..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هكذا أتَذَكَّرُكْ! .. إلى السّميحِ القاصِمْ!

رجاء بكريّة

"كأنَّ حواري التّاريخي معك للجنة الطلّاب الفقيرة في جامعة حيفا كان سببا في شُهرتِكَ. لا أنسَ كم عَيَّرتُكَ، وأنا أستحضرُ ذلك الحوار، فبعد أسبوعين من نشرِهِ طرتَ إلى تونس ثمّ دمشق. سألتك بعد أسابيع عن سبب غيابك فقلتَ: سافرت!. ضحكتُ أنا ضحكَتِي المجلجلة الّتي لم تفهمها، وأثارت ضوء نادرا في عينيك، "هل ترى يا أستاذ، حواري شَهَرَكَ، لكن لا تحلم بلقاء آخر!"


كُثُرٌ يذهبُون، وقلّةٌ نشتاقُ أن نسجّلَ رحيلهم، ونحن نصغي لانسحاق الرّصاص على بياض الورقّ!
كثُرٌ يرحلونَ، والبعضُ القليلُ نحبُّ أن نلوِّنَ رمالَ الرّبعِ الخالي بحضورِهِم، وأنتَ، يا صديقي، تاجُهُم!
لستُ إلا شاعرة/كاتبة كَمَا أسميتَها أبا وطن! وبائسة جدا في رثاء من تحبّ. لا تعرفُ كثير مداهناتِ الشّعرِ، وحِيَلِ الرّوائيّين، وقسوةِ النقّادِ حينَ تُسجّي وداعها عطرا على وردِ الورق. كم تتعذّبُ الكلماتُ، وهي تتمارى في ماءِ ياسمينها لتكتبكْ! ففي وداع الياسمينِ يستبدل القرنفلُ زهرهُ بورق عنب، ويمرغُ وجههُ عتب. لن يُتقنَ أبداً رشّ أسمائهِ إضافةً لذيلِ كفن!
أنا لن أرثيك أنا، يا صديق الصّغار والكبار، النّساء والرّجال والأطفال. بل سأُثرِي لحظات رحيلك ببقايا ذاكرة عتّقتُها حِبرا وحَبَقاً منذ أعوام مضت، عشرين عاماً على أقل تقدير حين جئتك لأوّل مرّة!
التقيتُكَ، وأنا أسلِّحُ ورقي بالزّهر والحنظل، عسلاً ولسعاً، وقذائف كثيرة من الّتي يجرِّبُهَا جيش الدّفاع الإسرائيلي هذه الأيّام فوق رؤوس شعبك في غزّة. جهّزتُ مضمون حواري، أسئلتي، ودهشتي. جاهزة كنتُ لهجومٍ منظّمٍ على خُصوصيّاتِ شاعر يشغلُ المُحيط الأدبي بصوتِهِ ووسامتِهِ، وحضورهِ اللّافت، إذ كنتُ وعدتُ أصدقائي في لجنة الطلاب العرب بلقاء حصريٍّ مع شاعر المقاومة الأشهر على صفحات مجلتنا السنوية تطيِّرُ الأعداد في ساعات. تحمَّسُوا لها جدا، مع عدم ثقتهم التامة بقدرتي على تنفيذ المهمة، أما أنا فكنتُ على ثقةٍ بأنّي سأفعل!
سهرتُ عَلَى كلِماتِي، وَحدَّدتُ لونَ ملابِسِي وعِطرِي وخُطواتِي، لكنْ وسَطَ ازدحامي بالرَّهبَةِ نسيتُ أن أتسلّحَ بمِظلّة. اعتقدتُ أنّ الشّتاء سيخدعُ رعيلا مِن عُشّاقِهِ ما عدايَ! واعتقدتُ أنّهُ لن يَكبِسَ بشدَّةٍ، ويبلّلَ أنَاقَتِي في تلكَ الظّهيرةِ البارِدَة. وآخر ما تمنّيتهُ أن أصِلَ مكتبكَ أشبهَ بصوصٍ منتوفِ الرّيش انتَشَلَتهُ العِنايةُ الإلهيّة من حادِثِ دهسِ حتمي تحتَ غضبِ عاصِفة.
كان الطّريقُ  لشارعِ صهيون أطول من دروبِ الغيمِ الّتي تامرتْ فجأةً على بياضِ السّماء، وفَلَحَتْها غُيُوما سوداءَ مُجعلَكة. بدأتُ أتأمّلُ هندامي اللّيلكيّ من الحذاءِ وحتّى القبّعة بكثيرٍ من القلق، وأهمسُ بعدَ كُلِّ خُطوةٍ تزدادُ اتّساعاً، "خانَ وعده هذا الشّتاء الكاذب!" دون مقدّمات بدأ رجم المطر. مطر عُدوانيّ جداً، من النّوعِ الّذي لا تتفاهمُ معه ملابسك! استحالَ إلى شتاء شديد سفّاحاً جداً يُسقطُ الأناقة، ويمحو الجمال. واحترتُ ماذا أفعل، فبعدَ كُلِّ خُطوةٍ كانت معالمُ الطّريقِ تتلاشى، ونظراتي تضيعُ في بُخارِ النّاس الّذينَ استَحالوا إلى قُطنٍ يطيرُ ويملأُ الفضاءَ والسّاحات.
تُهتُ.. ضِعتُ، وكانت أوّلُ مرّة أصلُ فيها لهذا الحيّ المُغيّب تماماً من ذاكرتي لمدينةِ القلبِ حيفا. التفتُّ بكلّ اتّجاه، ولم أعثر على طيرٍ أسألهُ عن شارعكِ، كأنّه مسألة حسابيّة عقيمة لا حلّ لها! أخيراً ميّزتُ كابينةَ هاتفٍ عُموميٍّ، وأدرتُ ألأرقامَ بأصابعَ تجلّدت من أثرِ الصّقيعِ، الّذي بدأ يضرِبُ زجاجَ الكابينةِ، ويصفع وجهي. من بعيدٍ سمِعتُكَ: وينِك يا بنت؟ وأجبتُ بكثيرِ ارتباكٍ وخجل: يبدو أضعتُ الشّارعَ. ضحِكَ: أنتِ في حيفاَ يا بنِت! قولِي أينَ أنتِ؟ ارتجفَ فكّي، وأنا أحاوِلُ السيطرة على ارتجافِ جسدي:ما مَعِي شمسيّة! اعتلَّ سؤالُكَ: أسألُكِ أينَ أنتِ؟ وأجَبتُ بضيقٍ وارتباك، كأنَّي لم أمشِ في شارِعٍ من قبل: لا أعرف! يهتاجُ فجأة، ويتفرَّقُ صوتُهُ: كيف ما بْتِعِرفِي؟ رصدتُ ما حولي بنظرة بانوراميّة سريعة من خلالِ كابينةِ هاتفٍ كئيبة، وهمستُ كطفلةٍ ضائعة: بْتِقْدَرْ تْلاقِيني؟ احتدَّ صوتُهُ: لكنّي لا أعرفُ أينَ أنتِ! وصفتُ لهُ بشكٍّ ما أراهُ حولي، وإذّاكَ، سَألني على غير توقّعٍ منّي: ماذا تلبسين؟ فأجبتُهُ بحماسٍ فاجَأَنِي، وفي نيّتي إلغاء فكرة قلّة الحيلة، الّتي قدّرتُ أنَّهُ أخذها عنّي: ملابس ليلكيّة! وإذّاكَ فسَرَ: بعدَ الإنحدار خُذي يمينك، ستجدين دكانا صغيرة في الزّاوية أنتظركِ هناك، لستِ بعيدة عنّي كَما أُقَدِّر. خرجتُ من مخبأي، ودوّرتُ بصري بمُكوِّنات الغضبِ السّماويِّ الّذي نزلَ فوقَ رأٍسي. نكشتُ رأسي مرارا لتقودني إلى العنوان. وزّعتُ قلبي على الجهات، وحثثتُ الخُطَى. وكلّما علت دقّاتُ قلبي صارت خُطُواتِي تتآلفُ وتتّسق، ووجنتايَ تسخُنانِ.
لا أذكُرُ كم مرّ من وقتٍ، وأنا أنحدِرُ تحتَ رجمِ البَرَدِ لملابسي ووجنتيّ. لحُسنِ حظّي لم أضعَ ماكياجاً، ولتوخّي الصّدقِ وثقتُ بجمالي حدّ استهانتي بقدرة مستحضرات التّجميلِ على إضافة لمساتٍ لجمالي الطّبيعي. وهكذا، بُعَيدَ دَقائق عثرتُ على نفسي أمامَهُ. كان قد خرَجَ من الدكّانِ، ووقف على الرّصيفِ تحتَ مِظلّةٍ حمراء. وقبّعةٍ سوداء، قدّرتُ أنّها روسيّةُ الصُّنعِ، تضيء وجههُ ابتسامة طفوليّةٍ عريضة. لوَّحَ لي من بعيدٍ، كأنَّهُ يتأكّدُ من عُثورهِ عليَّ، ثمّ رحّبَ بصوتٍ عبّأتهُ السّجائرُ انشِغالا: أهلا وسهلا بالّليك! ابتسمتُ أنا،على استحياءٍ. نظرتُ إلى نفسي بمرآةِ عينيهِ، وهمستُ: شوف، غَرِقَت ملابِسي بالسّيل! ضحكَ قائلا: لا يهُم، لديَّ مدفأة. وهكذا مشيتُ أمامهُ، وهو خلفي يحمِي ملابسي، وجسدي المُرتجفِ بمِظلَّتِهِ الحمراء.
ولا بدّ لي أن أعترف، يا صديقي الكبير، بدماثتكَ، وشُمُوخِ قامَتِك. عفويّتِكَ تلك، هرّبت حيرتي وارتباكي. كُنتَ جميلاً وهادئاً، وتلقائيّاً، حدّ أنّي لم أصدِّق أنَّهُ أنت! كنتُ، حينذاك، في مقتبل عمري يفصلني عنك عقدين ونيِّفٍ على أقلِّ تقديرٍ، ورغمَ ذلكَ منحْتَنِي شُعوراً بأنَّي أُوازيكَ معرِفةً، وثقافةً. ساحراً كان أسلوبك في اكتشاف مُحاوِرك، سِرُّهُ في ابتسامتك. لم أقابل رجالا كُثُر يجيدون انتزاع الذّعرِ من رأس امرأة، بالسّلاسةِ الّتي كانت لك! والحقيقة أنّي كنتُ بِحاجةٍ لتجاوُزِ أزمَةِ ملابِسي الغارقةِ بالماءِ، وأزمة جهلي بك. تركتُ معطفي يجفّ قرب المدفأة، وهرعتُ لحقيبتي أستخرجُ منها ورقي، وأغيّبُ ارتباكي، وأنت جالسٌ أمامي تتأمّل اعتذاراتي بمرحِ لا يتوقّفُ عنِ الإشتعال، سيجارةٌ تقبِّلُ كعبَ السّيجارةِ الّتي بعدها بشراهة غير معقولة. "مِدخنةٌ بامتياز"، همستُ لكَ دَهِشة. ضحكتَ: أضايقُكِ؟ لا أبدا، لكن ألا يضايقكَ أنت؟ سألتُك. يضايقُني؟ وأضفتَ للإبتسامة فتنة، وأنتَ تعبُّ من فمِ سيجارةٍ جديدة وتسجِّلُ شيئاً أمَامك. مستغربا كنتَ لعدمِ انصياعي لرغبتك بأخذِ قسطٍ من الرّاحةِ. وقفتَ فجأةً، وأعلنتَ: سأُعِدُّ قهوة، تشربينها أليس كذلك؟ تهلّلَ وجهي، ووافقتُ بهزّةٍ عنيفةٍ من رأسي. فرحتُ بفكرةِ القهوة، كأنّي لم أتوقّع أن أعثر عليها في مطبخكِ الصّغير.
رائحةُ هالها تجاوزَ مِزاجي بقليل، وهي تتسرّبُ عبر الممرّ الضيّق الّذي يؤدّي إليك، كنتَ تعدُّها، وتسهبُ في حديث بدَأْتَهُ خلف مكتبك.. يعلو بالقدر الممكن من ارتفاعِ الصّوت. عُدتَ إليَّ بقهوةِ الرّامة منتشيا بمجّةِ سيجارةٍ طويلة. مبتسما كما فهمتكُ، ومَرِحاً ما أمكن. طلبتَ مِنّي بشبهِ أمرٍ مازحٍ أن أتفرّغَ لقهوةٍ لذيذةٍ، وأتركَ ورقي. قهوةٌ لا يصنعها إلاّكَ، قهوةُ الرّامة! "لكنّي قتلتُ الكثيرَ من وقتِكَ، وملابسي لم تجفّ بعد" شكوتُ نفسي إليكَ. علا صوتك فجأة: تخلَّصِي من هذا النّكد، يا بنت، لا عليكِ، المهم أن تخرجي مْرَوْقَة. ولم ينتظر كثيرا قبل أن يَقلِبَ الفناجين بتمرّسِ  من أدمنها، ويصبّ السّائلِ العجيب، ثمّ يترك بكرج القهوة الصّغير مكشوفا بلا غطاء، كانت بعض طقوسها لديك!َ
لا أذكرُ كم مرّ من وقتٍ، وأنتَ تُجاذِبُنِي أطرافَ الفَرَح. حديثا طويلاً لَبِقاً مرحا، لكنّي تنبّهتُ لوفودِ جحافلِ العتمة بفعل نهاراتِ الشِّتاءِ القصيرةِ. لملمتُ حقيبَتِي ومعطَفِي، وأخذتُ لكَ صوراً عدّة، كصحفيّة متمرّسة. سألتني فجأةً بعتب: ومن سيأخذ صورة لكِ وأنت تحاوريني؟ وكعادتي في استثناء نفسي من المشاهد الفوتوغرافيّة همستُ بفرح: لا يهم، المهم أنّي التقطتُ صورا تلقائيّة جميلة لك، سألتني: متأكّدة؟ فاجأتُ نفسي حينَ أكّدتُ لك: في مرّةٍ قَادِمة!
لم يتأخّر حوارُكَ. أنجَزتَهُ خلال أسبوع، وحينَ وفدتُ هذه المرّة ممهورة بحماسي المُعتاد حين ُأنجزُ خطوة استثنائيّة قطعتُ عدَّةَ شوارع بثقةِ عارفة، فالحافلات الّتي تصل هذا الشّارع تتأخّر كثيرا. صعدتُ السّلالم بمرح صديقة. على شوق احتضنتُ الأوراق كأنّي أتسلّمُ أوراق وطنٍ ضائع. وشربتُ القهوة، وتحدّثنا بمذاقٍ آخر وهواجس جديدة أصغيتَ إليها ملء قلبك، بحرصٍ ومرح. لشدّ ما أحببتُ فيكَ قدرتكَ الخارقةِ على افتعال الفرح، وثقتك البالغة بما سيأتي.
هكذا استطالت شوارعُ معرفتي بك، واعتبرتُ نفسي صديقة حقيقيّة رغم سنّي الصّغيرة. انتقَلتَ إلى كلِّ العرب، وسط امتعاضي من تخلّيكَ عن حيفا. كنتُ أعتبرُ احتكار حيفا لك قضيّة مفروغا من ضرورتها، فضحكتَ ملء دَهشَتِك، وملء طيبتك.
على مدى سنوات لم أتوقف عن السّؤال عنك. لا أذكر أنّي هاتفتُكَ مرّة ولم ترد، ولا أذكرُ أنّك لم تُعِدِ الإتّصال حين تعذّر عليك الرّد. هي جماليّة أخلاقيّة، أيّها الكبير، لا يجيدها أصحاب الشّأن المزيَفين. كان يهمّني أن أطمئنّ عليك، كأنَّ حواري التّاريخي معك للجنة الطلّاب الفقيرة في جامعة حيفا كان سببا في شُهرتِكَ. لا أنسَ كم عَيَّرتُكَ، وأنا أستحضرُ ذلك الحوار، فبعد أسبوعين من نشرِهِ طرتَ إلى تونس ثمّ دمشق. سألتك بعد أسابيع عن سبب غيابك فقلتَ: سافرت!. ضحكتُ أنا ضحكَتِي المجلجلة الّتي لم تفهمها، وأثارت ضوء نادرا في عينيك، "هل ترى يا أستاذ، حواري شَهَرَكَ، لكن لا تحلم بلقاء آخر!" وضحكتَ من قلبِكَ، وأنت تعدّ قهوتكَ الطيّبة، وتنثر مُزاحكَ كنثر الهواءِ لورقِ الشّجر المؤدّي لشارعك البعيد أوّل الخريف.  
لم أكفّ عن البحثِ في أحوالكَ وصحّتك، وأسفارك. قليلا زُرتُكَ. مرّة واحدة وصلتُ مكاتب كلّ العرب، وبحثتُ عن مكتبك. لم أحتمل الجلوس أكثر من عشر دقائق. بدأتُ أتذمّر، المجانينُ فقط، يا صديقي، يستبدلون نسرا يحلِّقُ بدجاجةٍ تقرقرُ، وكنتُ لا أحبّ النّاصرة، وأحسدُ نفسي كلّما أنجزتُ مهمّة تجبرني على الوصول إليها. وهكذا بَعُدَ عِطرُ المَجنونةِ الّتي تتشبّثُ بكتفِ الكرملِ أكثَرَ منك، وخاصمَتْكَ المسافة. تركتَ حيفا تماما. لكن السّنوات لم ترد في حسبان الحميميّة الّتي تغمر بها عيون أصدقائك، ولو غابوها. والسّنة الّتي فَصَلَتْنِي عن حرارة ابتسامة لا تفارقك لا تُحتسبُ في عُمرِ محبَّةٍ خبّأتُها لك.
في مرضك سألتُ الأصدقاءَ عنك. لم أجرؤ على التحدّث إليك، خفتُ أن أجرحك، ولم أستشفَ عمقَ مقاومتك للمرض قبل أن أقرأ قصائدك الأخيرة. انتظرتُ فرصة ما للقاء. صدفة في إحدى مناسبات التّكريم الّتي احتفت بك. وصلتُ متأخّرة إلى الجليل في مناسبة تكريمك،  ولشدّة ازدحام المركبات في الخارج لم أصل لقاعة الإحتفاء، ولم أقرأ ما سجَّلتُهُ عنك! لكن يخيّل إلي أن ما أسجّله تحت دمعتي المحبوسة سيصلكُ، وستقرأه حيث أنت، كنتَ تؤمنُ أنّ الشّعراء لا يموتون، وتتابع الآية الكريمة، "بل أحياءٌ عندَ ربِّهِمْ يُرزَقُونْ".
أبا وطن.. قليلة هي حُرقةُ الذّاكرة عليك، والقرنفُلُ حين يعودُ لعطرِهِ فَلأنّهُ يريدُ أن يمشيَ بساطاً لقدميك، وفضاءً لِتَهلُّلِ عينيكَ بمرَحِ من رأيتْ! يُحبُّ أن يَحرُسَكَ زهرهُ، تماما كما فعلَ في زوايا مكتبِكَ الصّغير في شارع صهيون، القريب من وادي نكبتنا الأولى. ولا زلتُ رغمَ ذهابكَ أغارُ مِنك، أغارُ من قُدرِتِكَ الجذلى على تسجيلِ بُيوتٍ باسمِكَ في كلِّ مَكانٍ تسكُنُ إليه. واثقةً أنّ الملائكةَ ستضيءُ مِليونَ شمعةٍ احتفاء بِعددِ الآياتِ الّتي وزّعتها غيباً على مُحِبِّكَ ومُبغِضِكْ، وتحرقُ الأحقادَ بخوراً حول مخدعِكْ!

رجاء بكريّة


التعليقات




5000