..... 
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
  
.
.
 svenska
  .
.
.
.
 
.
.
 .

.

مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في المشهد الشعري الجديد - الثمانينات والتسعينات

عدنان الصائغ

مقتطفات من  دراسة بعنوان:

 "البرق والغابة / قراءة في المشهد الشعري الجديد -  الثمانينات والتسعينات - النجف نموذجاً"..

 

قدمتها في الندوة العلمية التي عقدتْ في لندن عن (النجف الأشرف وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية) عام 1999. وكنتُ قد أهديتها إلى روح صديقي الشاعر الشهيد علي الرماحي:

 

[... فالمدينة التي أنجبت واحداً من عمالقة الحداثة في الأدب العربي برمته على مر العصور ألا وهو محمد بن عبد الجبار بن  النفّري (1) حرية بأن يبقى أشعاعها الفكري يتوالد إلى الأبد وأن لا تتوقف عن الخلق مهما طالت عليها عصور الظلام.

ناهيك عن مالئ الدنيا وشاغل الناس أبي الطيب المتنبي، وشيخ العربية الكسائي (2) ...

حتى إذا انحدرنا إلى مطلع القرن العشرين فاجأتنا موشحة الحبوبي:

يا غزال الكرخ وا وجدي عليك                كاد سري فيك أن يُنتهكا

هاتني كأساً وخذ كأساً إليك                        فلذيذ العيش أن نشتركا

وإذا جدت بها من شفتيك                   فاسقنيها وخذ الأولى لكا

وهو رجل فقه كان يؤوم المصلين في مساجد النجف، بالإضافة إلى كونه من أوائل من حمل السلاح لمقاومة الإنكليز.

وصولاً إلى مطبعة الغري التي شهدت في منتصف القرن ولادة ديوان السياب "أساطير".

حتى الحصيري وهو يترنح في أزقتها صارخاً:

ما زلت طفلاً غريراً كيف تقربني؟           أنا التشرد والحرمان والأرق

أنا الشريد لماذا الناس تذعر من               وجهي؟ وتهرب من قدامي الطرق

وحتى آخر شاعرة تسعينية تتمشى بعبائتها النجفية الملفوفة تحت "مرزاب الذهب" وهي تردد:

"وأنا أصعد سلم داري

اسأله في كنه قراري

أكل هذا العلو

ويوجد من يدوس عليك".

- فليحة حسن - قصيدة "يوميات 1"

والى آخر ما ستنجب النجف من أجيال وأجيال ...

لقد شهدت النجف عبر تاريخها الطويل الكثير من الأحداث السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية أثرت على مجمل حياتها وحركاتها العلمية والفقهية بشكل عام وعلى حركتها الشعرية بشكل خاص لكونها واقعة بين تيارات سياسية ودينية كانت تتجاذب أطرافها من جهة وبين تيارين شعريين: سلفي يحمل إرث الماضي ويقدسه، وتجديدي يتطلع إلى الحداثة

وبين هذه الأقطاب المتصارعة انقسمت حركة الشعر مثلما انقسمت المدينة فهي من جانب جامعة العلوم الإنسانية والإسلامية وعلى أديمها نشأت أعظم مدارس الفقه، ومن جانب آخر فهي مرتع خصب للتمرد الروحي والشعري والثوري والاجتماعي والسياسي، وللتحرر الوطني وغير ذلك.

ترى كيف جمعت النجف كل هذه الأضداد:

الفقه.

الخمريات.

الثورة

القبور

الأدب المكشوف

المواكب الحسينية

شعر الأخوانيات

الحداثة

ومن جهة أمتزج التصوف والحركات الصوفية بالفقه والتشيع فقد تسربت اشعاعات الفيض الإلهي من رسائل أخوان الصفا وخلان الوفا على الكثير من النصوص، وشهدت الكوفة فيوضات ربيع بن خيثم وعبدك الصوفي وجابر بن حيان والكندي والخ. وكذلك مواقف النفري ومخاطباته التي تركت بصماتها واضحة على حركة الحداثة العربية ورموزها ومنهم أدونيس والبياتي وأنسي الحاج وغيرهم وما تلاهم من أجيال، في العراق وفي الوطن العربي.

ومن جهة أخرى كان السلاطين والولاة يتعقبون علماءها ومجتهديها قتلاً ونفياً لكنهم كانوا يطلبون منهم التدخل لحل النزاعات بين العشائر حين تعجز عن إيقافها لما يعرفونه عن مكانتهم الكبيرة وتأثيرهم الروحي على المجتمع. هذا التناقض الغريب الذي ظل سمة الحكم في العراق على مر العصور.

فهذا سليمان القانوني يترجل من فرسه وسط حاشيته وجنوده حين يلمح قبة ضريح الإمام علي على بعد أربع فراسخ من النجف تهيبا واجلالاً وتقديساً وفرائصه ترتعد كما قال لخلصائه وهو يمشي على قدميه باتجاه الضريح.

وذلك أبوه سليم الأول الذي أوجد نمطاً من الشرطة السرية - كما يذكر حسن العلوي - تتقفى آثار الشيعة وأمرهم بإلقاء القبض عليهم في وقت محدد ليقتل منهم أربعين ألفاً ويودع الباقين في غياهب السجون.

يمتزج هذا بالخذلان الذي لقيه مسلم بن عقيل حين لم يجد له في الليل من مأوى غير بيت امرأة من أحياء الكوفة تدعى "طوعة" بعد أن كان قد صلى الظهر في جامع الكوفة وخلفه آلاف المصلين. ثم ما حدث من مصرع الحسين غريباً وسط جماهيره التي تكالبت عليه وداسته بحوافر خيولها، لتخرج بعد ذاك تلطم عليه وتضرب رؤوسها بالسيوف وظهورها بالزناجيل حزناً وندماً (3).

وما تلا ذلك من ثورات وحركات فكرية معارضة أربكت الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية و..و.. 

من انتفاضات التوابين

وابن الأشعث،

وزيد بن علي (4)

والقرامطة

وهوس أبي الفضل الكوفي (5) والخ والخ

ليبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل الحركات والصراعات والأفكار والأختلاف والقتل والتشريد والذبح (6).

لكنني لن أفصل هذه النقاط عن بعضها فهذا التضاد - يا للمفارقة المرة والمدهشة معاً - هو واحد من أهم خصائص المدينة وتكوينها الفكري والتأريخي والسوسيولوجي والشعري، فتبدو فيها المتناقضات متداخلة ومنسجمة إلى حد كبير لا يمكن الفصل بينها، فمسجد الكوفة الذي شهد خطبة الحجاج الشهيرة عام 75 هـ متكئاعلى سيفه، شهد ايضاً خطب الصدر الأخيرة عام 1999 مرتدياً كفنه. والحصيري صاحب القصائد الخمرية الرقيقة لا يمكنك فصله عن بحر العلوم والبرقعاوي  وجمال الدين (7) وفرج الله وغيرهم. وفسيفساء قصر الإمارة (8) تحاذي زهد بيت الإمام علي. وديوان "قصائد عارية" لحسين مردان قرأته في مكتبة الأمام محسن الحكيم في صباي وعلى مقربة منه في الرف المقابل قرأت شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد.

ولكي لا يأخذنا البحث في تشعباته - وما أكثرها - ويبعدنا عن المتن لا بد من المرور سريعاً بأهم محطات المدينة حتى يتسنى لنا رؤية المشهد عن قرب وتلمس جمرات النص المشتعلة الآن في أحشاء شعرائها.

سأترك لـ باستروف أن يختصر الرحلة على جسر المثيولوجيا ويوصلنا إلى حقيقة "أن طقوس العبادة وزيارة الأضرحة المقدسة والتراتيل الدينية الحزينة التي كان الكهان يقومون بها في بابل القديمة تشبه إلى حد بعيد ما يجري في احتفالات عاشوراء التي تقوم على نفس فكرة الشفاعة والإنقاذ".

ومن هذا المدخل سنصل إلى فهم هذه التراجيديا الدائمة التي تغلف المدينة وتخيم على أجوائها بشكل ملحوظ، يمكن أن نستشفه من أنين النواعير حتى أغاني الأعراس ومن القصائد حتى أجواء المقاهي. ثمة دم عبيط تحت كل حجر وفي كل غروب شمس - هكذا تقول المثيولوجيا - كنا نراه ينسرب عبر سعفات النخيل إلى النهر متراقصاً مع أمواجه التي حُرم السبط الشهيد من شربها، أو فارشاً لونه الأرجواني على سطوح منازلنا.

هل كان ذلك  الشفق دم الشهيد كما يقول السيوطي وأبن سيرين والقندوسي وابن حجر الهيثمي والطبراني وأبي مخنف والخ (9).

أم هو جمرات أرواحنا التي تلوب خلف النصوص الخبيئة.

....................

.........

.............

 

 

ورغم هذا التاريخ الطويل من التنكيل، فقد ظلت النجف تمارس دورها العلمي  والثقافي والفقهي عبر جامعتها المعروفة ومدارسها التي وصلت في بدايات قرننا الحالي إلى أكثر من عشرين مدرسة جاذبةً إليها طلاب العلوم والفقه والآداب من كل أرجاء العالم العربي والإسلامي حتى وصل عدد الطلبة في العلوم الدينية عام 1918 م إلى 10000 طالب كما يذكر جعفر الخليلي في "موسوعة العتبات المقدسة"

وكان الفقه وشرحه يحتاج الى اللغة وآدابها فبرع العلماء فيها وكذلك العامة حتى قال العلامة د. مصطفى جواد: "حتى بقاقيلها هم شيوخ في النحو والأدب".

وقد عُرف عن المدارس اشتمالها أيضاً على جميع فروع المعرفة كعلم الكلام والتفسير والمنطق وآداب اللغة العربية وعلوم الرياضيات والفلك والاجتماع والنفس، وتفتحها على الفرق والمذاهب الإسلامية بعد أن تركت أبوابها مفتوحة للاجتهاد الذي أغلقته الكثير من المدارس الفقهية الأخرى.

(أذكر إننا كنا مجموعة الطلاب ندرس تحت الجسر استعداداً للبكلوريا حين استعصت علينا نظرية فيثاغورس في الهندسة وعلا جدالنا وكان على مقربة منا رجل دين معمم فما كان منه إلا أن تقدم منا مبتسماً وبدأ يشرحها لنا بلغة رشيقة محببة وسهلة حتى استوعبناها).

كما اشتهرت النجف منذ القدم بفنونها الجميلة المختلفة وطرازها المعماري الذي تجلى في قصري الخورنق والسدير وفي أديرتها ومساجدها لينتشر في مدن العراق الأخرى (10)

وفي العصر الحديث كانت الأستعدادات جارية لإنشاء جامعة الكوفة التي خطط لها المهندس المعروف محمد مكية لتكون صرحاً معرفياً على غرار كبرى جامعات العالم مثل هارفرد واكسفورد غير أن السلطات أوقفت المشروع - كما يذكر الأستاذ محمد سعيد الطريحي في مجلة الكوفة عدد 2 تشرين الأول 1996 - واستولت على جميع الأموال الخيرية التي رصدت لها. وكان أحمد أمين وكيل وزارة الداخلية آنذاك قد صرح لعدد من الصحفيين المحليين قائلاً: "قررت وزارة الداخلية في وقت سابق حل الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة. أن التعليم يجب أن يكون تحت أشراف الدولة".

وتنوعت الجمعيات والمراكز الثقافية مثل الرابطة العلمية الأدبية التي ضمت اليعقوبي والجعفري ومحمود الحبوبي ومرتضى فرج الله وعبد المنعم الفرطوسي ومحمد جمال الهاشمي وعلي الصغير ومحمد علي البلاغي وعبد الوهاب الصافي وآخرين. وكذلك منتدى النشر وندوة الأدب المعاصر التي كنت من بين أصغر أعضائها.

بالإضافة إلى ما كانت تعج به النجف من مكتبات ودور نشر وصحف ومجلات عديدة استطاع جيلنا الشعري أن يلحق بأواخرها مثل مجلة العدل قبل أن يتم إغلاقها.

 وقد شهدت يوماً بأم عيني بين حشد من الناس تطويق رجال الأمن لأحدى المكتبات في شارع الصادق وختمها بالشمع الأحمر ومن ثم أفراغها بعد أيام لتتحول إلى محل لبيع البقلاوة.

بالإضافة إلى المخطوطات النادرة التي بلغت في مكتبة الأمام علي لوحدها أكثر من عشرين ألف مخطوطة ومثلها أقل أو أكثر في مكتبة الحكيم والمكتبات الأخرى وقد روى لي نقيب شرطة في النجف يوماً وهو يحدثني عن هجوم الحرس الجمهوري على أحد المكتبات في نهاية شارع زين العابدين أن هناك بعض الكتب ذات ورق متهرئ وخط يدوي وأغلفة قديمة كانت تتمزق بين أسنان الرافعات وأيدي الجنود وهم ينقلونها على سطح الزيلات العسكرية فكدت ألطم على رأسي وأنا أكتم صرخة مدوية:

أنها مخطوطات.

.....(11)

...........

وظل يؤمها المفكرون والباحثون من كل أقطار الدنيا، فقد زارها مفتي الديار الفلسطينية السيد أمين الحسيني وأمين الريحاني وكان أهاليها يستقبلونهم بالأهازيج والقصائد ضد الإستعمار والطغاة. كما زارها الكثير من الشعراء والأدباء في المهرجانات التي كانت تقام فيها. فقد زارها الشاعر احمد رامي والدكتورة بنت الشاطئ وآخرون أثناء انعقاد مهرجان مؤتمر الأدباء العرب عام 1965 والذي شهدت قاعة قصر الملك فيصل الثاني على ضفاف نهر الفرات جانباً من مهرجان الشعر فيه، وكان الكاتب محمد كاظم الطريحي قد قدم فيها كلمة ترحيب أهالي الكوفة بضيوف المهرجان، وقدم بعض الشعراء النجفيين قصائدهم، منهم الشاعر د.محمود البستاني والشاعر الشيخ عبد الزهراء العاتي الذي أنشد:

ترنمْ فما أشجاك يا طير منشدا          وغردْ فما أحلى الهوى أن تغردا

وردد على زهو الربيع قصائداً         من الشعر تهتز القلوب لها صدى

ودرس فيها  العلامة جمال الدين الأفغاني والمفكر الشهيد حسين مروة الذي كان ينشر بعض آرائه ومقالاته في صحيفة "الهاتف" لصاحبها جعفر الخليلي. وعُرف عنه تفاعله وعلاقاته الثقافية مع عدد من أدباء النجف، وقد قدم لديوان حسين القسام "سنجاف الكلام" واصفاً أياه بالشاعر العبقري

وشهدت النجف معارضات شعرية بين شعرائها، وبينهم وبين الشعراء العراقيين والعرب مثل مصطفى جمال الدين وعبد الغني الخليلي وعبد الكريم الدجيلي وحسين الصافي ومحمد الهجري. وأنتشر فيها "شعر الأخوانيات" الذي لو قدر أن ينشر ويدرس لرأينا صورة كاملة عن جميع أنماط الحياة الإجتماعية (12)

وكانت تجري على الدوام المناظرات والمجالس الدينية والأدبية وكان مما هو متبع في الدواوين أن يدون المرء ما يقع بين يديه من جديد الشعر وجيده. وتجري المساجلات الشعرية المرتجلة والتقفية والتشطير وغيرها. وقد عُرف عن أدبائها وعلمائها حسن البديهية وسرعة النظم فكثرت القصائد المرتجلة في المناسبات وتفاخروا بها. ولم يقتصر النظم على الشعراء بل نظمه غيرهم من علماء وفقهاء ومثقفين وعامة الناس.

ويروي الخليلي عن شاعر كان يمر على القبور ويدون أبيات من الشعر حتى أصبح شاعراً، كانوا يطلقون عليه شاعر القبور.

وبعيداً عن هذا الشعر المصنوع، تميزت القصيدة النجفية العمودية والحرة برهافتها وحداثتها وسلاسة طبعها وخلوها من الصنعة رغم كثرة مدارس الصنعة. فقد عرف أدباؤها الحركات التجديدية وتأثر البعض بها مثل شعراء المدرسة المهجرية كأيليا أبو ماضي وسليم رشيد الخوري وفوزي معلوف.

وإذا كان العقاد الذي رأس لجنة الشعر في المجلس الأعلى للآداب والفنون قد أحال الكثير من دواوين الشعر إلى (لجنة النثر للاختصاص) بتعمد أقرب إلى السخرية، نجد أن النجف قد احتضنت ديوان السياب "أساطير" في الخمسينات وطبعته في مطابعها التي كانت تحتضن كل جديد. وشهدت مجلة الكلمة التي أسسها حميد المطبعي بواكير تيارات الحداثة الشعرية لجيل الستينات في العراق والوطن العربي وصدرت عن دار الكلمة العديد من النتاجات الحداثوية منها ديوان "مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة " عام 1969 وغيرها.

ويذكر الشاعرمصطفى جمال الدين في الديوان: "إن الأسرة الأدبية التي عشناها في النجف كانت أقرب الى التطور من الأجيال التي عاصرناها وعللتُ ذلك بأنها كانت أكثر متابعة لما يجدّ في الساحة العربية من تطلعات أدبية، لذلك لم يكن موقفها من الشعر الحر في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات موقفَ غيرها من نقاد الشعر ومتذوقيه، بل أن بعض جماعتنا أخذ يكتب بعض تجاربه بطريقة الشعر الحر كالسيد بحر العلوم والسيد فضل الله ولا يزال الأخ الهجري محمد العلي يكتب فيه حتى اليوم"

فقد كان  تفاعل المدينة وشعرائها مع تيارات الحداثة المختلفة على صعيد العراق والوطن العربي والعالم واضحاً من خلال تلك الأسهامات الحيوية في حركة الشعر الجديد ودراسته، وحين زار جمال الدين الشاعرَ السيابَ في الأعظمية أطلعه - كما يروي - على مسودات المحاضرة التي كان قد أعدها لموسم المجمع الثقافي لمنتدى النشر في النجف "عن الشعر الحر: تاريخه وتطوره" مدافعاً عن شعرية الشعر الحر، كما كتب مرة لجمعية الرابطة في النجف محاضرة عن "ظاهرة التدوير في القصيدة المعاصرة" نشرت في مجلة الرابطة، رأى فيها إن قصيدة "هذا هو أسمي" لأدونيس كان من الممكن أن تكون "معلقة الشعر الحديث" لو كانت العلاقات اللغوية بينها وبين قرائها على مستوى ما إعتادته الإذن العربية من علائق.

وكانت لدراسة عبد الكريم الدجيلي عن البند الأثر في التعريف بهذا النمط الشعري الذي وجد في أواسط القرن الحادي عشر في الفترة المظلمة وكان إبن دريد 321 هـ أول من كتب به ممهداً لكسر موسيقى العمود الشعري وتجديدها.

ولم تخل المدارس النجفية من الأدب المكشوف رغم مكانتها الدينية، وذلك أمر قل أن تجده في مدن أخرى

وإذا كان هربرت ريد قد رأى بان هناك تحالف بين الكاتب الجيد مع القارئ الجيد والرديء مع الأردأ فإن إقبال الجمهور النجفي كان لافتاً للنظر على المكتبات العامة والخاصة وفي معارض الكتب التي كانت تقام في المناسبات .

كما إن تنوع الثقافات ساهم في إثراء الشاعر ويتجلى ذلك في كثرة الوفود والشخصيات الأدبية من مختلف أرجاء العالم وكثرة المكتبات(13) وأصدار المجلات وإقامة الندوات الفكرية والمجالس الخاصة للأدباء وللبيوتات الأدبية المعروفة(14) ولعلماء الدين(15). ومما لا شك فيه إن التراث بما يحمله من معان ودلالات قد لعب دوراً مهماً بشقيه النصي والثوري والتحامهما معاً فثورة الحسين مثلاً هي ثورة على السلفية الدينية والفكرية والتي شجعت على الثورات الجمالية والروحية والشعرية. من جانب آخر عمل الشاعر على توظيف المناسبات للفكر والمفاهيم السياسية والاجتماعية والجمالية التي يحملها ويدعو اليها.

وانظر إلى العقلية المتفتحة لرجال الدين فحين هاج العامة على الشيخ الشاعر صالح الجعفري بسبب قصيدة نظمها عن ثورة الهند على السلطات البريطانية ومقالات نشرها في صحيفة "الفجر الصادق" وبعض الصحف النجفية قام رجال الدين بتكفيره وهاج عليه العوام فقام الأمام أبو الحسن الموسوي بالدفاع عنه فابتعد عنه المحرضون واليك بعض أبياتها:

قف في "منى" واهتف بمزدحم القبائل والوفودِ

حجوا فلستم بالغين بحجكم شرف الهنودِ

حجوا الى استقلالهم وحججتم خوف الوعيدِ

فعبادة الأحرار أشرف من إطاعات العبيدِ

..الخ القصيدة، التي لو قال مثلها أو أقل منها أي شاعر معاصر في هذه الأيام لما استطاع ضمان حياته.

وانظر كذلك الى الشاعر باقر الشبيبي في نقده اللاذع للحكومة العراقية:

المستشار هو الذي شرب الطلى        فعلام ياهذا الوزير تعربدُ

والى الشاعر علي الشرقي:

قومي رؤوس كلهم         أرأيت مزرعة البصل

والى الشاعر عبد الأمير الحصيري:

أنا الأله وجلاسي ملائكة     وحانتي الكون والندمان من خلقوا

وفي قصيدته "هجرة القرار":

وليكن لي الطوفان مأوى يوقيني بذخ السجود للأصنام

سفري في مجاهل النبض أسمى من رحيلي بفسحة الأرغام

وليعاقر تمتعي في الأباطيل ضلالاً موائد الإلهام

إنني أسمع أرتطامي في القاع خلوداً .. فأين منك إرتطامي ؟!

تهرم الخمر في قشور العناقيد .. وتفنى الورود في الأكمام !!!

وتبقى من المفارقات المريرة أن هذه "البحبوحة" القليلة من الحرية التي لم تقتنع بها الأجيال الشعرية التي سبقتنا وهي محقة في ما كانت تشكو منه ومن حقها هذا، وجد جيلنا نفسه يحلم ولو بأقل منها تحت كابوس سلطة لا تسمح بأقل نأمة حرية أو هسيس صوت مخالف.

وقارن ما مر عليك من تلك الأبيات مثلاً بقصائد علي الرماحي التي يناجي بها ثورة الحسين والتي أدت به إلى الاعتقال والتصفية:

نور عيني كيف تمضي اليوم عني          ولقد حام الردى بالقرب مني

ولقد هد الأسى والضيم ركني              ولقد صار لدى الطغيان شأني

أنت طود شامخ رغم الطغاةِ               أنت وصل بين ماضينا وآتِ

أنت فصل أنت زهد في الحياة            أنت عرش للهدى والمكرمات

أنت ما مت ستحيى في الخلود          سوف تبقى صرخة ضد الجحود

وستبقى كاسراً حتى القيود               وستعطي درس عزم وصمود]

 ...................................                     

.....

والخ...

..............

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

  

(1) النفري عبد الله محمد بن عبد الجبار بن الحسن  توفي عام 965 م نسبته الى بلدة النِفّر بالكوفة

(2) الكِسائي: أبو الحسن تـ 805 من كبار نحات الكوفة وأحد القراء السبعة. مؤدب الأمين والمأمون. له "رسالة في ما يلحن فيه العامة"

(3) "... فقد استطاع الحجاج مثلاً أقامة حكمه القوي أكثر من عشرين عاماً رغم السخط الجماهيري الواسع في حين خذلت الجماهير علياً بن أبي طالب رغم ولائها له" ثم يستخلص قائلاً: "فعمر العدل على الأرض قصيرٌ جداً قياساً الى عمر الظلم الطويل الأمد .. أن السلطة سريعة الجنوح للعزلة عن الجماهير لأنها تتكتل حول نفسها بما تملكه من الثروة ووسائل القوة والمهمات والأعمال، وتزداد السلطة عزلة كلما ازدادت طبقيةً وطغيانيةً" - عزيز السيد جاسم في كتابه "علي ابن طالب سلطة الحق" دار الآداب/ بيروت 88 ط1 - وهذا الكتاب حصلت عليه من الكاتب نفسه بعد أن مُنع في العراق وكان السبب في أعتقاله وإجباره على التنكر لكتابه في المقدمة التي دبجها لكتاب جديد يحمل العنوان نفسه مع أربعة كتب أخرى طُلب منه تأليفها وطبعت في مطابع دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد. وكنت أثناء عملي موظفاً في نادي الكتاب وترددي على مكتبة الدار أرى الكتب والمجلدات تحمل إلى معتقله في سيارة خاصة وعرفت من موظفة المكتبة فيما بعد أن هذه الكتب كانت تحمل إليه، هناك - بأمر خاص - لتأليف تلك الكتب. وقبل اعتقاله أذكر لقاءاتنا المتكررة نهاية الثمانينات: الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والكاتب وأنا، في المقهى البغدادي على شارع أبي نؤاس صيف 1990 (أنظر الحوار الطويل الذي أجريته مع البياتي والذي صدر في كتاب "ما تبقى من الطوفان" لندن 1996 وديوان "كتاب المراثي" للبياتي وفيه قصيدتان أهداهما لعزيز السيد جاسم، ولي من وحي تلك الأيام)..

 (4) زيد بن علي: "الإمام من شهر سيفه وليس الإمام منا من أرخى عليه ستره ". وكان يتمثل وهو في طريقه الى الكوفة:

"شرده الخوف وأزرى به    كذاك من يكره حر الجلاد" الخ القصيدة.

(5) يذكر أدونيس في ديوانه "أمس المكان الآن" أن أبا الفضل الكوفي "شخصية غامضة خصه المتنبي بقصيدة بعد عودته من بادية السماوة وكان فيلسوفاً وقيل هو الذي أضل المتنبي وهوّسه وعرّفه بالفلسفة اليونانية يقول المتنبي يخاطبه:

نور تظاهر فيك لاهوتيّهُ      فتكاد تعلم علم ما لن يعُلما"

 (6) أنظر الى خطبة والي الكوفة خالد القسري يوم الأضحى وهو يذبح الجعد بن درهم في الجامع سنة 124 هـ قائلاً: "أيها الناس ضحّوا، فإني سأضحي بجعد". وانظر الى حكم الحجاج على ابراهيم بن يزيد التميمي الكوفي بأن يأكل الجمر حتى يموت. وانظر الى ما حدث للزاهد الكوفي ابراهيم التميمي الذي يروى أنه "كان الطير يرف على كتفيه حين يصلي" قتله الحجاج في سجنه.

(7) بل ان الشاعر مصطفى جمال الدين نفسه كان يواجه مستغرباً من يرى فيه جمع الضدين ، يقول:" صادفت أكثر من واحد يسألني كيف أجمع بين كوني رجل دين وشاعراً غزلاً فأتعجب كيف يرد مثل هذا السؤال في أذهان البعض".

(8 ) وانظر أيضاً لقول القاضي الديار بكري المالكي المتوفى 966 هـ: "في سنة 71 هـ هدم عبد الملك بن مروان قصر الأمارة في الكوفه وسببه أنه جلس ووضع رأس مصعب بين يديه فقال له عبد الملك بن عمير: يا أمير المؤمنين جلست أنا وعبيد الله بن زياد في هذا المجلس ورأس الحسين بن علي بين يديه ثم جلست أنا والمختار بن أبي عبيدة فأذا رأس عبيد الله بن زياد بين يديه ثم جلست أنا ومصعب هذا فإذا رأس المختار بين يديه ثم جلستُ مع أمير المؤمنين فإذا رأس مصعب بين يديه وأنا أعيذ أمير المؤمنين من شر هذا المجلس، فارتعد عبد الملك بن مروان وقام من فوره وأمر بهدم القصر" ومن زاوية ثانية أنظر الى قول الحسين بن علي بن زياد الوشاء البجلي نقلاً عن أبن عيسى القمي: "أني أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد"

(9) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: "لما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضاً، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، وقيل لم يقلب يومئذ حجر في البيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط". ويذكر الخوارزمي في مقتل الحسين بأنه حين سؤل أبن سيرين: أتعلم هذه الحمرة في الأفق مم هي؟ قال: "عُرفت من يوم مقتل الحسين بن علي". وغيرها من الروايات المذكورة في ينابيع المودة للقندوسي الذي يذكر نقلاً عن ابن عباس: "أن يوم مقتل الحسين قطرت السماء دماً وأن الحمرة التي ترى في السماء ظهرت يوم مقتله ولم تر قبله" وكذلك في الصواعق المحرقة لأبن حجر الهيثمي والمعجم الكبير للطبراني ومقتل الحسين لأبي مخنف وغيرها.

 من جانب آخر لاحظ مقالة الناقد د. حسن ناظم "ترميز المطر في انشودة المطر للسياب": "إن تحول المطر الى دم يستهدف تحريك الرغبة في التغيير، وإن هذه الرغبة أو هذا التغيير كان يستلزم مثل هذا التحول في الوظيفة الأصلية للمطر على الرغم من أن النظرة العميقة تبين إن الوظيفة بقيت هي هي، وأن مماهاة الدم بالمطر إنما كان من أجل إضفاء طابع العنف على عملية التغيير فالدم والمطر يغيران الحياة ويحققان الإنبعاث، بيد أن المماهاة بينهما تضفي على التغيير طابعاً قسرياً فهو تغيير غير طبيعي، بل تغيير هو ثمرة للكفاح والثورة. (الحركة الشعرية/ ع 7)

لقد ورث الشاعر المعاصر إرثاً ضخماً من النكبات والمراثي والحروب وإذا كان الإنسان المقهور يقوده قهره إلى الأيمان بالغيب كما نلحظ ذلك في المثيولوجيا الشيعية في غيبة المهدي، لكن الشاعر قد يثور على هذا الإستسلام، يقول د. عبد الله الصائغ:

"حججت أربعين أربعاء في مسجد السهلة كي أراك لم أرك سمرني القاع وغصت لا قرار"

فقد استغلت بعض الحركات السياسية هذا المخيال واسثمرته لصالحها. لاحظ محمد الجويلي "الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي/ بين المقدس والمدنس" سراس للنشر 1992 تونس" ففي ليلة المعراج رأى الرسول "ص" دم الشهداء "علي بن أبي طالب والحسين .. الخ" فزفر زفرة ألم سيخلق الله منها بعد ذلك الحديد الذي سيصنع منه سيف أبي مسلم الخراساني كما إن دمعة الرسول "ص" التي إنسابت لوعة على الشهداء ستتحول الى شجرة ستصنع منها يد هذا السيف.

كما استلهم بعض المبدعين هذا المخيال أيضاً ووظفه داخل سياقات النص. لاحظ استخدام ماركيز لطيران احدى مطلاته في مائة عام من العزلة مثلاً

(10) أنظر د. رؤوف محمد علي الأنصاري في دراسته عن"المدارس العلمية الإسلامية في كربلاء" : " والمدارس الإسلامية في كربلاء تحمل صفات وخصائص معمارية متميزة تتناسب مع الهدف الذي انشئت من أجله. ويمثل تخطيطها طرازاً معمارياً معروفاً في العراق يعرف بالطراز الحيري نسبة الى مدينة الحيرة قرب الكوفة والذي يتمثل باحلال الصحن (الفناء المكشوف) المكان الأول في التخطيط، وتأتي الأروقة المسقوفة المكشوفة والقاعات والغرف والمصلى والممرات والمداخل لتحتل مكانها حول تلك الساحة التي تتجه إليها كل مرافق البناء. إن هذا التنسيق الذي اتبع في بناء المدارس الإسلامية يشير الى النظام المتبع في المباني الإسلامية والى اسلوب التخطيط المعماري الذي أكدته البيئة ومتطلبات الحياة الإجتماعية".

(11) " عندما وقفوا وجهاً لوجه أمام مكتبة الروضة الحسينية المطهرة التي تضم 100 ألف مجلد لا يقدر بثمن صار الحد الفاصل بين تفكيرهم والتاريخ عود ثقاب" . من كتاب "الانتفاضة" لم أستطع للأسف تذكر أسم المؤلف، مكتفياً بهذه السطور التي وجدتها بين أوراقي ودفاتري التي ضاع منها الكثير في الوطن والمنفى.

ويذكر وفيق السامرائي"هزائم صدام /الحلقة الاولى والثانية. صحيفة المؤتمر آذار1997" : "وبعد أن تمت السيطرة على مدينتي كربلاء والحلة اندفعت قوات المحورين باتجاه النجف وجرى رشقها بعدة مئات من الصواريخ التعبوية (ولونا) روسية الصنع وانواع أخرى برازيلية وأبرق طه الجزراوي الى صدام قائلاً "إننا نطبق على النجف وإنها فرصة التاريخ لسحق رأس الأفعى"

 ".. ودخلت القوات مدينة النجف لتبدأ مطحنة الشباب .. وتم دفن المئات في مقابر جماعية واقتيد الآلاف الى معتقلات الرضوانية ".

ويقول د. جليل العطية: "حدثني صديق كان من شهود الأنتفاضة وكتب الله له الخلاص: إن النجف تحولت الى خرائب وأطلال بـ (فضل) مدفعية القائد المهزوم. فلقد تم نسف معظم المساجد والمكتبات العامة وأماكن العبادة والعلم "والحسينيات" الخ ...".

وبالإضافة الى الكتب ففي المرقد مصاحف خطية قديمة نادرة بعضها مكتوب بالخط الكوفي على رق غزال وهدايا من ملوك العالم وشمعدانات وقناديل من الذهب الخالص وأوان فضية ونحاسية أثرية نادرة وطنافس قديمة مطرزة بالؤلؤ والذهب والمرجان وأصناف المجوهرات وغير ذلك.

 (12) يذكر  مصطفى جمال الدين في الديوان إنه وعبد الغني الخليلي كان لهم صديق مشترك حج مكة فكتب له:

" لو طفت في مكة ألفاً وقد عفرت خديك بذاك التراب

ثم رأيت الآس من رقة يحمر يسود بأيدي الصحاب

لبعت من زهدك أم القرى بطرقة منه وأم الكتاب" والخ

ثم تتحول القصيدة من الهزل الى الجد فيقول:

"بغداد أبناؤك في غربة وأنت للعافين دار اقتراب" والخ

يقول "وشاعت هذه القصيدة بين أصدقاء الطرفين فعارضها جماعة من الشعراء النجفيين أذكر منهم المرحومين: عبد الكريم الدجيلي وحسين الصافي كما عارضها الأستاذ محمد الهجري).

وإذ شهدت السنوات الماضية في المدينة بالتحديد طغيان قصائد الاخوانيات والمناسبات كالختان والزواج أو افتتاح مدرسة أو مراسلات بين الأصدقاء، فقد اتخذت القصائد الآن منحى آخر يماشي حداثة النص الجديد من جانب ويحافظ على عرى الذكريات والصداقة والحدث. فالشاعر لم يكتب شعراً "اخوانياً " إنه نص خالص لا علاقة له بالمناسبات. أنظر إلى الشاعر عبد الهادي الفرطوسي  يهدي  قصيدة " نجمة " إلى الشاعرة فليحة حسن على غلاف ديوانها "زيارة لمتحف الظل":

باب ظل التقية يفضي/ إلى ../ نفق الانتظار/ باب ظل الصواعق/ يؤدي إلى حمرة قانية/ باب بظل الحقيقة/ مقفل/ باب ظلك نجمة/ تسير إلى عالم أخضر كالهوى/ أزرق كالحقيقة".

وهي تهدي قصيدتها أمنية الى" الشاعر ع ..": "كان بودي أن آتيك/ لكن شوارعنا صحراء/ وأنا لا أملك إلا ثوبي الأبيض"/ والشاعر عبود الجابري يهدي قصيدته "ما تبقى من رغيف المهاجر .. الى عدنان الصائغ : سوف يطيب لبعض الحواة التحدث عن جنة في جيوب الأفاعي/ وعن وطن صالح للحنين/ لكم علمتنا المتاريس أن نحتفي بإغتياب أصابعنا/ حين ندخلها في جيوب السراويل/ علمنا الحب كيف نؤثث أحزاننا بالركون الى زيجة عاطلة/ لم نجد سلماً لإعتلاء الرغيف/ وعلمنا الجوع كيف استدار الفضاء رغيفاً ومر على جوعنا/ يزرع الغيم في قامة الريح/ والقمح بين خطوط بيديه"(صحيفة الشعب الأردنية 27/12/1993)/ وعدنان الصائغ يهدي قصيدته " نجمة" الى حميد الزيدي( ديوان العصافير لا تحب الرصاص/ بغداد 1986) والى آخرين../ والشاعر أحمد الشيخ يهدي قصيدته تماجيد (الى روح البحر الخالد .. الصالح عبد المحسن)/ "يا ماء ../ قوسك مشدودة عليك/ وها هي رايتي تتبعها أجناد الرياح ../ كن تابعي .. إذن/ فعما قليل .. سأبسط كفي على مرآتك، غالباً،/ ولن تجد من كنوزك سوى الخرائب/ ولن يفلح صخور شواطئك/ غير أمواج الريش ../ ونواح نوارسها الأليم .."/ كما يهدي قصائد أخرى:" الى هوميروس مثلاً / الى أسعد كيفما اتفق / اليها ذات قمر واليها ذات شمس أيضاً / الى الدهشة التي يرسمها جناح الملاك الى علي بدر / الى شبير أولاً / الى البستاني محمد والمرشد رسول".

لاحظ معي أن القصائد السبع المهداة هي من أصل سبع قصائد تشكل مجموع كل الديوان، ولاحظ معي أيضاً شعرية الإهداء أيضاً..

(13) يقول الشاعر علي الشرقي :

لهفي لخمسين من سني قد اندرست    في الكتب بحثاً كأني دودة الكبت

ويقول الشاعر أحمد الصافي النجفي:

مبعثرة جميع الكتب عندي      قد انتشرت كعائلتي بدارِ

(14) يقول د. عبد الحسين شعبان في كتابه "الجواهري جدل الشعر والحياة": وكان الشعر بخاصة والأدب بعامة يشكلان الأساس الذي لا غنى عنه في المجالس والمناسبات الأدبية والدينية والإجتماعية التي هي أقرب الى الأندية الثقافية والفكرية تطورت على مر العصور. فقول الشعر في النجف - وكما تعارف عليه الناس - طبيعي، بمعنى آخر إنه غير مصطنع أو يهدف الى الكسب أي إنه وجداني "ضميري" نابع من الشعور وليس أمراً تعليمياً. يقول الجواهري إن الظواهر الأدبية والدينية كانتا تلتقيان وتصب كل منهما في مجرى الأخرى"

وقد عشتُ في طفولتي جانباً من هذه التجمعات الأدبية في بيت خالي الشاعر والناقد د. عبد الاله الصائغ حيث تفتحت عيوني على الكتب والحوارات الأدبية والمساجلات الشعرية أذكر من الاسماء: المرحوم موسى كريدي وحميد المطبعي ومحمد رضا ال صادق الذي كان معمماً  وقد فرحت حين أهدى لي ديوانه "أنفاس الشباب" حين عرف ولعي المبكر بالشعر.

 (15) يستذكر الدكتور جليل العطية تلك البيوتات العلمية قائلاً: "لعبد الرحيم أفضال كثيرة علي أهمها أنه قدمني إلى "المجتمع النجفي". النجف مدينة غامضة، لا تفتح أذرعها إلى مخلوق بسهولة.. وبواسطة عبد الرحيم تعرفت الى صفوة العلماء والأدباء والشعراء في طليعتهم الأئمة والشيوخ محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي واغا بزرك الطهراني أمطرهم الله بشآبيب رحمته. وحضرت مجالس وندوات أدبية وعلمية وأجتماعية تركت في قلبي براكين من السرور ... وأن أنسى، لا أنسى الشيخ الجليل أغا بزرك صاحب موسوعة (الذريعة) والذي كنت أراه يعمل بنشاط وهمة يتكأ على حصير بسيط في باحة داره وبيده قصبة يكتب فيها بيد مرتعشة وحوله عشرات المخطوطات والمصادر النادرة، كان يحمل على ظهره تسعين عاماً وعلى الرغم من ذلك كان يتحدى الزمن ويصارع الدهر وظل يؤلف ويفكر حتى توفاه الله "في العشرين من شباط 1970". أما الإمام أبو القاسم الخوئي فأن مجلسه ساحر لا يمل، فهذا الفقيه العالم بالأصول والرجل والمؤلف المكثر له حافظة عجيبة ومعرفة واسعة بعشائر العراق والمنطقة. زرناه مرة في الكوفة وكان معنا الأديب والمؤرخ عبد الرزاق الهلالي فسأله رأيه بكتاب "العشائر العراقية" للمحامي عباس العزاوي فطلب من أحد أولاده دفتراً ضخماً تبين أنه يتضمن ملاحظاته على الكتاب"

[ الهوامش من 16الى20 من كتاب الخليلي سلاماً ياغريب "بتصرف"]

 

عدنان الصائغ


التعليقات

الاسم: الاعلامي علي حسن الخفاجي
التاريخ: 09/09/2014 05:36:45
الاستاذ الكبير والكاتب القدير عدنان الصائغ تحياتي وتقديري واعتزازي مقالتكم تستحق التقدير والإعجاب
أتمنى لكم المزيد من الإبداع والعطاء والنجاح فأنتم قمة الإبداع أتمنى لكم الصحة والعافية مع تحياتي اخي العزيز




5000