..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
د.عبد الجبار العبيدي
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مناظرة وحوار في الإمامة والعقل

أ د. وليد سعيد البياتي

مناظرة وحوار في الإمامة والعقل

جرت هذه المناظرة بيني وبين إثنين من السلفيين الوهابيين

في 23 رمضان 1435هـ

مقدمة:

قبل رمضان 1435هـ إتصل بي مرة ثاني زميلي البروفيسور أندرسون يدعوني الى مناظرة جديدة نستكمل من خلالها طروحات مناظرتي السابقة مع الشيخ السلفي سلمان العنزي الذي تحاورت معه في الرابع من أيار هذا العام، قائلاً: أن العنزي أحضر الدكتور عبيد المدني وهو من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المدينة المنورة إضافة الى إثنين من أساتذة الجامعة من الوهابيين وهم يريدون طرح أسئلة حول الامامة والعقل وأن المناظرة ستتم في منزل زميلنا  الدكتور غياث الدين قبل الإفطار وستستمر بعد الإفطار إذا رغبتم في ذلك. كما أن الدكتور غياث الدين سيدعو بعض الزملاء لحضور النقاش. فقلت: سيسعدني خوض غمار الحوار والمناظرة ولكن لدي شروط للمناظرات كما تعلم وأرجو إبلاغهم بها مسبقاً قال : ماهي؟ قلت:

أولا: أن لا يخرجوا عن موضوع الحوار.

ثانيا: أن لا ينتقلوا من مسألة الى أخرى تهرباً دون الوصول الى حكم.

ثالثا: إن الزمتهم الحجة في كل مسئلة يقف الامر عند هذا الحد فيها.

رابعا: إننا لن نأتي بأحاديث من الكتب ولكن من النص القرآني فقط.

إتصل بي بعد يومين قائلاً أنهم قبلوا شروطي فتم ترتيب الموعد لخوض المناظرة في رمضان المبارك في الثالث والعشرين منه في دارة أخونا الدكتور غياث الدين أعزه الله.

المناظرة والحوار:

 وصلنا منزل الدكتور غياث الدين بعد صلاتي الظهر والعصر، وكان وصولي بحدود الساعة الثاثة والنصف  وبعد السلام والتحيات والتعارف خضنا في بدابة الامر في شؤون عامة، وإنتظرنا حضور بعض الزملاء والاصدقاء من الاكاديميين والباحثين المهتمين بالفكر الاسلامي، وكان قد حضر عدد من الزملاء منهم البروفيسور أندرسون والدكتورة ميا والدكتور آل كروفيرد، والأستاذ إسلام محمد (باكستاني) والأستاذ فخر الدين (باكستاني) والسيدة جنات زوجة غياث الدين وهي باحثة في شؤون المرأة، والدكتورة رقية خانم زوجة الاستاذ فخر الدين، وكان قد حضر الشيخ سلمان العنزي والشيخ عبيد المدني وعبد العزيز والجمري وسعود القاضي، فجلسنا في جانب والسيدات في جانب آخر، ثم قررنا بدأ المناظرة في الساعة الرابعة عصراً، فقال الدكتور غياث الدين: طلبتم من أخونا البروفيسور أندرسون أن تحاوروا عزيزنا البروفيسور وليد سعيد البياتي وقد حاورة سابقا الشيخ سلمان بحضورنا والان تريدون أنتما (عبيد المدني وسلمان العنزي) أن تحاوراه معاً، وقد وافق أخونا البروفيسور البياتي على ذلك وفق الشروط التي إتفقنا عليها فهاتوا  ما عندكم.

قال الشيخ المدني: أنتم تقولون أن الإمامة أمر من الله وهي تعني الخلافة فكيف ذلك؟

قلت: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام عليى خاتم النبيين وآله الطاهرين. هل قرأت القرآن؟

قال: نعم.

قلت: هل قرأتم قول الله عزوجل: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" . السجدة: 24.

والله يقول ايضاً: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ". البقرة: 30.

ويقول الحق ايضاً: " وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا  قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ". البقرة: 121.

فانت ترى ان الخلافة والامامة (جَعلٌ) الهي وهما من صنو واحد وعلى هذا قلنا أن إلإمامة تعني الخلافة، وأيضا تجد من معانيها الولاية والقيادة والرئآسة، ووجدنا في الكتاب العزيز أن في الإمامة فرعين، فرع يدعوا الى ولاية الله عزوجل والى الجنة، وفرع يدعو إلى ولاية الشيطان والنار.

قال سلمان العنزي: معذرة ولكن من أين تأتي بهذا فكيف يكون من جعله الله إماماً يدعو الى النار؟

قلت: الله عزوجل يقول ذلك وليس أنا!

فقال الشيخ عبيد المدني متعجباً: الله يقول ذلك أين؟

قلت: نعم الله تعالى شأنه يقول: "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ". القصص: 41.

وقلت أيضاً: وإني أتعجب منكما كيف إنكما تدعيان أنكما من العلماء ثم لا تعرفان القرآن؟ فما الذي تدرسانه لطلبتكما؟

قال المدني: فأيهما أكبر الإمام أم النبي والرسول لانكم الشيعة تضعون للإمامة مرتبة كبيرة وتعتبرون الإمام أعظم من النبي.

قلت: لسنا من يقول ذلك جزافاً، ولكن معرفتنا بالإمامة جائت من القرآن المجيد وهو لسان عربي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالله عزوجل إتخذ إبراهيم عبداً ثم إختاره نبياً ثم إصطفاه رسولاً، ثم إتخذه خليلاً ولما تكاملت عبودية إبراهيم ونبوته ورسالته وخلته إبتلاه الله عزوجل بذبح إبنه إسماعيل عليهما السلام ولما وجده الله عزوجل صابراً خاضعاً له مطيعاً لأوامره ونواهيه إصطفاه بالامامة، فإمامة إبراهيم جائت بعد أن تكاملت عنده عبوديته ونبوته ورسالته وخلته، فالامامة هي كمال كل ذلك وهي شرف كل ذلك فهي أعظم من النبوة لأنها أتت بعدها وهي عهد إلهي يعهد به الله عزوجل لمن يختار من عباده، ألا ترى إلى قوله تعالى شأنه:

" وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا  قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين َ". البقرة: 121.

وكان إبراهيم عليه السلام قد أدرك عِظم الإمامة وخطرها وكمال مراتبها فأراد أن يجعل هذا الفضل الكبير والخير العميم في ذريته أيضا فقال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، لكن الله عزوجل بين له أن الإمامة عهد من الله عزوجل وهو ما عبر عنه بانها (جعل) أي انها مجعولة من الله عزوجل وهي من الأمر التكويني الإلهي التي لا يجوز للبشر الإختيار فيه لأن الله عزوجل هو من يختار، أي لا يمكن للامة أن تقرر من هو الإمام بل الله عزوجل هو من ينصب الإمام بإعتبار ان هذا المنصب سيكون إستمراراً للنبوة ووعاءً للرسالة.

فقال: المدني: قد يكون ذلك خاص بإبراهيم فقط؟

قلت: يجب ان تعلم أن قضية (الجعل الالهي) قضية مستمرة وهي من السنن الإلهية، فحين يختار الله خليفة (إني جاعل في الارض خليفة) فهذا الجعل مستمر باستمرار الحياة ولايمكن أن يكون الاختيار للخلافة هنا في وقت دون آخر لان الحياة مستمرة باستمرار بني آدم على الارض وهم يحتاجون الى أن يكون الحاكم فيهم بأمر الله عزوجل وليس بإختيار الناس وإنتخابهم.

قال: وهل جعل الله عزوجل للمسلمين إماماً لأننا نرى أن الايات السابقة تخص إبراهيم أو بني إسرائيل ولا تخص المسلمين؟

قلت: ألم تقرأ قول الله عزوجل: "  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ". المائدة: 67.

وهذه الاية نزلت في واقعة غديرخم الشهيرة أثناء عودة الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله من حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة وهي الحجة الاخيرة للرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكر اصحاب التواريخ أن الذين حضروا كانوا بحدود (120 الفاً) من المسلمين وأقل الروايات تقول بحدود مائة الف إنسان حين أبلغهم الرسول بان الله أمرة أن ينصب الامام علي بن أبي طالب ولياً وإماماً وخليفة ووصياً على المسلمين كافة، وكتب التفاسير كلها تقول ان هذه الاية نزلت في حق الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام. وهي جائت بصورة التبليغ القطعي فصيغة فعل الأمر في قوله تعالى شأنه ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)،تكشف أهمية هذا الأمر الإلهي، بل أنه تعالى شأنه جعل هذا التبليغ في مقابل كل الرسالة التي أرسل بها الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله، إذ لا قيمة للرسالة بدون هذا الامر لأن الرسول محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله هو خاتم الانبياء والرسل عليهم السلام، وشريعته خاتمة الشرائع، فيجب أن تستمر الى يوم القيامة من خلال الإمامة، ثم أنظر في قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فالله عزوجل يعلم أن الامة سترفض هذا المبدأ الإلهي ولكن الله تعالى بين لرسوله الخاتم ان الله يعصمه أي يمنعه من الناس ويحميه من أذاهم وشرورهم.

قال المدني: ولكن الألباني يضعف تفسير هذا الحديث.

قلت: أولا: إتفقنا أننا لن نأتي بأحاديث ولا نصوص حديثية ولا روايات. وثانياً: الألباني وأشباهه غير معصومين ولا هم بحجة علينا ولا نقبل رواياتهم.

قال سلمان العنزي: نعم إتفقنا على ذلك وأنا أعتذر عن صاحبي وسؤالي الان هو: هل الولي هو الإمام؟

قلت: الولاية فيها الخاص والعام، والمطلق والمقيد، وأعظم صور الولاية هي ولاية الله تعالى شأنه، وهي الولاية المطلقة له فهو خالق كل شيء، ولعل أوضح مظاهرها ولايته يوم القيامة إذ تنتهي ولايات البشر، فلا أنبياء، ولا رسل، ولا أوصياء، كما لا يوجد ملوك ولا أمراء ولا حكام، والولي في اللغة هو من يتولى الامور العامة والخاصة، وفي حياة الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله كان هو ولي أمر المسلمين كافة وهو مرجعهم وهو الشارح والمفسر والمبين للقرآن الكريم، ولما كان نبينا هو الرسول الخاتم فلا نبي ولا رسول بعده فالامة الاسلامية تحتاج إلى من يدير شؤونها ويحل محل الرسول الخاتم في ولاية المسلمين. والإمامة مفهوم أوسع مما تتصوره من إمامة الصلاة، فالإمام هو من يؤم الائمة أي يتقدمها في ولاية شؤونها وإدارتها كما يريده الحق سبحانه وتعالى وليس كما تشتهيه الامة لان الامة غير معصومة ويفترض بالامام أن يكون معصوما بآية التطهير. لأن الإمام هو من يقيم الحدود ولا يجوز لأحد شرعاً وعقلاً أن يقيم الحد وهو ممن ينطبق عليه الحد، وبالتالي وجب أن يكون الامام معصوماً عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان ولا يأتي بالصغائر ولا الكبائر ولا غيرها.

قال: أليس الله يقول أمرهم شورى بينهم فمن حق الامة أن تختار وليها؟

قلت: الله عزوجل يقول في محكم كتابه العزيز:   " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ". آل عمران: 159.

وقوله تعاللى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ليس تعبير عن حاجة الرسول صلوات الله عليه وآله للمشورة فكيف يحتاج للمشورة وهو رسول الله ونبيه المسدد بجبرائيل والمؤيد بميكائيل وجيوش الملائكة في السماوات السبع، فهل مثل هذا الشخص الذي يرعاه الله وتسدده الملائكة يحتاج لرأي البشر؟ بل أن الامر منوط بالرسول نفسه صلوات الله عليه وآله، ألا ترى قوله تعالى شأنه وهو يبين هذا المعنى في قوله: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، حيث ان الله تعالى جعل الأمر بيد الرسول الخاتم نفسه صلوات الله عليه وآله سواء قبلت الامة أم لم تقبل، فجعل العزيمة بيد الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله وليس بيد الامة. لأن الله يمنع أن تختار الأمة لنفسها في هذا المجال. وأنظر في قوله تعالى شأنه:

" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ". الاحزاب: 36.

فالله جعل الامر بيده هو أولاً لانه هو خالق كل شيء وهو مدبر الامور والعليم الحكيم وهو السميع البصير، ثم جعل الامر بيد الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله وقرن طاعته بطاعة الله عزوجل، فطاعة الرسول هي طاعة الله، بل انه جعل خلاف ذلك عصيان لله ولرسوله وهو من الضلال المبين. والأمة مأمورة بان تطيع رسولها وأن لا تتقدمه وأن لا تختار إلا ما يختاره الرسول الخاتم لان طاعته من طاعة الله تعالى وإختياره هو إختيار الله تعالى.

 هنا سكت كلاهما، وهما يتجرعان غصات القهر، فقلت كان الشرط بيننا إن الزمتكم الحجة في قضية ما ينتهي الحوار عندها. فهنا إنتهت قضية الامامة، فهاتوا غيرها.

هنا قام الدكتور غياث الدين فقبل رأسي وشكرني وتلطف علي بعض الحضور ببعض الكلمات الدالة على حسن خلقهم وكمال أدبهم. فشكرت لهم ألطافهم وحسن أدبهم. فتوقفنا قليلاً ودارت مشاورات بين المدني والعنزي واصحابهما فقررا العودة الى المناظرة.

قال عبيد المدني: ما تقول في العقل؟

قلت: العقل حجة الله على خلقه وهو الدليل الى معرفته تعالى شأنه.

قال متشدداً: كيف يكون العقل حجة وهو يمكن أن يخطيء ويصيب؟

قلت: الله جعله حجة بمعنى انه قادر على التفريق بين الخطأ والصواب وهناك العديد من الايات بهذا الشأن تبين قيمة أصحاب العقول وتلزم الناس باستعمال العقل:

قال تعالى: " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ".  البقرة: 170

وقال أيضا: " وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ " . البقرة: 197

وقوله: " فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ". المائدة: 100

وقوله: " وَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبَابِ ". يوسف: 111

وقوله ايضا: " إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألبَابِ " . الرعد: 19

واللب هو العقل، فراجع معجم اللغة وأنظر فيما يقوله إبن منظور في لسان العرب وما يبينه الزبيدي في تاج العروس وما يذكره أصحاب المعاجم في هذا الشأن، ويقول المفسرون انه كلمة (يعقلون) وردت إثنتان وعشرون مرة في القرآن المجيد ولفظ (يتفكرون) وردت عشرات المرات وهذا دليل على قيمة العقل.

قال المدني: ولكن الناس يختلفون في العقول؟

قلت: القيمة في أن يكون العقل عالماً وليس جاهلاً ألا ترى قوله تعالى شأنه: "‏ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ". ‏‏الزمر‏:‏9.

‏ وقال تعالى‏:‏ ‏" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ". ‏المجادلة‏:‏11‏

وقال تعالى‏:‏ ‏" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ". ‏فاطر‏:‏ 28‏.‏

فكلما كان الإنسان متبحراً في العلم مستعملاً للعقل في طاعة الله كلما كان قريباً منه ومرضياً عنده تعالى شأنه، وهذا من لطف الله عزوجل بعباده ورحمته بهم.

قال سلمان العنزي: وهل تريد أن تقول أن العقول تغني عن الانبياء والرسل في معرفة الله؟

قلت: نحن إتفقنا أن نلتزم الموضوعية في الحوار، وأنا لم أقل ذلك أبداً ولا أقول به وهو ليس من معتقداتنا، ولو ان ذلك صحيح لما أرسل الله الانبياء والرسل عليهم السلام، وما الانبياء والرسل إلا وهم مثال العقل الكامل. فالانبياء والرسل حجج الله تعالى على خلقه، والعقل حجة على الانسان نفسه. فكيف يمكن التمييز بين البشر لولا العقول؟ وكيف يمكن التمييز بين الانسان والبهائم لولا العقول؟ ونحن نقول ان العقل مصدر من مصادر التشريع لانه دليل على الله عزوجل وانتم لا تقولون بالعقل. والان إسمح لي أن أسألك فكيف تميز بين الجاهل والعالم هل لديك حجة للتمييز غير العقل؟

فقال كلاهما: نعرف ذلك من أفعالهما.

قلت: هذه الأفعال كيف يمكن إدراكها والتمييز بينها؟

قال المدني: فيها الصالح والطالح.

قلت: ما المعيار بين الصالح والطالح؟

هنا سكت فقلت له: المعيار هو العقل حتى لو رفضت الإعتراف بذلك، ألا تنظر الى قوله تعالى شأنه:

" وَتِلْكَ الامْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ". العنكبوت:43.

قال سلمان العنزي: نعم هو العقل فعلاً.

قلت: وأنت ما تقول يا شيخ عبيد المدني؟ هل تمت الحجة بالعقل؟

قال: نعم، وإني أشهد أني لم أحاور رجلاً مثلك.

قلت: الحمد لله رب العالمين أن جعل الحجة بيد أهل العقل وهدانا الى سبيله تعالى شأنه برسالة نبيه الخاتم وبولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، إن قيمة الانسان في عقله وليس في جيبه ولهذا لا تبيعوا عقولكم بسعر زهيد. ولا تتبعوا من لا عقل له، فلا تسلموا أنفسكم لعقول الجهلة لانهم لا عقل لهم. وأني أحمد الله على أن الشهادة جاءت على لسان مخالفينا.

رفعنا الجلسة لأجل صلاة المغرب والعشاء ولأجل الافطار وقد طالت لأننا كنا نتوقف بعض الاحيان لنستريح أو لأن أحدهم تأتيه مكالمة هاتفية أو لقضاء الحاجات الطبيعية وغيرها. وبعد الصلاة وإثناء الافطار:

قال المدني: اريد أن اطرح عليك أسئلة حول المهدي بعد الافطار فهل تقبل.

فقلت له: إذا قبل صاحب الدار (أقصد الدكتور غياث الدين) أن نستمر بالحوار والدار داره وهو من دعانا اليها فلا بأس على أن لا نطيل المكوث؟

فقال الدكتور غياث الدين: نحن في خدمتكم بروفيسور البياتي ولا مانع عندي فان هذه الجلسة ستكون في مرضاة الله عزوجل إنشاء الله.

قال المدني: نحن نعلم أن قضية المهدي المنتظر جائت في كتبنا كما في كتبكم وأن الرسول محمد بشر به، وسؤالي هو أنتم تقولون بانه ولد وأنه حي يرزق فكيف يمكن ذلك وقد مرت قرون عديدة على ولادته كما تقولون؟

قلت: ولد الامام الحجة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف ورزقنا صحبته، في الخامس عشر من شعبان سنة (255 هـ)، ووقعت الغيبة الكبرى سنة (329 هـ)، ومنذ ذلك الوقت وهو لا يزال بيننا حي يرزق. واما طول العمر فهناك أيات قرأنية تبين لنا ان نبوة نوح عليه السلام كانت الفاً إلا خمسين عاماً وأن الخضر عليه السلام كان حياً منذ عصر موسى بن عمران كليم الله عليه السلام ولا يزال بشهادة نبينا الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله، وأن أهل الكهف بقوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وإزدادوا تسعاً، والمسيح عليه السلام حيٌّ باقٍ إلى ما شاء الله، فبقاء الانسان على قيد الحياة فترة طويلة ليست مشكلة بايولوجية.

قال عبيد المدني: من البديهي أن الإنسان يكبر في العمر ويشيخ فكيف بقي المهدي على قيد الحياة حسب قولكم؟

قلت: كل علماء البايولوجي وعلم الحياة يقولون أنه إذا توفرت الظروف الطبيعية فيمكن للإنسان أن يبقى على قيد الحياة أطول فترة حتى يشاء الله له الموت، وبقاء نوح والخضر عليهما السلام كان بسبب توفر هذه الشروط وأيضاً بوقوع الامر الإعجازي من الله عزوجل فهو قادر على كل شيء.

قال سلمان العنزي: لماذا أخر الله ظهور المهدي والناس تعيش الصراعات وتحتاج الى قائد يخلصها من هذا الظلم والجور؟

قلت: ذكرت لكم سابقاً أن الله عزوجل جعل لكل شيء أجل محدد وشروط، وحين يحين الاجل وتتحقق الشروط يحدث الامر وبدون ذلك لا يمكن لإن الله عزوجل خلق الحياة وجعلها تستمر وفق مبدأ العلية والسببية، فلابد من تحقق أسباب محددة حتى يتم الظهور المبارك. ونحن نؤمن انه لا يجوز لاحد وضع توقيتات معينة أي لا يمكن لأي إنسان مهما بلغ من العلم أن يقول لك أن الامام المهدي سيظهر في السنة الفلانية في شهر كذا ويوم كذا، لان الامر كله منوط بمشيئة الله عزوجل فهو يقرر مصلحة الناس لانه هو الخالق تعالى شأنه وظهور الامام المهدي عجل الله فرجه من الامر التكويني وليس الأمر الإرادي، حتى لو أراد هو أن يظهر فان ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله عزوجل.

قال المدني: ما الغاية من طول العمر هنا؟

قلت: أن بقاء الامام الحجة ابن الحسن عليه السلام حياً طوال هذه القرون إنما ليكون شاهداً حياً على هذه الامة، وليكون مستوعباً لكل حركة التاريخ وبهذا يكون حجة على الامة الاسلامية وعلى البشرية ككل.

قال المدني: ألا يمكن أن يولد في آخر الزمان ويستمر بالحياة ويكبر ثم يظهره الله للناس؟

قلت: نحن نؤمن أن الأئمة عليهم السلام هم إثنا عشر، وهم معصومون من لدن الله عزوجل بآية التطهير، ولو أن الأمر كما تقول لوجب أن يبقى والده حياً هو الاخر، لأن المعصوم لا يلده إلا معصوم مثله، ولكن الرسول الخاتم ابلغنا أنه سيطول عمره حتى يظهره الله تعالى ولما إلتزمنا بأن لا نأتي بالروايات فاني سأكتفي بهذا ولو أن لديكم إعتراض أو رأي فهاتوه.

قال المدني: لو إفترضنا أنه ولد في ذلك العصر الذي اشرت اليه فلماذا لا نراه الان وهو حي موجود كما تقول؟

قلت: سنته في ذلك سنة كليم الله موسى عليه السلام حين (خرج منها خائفاً يترقب) فهو مأمور من الله أن لا يكشف عن نفسه للناس إلا حينما يشاء الله تعالى ذلك، وربما أنت أو أنا أو اي واحد منا ومن غيرنا مر به يوماً وهو لا يعرفه، فكم من بلايين البشر يمرون بنا ولا نعرفهم، وهذا أمر بديهي.

قال: وهل له أعوان؟

قلت: هذا أمر بديهي فالله عزوجل جعل لكل صاحب قضية أعواناً يأتمرون بأمره، وهؤلاء الأعوان لايعني وجودهم أنه في حاجلة اليهم للعلم والمعرفة لان الله عزوجل كفاه ذلك، ولكن للامر الطبيعي والتكليفي في التواصل مع الناس وقضاء حوائجهم.

قال المدني والعنزي: إننا فهمنا المقصد الذي أردته.

قلت: الحمد لله رب العالمين أن جعلنا من أصحاب العقول. ثم أردفت: هل ستنشرون هذه المناظرات في السعودية وهل ستخبرون بها طلابكم ليتعلموا منها فن الحوار؟

فبقي كل منهما ينظر في وجهي دون كلام، فقلت: أعلم أن ذلك لن يحدث لأنكما حتى الآن لم تقتنعا، لا انتما ولا من حضر من قبلكما، ولكننا القينا الحجة عليكم وهذه كافية بحضور الاخوة والاخوات من العلماء والمفكرين.

ثم أردفت قائلا: أعتقد أن الوقت تأخر بنا وقد شغلنا أخونا الدكتور غياث الدين وعائلته وأصدقائنا هذه الامسية وحان الرحيل، فقمنا لتوديع بعضنا البعض وقدمت شكري الخاص لاخي الدكتور غياث الدين لحسن ضيافته وللسماح لنا بالحوار والمناظرة في دارته العامرة، كما شكرت عزيزنا البروفيسور أندرسون على تجشمه الاتصال ودعوتنا والشكر والتقدير لمن حضر الجلسة من الاخوة والاخوات.

المملكة المتحدة - لندن

21 تموز 2014م

23 رمضان 1435هـ

أ د. وليد سعيد البياتي


التعليقات




5000