..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غداً .. في الصدى

فرج ياسين

لمس كتف الصبي ، وأفرد سبابته ، ثم هصرها مترفقاً بين أنامله جاعلاً إياها تلامس مشبك السياج الحديد ، وتشير الى الأمام .. 

 - أنظر ، تلك هي نخلتنا الباقية ! 

   وعادا أدراجهما ، ثم أخذت أعمدة النور على جانبي الجسر تعدو مسرعة في الإتجاه الآخر خلفهما ، فرأى الرجل الى عيني الصبي ، وهما تلاحقان صورة النخلة وهي تلوح أو تختفي أو تراوغ أو تمرق لمحاً ، على وفق ما تتيحه سرعة السيارة الماضية في طريقها فوق الجسر ، وطفقت نفس الرجل تختزن جذلاً عذباً . لقد تأكد له بأن شيئاً أراد له أن يعيش في قلب الصبي ، بدأ يتوزع أحاسيسه ويقلق صمته ، ورأى نفسه وهو يعدو في الباحة الواسعة ، دائراً حول الحديقة بأقدامه المعفرة بالطين ، والعصافير تطير بين الغصون ، غير عابئة بالعود الصغير الذي يحمله ويلوح به مطارداً فلولها الجافلة ، وكانت الأخوات الكبيرات يجلسن بالقرب من دكة الطارمة العالية ، وكان لا يعود في كل مرة إلا بآثار العثار في أصابع قدميه ، وبالخدوش النازفة في أماكن مختلفة من جسده .

- بابا !؟

   وأجفل الصبي القديم ، فألقى بعصاه الصغيرة تحت قوائم الأرائك أمام أخواته الضاحكات ثم رنا الى أبيه مبتلعاً لعاب هلعه ، في حين تهادت السيارة برهةً ، فتمسَّك بطوق المقود وجفف عرق عارضيه وجبهته بظاهر كفه ، وكان الصبي يبدو كَمَن كفَّ عن نيته في التحدث الى أبيه ، بينما جعلت نقطة ما في ذاكرة الرجل الهرمة تعتصر سرابها من أجل توقع صحيح لما دار في خلده تلك اللحظة ، وحدَّث نفسه : أهي النخلة أيضاً ؟ هل أفلحت في إقلاق مخيلة الصبي الغضَّة ، واستلاب عفويتها ، قال الصبي : من الذي دلَّ السعلاة على بيت العجوزين يا أبي ؟

   وتذكر الرجل ، إنها الحكاية التي قصّها عليه في الليلة البارحة ، حينها كانت أجفانه تحاول جاهدة مغالبة نصال النوم الطائفة في فضاء الغرفة ، أجابه قائلاً : كانت السعلاة تتمشى وحدها في منتصف الليل ، فسمعت صوت البقرة ، وتوقفت أمام الباب قائلة لنفسها ، لقد وجدتُ صيداً ، أتود أن أعيد عليك الحكاية ؟

•-       لا .

•-       حسناً ، لماذا تذكرتها الآن ؟

•-       لا أدري ، ولكن العجوزين كانا مخطئين ، أليس كذلك يا أبي ؟

•-       ربما يبدو انهما كانا خائفين ، لأن البقرة قررت تحدي السعلاة قائلة لها : إذا أتيتِ مرةً ثانيةً ، وجرؤت على دخول البيت ، فإنني سأغمزك بعيني ، وأنطحك بقرنّي ، وأرفسك برجلَيّ ، وكانت السعلاة تقول لها : سوف أقوّض هذا الكوخ المصنوع من القصب ، وافترسكم جميعاً .

•-       أجاب الصبي : ولكنهما ذبحا البقرة !

•-       وأعاد الرجل السيارة الى سرعتها الثانية ، ثم عاجَ على الرصيف الترابي منتظراً وصوله الى الطريق الذي يميل يميناً ، وينحدر نُزلاً ، ثم يدور و يمضي باتجاه النهر تحت الجسر .

•-       لماذا قاما بذبحها يا أبي ؟

•-       لقد أصبحا هدفاً مستمراً للسعلاة بسببها .

•-       وهل جاءت السعلاة في الليل ؟

•-       نعم ، مثل كل مرة ، وظنَّ العجوزان أن كل شيء قد انتهى ، ولكنهما فوجئا بصوت البقرة وهو يرد على تهديد السعلاة قائلاً : سأغمزك بعينيّ ، وأنطحك بقرنَيّ ، وأرفسك برجلَيّ .

•-       ولكن البقرة ذُبِحت ، من الذي كان يُجيب ، أهي الشياطين ؟

•-       كلا إنه رأسها ، لقد أخفاه العجوزان في فناء الدار قلبوا فوقه طستاً ، لئلا يلمحه أحد ، لأنهما أرادا طبخه في اليوم التالي .

•-       وهل جاءت في اليوم الثالث ؟

•-       تماماً كعادتها ، أول الأمر ، جعلت تشم بأنفها البالغ الحساسية ولما نظرت في الداخل ، لم تشاهد أي أثر . لقد كان الطست الذي وضع تحته الرأس في الليلة الماضية ، مُلقى بالقرب من الباب .

•-       وأراد أن يسأل الصبي عن سر استمتاعه بهذه الاسئلة ، لأنه لم يدع شاردة أمس تخصَ هذه الحكاية إلا وقصها عليه ، لكنه شاهد عينيه وهما ترمشان مغرورقتين بالعرق المتحدّر من جبهنه وسالفه خيوطاً دقيقة بأجراس لامعة . وقرأ في افترار فمه ابتسامته عرفان كان الرجل يطرب لمجرد اشراقها حول شفتيه .

في تلك اللحظة ودّ لو أنه يجد ما يبرر الترجل وافتراش الطريق ثم إعادة القول مرة بعد مرة ليس من اجل انفعالاته المختلفة بل من أجل صورة ذلك الصبي القديم الذي كان يطارد عصافير المساء في بيتهم الزائل ، صورته يوم سمع الحكاية - أول مرة من جدته - قبل كومة من السنين .

أعاد الصبي : وهل ردَّ عليها أحد ؟

•-       اجل ، لقد سمعت الإجابة ذاتها ساغمزك بعيني ، وأنطحك بقرنَيّ ، وأرفسك برجلَيّ.

•-       كيف ؟

•-       قال الرجل : ثمة قطرة دم ، قطرة واحدة بقيت عالقة في الجدار بعد تنظيف الفناء من دماء البقرة ، هي التي تكلمت الآن .

•-       قطرة دم ؟

•-       نعم .

•-       وماذا فعلت السعلاة ؟

تملكها الذعر ثم ولّت هاربةً ، ولكن العجوزين كشطا قطرة الدم في اليوم التالي ، فجاءت مرة أخرى عند منتصف الليل .

دوَّر الصبي لسانه حول شفتيه ، متداركاً لعابه ، وقد أوشك أن يسيل من زاويتي فمه .

•-       والآن لم يبق أي أثر للبقرة .

•-       صحيح ، لأنها رفست الباب المصنوع من القصب ، ودخلت ثم بحثت عن العجوزين فوجدتهما قابعين بين أكداس التبن في السقيفة التي كانا يربطان البقرة تحتها .

 

*************

  بدا الشاطئ مزدحماً هذا اليوم ، فأركن الرجل سيارته ، ونضا ملابسه ثم ساعد الصبي في تغيير ملابسه ، حاثاً إياه على الإسراع في القفز الى الماء ، وفيما شرع يشير بالتحية الى اباء الصبية الآخرين المقرفصين على الشاطئ ، يدخنون ويراقبون أبناءهم ، إسْتَلَّ هو الآخر سيكارة وأشعلها ، ثم جعل يمضغ الدخان مستمتعاً . بعد قليل ، لحق بالصبي متخطياً زبد الرغوة العكرة لكتلة الماء الملامسة لخطوط الغضار المنسوجة بين الحصى ، في مثل لوحةٍ لامعةٍ .

   تناول يد الصبي واقتاده حتى جاوز الماء خاصرته ، قال : بعد شهر فقط سوف يمكنك السباحة لوحدك .

•-       نعم ، هذا إذا أردت أن تتعلم السباحة حقاً .

•-       بابا

•-       نعم

•-       إذا قطعوا النخلة التي في بيتنا القديم ، فهل ستأخذني الى ذلك السياج ، وتشير الى مكانها أيضاً ؟

•-       سأفعل ذلك ، أما كنت تريد أن أفعل ذلك ؟

•-       بلى .

  وكان الرجل يحاول موازنة جسد الصبي الممتد فوق ساعديه ، ويحثه على استخدام قدميه في دفع جسده الى أمام .

•-       إذا قطعوا النخلة فهل سيبقى منها شيء في الأرض ؟

•-       تبقى بعض جذورها ، أما إذا اجتثت الجذور فإن ثمة أوعية متناهية في الدقة ، مع بعض تفرعات الجذور العميقة ، لا بد أن تبقى في الأرض .

تخلى عن ساعدي والده ، ووقف قبالته ، وقد فرق الماء شعر جبهته ، وطبعت قُبل الماء البيض فوق عارضيه وخديه أقراصاً مذهبة الحواش ، جرّاء علوق ضياء الشمس بأطراف المويجات المنعكسة فوق وجهه .

•-       أتقوى هذه الجذور على الكلام يا أبي ، مثل قطرة الدم ؟

•-       آه ، ربما ، نعم !

•-       إذا أصبحتُ رجلاً فإنني سأظل أذهب الى مكان النخلة في بيتنا القديم ، وأحاول الاستماع الى حديث الجذور .

فرج ياسين


التعليقات




5000