجاوز التناقض فيه - بأن فيها يحل موجود محل موجود آخر أي إن الحركة فيها إنما تتم بين نقيضين . وتفترض الحركة عدة أشياء فهي تفترض أولا موضوعا وطرفين وعلة إذ لا بد للحركة من موضوع تقوم فيه والا امتنعت الحركة . وأما الطرفان فهما الاتجاه من والاتجاه الى فالحركة تتجه من حال القبلية أو التهيؤ الى حال التحقق والوقوع وباصطلاح أرسطو من حال القوة الى حال الفعل . ومن هنا فالحركة عند أرسطو إنما هي استكمال لما هو بالقوة او تحقيق له ، أن الشيء ينطوي على وجود بالقوة أو ما هو قابل لأن يكون مادة وبوساطة حركة الصراع بين الصورة والمادة - إذ تسعى الصورة الى إخراج كل الوجود بالقوة الى وجود في الواقع - يخرج احد النقيضين من القوة الى الواقع ويحل محل الوجود بالقوة ويتجاوزه وهذا ما يسميه حركة الكون والفساد التي تعني ترافق الحركة مع التناقض ..

إن الحركة لدى أرسطو نتيجة للصراع بين التناقضات الداخلية في وحدة المتناقضات والأضداد لينجم عن الصراع بينها تحقق جديد للوجود ، فهي سير تدريجي للوجود وتطور للشيء في الدرجات التي تتسع لها إمكاناته . ولذلك حدد المفهوم الفلسفي للحركة بأنها خروج الشيء من القوة الى التحقق تدريجا ، فالشيء المتحرك يحتوي على الفعلية والقوة أو الوجود والإمكان معا وهذا هو تشابك القوة والفعل أو الإمكان والوجود واتحادهما في الشيء المتحرك ، فإذا نفد الإمكان ولم تبق في الشيء طاقة على درجة جديدة انتهى عمر الحركة .  ويرى ارسطو أن في المحتوى الداخلي للشيء إمكانا للدرجة المقبلة واستعدادا  لها ،أي أن في داخل الشيء يتشابك (القوة ) و ( الفعل ) . أن التشابك والإجتماع والتفاعل في داخل الشيء هو الوحدة التي تجمع بين القوة والفعل ، ونستطيع أن نفسر القوة بالطاقة أو السلب الذي في الأشياء ، والفعل بالجوهر الكامل للشيء  الذي يسعى الى التحقق في ذلك الشيء فهو ما ينتقل اليه الشيء في حركته محققا تاريخ نفسه . الشيء المتحرك هو الوجود المتطور الذي يثرى ويتدرج بصورة مستمرة حتى تستنفد بالحركة تلك الإمكانات التي يتضمنها الشيء ويستبدل في كل درجة من درجات الحركة الإمكان بالواقع والقوة بالفعلية المتحققة . فالحركة كما يشرحها ارسطو إنما هي صراع وتفاعل بين الفعل والقوة  . والقوة والإمكان هو ما عبر عنه افلاطون بالعدم أو السلب الذي تحاول الأشياء أن تطرده عنها لكي يتحقق وجودها كاملا فتنتهي الحركة . وهكذا نجد أن ارسطو يفسر التطور واستمراره في العالم المادي بالتناقض بين المادة وجوهرها مادام أحد الجانبين واقعا متحققا (إيجابا) ولكنه ينطوي على سلب مازال إمكانا وقوة أو طاقة لما تتحقق بعد(عدما) فالجانب المادي متناقض وهذا الجانب بدوره يتناقض مع  (الصورة ) التي هي الوجود الكامل والتي تتضمن العلة الفاعلة والغائية التي تسعى الى الكمال ، أي ان هناك تناقضا وصراعا يخوضه الكل الجوهري الذي هو الكمال والغاية التي يتضمنها الشيء مع هذا الشيء الذي ما زال ينطوي على الوجود بالقوة مما يجعله جزءا متحققا من الكمال ولا يعكس الكمال كله ولهذا يسعى الكل الكامل الى تجاوز هذا الجزء الواقعي المتحقق الذي يتضمن سلبا والذي يعاني نقصا . وهو يقر بالاجتماع بين المتناقضات ( الكل والجزء )  ويقول باشتباك الجانبين ، وهذا الاشتباك يعني صراعا وحركة . فالحركة كما يشرحها ارسطو إنما هي صراع وتفاعل بين الواقع الذي يتضمن الإمكان والقوة وبين الصورة التي تمثل الكمال والفعل . 

من كل هذا الشرح نرى انه ليس صحيحا ما نسب الى المنطق القديم او منطق ارسطو من انه يقول بعدم التناقض وانه يؤمن بالثبات . فهو يقول بأن الوجود الحقيقي هو الوجود المادي المتحرك حركة محسوسة فالحركة هي أهم شرائط هذا الوجود . ويقول بالتناقض لكن لا بمعنى ان الشيء هو ضده ، إنما بمعنى أن الأشياء تتفاعل مع أضدادها المستقلة عنها وتتصارع وتكون لهذا التفاعل أو الصراع نتيجة وحركة وتغير . ولا يعني الاستقلال أنها لا تجتمع معها في وحدة فإن الأضداد تجتمع في ( وحدة الأضداد ) ولكن دون أن يمس مبدأ الهوية وإن الأشياء تنطوي على التناقض ولكن المتناقضات تحتفظ بهويتها وتتفاعل فيما بينها ونتيجة هذا التفاعل أن الجانب الذي يمثل الوجود السابق هو الذي ينتصر فيؤثر في الجانب السالب أو يطرده من وحدة العلاقة ويؤول الأمر اليه وهذا ما نفهمه من فلسفة ارسطو فهناك صراع بين نقائض وأضداد (مجتمعة في وحدة ) وهذه الوحدة تتيح للمتناقضات أن تتفاعل لتتحول وتتغير أي تتحرك ولا تثبت .. فهذا كله لا يتنافى مع مبدأ عدم التناقض الذي تأخذ به الفلسفة الكلاسيكية ونحن هنا نفهم ان احد النقيضين في علاقة (الوجود) بـ(العدم) وهو (العدم) كما يسميه افلاطون أو (الوجود بالقوة) كما يسميه ارسطو يتحول الى وجود لكن (الوجود) لا يتحول الى (عدم) أي أن احد النقيضين وهو الوجود السابق هو الذي ينتصر على نقيضه ومن خلال مراحل من عملية النفي أو التجاوز ويبقى بعد انتهاء عملية الصراع او الحركة وانتهاؤها ، فالحركة ليست أزلية كما يذهب ارسطو(3)  .


جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل في البيولوجيا: 


عرفنا من هذه الحقائق الفلسفية وكذلك مما فصلنا به في بحوث لنا سابقة (4) ونوجزه الآن أن هناك قانونا عاما يحكم كل الوجود وهو يتضمن عدة مباديء فلسفية منها : إن التناقض يتخلل الوجود وإن المتناقضات ترتبط بعلاقات التناقض ولا وجود لها خارج هذه العلاقات أي انها خارج هذه العلاقات عدم وهنا تنشأ علاقة تناقض بين الوجود (العلاقة) والعدم (أحد طرفيها خارجها) . وكما ان العلاقة وجود فهي حركة وصورة هذه الحركة صراع بين النقيضين وإن نقيض الحركة (العدم)هو سكون . إن علاقات التناقض هي علة وجود المتناقضات إذ لاوجود لها خارج هذه العلاقات كما قلنا ، وإذا كان  أحد النقيضين لايتعرف أو يوجد إلا من خلال هذه العلاقات فهذا يعني أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها ، وإن أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها تعني أسبقيتها بأحد طرفيها وقد سميناها هنا (أصل العلاقة) أو (أصل الحركة) أي إن أحد النقيضين (في علاقة الحركة بالسكون أو الوجود بالعدم) هو العلاقة وهو أصل العلاقة عندما يكون سابقا . إن أحد النقيضين في كل علاقة سابق  على الآخر، وهذا يمثل الوجود، وإن النقيض الآخر هو العدم قبل أن يخلق ليظهر الى الوجود ويكون وجوداً ظاهراً . 

أن أسبقية أحد النقيضين الذي سميناه (أصل العلاقة) أو (أصل الحركة) على وجود نقيضه الآخر(العدم) الذي يرتبط معه بعلاقة التناقض يجعله وجوداً جوهريا كامناً لأن النقيض الآخر لم يوجد بعد ليوجد الاختلاف والتناقض ويتميز النقيضان ويصبح الوجود ظاهراً. فأسبقية هذا النقيض تجعل وجوده كامناً فإذا تحول العدم الى وجود أظهر صفة الوجود السابق عليه وأصبح هذا الوجود السابق ظاهراً متميزاً.. وقلنا إن العدم يوجد على مراحل محددة (إذ لا يظهر كل العدم مرة واحدة لأن وجوده وجود جزئي عكس الوجود الجوهري الكلي) فالهيولى أو ما هو وجود بالقوة يوجد على مراحل كما ذهب أرسطو ، وان ايجاده كاملا ينتهي بانتهاء هذه المراحل وإذا ما تم ايجاده كاملا أي أصبح وجودا ولم يعد عدما انتهى التناقض بين النقيضين وانتهت علاقة التناقض التي تضمهما .

إن الوجود الكامن جوهر او مضمون وبعد أن يخلق نقيضه فإنه يصبح وجودا ظاهرا ولكنه لايظهر منه الا الجزء المحدود الذي يعادل الجزء المحدود الذي يخلق من نقيضه ، وهنا تنشأ علاقة تناقض وعلاقة صراع جديدة بين الوجود الكلي الكامن والوجود الجزئي الظاهر الذي ينطوي على العدم أو الوجود بالقوة مما لم يتحول بعد الى وجود ظاهر ، وأن علاقة الصراع بين الوجود الكلي الكامن او الجوهر وبين الوجود الظاهر (الذي تحقق جزء منه في الواقع) تبقى مستمرة ، إذ لا يكون  التحول الى واقع مادي يظهر الوجود السابق مرة واحدة فهذا يحدث على مراحل حتى ينتقل الى الكمال الذي يمثله هذا الوجود ، أي ان الجوهر يتناقض مع المادة بسبب عدم تحولها مرة واحدة الى وجود ، واذا كان التناقض صراعاً فإن الصراع يبقى طالما وجد تناقض بينهما ، بين المضمون والشكل. وإنهما متى  ما تطابقا انتهى التناقض وتوقف الصراع لأن غاية الصراع أن يبلغ بالشكل الى كمال المضمون .

 ونحن ندرس هذه الحقائق من خلال الإنسان بوصفه علاقة بين ذكر وانثى - وهما مختلفان - ومن خلال الخلايا التي تكون جسمه باعتبار كل خلية علاقة بين عوامل ذكرية واخرى انثوية .. فبالنسبة الى  العاملين الجنسيين الذكري والأنثوي اللذين تابعنا من خلالهما هذه الحقائق الفلسفية ، فإننا ذكرنا في بحوثنا السابقة أننا نفترض أن الذكري هو السابق أي ان الأنثوي كان عدما عندما كان السابق موجوداً. وعندما يوجد هذا النقيض الذي كان عدماً، فإنه تخلق بعد إيجاده  العلاقة بينه وبين نقيضه الذي كان موجودا أو كان له أصل سابق في الوجود والذي سميناه أصل العلاقة والذي يكون علاقة بعد وجود نقيضه العدم . ونحن نربط بين هذه العلاقة والعامل الذكري ، فهو علاقة بينه وبين العامل الأنثوي (XY)، ونربط بين العامل الأنثوي (X) والنقيض الآخر الذي كان عدماً والذي يوجد من العدم. 

إن العامل الذكري علاقة(XY) بينه وبين العامل الأنثوي ، إذ انه يتكون من عاملين مختلفين، وإنه سابق على العلاقة ، أصل للعلاقة . وعندما يكون أصلاً فإنه يكون بأحد طرفيها، العامل (Y) ثم يوجد نقيضه ليتحول الى (XY)، أي الى رجل، فالرجل علاقة بين عاملين. وعندما كان بعامل واحد لم يكـن انساناً، إنما كان وجوداً يتصل بوجود سابق على الخلق، فعندما نقول إن الرجل سابق فهذا يعني أن له أصله السابق في الوجود. وعندما يوجد نقيضه أو يظهر يظهر هو كذلك فقد قلنا إنه يتحول الى علاقة (XY) والعلاقة وجود متعين أو ظاهر . 

الرجل علاقة (XY) وإنه يوجد نوعان من الحيوانات المنوية بعضها تحتوي على نسخة من كروموسوم (X) وبعضها الآخر يحتوي على نسخة من كروموسوم(Y)ِ. أما البويضة، فإنها تحمل العامل (X) وحده. فالبويضات جميعها متشابهة حيث تحتوي كل واحدة منها على نسخة واحدة من كروموسوم (X) فضلاً عن بقية الـ(22) كروموسوماً الأخرى. واذا لقح حيوان منوي يحمل كروموسوم (X) بويضة فإن الجنين يكون أنثى. أما اذا كان الحيوان المنوي يحمل كروموسوم(Y) فإن الجنين يكون ذكراً. فالعامل الذكري هو الذي يحدد نوع وجود الطرفين: الذكر والأنثى .

وقد عبرنا – في بحوثنا السابقة - عن هذه الأطراف الجنسية المتفاعلة في جسم الإنسان من خلال المركبات العضوية الموجودة في الخلايا وقلنا إن العامل الذكري يمثل الوجود الجوهري( لأنه الوجود السابق وهو مصدر وجود كلا الطرفين الذكري والأنثوي) وهذا العامل تمثله الحوامض النووية(DNA) التي هي الوجود الجوهري في الخلية . ولقد عرفنا في البحوث التي أشرنا إليها أن الرجل يأخذ من العامل الأنثوي ما يساعده على الظهور وهوالميتاكوندريا إذ يرثها الرجال من أمهاتهم ولا يستطيعون أن يورثوها ، فالعامل الأنثوي تقترن به وحده الميتاكوندريا التي هي معمل الطاقة في الخلية وهي التي تصنع البروتينات التي هي مادة بناء الخلايا التي يبنى منها الجسم ، ولقد قلنا إن أهم ما يؤكد تمثيل المرأة للجانب المادي وجانب الظهور هو امتلاك البويضة  للميتاكوندريا دون الحيمن فيتم توارث جينات الميتاكوندريا الموجودة في البويضة ولا يسهم الحيوان المنوي بأي منها . ولاتقترن بالعامل الأنثوي مادة البناء فقط بل مدة ظهور هذا البناء وعمره في الأرض فالجينات التي بها يرتبط عمر الإنسان موجودة على العامل الأنثوي . إن العامل الأنثوي سبب ظهور الرجل وظهور الأنثى وهذا عرفناه في بحوثنا السابقة .

 إن الجينات الذكرية (الحيامن ) لا تمتلك الميتاكوندريا فيتم توارث جينات الميتاكوندريا عن طريق البويضة لا عن طريق الحيمن ، فعند تخصيب البويضة يساهم الحيمن في جينوم النواة فقط إذ ان نواته فقط تدخل البيضة بينما يطرح او يبقى السايتوبلازم الذي يحوي نسبة بسيطة من الميتاكوندريا خارج البيضة ، وهذا يعني أن جينات الرجل أو الوجود الجوهري له لاتبارح النواة ونحن نعرف أن نواة أو بذرة كل شيء تحتوي على الوجود الجوهري له ، فهذا يؤكد أن وجود الرجل وجود جوهري فجيناته تلازم النواة التي تحتوي على الوجود الجوهري الكامن ، ثم إنه لا يمتلك جينات الميتاكوندريا التي توجد في السايتوبلازم والتي تعطي الوجود الظاهري للجينات . إن هناك جزءا قليلا من الميتاكوندريا لدى الحيمن وهو يوجد  في القطعة الوسطى منه أوغمد الذيل  وهذا الجزء لا يدخل البيضة ووظيفته أنه يزود الحيوان المنوي بالطاقة التي يحتاج اليها في حركته السريعة باتجاه البويضة ثم يطرح السايتوبلازم الذي يحوي هذه النسبة البسيطة من الميتاكوندريا قبل دخول البويضة كما قلنا .

إن الرجل أو العامل الذكري يمثل الوجود الجوهري ونحن عبرنا عنه بالجينات فهي تمثله ، ولكن الجينات تمثل الأنثى كذلك وجيناتها توجد في نواة الخلية ونقول نعم فجينات الرجل والمرأة توجد في النواة مادام كل منهما وجودا إنسانيا يسعى الى التجلي والنمو ولكننا نبحث عما يتميزان به أو يختلفان وهو ما يعبر عن أصلهما ما دمنا ننظر إليهما من خلال علاقة الاختلاف أو التناقض التي تضمهما ، فالمرأة تمتلك جينات في النواة ولكنها تتميز عن الرجل بأنها تمتلك جينات الميتاكوندريا خارج النواة في السايتوبلازم الذي يمثل المظهر الخارجي للخلية حتى أنه يسمى الهيولى أي المادة التي تتقبل الجوهر وينعكس فيها الجوهر وجينات الرجل في النواة فقط وهي التي تضم الوجود الجوهري ، ومن خلال هذا الفرق عبرنا عن الرجل بالوجود الجوهري وعبرنا عن المرأة بالوجود الظاهري  .  .  

العامل الأنثوي يمثل إذن الوجود الظاهري ، وإن عملية توليد الوجود الظاهر وهو ما تمثله البروتينات والمواد المادية التي يبنى منها الجسم - ترتبط به . ولقد قلنا إن الميتاكوندريا وهي بيت الطاقة ومصنع البروتينات ترتبط بالجانب الأنثوي لا الذكري. ولهذا تحتاج كل الخلايا سواء كانت خلايا الذكر أم الأنثى للعامل الأنثوي(X) . إن الخلايا الجسمية الأنثوية تحتوي كروموسوماتها على كروموسومين جنسيين أنثويين في حين تحتوي خلايا الذكر كروموسوماً أنثوياً واحداً. ويبدو أن الخلية لكي تمارس فعالياتها الطبيعية تحتاج الى وجود كروموسوم(X) واحد بحالة نشيطة وفاعلة . وفي الخلية الأنثوية يكون أحد هذين الكروموسومين بحالة ممدودة لتأدية فعالياته . أما الثاني فيبقى في حالة مكثفة وملفوف بشكل رصين وثخين مما يمكن رؤيته ككتلة صبغية. ويبدو أن هناك ميكانيكية محددة تمنع أحد الكروموسومين من أن يمارس وظيفته وتبقيه ملفوفاً ومكثفاً وهو ما يسمى بجسيم بار. إن جسيم بار عبارة عن كروموسوم مكثف وغير فاعل، لأن الخلية تحتاج الى كروموسوم واحد فقط ونعتقد أنه الذي يرتبط به نشاط الميتاكوندريا وتوليد الطاقة وبناء البروتينات .

إننا نعبر إذن عن الجانب أو العامل الأنثوي_ في عملية التفاعل الدائر بين العوامل الذكرية والأنثوية في الخلية_ بالبروتينات والمواد التركيبية الأخرى التي تعطي الجسم تركيبه الظاهري. ونعبرعن العامل الذكري الذي هو وجود جوهري  بالحوامض النووية DNA أي اننا نعبر عنهما من خلال ما يختلفان به مما يمثل أصلهما . الرجل وجود جوهري ولهذا يحتاج الى المرأة ليظهر فهو يحتاج الى البروتينات والتركيبات المادية الأخرى التي تمكن جسمه من بناء وجوده الظاهري ولذلك يضم اليه في العلاقة التي تمثل الرجل كما ذكرنا العامل(X) الذي أخذه من جانب الأنثى (الأم) فهو يرث الميتاكوندريا من أمه وليس من أبيه فالرجل وجود جوهري تظهره المرأة وهو يخرج من المرأة .

إن الحوامض النوويـة والبروتينات تحدد كيمياوياً هذا التناقض أو الاختلاف الفلسفي الذي بين الوجود الجوهري الكامن والوجود الظاهر. فالحوامض النووية تحمل الجينات او العوامل الوراثية التي يتكون منها وفي ضوئها الإنسان أو يوجد، ففيها معلومات تحدد صفاته الظاهرة والباطنة وكل ما يتعلق بوجوده، أي ان الانسان كائن فيها او كامن فيها، ففيها سر الوجود . لقد وجد الباحثون أن الـDNA هو المادة الوراثية في نواة الخلية وأنه الحامل الرئيس للمعلومات الوراثية وليس البروتينات او الـRNA في أغلب الكائنات الحية. 

ويرتبط الطرف الآخر (البروتينات) بمعنى الوجود الـذي يتحقق بنفي  العدم أي تحويله الى (الوجود الظاهر) وهو الوجود المتأخر الذي قلنا إنه يرتبط بالمرأة أو إن المرأة هي التي تمثله. ويفهم من كلامنا أن البروتينات كانت عدماً قبل أن تصنع ما دامت ترتبط بهذا الوجود الظاهر الذي يخلق من العدم . والبروتينات لها هذه المواصفات ، فهي من المواد او الجسيمات التي توجد أو تخلق في الخلية نتيجة لنشاط مكونات الخلية الحية ولعملية إنتاج أوتحرير الطاقة. وبعضها مفيد تستهلكه في نشاطاتها المتنوعة، وبعضها الآخر نواتج عرضية للعمليات الأيضية، أي عمليات البناء والهدم. وتقوم الخلية بالتخلص منها بطرق شتى أو قد تخزن في داخلها، والمح الذي يدخر في البيوض والأجنة هو من هذه المحتويات غير الحية في الخلية الأنثوية.

فالبروتينات إذن هي ناتج لفعالية انتاج الطاقة التي تحرر نتيجة التفاعل لتبنى منها ومن المركبات الأخرى في الخلية المادة الحيوية (مادة الخلايا)، فهي (الممكن الوجود) في لغة الفلسفة أي القابل للتحول الى الوجود . إن مادة الخلايا تبنى من خلال عمليات تسمى بـ(الأيض الخلوي) وهو مجموع التحولات الكيميائية التي تحدث بمساعدة الانزيمات في الخلية وتتضمن عمليات بناء المواد والمركبات المختلفة في الخلية وعمليات تقويض المواد والمركبات المختلفة . وتتصف عمليات البناء باستهلاكها للطاقة عادة ، بينما يرافق العمليات التقويضية تحرر للطاقة(5). إن عمليات إنتاج واستهلاك أو تحرير الطاقة تؤدي الى إظهار الوجود او الى إيجاد الوجود الظاهر الذي تمثله الخلايا أو مادة الجسم الحي. ومصدر ذلك هو البروتينات وكذلك الإنزيمات التي تساعد هذه العمليات والتي هي بروتينات كذلك . البروتينات إذن تمثل الوجود الظاهر لا الوجود الكامن الذي قلنا إن الجينات تمثله. فالبروتينات ليست حاملة العوامل الوراثية، ولذا يذكر أن لها أهمية بنائية او تركيبية وأنها بعد تصنيعها تظهر المعلومات الوراثية ، تجلي صفات الإنسان ومعناه او جوهره الذي تحدده المعلومات الوراثية . أي إن البروتينات هي المادة التي ستتجلى بها المعلومات الوراثية التي سيصبح بها الكائن الحي انساناً بعد أن كان مجرد معلومات او جوهراً او معنى او مضموناً. إنها تعطي الصبغيات DNA نمطاً بنيوياً وتنظيمياً(6). إن الهدف الرئيس للجينات هو اختزان وصفة لصنع جميع أنواع البروتينات التي هي المواد الأساسية لبناء الخلية ولاستمرارها في العمل . إن الجينات مسؤولة عن انتاج البروتينات التي يحتاج اليها الجسم للنمو وليؤدي وظائفه بشكل طبيعي. وعندما تحدث العلماء عن كيفية تكون أجسامنا شبهوا جسم الإنسان ببناية من الطوب الذي هو الوحدة الأساسية التي يبنى منها جسم الإنسان . وهذا الطوب هو الخلايا، وهي مؤلفة من مادة هي البروتين التي يحصل عليها جسمنا من الغذاء اليومي بعد أن تهضمه المعدة ويتحلل الى أحماض أمينية . البروتين يمثل إذن المظهر، ويمثل الـDNA الجوهر او المعلومات التي يظهرها البروتين. وهما طرفان لا ينفصلان في بناء الخلية والجسم . لايمكن للحامض النووي DNA أن يؤدي وظيفته بدون وجود بروتينات مساعدة أو انزيمات ولا وجود للبروتين بدون ال DNA . الكروموسومات هي كتل من الحمض النووي الملتفة داخل غطاء بروتيني . وهذه البروتينات تلعب دورا مهما في المحافظة على هيكل المادة الوراثية وتنظيم نشاط تعبير الجينات الذي يؤدي الى تكشف وتكوين الفرد الكامل من خلية الزيكوت . البروتينات هي جينات مترجمة , كل بروتين هو جين مترجم، هو معلومات مترجمة مادياً(7). 

ولأن البروتينات تمثل الوجود الظاهر لذا توجد كمية كبيرة من الماء والبروتينات في السايتوبلازم الذي يقوم بمعظم أعمال الخلية  وهو المظهر الخارجي للخلية(8). ولذلك يسمى (الهيولى) أي الصورة المظهرية أو المادة التي يتشكل بها الجوهر أو التي تتقبل الجوهر كما ذكرنا. والبروتين يخلق في السايتوبلازم حيث لا يوجد الـDNA هناك إنما تنسخ المورثة المحمولة على جزيء  DNAعن طـريق شريط فردي من الـ RNA الرسول لينتقل بها الى السايتوبلازم وهناك تبدأ عملية خلق البروتين وتترجم الشفرة هناك(9) وتصنع البروتينات من الحوامض الأمينية التي تبنى في الميتاكوندريا بوجود الريبوسومات التي تلعب دورا مهما في صنع وانتاج هذه البروتينات التي تشكل المادة البنائية المظهرية للجسم.. إن الميتاكوندريا الأنثوية  تترجم الشفرات الجينية عن طريق البروتينات التي تصنعها أي إنها تغلف المعلومات الجوهرية بغلاف مادي بروتيني . إن هذا يعني ان المعلومات الجوهرية تأتي من نواة الخلية الى مكون أنثوي هو الميتاكوندريا لكي يلبسه جسما ماديا مظهريا يتلفع به . 

ولولا هذه الميتاكوندريا لا تستطيع الخلية أن تعمل هذا العمل وكذلك كل الأعمال الحيوية الأخرى لأنها مصدر الطاقة والحيوية للخلية للقيام بفعالياتها المختلفة فتزود التفاعلات الكيمياوية في الجسم بالطاقة التي تحتاج اليها ولذا سميت بيت الطاقة أو محطة انتاج الطاقة أومولد الطاقة والبطاريات الإنزيمية التي تختزن الطاقة . وهي المسؤولة عن أكسدة المواد الغذائية والسكر بوساطة الانزيمات الموجودة فيها فتستخلص الطاقة من المركبات الموجودة في الخلية لتنفيذ العمليات المختلفة مثل عملية الأيض او البناء التي تحتاج اليها الخلية لانتاج أنواع الهرمونات والخمائر والبروتينات التي تلعب دورا فاعلا في وظائف الجسم ومنها التحكم في تصرفاتنا . ومن الخمائر المهمة التي تصنعها جينات الميتاكوندريا خميرة السايتوكروم سي_ اوكسيديس ومادة ATPعظيمة الطاقة التي تعد مصدرا سهلا وسريعا للطاقة إذ تحررها بشكل كبير في أي مكان في الخلية يحتاج الى طاقة (10).. 

   إن التفاعل بين العوامل الذكرية والأنثوية إنما هو تفاعل بين النواة والسايتوبلازم إذ توجد الجينات الذكرية في النواة لأنها تعبر عن وجود جوهري وتوجد الجينات الأنثوية التي تعبر عن وجود ظاهري في النواة وفي السايتوبلازم في الميتاكوندريا الأنثوية . أن الميتاكوندريا تمتلك نظاما جينيا خاصا بها مكونا من 37 جينا , فهي الجسيم الوحيد في الخلية الذي يحتوي الDNA خارج النواة ، ومن أجل ذلك جاء اسمها فهي توجد في سايتوبلازم الخلية لا في نواتها وهذا يساعدها على الانقسام في داخل السايتوبلازم دون الحاجة الى انقسام الخلية. ولهذا يصفها بعض الباحثين بأنها خلية مستقلة في داخل الخلية وهكذا يبدو التفاعل أوالصراع بين النواة والسايتوبلازم كأنه تفاعل بين خليتين مستقلتين ، ففي حين يتكون الDNA في النواة من خليط شفرتي الأم والأب تكون للميتاكوندريا نسخة خاصة من الشفرة الوراثية تتعلق بعملها في توليد الطاقة وتكوين البروتينات وغير ذلك مما يتعلق بحفظ حياة الخلية . ولأن ال DNAالموجود في الميتاكوندريا يتكاثر بالانشطارمثل البكتريا فلا يطرأ على الDNA الذي تحتويه تغير في أثناء انشطارها  فهو عديم التغير تقريبا من جيل لجيل بينما يكون التغير في DNA النواة  الذي يحدد طول قاماتنا ولون أعيننا وصفاتنا الأخرى أمرا ملازما . 

أن هناك تفاعلا بين عمل الDNA في الميتاكوندريا و الDNA في النواة ولكنه يتصل بنوع محدد من المعلومات في كل منهما. والذي يدعو الى التفاعل أن ما يحمله DNA النواة من معلومات لابد من أن يترجم من خلال البروتينات التي تصنع من خلال عمل الميتاكوندريا ، أي ان عمل DNA الميتاكوندريا يتصل بإنتاج الطاقة وصناعة البروتينات لا بالمعلومات الوراثية الأخرى الموجودة في جينات النواة، فنوع المعلومات الوراثية في كل منهما مختلف ولكنهما متعاونان ومشتركان بالمعلومات التي تتصل بانتاج الطاقة وصناعة البروتينات التي تحتاج إليها الجينات لتتجلى . الميتاكوندريا تعطي مادة بنائية خارجية لا دخل لها في تكوين صفات الفرد الجوهرية . إنها لا تنقل صفات وراثية تحدد خلقة الانسان الراسخة والمميزة له إنما هي صفات تتعلق بعملية بناء الخلايا ومستوى الطاقة والمادة المتوفرة لذلك وما تتعرض له الخلايا من خلل وأمراض مما يتصل بعمل جهاز الطاقة والبناء الذي هو الميتاكوندريا وهذا هو تفسيرنا لعمل ودور الDNAالذي تحتويه فهو يتعهد بالجانب البنائي الشكلي للإنسان في حين يتعهد DNA النواة بالجوانب الجوهرية له .

 إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم إذن إنما هو تفاعل بين الجوهر الكامن الذي يسعى الى التجلي والمظهر الذي يريد أن يتلفع به ليخرج الى الحياة ولهذا توصف الميتاكوندريا بأنها لولاها لا تكون الحياة _وهذا يؤكد وصفنا السابق لدور الحمض النووي فيها _ فلولاها يكون الانسان مجرد معلومات جوهرية كامنة في العوامل الوراثية لآبائه ولا يكون وجودا ظاهرا . فالوجود الظاهر يرتبط بالميتاكوندريا وهذه ترتبط بالأنثى فقط ولولاها لا تستطيع الخلية أن تعمل لأنها مصدر الطاقة والحيوية للخلية للقيام بفعالياتها المختلفة .

إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم كالتفاعل بين الجوهر أو الصورة والهيولى وهو تفاعل مستمر دائم لصناعة المادة أو الخلايا الجديدة التي هي عبارة عن تجل للجوهر الذي تتضمنه الجينات وهذا مستمر باستمرار الحياة ولا يتوقف إلا عندما يتجلى الجوهر تماما وعندها تنضب الطاقة اللازمة لصناعة البروتينات وتشيخ الميتاكوندريا وتضعف وعندها تنتهي حياة الخلايا ويموت الأنسان . فبتقدم العمر تتشوه الميتاكوندريا وتتضاءل وينعدم فعلها وتقل الطاقة الخلوية وتكون الشيخوخة التي يصحبها الوهن ثم تموت الخلية . وتظهر الشيخوخة على الحمض النووي للميتاكوندريا الذي ينهكه انقسام الخلايا المتكرر فيصبح هشا رقيقا . وعندما ينضب مصدر طاقة الخلية وتشيخ الميتاكوندريا يشيخ الجسم كله ويكون هذا سببا لتضاؤل الأنسجة والعضلات التي تحتاج الى طاقة كبيرة للقيام بالأعمال الفيزيائية البدنية . إن هذا يعني أن حياة الميتاكوندريا وتقدمها في العمر وشيخوختها ترتبط  بعملية صرف الطاقة وبعملية انقسام الخلايا التي هي عملية صرف للطاقة(11)  وبالتقدم بالعمر الذي يرتبط بعملية انقسام الخلايا .

إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم يستمر حتى يتجلى الجوهر تماما أي حتى تستنفد كل الطاقة الكامنة (الوجود بالقوة) أو تستنفد كل المادة التي تخلق من خلال عملية انتاج الطاقة الكامنة . إن عمليات تجلي الجوهر تحدث من خلال عمليات انقسام الخلايا التي لها امد محدد هو مقدار عمر الانسان  فهي ترتبط بعملية التقدم في العمر فهناك برنامج داخلي يحدد عدد مرات انقسام الخلايا ثم يقف هذا الانقسام وتموت الخلية. وهذا معناه أن هناك عمرا محددا للطاقة او مستوى محددا لها وأن هذا المستوى يستنفد باستمرار عملية انقسام الخلايا والتقدم في العمر، فهذا المستوى المحدد يرتبط بعمر الانسان فهناك انقسام مبرمج للخلايا وهناك تقدم مبرمج لعمر الإنسان وهناك وقت محدد لعمر الإنسان وهناك خزينا محددا للطاقة يكفيه مدة عمره فقط .

إن برمجة انقسام الخلايا وبرمجة صرف الطاقة من أجل هذا الانقسام ثم برمجة عمر الإنسان كل ذلك يرتبط بالأنثى دون الذكر. فلقد وجد الباحثون أن العوامل البيولوجية التي تحدد مدة ظهور الوجود الإنساني أي عمر الانسان ترتبط بها ، فالجينات التي تحدد عمر الانسان ترتبط بالعامل الأنثوي X . لقد بَين العلماء أن هناك جدولة لعمر الانسان في داخل الخلايا وأن قدره محتوم من خلال انقسام محدد للخلايا . وهذا القدر من الانقسام قد رسم وحتم في جينات الخلايا نفسها وأن الجسم يستهلك نفسه بموجبه مع كل انقسام من خلال ساعة بيولوجية تدق مربوطة الى منبه انذار الموت.  فكما يربط منبه الساعة الى  وقت محدد فإذا دخل الوقت استيقظنا على رنينه  فهنا منبه الموت يدعونا من داخل الخلايا للرحيل .

لقد حددت الساعة البيولوجية عمر الإنسان من خلال عدد مرات الانقسام في الخلايا ، فخلايا كل كائن حي تنقسم عددا محددا من المرات ثم تتوقف بعدها عن الانقسام وتهرم وتموت . وتخلفها خلايا أخرى تنقسم عددا محددا من المرات ثم تتوقف عن الانقسام وتهرم وتموت ، وهكذا  حتى تستنفد كل الطاقة ..  فهناك مدة محددة لحياة الكائن الحي وهناك مدة محددة لحياة خلاياه وهناك طاقة محددة . إن خلايا جسم الانسان تتجعد وتموت بعد نحو 50_70انقساما . وإن الذي يحدد عدد مرات انقسام الخلايا هو ما يسمى بالتيلومير وهو قطع مكررة من الحمض النووي  TTAGGG  تقع في نهاية الكروسومات وأهم وظائفها هو منع الكروموسومات من أن تفقد متتاليات أساسية عند نهاياتها وتقوم  بحماية تلك الكروموسومات . وتعتمد التيلوميرات في عملها على إنزيم يسمى التيلوميراز الذي يجب ان يتوافر بكميات مناسبة . ومع كل انقسام خلوي يفقد جزء من التيلومير فيتقلص طوله إذ يفقد في كل انقسام نحو مئة وحدة من مكوناته وبعد عدد معين من الانقسامات تصبح التيلوميرات أقصر من أن تسمح للخلية بمعاودة الانقسام وترميم الأجزاء المفقودة من الكروموسومات فتومئ للخلية بالتوقف عن الانقسام ثم تبدأ بالاضمحلال والموت . إذن فالتيلومير يعمل مثل الساعة البايولوجية التي تدق في كل خلية والتي توقف انقسام الخلية وتؤدي الى الشيخوخة والموت. ونحن نضيف الى هذا الوصف بإن التيلومير هو وصفة تحدد مقدار الطاقة المقرر انتاجها لكي تصرفها الخلية في عملية الانقسام وإذا توقفت الخلية عن الانقسام فهذا يعني انتهاء الطاقة المخصصة لهذه الخلية أو انتهاء لعمرها .  ونستطيع أن نصف الجينات التي تشرف على عملية بناء التيلوميراز الذي يعتمد عليه التيلومير بأنها العقل أو الجوهر الذي يرتبط بالطاقة الكامنة في جسم الانسان أو الوجود بالقوة أو العدم الذي يراد تخليقه وهو الذي يعطي الأمر بذلك .

إن الانزيمات التي تقوم بمضاعفة الDNA في أثناء عملية الانقسام الخلوي لا تستطيع نسخ الكروسومات على مدى طولها حتى الأطراف بل انها تترك دوما في كل دورة تضاعف منطقة صغيرة عند النهاية (قطعة من التيلومير) من دون نسخ وهذه القطعة أو هذا الجزء تمثل  مقدار وحدات الطاقة الكامنة المقرر صرفها على عملية الانقسام ، ففي كل مرة ينسخ فيها كروموسوم يحذف جزء من التيلومير . ولا بد للتيلومير من أن يتآكل مع توالي عمليات الانقسام وبالتدريج يقل في أجسامنا طول التيلومير وتبدأ الخلية في الدخول في طور الشيخوخة والانهيار. ولكن الخلية تمتلك طريقة حيوية للتعويض عن طريق الإنزيم الباني للتيلومير وهو التيلوميراز. فهذا الإنزيم هو الذي يمكنه ترميم الأطراف البالية للكروموسومات وإعادة تطويل التيلوميرات وانه بهذا يكون في الخلايا كأنه إكسير الحياة الخالدة. وتقوم الخلايا الجنينية فيما قبل مرحلة التمايز الخلوي بصنع انزيم التيلوميراز واليه تعود قدرتها على الانقسام والتكاثر. وما أن يكتمل تكوين الجنين حتى يتم كبت وإيقاف تشغيل الجينات التي تصنعه في كل أنسجة الجنين فيما عدا أنسجة محددة . ولقد اكتشف العلماء أنه باضافة انزيم تيلوميراز الى كروموسومات الخلية فإن الخلايا تستمر في الانقسام دون أن تظهر أية علامات على الشيخوخة والموت . وقد يتعرض عمل جين التيلوميراز الى الاضطراب فتستمر الخلية في التكاثر بدون ضابط وبلا توقف مسببا مرض السرطان . والخلايا الطبيعية المتخصصة لا يمكن لها أن تنتج انزيم التيلوميراز ولكن يمكن ذلك للخلايا الجنسية والإنجابية وكذلك للخلايا السرطانية وهو ما يجعلها تنمو باستمرار .

 لقد أكد العلماء أن الجينات المؤثرة في طول عمر الانسان والتي ترتبط بالتيلومير والتيلوميراز ترتبط بالكروموسوم الأنثوي X . وهذه الجينات تنتقل من الآباء والأمهات الى أولادهم من خلال الكروموسوم الجنسي X . وهذا تأكد للعلماء من خلال مقارنة العلاقة بين طول شريط الحامض النووي عند الاطفال وعند أي من أبويهم . وعندما تم قياس ذلك وجدوا علاقة واضحة في طول هذا الشريط بين الأمهات وأبنائهن من الذكور ولم تكن هناك علاقة واضحة بين الآباء وأبنائهم من الذكور . وذلك يشير الى أن الجينات المؤثرة في طول العمر وأمراض الشيخوخة موجودة على كروموسوم X . إن تأثير هذه الجينات يكون بنسبة القصر في طول شريط الحامض النووي وهذا يؤثر في طول العمر وفي ظهور أمراض الشيخوخة (12). .

وهكذا  نرى أن العامل الأنثوي الذي تقترن به وحده الميتاكوندريا ، هو الذي يعطي للانسان مظهره الخارجي لأن الميتاكوندريا هي المسؤولة عن انتاج الطاقة _ التي أمر بصرفها الجين المسؤول عن التيلوميراز وحدد مقدارها بتحديد عدد القطع المصروفة من التيلوميرات _  ثم إن الميتاكوندريا هي المسؤولة عن صنع البروتينات والمواد الأخرى التي هي المادة الخارجية للجسم وعندما تتضاءل الميتاكوندريا وتضعف تضعف خلايا الجسم وتمر بمرحلة الشيخوخة فالموت ،  كما أن هذا العامل الأنثوي ترتبط به مدة عمر الانسان ومستوى الطاقة المخصص لمدة هذا العمر أي مدة ظهور الأنسان على الأرض لأنه تقترن به الجينات التي تتحكم بمدى انقسام الخلايا عن طريق تحديد عدد الوحدات المفقودة أو المصروفة من التيلوميرات  .


الهوامش

(1)ينظر : في تاريخ الطب العربي ، ابن رشد "العصا القاتلة " والرجل "الذي أفسد جميع الأطباء" في أوربا، محمد عابد الجابري . مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الثاانية  ، بيروت ، 2008 .

(2) ينظر : مع الفلاسفة الإلهيين في استنباط القانون المطلق .

(3) ينظر: (مع الفلسفة اليونانية ) الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، الطبعة الثالثة 1988 . ص57 – 76 .. 

 (4) ينظر : المرأة سر ظهور الخلق . و : الحياة الخلوية : أي المركبات العضوية فيها أسبق في الوجود ؟ .

(5) ينظر: علم الأحياء، للصف السادس العلمي، الجمهورية العراقية، مديرية مطبعة وزارة التربية، الطبعة الثانية، 1407هـ1987م، ص6،25، وينظر: الخلية، الدكتور محمود حياوي، الجمهورية العراقية ص103.

(6)ينظر: علم الوراثة ، تأليف أ.د. عثمان عبدالرحمن الانصاري/ أ.د.ناصر محمد سلامة، منشورات شركةELGA، مالطا، 1999. ص57،59،62ـ64.

(7)ينظر: الجينوم ، مات ريدلي، ترجمة: د.مصطفى ابراهيم فهمي، سلسلة عالم المعرفة، رقم (275)، الكويت، ، ص،14،23،52،.

(8)ينظر: الخلية،ص61.

(9)ينظر: علم الوراثة، ص 83 ،87،،.و: الخلية...(من الإنترنيت).

(10) ينظر:الميتاكوندريا بيت طاقة الخلية مصدرها المرأة فقط ،د.بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 598، 21/9/2003. و: هل الميتاكوندريا التي تورث من الأم فقط هي سبب شيخوخة الأنسان ؟  د. بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 1212 ، 29/5/2005. و:زوبعة حول الأطفال المعدلين وراثيا ، طارق يحيى قابيل ، و: الاستنساخ ...(من الإنترنيت) .و: حقيقة حواء أو حواء الحقيقية ...(من الإنترنيت) .

و : بحث جديد واعد يقترب من حل هذا اللغز . L.R. رستنك محرر  مجلة ساينتفك امريكان ، مجلة العلوم ، سبتمبر 1995 ، المجلد (11) .

(11) ينظر :اكتشاف جديد للعلماء / انزيم يحمي الخلايا من الموت والشيخوخة ..(من الإنترنيت ) .  و : هل الميتاكوندريا التي تورث من الأم فقط هي سبب شيخوخة الإنسان؟.....و: اتجاهات في البيولوجيا / لماذا نشيخ / الإجابة مدونة الى حد كبير في جيناتنا ولكن في أي منها .

(12) ينظر:التيلوميرات والتيلوميراز والسرطان ، W.Cكريدر _  H.E  بلاكبيرن ، مجلة العلوم ، يونيو، 1996، المجلد (12) .  و : اكتشاف جديد للعلماء / انزيم يحمي الخلايا من الموت والشيخوخة....و: الساعة البيولوجية /كيف تعمل وكيف تؤثر في صحة الإنسان وحياته ؟ الأستاذ الدكتور مسعد شتيوي ، مجلة أسيوط لدراسة البيئة.و:العلم يقترب من معرفة الجين المسؤول عن طول العمر ...(من الإنترنيت). و: لتحديد تاريخ ميلادك..طريقة جديدة لفك الشفرة عمر الانسان ..(من الإنترنيت) . و: مشكلة الشيخوخة ، الانسان والحياة ، نعيم نمورة _ الخليل ، مجلة العربي الحر .

د. بتول قاسم ناصر


التعليقات




5000