..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الاشتغالات الانزياحية والدلالية في قصيدة النثر الحداثوية ديوان * مدان في مدن *القسم الأول

سعدي عبد الكريم

الاشتغالات الانزياحية والدلالية في قصيدة النثر الحداثوية ديوان * مدان في مدن *  للشاعر العراقي فائز الحداد أنموذجا ً

* دراسة نقدية *
القسم الأول

تعتبر ُاللّغة .. المنهج المعرفي ، والنشاط التداولي على بسيطة الخلق بالكلية ، وقد تفرد الإنسان في إنشاء مملكة أبجديته المقدسة وفق مضامين حروفها ومقاطعها مستعيناً بوعيه البدائي ، وموائماً مرادفاتها لخلق جملة مفهومة ، وحين كتب الإنسان الرافدينيّ أول حرف سومريّ على مساحة اشتغالاته المنسابة مع احتياجاته الوظائفية ، والأسطورية ، والدينية ، وكأنه يدرك تماماً ما يجول في مخياله الجمالي ليدون عبر حرفه المكتشف ملحمته الخالدة ( كلكامش ) لأنه كان يعرف أهمية القانون والتشريع في حياته ، لذا سن ( مسلة حمورابي ) وقد خلد التاريخ له السبق في تدون حرفه الممشوق .. شعراً ، من خلال ترانيمه الدينية المقدسة ، وملاحمه الإلهية الشعرية ، وانثيالاته الطقسية البدائية .
وتـُعد ُاللّغة .. الاشتراط  الضروري المُلهم لتداول مناهل المعرفة وفهمها فهما ً جماليا ًواعيا ً، وتلقيها وفق اشتراطاتها التدوينية ، ومعايير منظومتها الأدبية بأجناسها المختلفة ، ومن دونها يصبح ذلك الاشتراط معطلا ، والتلقي ، والنقد غير ملزمين بافتراض تواجدهما في حلقة الاستدعاء الجمالي للمنتج الأدبي لذلك التداول الحصيف ، والبرهان على إمكانية التنظير له ، والإفصاح عن المعالجات النقدية للنصوص الأدبية الخارجة من جلابيب اللّغة ، لإحالتها الى مناطق محاذية تراقب النصوص لترتقي بها صوب ملاحق التفسير ، والتأويل ، ولعل منظومة التلقي من أواصرها التداولية الناجعة ، ويُعد ُ النقد الأدبي بشكلانيته الموزعة على الجهد الاستنباطي والمذاهبي ، والمدارسي ، والأسلوبي ، من المهمات التحليلية لتفكيك طلاسمها اللّغوية باعتبارها معبئة بالانزياحات اللّغوية ، والعديد من نظم الأنساق العلاماتية ، الدلالية المختزنة .
ويـُعدُ الانزياح ، والدلالة من الاشتغالات اللّغوية والحسية والبنيوية المتموسقة داخل قصيدة النثر الحداثوية ، باعتبارها من الأجناس الأدبية التي تتبى اللغة في اشتغالاتها الصورية المخيالية ، والواقعية ، وألا قصدية ، باعتبارها الأس الأصيل والابتدائي الداعم لحراكها المستفيض على مساراتها الجمالية ، واللغة هي الموطن الأمن اشتهادات الشعر ، واشتهاءاته ، والهادفة الى تكوير اللفظة ذات الفهمية القطبية الواحدة (المعنى) الى معنى المعنى ،  وتضمن الدال والمدلول في بينتها العلاماتية باستثمار الدلالة اللفظية داخل النص ، والتي تؤسس لحوار مخيالي ذهني عال ٍ بين ملاحق التأثير اللفظي واللّغوي بفاعلية قصوى في جسد النص الشعريّ عبر المعايير الفنية والدعائم والركائز التقنية ذات الأهمية القصوى في عملية التنظيم التراتبي على ضوء  مفاتن جرسية ملهمة معافاة ، للارتقاء بها صوب ذاكرة الدهشة ، وملامح الإنصات ، لتحقيق درجة فضلى من درجات الاستجابة من لدن المتلقي ، ولعل من أهم تلك المعايير ، والدعائم ، والركائز هي اللّغة المستثمرة في النص النثري ، والموسيقى الداخلية التي تعتبر الوازع الجمالي للنص ، والإيقاع الحسي العالي الذي يتفرد منصتاً لاحتمالات التلاعب الشعوري للنص ، وإبداع المخيال ألتأثيثي للشاعر المؤسس لإنتاج ذلك الضوء المشع في رحم الصورة الشعرية المؤثرة داخل بواتق الإبهار ، والتسلل صوب ناصية المفاجئة ، ولاسترداد فعل التساوق الانفعالي المُشكل للصدمة الاستقبالية ،  في تأثيث فضاء المشهد الشعريّ الذي يعتلي ناصية الظاهرة الشعرية ، والتي من شانها كسر حاجز السائد ، والقفز على المألوف .
ولعل مفهوم السيميولوجيا Semiologie (علم الإشارات) هي من الاشتغالات المهمة داخل متنها السياقي عبر العلامات وأقطاب الإشارات والدلالات وقصديتها في اللغة الإنسانية وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي ، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري حيث يرى فرديناند دو سوسير Saussure بأن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍ، فإن رولان بارت Barthes في كتابه (عناصر السيميولوجيا) يرى بأنها هي الجزء ، واللسانيات هي الكل ، ويعني بأن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللّغوية تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها ، وتفكيكها ، وتركيبها، ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت هي ، الدال ، والمدلول ، واللغة ، والإيحاء ، والمحور الدلالي ، والمحور التركيبي النحوي .
وقد عبر الفيلسوف الايطالي ( بينيديتو كروتشه) عن ذلك ، حيث صرح عن الخلق في لغة الشعر قائلاً :-
(( إن اﻟﻠّﻐﺔ خلق دائم ، ﻓﻤﺎ ﻋُـبِـر ﻋﻨﻪ ﺗﻌﺒﻴﺮاً لغوياً ، لن يتكرر ))
وهذا المعنى من القول ، يقودنا الى ان حاضرة الصورة الشعرية واستثمار اللغة ودلالاتها العائمة بداخلها ، لن يتأتى مرة ثانية ، لكونها خارجة من مصدر واحد ، وهو صوت مخيال الشاعر ، ورغبته العارمة في تحقيق ما هو جديد ، وكسر طوق السائد عبر مُلهمه الشعريّ.. قصيدة النثر الحداثوية .
ولو رجعنا الى معجم المعاني الجامع لوجدنا بان الدَّلالة تعني  :-
دَّلالة : اسم ، والجمع دلائل ، ودلالات ، و دَلالة م دِلالة مصدر دلَّ
والدَّلالة : إشارة ، علامة .
وعلم الدَّلالة من ( العلوم اللغوية ) المختص بدراسة معاني الألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية في سياقاتها المختلفة .
وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ : أفضل القول ما يعبّر عن معنى كثير بوجيز الألفاظ .
وهنا يكتمل معنى الجزء الأهم من موسوم الدراسة ( الانزياح ، والدلالة ) فلو مزجنا مفردتي ( الانزياح+الدلالة ) لوجدنا عند مراسيم اشتغالنا النقدي إنهما لا يحملان ذات الطابع الفحيوي في لغة النقد ، ولكنهما يشتغلان في جوهر اللغة الشعرية للنص ، بمعنى ، لو سلمنا بان من أهم خصائص الشعر هو امتلاكه ذلك الكم الباذخ في القدرة على الانزياح في متن اللغة باعتبارها المورد الأساس في تغذية النص الشعري ، وهو بالتالي يلعب على الأوتار الموسيقية لذلك النص ليرفعه من خموله الآني ، الى مصاف الحيوية الجرسية الموسيقية الروحية العالية ذات الطابع اللغوي العالي ، والتعبير الصوري النبيل ، واعتبار الدلالة الشعرية من أهم المجسات الاشتغالية داخل معالم قصيدة النثر الحداثوية ، لأنها تبرهن على قدرة الشاعر ومخياله الجمالي في صياغة نصه معتمداً على التواري خلف الخصائص الدلائلية في اللغة ، والاستتار خلف قصيدته المخبوءة تحت دثاره الشعري ليرتقي بنصه صوب مباهر ذلك الإيقاع الخفي للغة لاسترداد صحة وعافية النص الشعري من الخمول ، وعدم إيغاله بالمباشرة السمجة ، والسرد القصي .
ومن هنا نجد بان الاعتبارين المهمين في ارتكازنا على جمع الخاصتين الاستكشافيتين في لغة النقد ما بين الانزياح والدلالة هما الأوفر حظا في الولوج الى عوالم الشاعر العراقي المُلّهَم فائز الحداد وديوانه مدان في مدن .
حينما تساوقت قراءتي لديوان ( مدان في مدن ) للشاعر العراقي ( فائز الحداد) ذلك الطائر المحلق بعيداً في تخوم الأبجدية ، ليؤثث له مملكة من الإيقاظ السحري للصورة الشعرية الملاصقة لمواشجاته الجمالية المتخمة بالاحتجاج ، والترقب الانسيابي ، والمترعة بذلك التأمل السحريّ الذي يأخذنا صوب منصات الإبهار ، وملاحق الافتتان داخل إيقوناته المخملية الحادة المزاج ، والطرية الوجع بذات اللحظة ، في ترتيب أوراقه التضادية المزعم شكلنتها في بواتقه المعرفية الجمة ، المحاذية لقدرته البلاغية في تستطير ملهمه الشعري على ورق رطب من الالق ،  ليؤسس له منطقة دافئة لليبوح من خلالها بكل ما تصطلي به ذاته المتمردة على الواقع ، والرافضة لكل أشكال الخنوع ، والمصالحة مع الأنظمة بجلّ أشكالها ، وتنوعاتها التعسفية ، والمتسلطة على غبطة الماورائية بحجة التفتيش عن ملاجئ لها في مسرات الشعوب .
لقد أسس الشاعر لنفسه منظومة تداولية راقية ، لخرق المألوف عن طرائز مساراته الانزياحية الدلالية عبر تثوير اللحظة الساكنة ، وإحالتها الى مرجعياتها الأولى المتفرجة  ، كمادة ناشطة خام ، خلقت من حميم توالده الأزمنة ، لترقد بسلام على ايائكه الشعرية المهيبة .
وبرأينا النقدي .. امتلك الشاعر ( فائز الحداد ) عبر تجربته التدوينية الطويلة الموزعة على محطات سِفره التكويني الشعري ، فهو شاعر مشاغب ، عنيد ، امتلك من الجرأة ما لا يمتلكه الكثيرون من مجايليه ، فهو تارة يخاطب الآلهة ، وأخرى يتخطى العرف ، والأطر ، والحواجز ، واللافتات العرضية التي يرفعها المجتمع كمحطات تقليدية راكدة ومجحفة ، ثم يشهر احتجاجاته المعلنة كمعارض أنيق في بعض الأحايين ، لذلك نجده ينتج هذا الزخم الدلالي عبر محاوراته المستقرة داخل  لواعجه الذاتية المحتجة ، ونزعاته الجمعية من خلال خطابه الشعري الموشح برهبة ذات مجسات لغوية تستطيع ان تخلق لها متنفسا داخل جلباب الانزياح والدلالة الشعرية ، فهو يلجأ في معظم حالاته الثورية الى فض الصلح بين نزعته التمردية ، وصوته الاحتجاجي ، وغضبه المعارض ، وبين ما هو راضخ لسيطرة الآلة الرقابية الذاتية والجمعية والحكومية على حد سواء ، لأنه يستشكل  على فرضية السكوت قوامها المحدود ، وصمتها عن البوح الغير مبرر ، ورفضه لقيودها الغير متحررة من لهجة الاستعباد ، ليشق حاجز الخوف بداخله أولا ، وبالتالي ليهيئ لمساراته الاحتجاجية انساقا من التعددية للذات الجمعية ثانيا ، و (الحداد ) يضغط على الحرف برشاقة ، لينتزع منه جموده ، ويبرئه من شلله المؤقت ، وليستثمر فاعلية الق الحرف المتموسق مع مهاراته الفنية العالية ، وأدواته التقنية المبهرة ، في تدجين الجملة الشعرية ، وعدم إبقاءها على ركودها السابق ، بل يأخذ بيدها صوب معالم الدهشة ، واستفزاز كامل خزينها اللحظوي ، والتاريخي ، ومكتنزاتها التعبوية الحادة ، والمسترخية أحيانا ً ، ليعلن لنا بأنه شاعر من طراز خاص ، ولد من سلالة شعرية نبيلة ، ولأنه شاعر يعتني باستدلالاته وانزياحاته اللّغوية ، الغير مكررة في ملامساته الجمالية للصورة الشعرية ، فهو يخبئ تحت جلبابه الشعريّ مدخرات كافية ليخلع جلده القديم ، والانفكاك من محبسه داخل ثكنات المعايير القديمة ، وهيمنة التقليدي ، على الحداثوي ، لأنه يمتاز بذلك القدر الإلهامي لتوزيع جهده المخيالي الجمالي على حدود قصائده ، وهو أيضا لا يقولب ذاته الشعرية داخل حجر الإيقاع الرتيب ، والموسيقى الجامدة ، والجرسية المحتضرة ، والجمل اللغوية المرتبكة ، والسرد النثري المفرط ، بل انه ينفر منها بالكلية ، ليؤسس له قداساً شعرياً ، ويقود جوقته الموسيقية وبامتياز استثنائي ، وليردد مع المتلقي ، ترانيم مساحاته الشعرية الوافرة الجمال .
إن ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺤﻠﹼﻕ بها ﺍﻟﺸﺎﻋﺭ ﻭﻤﻥ ﺨﻼل انزياحاتها ، ودلالاتها  داخل فضاءاته الرحبة ، وروحه المتوثبة لخلق قصيدة نثر حداثوية عبر موارد الانزياح والدلالة اللغوية من خلال مخياله التصوري الخصب ، المبتعد عن شكل القصيدة الكلاسيكية  ، والغير ملتزم بقواعدها العروضية .
وهنا علينا الاعتراف .. بان الشاعر العراقي المُجدد ( فائز الحداد ) قد نجح أيما نجاح في استثمار طاقاته الشعرية المختزلة ، وأقصى درجات الاستفزاز لملكات مخياله الشعريّ المحلق بعيدا في اللامرئي من الأشكال ، والمسميات  ، واستنفار ملكاته الفنية ، ومهاراته اللّغوية العالية ، وتقنية استخدام لغة الانزياح بشكلها التراتبي ، وتعيين ملاحق إيغال الدلالة داخل متن قصيدة النثر ، ليخلص لنا بنتاج شعريّ حائز على شكل جديد ومائز تحيطه الانصهارات الجمالية ، والتحليقات الإبهارية داخل فضاءاته المخيالية ، والإعلان عن موقفه الاحتجاجي ، ونبرة صوته المعترضة ، ومحسنات لغته العالية ، واضطراباته المؤقتة ، والدائمة المتجذرة في أعماقه المسئولة عن ذلك الاحتدام الناتج عن محصلة قفزه على كل ما هو راكد ، وجامد ، ومتقولب ، وسائد ، ومألوف ، الى معالمه الاستاتيكية التي تشي بفحولة شعرية فائقة وهو يرتدي حلة شعرية باهرة  ، ولغة تثوير هائمة في ملامحه العراقية الغائصة بتراب الأرض ، والشاربة من مياه الفراتين ، والنائمة على ضفاف النخل ، والجمال ، والهيبة ، وتلك الروح الشعرية (الفائزة) المشتغلة داخل مواطن متخفية تحت جلابيب الشاعر الانزياحية والدلالية  ، فهو شاعر غرف من شواطئ البلاغة ، ونهل من مصابات انهر الشعر فصاحته ، وشيّد أصالته الشعرية من نبله العربي ، والتحف جسد القدرة على خلق صور شعرية عبر مخياله الشعري الفاخر،  وحصافته الجَلِدة والمتمرسة في تقصي جريان الحرف ليؤثث من خلالها مشهده الشعري .
ان ( الحداد ) بكونه احد شعراء السبعينيات من القرن المنصرم ، شاعر ثائر على تدويناته الشعرية الأولى أبان الستينيات التي كانت هائمة في فضاء التقليدية ، ومواريث القصيدة العروضية ، والكلاسيكية ، فهو شاعر يثور على كل ما هو نمطي وغير متحرك وفق منظمة الحياة المتجددة الراحلة صوب مزاعم جمالية أخرى لبناء نافذة مشرعة تدخل عبرها افواج التراتيل اللّغوية الفحلة ، فهو يمتلك تلك الحصافة الاستنباطية ، والدلائل ذات القيمة الاشاراتية المخبوءة ، والانزياحات اللغوية اللائقة بجسد القصيدة الحداثوية المعافاة .
لقد بقىّ (الحداد) أمينا على شعره ، وصادقا مع ذاته ، ومع المتلقي ، وحريصا على مواقفه ، ومميزا في أطروحاته الشعرية ، ورائدا فيها ، وراقيا في التعامل معها ، ولأنه احد الشعراء المجددين بشكل قصيدة النثر الحداثوية ، وهو شاعر جاء من قاع تلك التراتبية الحالمة بالتجديد ، والثورة على الأشكال القديمة ، ليتخلص من قيود العروض ، وسلالة سجن القصيدة القديم ، لذا نراه قد نفر من تدويناته القديمة ولجأ لخلق شكل حداثوي لقصيدة النثر .
لقد اخذ ( الحداد ) على عاتقه تلك المهمة في تغيير شكل قصيدة النثر ، وإحالتها الى إيقونات متفجرة في رحم الانزياح اللغوي ، والدلالة الشعرية ، ليطوع قصيدته النثرية لسحب البساط من تحت قدم القصيدة الكلاسيكية ، فهو شاعر متمرد كبير على العروض ، وكما صرح ( أبو العتاهية ) من قبل قائلا ً:-
(( أنا اكبر من العروض )) !!!........
وهكذا أطلق ( الحداد ) العنان لروحه النازحة صوب الاتقاد الجمالي ، وملامح التغيير ، فلا يمكن للعروض ان تقف حائلا أمام تطلعاته النبيلة في تقديم شكل لقصيدته المشتهاة  ، وليخلق له متراسا لغويا يستطيع من خلاله الدفاع عن شكل قصيدته ومدلولاتها ، فانشأ له مصفدات تحميه من الإقفال على قصيدة العروض ، بل انطلق بروحه الهائمة ، وملاذاته الحالمة ، واشتهاءاته الشفيفة ، وانسيابيته الجميلة ، وخبرته الرائدة ، واستحضارته الباهرة ، ومعجباته اللّغوية ، ان يخلق له تميزاً ، بل تفرداً في كتابة قصدية النثر الحداثوية .
ونحن ندخل الى محرابه الشعري ، لنحقق من خلاله نظرتنا النقدية عبر ديوانه الجديد ( مدان في مدن ) ليأخذنا الفضول بالولوج الى الديوان من خلال تشفير غلافه الذي يخفي في طياته انزياحا دلائلياً ، لا بد من تأمله بصورته الرامزة .
فصورة الغلاف كما هو مذكور ، مأخوذة من فيلم عالمي والحقيقة لم يتضح لنا تحديدا من أي فليم مأخوذة لكان الذكر أولى ، يظهر في الصورة رجل ضبابي غير واضح المعالم ، يبدو خائبا ، وهو يضع يده في جيب معطفه الأسود الطويل ، منكس الرأس كأنه خرج من حرب خاسرة ، وتبدو صورة الرجل المواكبة لوضعية الخلفية الضبابية المحفوفة بالدمار والخرائبية ، والتي رافقت هذا الخيبة وذلك الانكسار ، يبدو ان استثمار الانزياح والدلالة لدى الشاعر قد شملت المصمم فاستثمرها بأقصى صورها المخيالية ، ربما وعند الولوج الى البيت نأخذ انطباعا أوليا عنه من خلال  بابه الخارجي على مدى عافية ذلك البيت المأهول ، وهذه الصورة تعكس وبوضوح بان الرجل ذو الهيئة الضبابية ، هو ذات الشاعر الذي وقف في حيز الموسوم (مُدان في المدن) ، ولعل من الجميل ان تتواءم نظرة المصمم مع فحوى متن الديوان ، ومخيال الشاعر الخصب في اجتهاداته الدلالية .
لقد استثمر الشاعر ( فائز الحداد ) جلّ حيثيات المكان في ديوانه ليبث من خلاله انزياحاته ودلالاته التي تشير الى معنى مبطن ، مفرود بإيحائية يجب التفرس بها لالتقاطها ، ومن ثم عزلها والنزوح الى بوتقة ترتيب أولويتها في صدارة الدلائل والانزياحات المكتنزة داخل الديوان .
ولو عدنا وبنظرة سريعة وموجزة لتفسير وتحليل  صورة الغلاف ، لاكتشفنا بان الشاعر حقق معادلة سيميائية دلالية واضحة المعالم من خلال جمع ( صورة الرجل الضبابية الغير واضحة المعالم ( دليل الخيبة ) + المعطف الأسود الطويل الذي يرتديه ( الرامز الى الحزن العميق ) + الخلفية الخرائبية + ( الدلالة على مخلفات الحروب ) + إدانته في المدن + عتمة المشهد بكليته = دلالة انزياحية من صورة الفرد وسط هذه القاتمة كطرف من المعادلة ، الى معادلة أوسع واشمل يمضونها من الأولى وهي صورة مجتمع برمته يعيش تحت وطأة هذه القاتمة الخرائبية ، والتناحر الشديد ، والتفكك الاشمل – تتمة -  

سعدي عبد الكريم


التعليقات




5000