..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
د.عبد الجبار العبيدي
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / توائم الحمار

عامر رمزي

حملت قنينة الخمره الفارغه كلمات (الأبوذيه)* ولحنها المرتجف وتمايلت مسافرة مع تموّجات النهر ..كانوا يرددون تلك الأغنيه كل ليله بذات الروح المتحمسه،وكأنها جديدة الحضور في جلساتهم..وراح اللحن يرعى في حناجرهم المتعبه كصوتِ عنزةٍ عطشى تنتظر الذبح..

   حتى مشهد صمتهم الحزين بعد انتهاء الغناء يتكرر..وكأن كل منهم قد ساهم في وضع كلمات الأغنيه بمعيّة القدر..هي نشيد ألامهم المشترك..كلماته التراثيه تسرد همّ راعي لا رفيق له سوى حماره المتعب ,فيتغزل به وبصبره وتواضعه..

   تعالى شهيق حمار من الجهة الاخرى للنهر ليغزو ذلك المشهد الصامت  الخاشع في معبد الألم ..لتنطلق ضحكاتهم المدويّه.. ويقول جابر السائق:

- أبن الحلال بذكره!!! *

  تنفس الأصدقاء بعمق، وراح بعضهم يضغط عند اسفل بطنه، والبعض الآخر يتأوه، بفعل السعال المفسد المعانق للضحكات المتواصلة التي أشعلها فيهم (جابر السائق), بتتابع طرائفه ونكاته السريعة، التي كان يجيد إلقائها بقدرة تماثل السهولة التي يلتهم بها طعامه.

     وراح يحدثهم حول حماراً لم يضحك لنكته ألقاها الأسد في رعيته من الحيوانات،لكنه بعـــد انقضاء مجلسهم, انتابته نوبة ضحك شديدة. فراحوا يتساءلون فيما ينهم عن أمره, وتبين لهم إن الحمار أخيراً قد أدرك معنى نكتة الأسد!

      سأل خليل أصحابه،وهومعلـّم ابتدائي سوّى معاشه وتقاعد حديثاً،سأل وكأنه يمتحن تلاميذه، بعد أن هدأت ضحكاتهم وتعدلوا في جلستهم وارتشفوا شيئا من العرق الرخيص:

-يا أخوان.. من منكم يستطيع ان يتحفنا بتعريفا دقيقا للحمار!

أجاب (فرعون الدفان) بسرعة التلميذ النبيه:

-انه الكائن الوحيد الذي سيدخل الجنة دون حساب لأنه حمل كل شيء في الدنيا إلا الذنوب!.

قال جابر بسرعه معترضا:

_لا.. أبدا..هو ليس الوحيد فأني حتما سأكون معه!..ولو ألقيتم أحمالي فوق ظهره لتفتتَ وتهاوى في الحال.  

      ضحك الجميع مرة أخرى..ثم ساد بينهم صمت لم يقطعه سوى صدى تموجات دجلة الخافتة على تلك الضفة المظلمة التي افترشوا أرضها, وكأِن خيالاً غريباً مرّ بأذهانهم جميعا، في ذات اللحظة شرّد أفكارهم إلى أزمنة لا يعلمون هل مرت، أم إن سباتا قسريا احتواهم في تلك الفضاءات البعيدة ليبقوا عالقين بين مجراتها.ثم توجهوا نحو خليل يسألونه بنظراتهم عما وراء سؤاله العجيب .

     قال خليل وقد علت محيّاه بوادر الجديّة الطافحه بحزن مزمن :

-رغم إننا يا أصدقائي نجد في الحمار كل معاني الصبر والقدرة على التحمّل.. الا إننا حينما نرغب بالسخريه من شخصٍ قلنا عنه هو حمار!.. فهل إننا في الحقيقة نهزأ من إرادته الضائعه وروحه المستكينة ثم رضوخه اليائس؟.وهكذا يبدو ان جابر أكثرنا جرأة باعترافه بان حياته مماثله لما في حياة هذا المخلوق المسكين من شقاء وألم.

   أيّده جابر مغتبطاً..وكان ذلك فقط لشعوره بلذة مشاركة أصحابه في همومه وما يصاحب ذلك من عزاء يمثل أقصى غاية له!.. فقال:

- لان الحمير ،وهي جميعها حمير ..لم تمض في تطورها منذ حمار سيدنا آدم لغاية اليوم، ولأن حياتي لم تتطور.. فان فذلك يؤكد لكم بأنني حمار!!

    وضحك الأصدقاء..لكن في هذه المرة كان العسل مراً انتهت حلاوته بمجرد عودة أحاسيسهم المطاطة إلى وضعها الطبيعي بعد أن مست أطراف ذيل المسرّة..فهم أيضا لم يرتقوا لأية سلـّمة من سلالم التطور.

    تابع جابر بابتسامته المعهودة التي تلتصق في وجهه حتى في أثناء نومه:

-ولدت لأجد نفسي غارقاَ في الديون..ولأن السياقه مهنتي القدريّه ..فقد تسللت خلف مقود كل المركبات التي قد تخطرفي أذهانكم ،منذ أيام الدراجة وحتى الشاحنات العملاقة، لكن .. عجلة حياتي مرت تاركة ظلي خلفها.. وليبقى الفارس بلا عجلات..لقد أوكلت لي قيادة كبار الموظفين نحو وجهاتهم ،أسوقهم.. أم هم من يسوق خطاي..لست أعلم ..ولا فرق عندي،اِذ باتوا يتدرجون في المناصب تاركينني خلفهم أدعو لهم بالتوفيق!. إنني باختصار.. أقول لكم.. بأنني قد قدت كل شيء،كل شيء.. سوى حياتي، لأنني فقدت السيطرة على زمام مقودها. وها أنا لازلت غارقاَ في بحر الديون!..

 ان كل ما هو حولي يسوقني على منحنى العجله الدائره ليعيدني نحو مكان انطلاقي، كحمار يعرف طريقه نحو الحقل والزريبه بخبرته التي اكتسبها من تعوّده الأعمى.

انطلقت الضحكات مرة أخرى ومعها السعال الذي يشق صمت دجله.فقال(شاكر البناء) بسرعة ليسبق الآخرين في طرح همومه:

-أنا أيضا اشعر بتعاطف شديد مع الحمار.هو بشبهني ..او انا مثله.. ظللت طوال حياتي، وكما تعرفون، احمل أعباء الآخرين. فقد تهور والدي وقتل زوج عشيقته ليدخل السجن تاركا لي جهل أمي وثلاثة اخوة صغار بدون أية جدران تحمينا غير(صريفة)* تتقاذفها الريح وتهزأ بها الأمطار.وكان علي أن ارضي ربَّ عملي كي أوفر لهم بعضا من خبز الشعير وحسب. وبعد أن شب اخوتي ضربني أحدهم عندما منعته أن يعمل شحاذا وهرب إلى حيث لا ادري. ثم سار الآخران على خطى والدي ليدخلا السجن بعد أن قبض عليهما يسرقان بيت أحد الأثرياء.وعندما تزوجت قال لي رب العمل: (إنني لا أفهمكم أيها الشحاذون وأتساءل دوما لماذا تتزوجون وانتم لا تملكون الاقتدار في أدنى صوره لحياة حرّه آدميّه.. ثم تغرقكم الوحول حينما تنجبون كالأرنبه مضيفين خلقاَ جديداَ من التعساء إلى تلك الوحول)..لم افهمه ساعتها ..وأسفت لذلك..لأنني حقا أصبحت حمارا مرة أخرى لزوجتي الغاضبة دوما والتي لا تتوانى في أن تلهب ظهري كل يوم بسياط لسانها مثقلة روحي بجروح لم يسلم منها جسدي طيلة النهار في العمل الشاق..

صاح جابر بصوت المدافع المتضامن مع شاكر..

_ يا جماعه ..إنها أيضا حمارة لكنها من فصيلة الحمار الوحشي! .

   وضحك الجميع.. فأردف البنّاء قائلا بعد أن افرغ كل محتوى الكأس في جوفه.. وكان مفعول الخمر قد تمكن منه ليزيده شجاعة على أن يكشف أسرار بيته بصراحة ودون حرج ..وطأطأ رأسه محدقا بلفافته وكأنه يحدثها:

-زادت همومي بعد أن شبّ أبنائي الذين قد أدركوا جيدا من والدتهم أساليب إهانتي بسبب أوبغيره.. وتوجب علي طاعة الجميع.. فلا سلطة لي بينهم حتى على بناتي اللائى انحرفن عن جادة الشرف..

  وثارت همهمات غير مفهومه هنا وهناك..لوح بيده وكأنه مايسترو ينهي جمله موسيقيه.. وراح يكمل حديثه العاري:

_ارجو ان لا تقاطعونني ..ذلك لأنني في نظرهن قد أخطأت مسبقا حينما أنجبتهن وأنا فقير ومعدم الحيله و عاجز حتى على السرقه . ولأنني لم أوفر لهن ما تملكه كريمات العائلات الراقية ولم أزل ألبس معطف الشرف ،راحوا ينتقمون منه.. لذا فقد توجب عليّ التغاضي وإلاّ..

 باختصار..إن واجبي في الحياة كان ولا يزال هو إسعاد من حولي والتزام الصمت !.

   وكانت الدموع قد تمكنت من عيني جابر فلف خليل بذراعه حول كتفه وراح الآخرون يواسونه.

 ثم قال (فرعون الدفان) :

أما أنا فمسلوبة ارادتي بالكامل مثل حمارنا العزيز.. وفي كل شيء. لقد ورثت ،كما تعلمون،مهنة توديع الأموات عن والدي، وليس لي من عملا أتقنه غير دفن بني آدم، فمهنتي هي ما أعاقت خطى حياتي حتى الآن؟ ..لأنني ببساطة كلما تقدمت لخطبة احداهن وأتضح لذويها مهنتي، نطـّت من أعينهم جملة (أعوذ بالله) ..ولو حدث ما يجمعني بصحبه أناس فانهم سرعان ما يتبخرون من حولي .. ولا يتجلون أمامي الا في أحزانهم.. أما أفراحهم فاني فال سيء لايستحسنون ظهوره فيها ..

  حياتي ميتة لأن مهمتي فيها هي التحاور مع من في القبور و(تلقين) الجثث، ولا تعامل لي مع البشرالأحياء. مع الأموات والقبور والأشباح والكوابيس المفزعة أحيا.. فهل بينكم من هو في تعاستي..وهل أنا جاحد بنعمتي؟

أجابه جابر مازحا:

-لا..لا..لست انت.. بل أباك ..لقد كان ظالما للغاية.. حتى عندما أطلق عليك اسم (فرعون)،أظنه تقصّد بذلك ليبث الرعب بين الأموات فلا تزعجك أشباحهم؟!!..

   وضحك الجميع ومعهم الدّفان إلاّ المعلم خليل الذي تعدل في جلسته وكأنه قد تنبه إلى إن دوره قد حان لإتاحة فرصة لاصحابه في مشاركته همومه تحدث عن نفسه وهو الأسير العائد من الحرب بخفي حنين، وهي ثمن عقد ونصف من عمر الفتوه ..

حاول  كتمان بكاءه الذي انطلق ليتحول الى نحيب غلام وراح يتناوب في الحديث بين سيل الشهقات..عاد الى بلاده فلم يجدها ..البلاد في حياة الانسان هي الحبيبه والأسره والابناء..ضاعت بلاده في غيابه المر بسقطه قدريّه لصاروخ أعمى فوق حلم رؤياهم. وراح يقص عليهم:

-أما أنا يا إخوان فلست اقل منكم تعاسة..  بل ما أشبهني بحمار عجوز أراحه صاحبه شفقة به ليحوله إلى حمار في متنزه يمتطيه الأطفال أيام العيد ثم يركلونه صائحين:(حاااا..دييييح ).. غير انني اشعر باني ما زلت قويا كالبغل.. وأنا حقا هو،أفلا يقولون إن تزاوج الحصان مع الحمار ينجب بغلا، إن والدي ،الذي كانت أسرته يوما ما غنيّه، هو الحصان وأمي الفقيرة هي الحمار فأنجباني بغلا عنيدا لا يتوانى عن الانتحار كلما قست عليه الحياة.. وهذا يا إخواني ما يدور في خلدي هذه الأيام إن لم أجد لي مخرجا من يأسي وأتحرر من جوي الخانق وقيود الخمرة التي مللت هروبي وأنا ممتطيا كأسها.

قال فرعون الدفان: ان أرواح الأموات تعود لتتجسد في أي حيوان وستكون مصيبة لو اختير لروحي أن تعيش بعد أن يموت جسدي الحالي في جسد حمار فاكون حماراَ مرتين!.

  

قال خليل المعلم : لذلك يتوجب علينا أن نخرج أرواحنا من أجساد الحمير.

أيده فرعون بإصرار وكذلك قال جابر:

-وأنا أيضا سأقتل حماري.

قال شاكر البناء :

وماذا علينا أن نفعل لنغير دربا أوشكنا أن ننهيه؟

أجاب المعلم:

-علينا أن نتجدد.. فلا خمرة بعد الآن ..لن أرتاد مرة أخرى هذا المكان..وهذا أول قيد سأكسره.

وكان هذا ما تعاهدوا عليه ثم فضّوا مجلسهم وعقولهم حائرة تبحث عن حلول تمثل إصرارهم على التغيير.

       وبعد مدة وفي هدأة الليل تسلل المعلم والدفان إلى ذلك المكان المنعزل على ضفة دجله الحزين بقارب صغير تشاركا في ثمنه ليتحولا إلى صيادي سمك ،فوجدا صاحبيهما وقد أبتاعا حماراَ يتناوبان على خدمته وراحته لبقية عمره! انهما يغنيان له(ألأبوذيه) ويتغزلان بصبره ويشربان في نخبه الخمرة الرخيصة!. ..

      أجواء أشبه بطقوس عبادة !!..

      عبادة الفشل..

  

 

 

الابوذيّه : ضرب من ضروب الشعر الشعبي وغالباً ما يغنى مشوب بصوت ولحن حزين .

أبن الحلال بذكره: مثل شائع في العراق، يقال عن كل من يلج مجلساً يتحدث الموجودين فيه عنه .

الصريفه: كوخ من القصب .

 

عامر رمزي


التعليقات




5000