..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة : لعنة النزيف

بديع الآلوسي

( 1 )

غريب ، وغريبةهذه الغابة . آه، كم تقت إلى أن أعطي نفسي فسحة من الراحة . كيأواجه ما سيؤول إليه الزمن القادم من نضارة أو تجهم. قبل يومين عصرا ً، وبينما كنت أتجول في الغابة ، سد طريقي سؤال أوقفني وهو يردد: ما الحدود الفاصلة بين التخيلات والواقع ؟

اليوم في المرسم ترددت أصداء نفسالسؤال وامتزجتبنغمات الموسيقى . نعم ، كنت كئيبا ً مهموما ً، تلعثمت وأنا احاول الإجابة عليهتشكيليا ً .

وبما أني أخشى مواجهة اللوحة العذراءككثير من الفنانين ، لذلك بريت أقلامي الملونة ، عقدت العزم على ترك الحرية للخطوط لتواجه الموقف ، عسى باستطاعتها ترجمةإحساساتي البدائية، أو ما يشغل ذهني من أفكار هائمة على وجهها . ومما لاشك فيه أن الثلاث ساعات كانت مغرية، عدت لأتفحص وبانتباه ما أنجزت من خطأ وصواب ، في هذه اللحظات المثيرة ، ساورني التوتر بما سيلفتانتباهي منها. وتساءلت بحزم :

ـحسنا ً الآن ، ماذا سأفعل ؟

تلك هي المسألةإذن ! ، بعض التخطيطات مليء بالحيوية ومنها ما سيقذف في سلة المهملات . ولحسنحظي ، إن بعضالسكيتشات كانت تبدو طازجة ، لذلك حدست أنهاستمهد لي الطريق تدريجيا ً . اخترتللوحتي اسما ً أوليا ً هو :( العزاء ) ، وهنا خطر في بالي ما للعنوان من أهمية ، معتقدا ً بضرورةالاحتفاء بكلمة العزاء والاستفادة منها كدليل إيجابي .

قناعتي في السنينالعشر الأخيرة غلبها هاجس وحيد هو : ما في داخلي أهم مما في الخارج . لذلك لا غرابة أن تكون أغلب لوحاتي تميل إلى التجريد أو التعبير ، فهي فظة وخشنة ، وربما فيها مسحة مما هو عدائي . فمثلا ً،إن لوحات ( المرأة الحامل ) تبدو غير محتشمة للوهلة الأولى ، وأعتقد إن لوحات( الطيور)تثير دهشتي وفضولي هي الأخرى، فهي بالرغم من واقعيتها المتخيلة ، تشعرنيبان ثمة رهبة تحملها هذه الكائنات الصغيرةالمتوترة وكأنها تسائلنا :إلى متى اشعر بالوجل منكم؟

أما لوحات (الوجوه)فهي لا تشبه أحدا ً ، كأنها خارجة من طيات كوابيس المنفى محملة ً بأسرارها الخاصة .نعم ، كذلك هي سلسلة لوحاتيالصغيرة والكبيرة عن موضوعة( النقطة)ففيها نضارة صوفية ، وأحس أنكل منها يخفي لحنا ً موسيقيا ً يعيدنيإلى حيث الحياة الهادئة بصمتها . وحين أتذكرها اليوم ، اردد عبارة ( جوبرت) : لا يمكن أن نجد الشعر في أي مكان إن لم نحمله في أعماقنا .

كل هذه الموضوعات وغيرها أثارتني وشغلتني،وحاولت أن ادعها تتكلم نيابة عني بصريا ً ، لكن فجأة ، قفز ذلك السؤال الذي ارقني وجعلني لا أنام نوما ً هانئا ً ليلة البارحة :ما ذنبي إذا ما أحببت الجمال ؟

راقبت التخطيطات كلاً على انفراد، شعرت بحزن لأن ثمة قرارا ً ينتظرها ، لذلك نشرتها على الأرض وبدأت أتمعن فيها وأتفحصها واحدة تلو الأخرى ، فلم أجد في تلك التخطيطات الإثنى عشر سوى تخطيطيين قد دبت فيهما الروح .أثارا إعجابي ، لأنهما أكثر رشاقةوقربا ً لما في ذهني .

لكن ولكيلا أصاب بالإحباط أو الملل ، وللتوقف عن الجري وراء الأفكار ، اكتفيت بهذا النصر، مصغيا ًلذلكالتساؤل :هل يجتمع النظام و الفوضى في رحم لوحة واحدة ؟.

سرعان ما شعرت بالقلق أو الخطر ، وانتابتنيرغبة بتمزيق ستة تخطيطات ، في النهاية وددت أن اسأل السكيتشات، فهن رفيقاترحلتي :

ـ أيهما أهم الحالة الذهنية أم الفعل الذي تجسد على الورق ؟

في الساعة الخامسة عصرا ً ،خانتني الشجاعة أن أقوم بأي فعل . أغلقت جهاز الموسيقى ، حينها بدا لي صوت التخطيطات أكثر وضوحا ًوهي تقول:

ـ ليس ثمة ما يدعو إلى العجلة ، أذهب فالغابة بانتظارك .

 

 

(2 )

 

ا

في غابتي ، التي تلفها العزلة الباذخة ، ينمو الفُطر تحت أشجار البلوط والأرز والبندق ، وتتناسل بين أغصانها طيور العقعق والشحرور ونقار الخشب والصقر ، وأصادف بين أحراجها الأرنب أو الثعلب أو الخنزير ، حينها أتمهل لأرصدها بفرح ، كأن نظراتها تقول لي :لا تنس ، فنحن سُكان هذا المكان .

اليوم أوقفتني سيدة هيفاء القامة ، لتسألني ، بعدما رأت سحنتي الشرقية :

ـ من أي بلد أنت ؟

قليل من أهالي قريتي يعرف أن لي مشغلا ً ، أهتدي إليه بمهل بعد احتساء قهوة الصباح . وفيه أجد هزائمي وانتصاراتي وما يملأ حواسي من عطش . في المرسم تعلمت أن الأفكار لا تبرعم ما لم نحسن العناية بها ، لذلك كنت أردد دائما ً : لا إلهام من دون رباطة جأش .

مشيت مخترقا ً حديقتي باخضرارها الزاهي وأزهارها المتناثرة ، متجها ً نحو مرسمي مرددا ًونفسي : أيها الولد الشقي ، إنك تعرف ما سيحل بالمرأة .

يبدو اليوم بنهاره الربيعي وكأنه خارج دائرة الروتين .مررَت بالحصى وقطع الفخار المركونة على جانبي سلم المرسم ، لا اعرف لماذا شعرت لحظتئذ وكأنها تفيض سلاما ًوحنينا ً لشيء ما .

في منتصف الشتاء ، تتحول الباحة التي أمام المرسم الى حلم بلوري ، فالثلج يثير رغبتي هو الآخر ، يجعلني مدركا ً أن تأدية واجبي بحاجة الى كل الفصول . لكن حين يكون الشتاء قاسيا وطويلا ً ً، يزعجني الثلج ، حينها اعترف بكل ذلك للفلاحين الفرنسيين ، الذين لا يكف اليساريون منهم عن ترديد : ما أحوجنا إلى الثلج .

ما أن أقف أمام المرسمحتى تنتابني رعده خفيفة تسري بظهري ، وعندما أصعد الدرجات السبع أحس بخفق قلبي ، كمغرم مُقبل على مغامرة .

هذا الدرج الأسمنتي يقودني إلى المرسم ، ببابه المطلي بدهان اخضر غامق ، والمزدان بقطعة كبيرة من الزجاج ، منها يتاح لي مراقبة الغيوم عند الضجر .

من يتلصص إلى ما في داخل المكان ، يرى وبقليل من الجهد خزانة كبيرة اعتلتها مزهرية

، كتب ومجلات رتبت كبيادق الشطرنج ، لوحة متوسطة الحجم بإطار مذهب ، وعلب الألوان تناثرت على البلاط ، وحزم من فرشاة الرسم تملأ العلب السيراميكية والبلاستيكية ، كما يمكنه مشاهدة نباتات الزينة التي قرب الشباك المطل على الشارع ، أما في الزاوية الشمالية فيلحظ المكتبة الموسيقية التي طالها الإهمال والفوضى . وقرب المدفئة هنالك كرسي هزاز لطالما استخدمته للراحة والتأمل ، ومن يرفع عينيه إلى السقف يلحظ النيون الطويل والمصابيح المتدلية التي وضعتها لتسعف المكان بالضوء يوم تكون السماوات مدلهمة بالغيوم .

 

في هذا الصباح ، كان المرسم باردا ً ، لذا شغلت نفسي بجلب الحطب وإشعال المدفأة .وما أن تراقصت النيران واسترقت ُ النظر إلى التخطيطات التي على الطاولة ، حتى أدركت ماذا ينتظرني ، لا اعرف لماذا راودني هذا السؤال :هل سأجد الروح تنبض في التخطيطين أم أنهما فارقا الحياة ؟

اعتراني شيء من الغضب لأن ما في ذهني يتعذر انجازه بيسر ، أن فكرة السيدة التي تحتاج الإغاثة ، تظهر ببريق مشع ومن ثم تغرق في ضباب بلا شفاعة .

أردت أن تهمس الشيطان أو العفاريت في أذني ، علي ً أجد من يساعدني على اختيار حجم اللوحة ، التي سأعقد حواري معها ، وظل القلق يكتنفني بانتقاء الهارموني اللوني المناسب والذي عليه كنت أعول لتأويل جوهر تلك اللحظة المفجعة .

 

يا له من نهار محمل بالرعود ، بدأت أحوم بعيني نمر يقظ حول التخطيطات ، محاولا ً العثور على الهدوء او تغافل ذلك السؤال : يا للهول ، متى أبدأ ؟

 

في هذه الأثناء ، داهمتني رغبة لسماع الموسيقى، تطلعت من الشباك ، بنظرة عابرة ، فرأيت عامل النظافة يحمل كيساً اسود وهو يركض وراء الشاحنة ، في لحظتئذ بدأت ألحان (فرانز شوبرت ) تثبت حضورها و ترشدني إلى المفاجأة التي تتربص بي .

 

في الساعة الثامنة وأربعين دقيقة ، استفاقت رغبة كنت بانتظارها ، بدأت أتحسس الدفء ينعش زوايا المرسم ، هتفت كمن وجد الحل : سيكون أمرا ً طيبا ً لو يكون حجمها مترا ً مربعا ً .

هذا الاختيار حفزني ، بسرعة علقت اللوحة العذراء على الحائط ، جلست على الكرسي أتأملها ، أحدق بها ، باحثا ًعن نقطة البداية المناسبة ، بدأت أحساساتي ومخيلاي يشتغلان ويرقبان ما سيحدث ، وصارت عيني ترى أشياء ً متخيلة ً من الصعب أن يراها الآخرون .

 

في هذه الأثناء ، انحسر تدفق الضوء ، نظرت إلى الغيوم والى الرذاذ الناعم ، فوجدت من الضروري الاستعانة بضوء المصباح المتدلي .

 

في تلك اللحظة الكاشفة تغير كل شيء ، ما أن اتجهت إلى اللوحة فاركا ً عيني لعدة مرات ، حتى توضح نبر الصوت القادم من داخل اللوحة ، بعدها عاد حيث مصادره الأولى ، وصرت كمن يصغ إلى عويل امرأة اغتيلت بطلقة طائشة .

فقفزت ، وبدأت الرسم ، غمست الفرشاة في علبة الأيكرليك الأسود، وبحذر بدأت اتلمس طريقي نحو رحلة التخطيط والتكوين ، مستعينا ً بكل ما أنجزته في نهار أمس .

 

اعرف أن تناسل الخطوط له طاقة تتغير بتعددها ، ومرت أكثر من ساعة ، كانت فيها خطواتي تقترب وتبتعد ، وعيناي تنغلق بنصف اغماضة وتنفتح ، لأحدس ما سيحدث .

 

فجأة ً ، صار بإمكاني رؤية شعاع الشمس الذهبي ، ذلك السحر البهي أعاد الثقة إلى نفسي ،

لذا تطلعت في اللوحة مطولا ً وبشيء من السخرية قلت : كلا ، سوف لا أهلك .

 

بعد ساعتين ، شعرت بالبهجة وأنا أنظر إلى التخطيط وما فيه من حياة ، أدركت عندها أن التكوين الأولي قد أكتمل ... لتحمل عنوانا ً جديدا ً هو : لعنة النزيف .

 

لم يعد هربي مجديا ً ، ولا يمكنني مطلقا ً نسيان ما رأيت ، نعم ، لحظت فيما يشبه الحلم تلك المرأة المخضبة بالدم ، يحضنها شخص فزع العينين ، موقنا ً إن السماء تخلت عنهما .

 

في تمام الساعة الثالثة ، وبعد أن تعبت من الكر والفر ، وبعد ان وهبت لوحتي الجديدة ما يناسبها ، تنفست بعمق ، عبأت غليوني بالتبغ ، راميا ً بجسدي المتعب على كرسي التأمل .

 

لم تكن حالتي تسمح بالثرثرة ، لكني توقعت أن اللوحة ستجد صعوبة بالغة في معرفة ما في خلدي ، لذلك سألتها:

ـ هل تعتقدين بأنني أصبت الهدف ؟

تناهى إلى سمعي جوابها بعد دقيقتين :

ـ لا يمكننا التكهن بالضبط عما ستثمر عنه الخطوة الأولى ، إنها عرضة للتغيير .

ـ أعلم ذلك ، لكني لا اعرف ماذا سيحدث غدا ً .

سمعت كركرات عذبة ، بعدها قالت بصرامة :

ـ لا ينقصك اليوم سوى رؤية الغابة ، إنها بانتظارك .

 

( 3 )

مر الوقت سريعا ً في الغابة ، بمشاهدها الرَعويّة ، بظلالها الدسمة وهوائها المعافى ، كنت أغني حين صادفت ذلك الرجل الذي يشق طريقة بعصا الراعي ، أشرق وجهه حين سألني بخجل :

ـ هل صحيح ، أن المهاجرين غريبوا الأطوار ؟ .

وأنا أتجاوز الدروب عائدا ً إلى قريتي ، هذه القرية التي يوم سكنتها قبل سبع عشرة سنة وجدتها خالية من الأطفال ، كأنها منتجع للمتقاعدين . لا اعرف من أطلق عليها تسمية ( لاشو) . فيها منجم لليورانيوم ، وعلى بعد خمسين كيلو متراً نرى الجبال البركانية الخامدة . لكني لا أبالي كثيرا ً وأقول لأصدقائي العراقيين القاطنين في باريس : إنها أفضل مكان للخلوة وممارسة التأمل .

من شباك مرسميأرى الكنيسة ، التي لا شأن لأهالي القرية بها غير يوم الأحد ، أما أنا فلم اذهب أليها إلا في مراسيم جنائزهم ، أكتفي بذلك لأني احترم هذا الخلل الطارئ. منهم من يفاجأ لحضوري المباغت ، وبعض العنصريين منهم يرددون في سرهم : ماذا تفعل بيننا أيها الغريب ؟

في صباح اليوم التالي كانت الشمس تثير الخيال ، لكني ككثير من البشر صرفت وقتي وشغلت نفسي في أمور جانبية ، فلم افتح باب مشغلي ، الذي بدأت تحوم فيه كائنات متراقصة .

بعد الظهر بقليل أكلت بشهية واحتسيت نبيذا ً أحمر خلاف ما هو معتاد .فكرت باللوحة ، بمصادفاتها ، بوجه المرأة الذي يشبه القناع ، لا أفهم لماذا قلت لزوجتي :يجب أن لا أنساها .

حين نكون مع أنفسنا فقط ، تتجدد الأهداف وتهاج الذكريات وتنتشي الهواجس الثملة ، عرفت ان كل ذلك يبحث عن لحظة إشراق ملعونة . ياه ، كم احتاج اليوم لأعتق من ذلك التساؤل الذي يتسلى بتعذيبي :

ـ هيا ، اخبرني ، ما ذنب اللوحة أذا كنت محبطا ً ؟

لكني لم ابحث عن الجواب ، دخلت المرسم وأنا أسمع ورائي نباح كلبنا (غوزي )، تسمرت جالسا ً كالأبله على كرسي التأمل ، متحسسا ً جمر المدفئة ، مصغيا ً لما تثيره موسيقى اليابانيين الصوفية .

محدقا ً باللوحة التي تركتها زاهية ً بألوانها السوداء .

الخواطر تجمعت ، كلمت ُ اللوحة متمنيا ً أن ترفع عن كاهلي لحظة التردد ، قالت بصوت محايد :

ــ ما الذي يخيفك ، هيا ، أيها الحر ، بوسعك أن تكون خالقا ً إذ أردت .

ـ حسنا ً ، يجب أن أنهض أذن .

بعد تلك الاستراحة ، استجمعت طاقتي ، وكأنني صرت أبصر لحظة التنوير .هنا وقفت أمام اللوحة متوقعا ً أن الخطوة القادمة ستحمل لي بين طياتها مسامرات دراماتيكية .

بينما بدأت أضيف طبقات اللون على وجه المرأة ، شعرت بتحسن مزاجي ، لكني لم أتخل عن الكر والفر وإعادة قراءة اللوحة لتدارك الخلل .

غير ان الخواطر التي لا يمكننا برهنتها بسهولة هي التي جعلتني اغمض عيناي نصف اغماضة، وأعاين اللوحة بتركيز ، وصرخت بها بينما أنا أحتسي قهوتي وأملأ رئتي بدخان غليوني ، كمن يريد أن يكتشف أمرا ً مستترا ً :

ـ لماذا لا تريدين أن تولدي إلا بعملية قيصرية ؟

في الصيف الماضي ، كان النشاط المغري من نصيبي ، قضيت أياما ً طويلة في تصوير موضوعة (القبلة ) ، كنت فرحا ً، فالزمن كان يطير بلا شعور بالذنب أو التأنيب .

لكن بعد ذلك الأمل لم ترتو روحي من الرؤى ، فالحياة تورطنا يوميا ً بما هو جديد .

أخرجت دفتر الملاحظات وكتبت وأنا اختلس النظر بين الفينة والافينة إلى اللوحة ، هكذا ، كتبت وبخط واضح:

1 ـ ما أصعب أن نبقى نتأرجح بين الرغبة والرهبة .

2ـ النتائج المذهلة للرسم تحتاج اكتشاف ما هو ضروري .

3 ـ أمام كل لوحة جديدة ، أتساءل : هل لحظة الإلهام غرقت في الوحل ؟

ما أعرفه الآن هو أنني أحببت هذه اللوحة ، يبدو أن الحب لعب لعبته ، إذ استعدت نشاطي محاولا ً أعادة الحياة لها ، بضربات رشيقة ومتعاقبة على وجه الرجل ، شعرت بأن عينيه الجاحظتين بدأتا تترجمان تلك اللحظة الدرامية ، كذلك هما يداه اللتان تطوقان المرأة التي تلون وجهها ورقبتها بالدم .

وأنا ارصد هذا المشهد الدرامي بجزع ، حاصر ذهني أكثر من هاجس ، سمعت اللوحة تسألني :لماذا في بلادك لا يحترمون البشر ؟

ابتعدت قليلا ً عن اللوحة كي أوقظ الذاكرة ، متسائلا ً عن اللون الملائم لسماء هذا المشهد .

وبما أننا بحاجة الى المغامرة بأثرها الدال ، لذلك لم أجد ما يليق بسماء اللوحة سوى السواد ، والغريب أن الضربات السوداء بخطوطها المنفعلة ، بدت وكأنها تلتف وتطوق رأس الرجل .

بعدها صار قلبي يخفق ، على اثر رؤيتي للطيور السوداء الحائمة ، والتي خلقتها المصادفة .

لكن بعد صراع بين ما أريده وبين ما تبغيه اللوحة ، أدركت أن كل ذلك عبث غير ضروري، نعم حقيقة ً لم أستأنس بكل ما قمت به خلال ساعتين .

خشية أن تسقط اللوحة في إسراف الثرثرة أو أن تتحول الطيور إلى عناصر مخادعة أو زائفة .فجأة ، ومن دون انتظار أو أسف ، أخذت الفرشاة الكبيرة وأنا اردد :يجب أن لا أسقط في فخاخ الزخرفة .ما أن تذكرت ذلك حتى طليت الجزء العلوي كله بالأسود .

غمرني هذا اللون بالراحة وأعاد إلى نفسي الرضا .وسرعان ما سمعت اللوحة تهتف بفرح :حسنا ُ فعلت .

هنا قلت متعجبا :حقا !

قالت كسيدة محتشمة :الآن ، ربما قد عرفت أن المحو هِبَة عظيمة

ـ ماذا يلزمني الآن ؟

ـ أن تروض عقلك على الاسترخاء

ـ الاسترخاء !

ـ نعم ، أمضي إلى الغابة ، إنها بانتظارك .

 

(4)

 

الزمن في الغابة لا يكترث لنا ، ففي وديانها تتدفق عيون الماء والسواقي التي لا تكف عن ترديد :هنا الصيادون يهددون السلام . حتى السنجاب يعرف ذلك ، وفاضت عيناه بقول غريب : الطلقة المارقة لها زمن لا تدركه الضحية .

لكن هنا في المرسم للوقت نبض آخر .كانت اللوحة بانتظاري ، وعندما ألحظها الآن أسمع صوتا ً يباغتني :يجب ان تصغي لي جيدا ً اليوم .

من كان يعتقد أن نظرة المرأة لي قد ساعدتني في نهاية المطاف على إعادة معالجة وجه الرجل وتغذيته بإحساسات جديدة . لكن وأنا أتسامر مع اللوحة ، كانت عيناي تحدقان بالمرأة ، برغبة عامرة وددت إنقاذها لكني لم افلح . أطبقت أسناني على الغليون الذي لم يعد يفارقني ، وتساءلت بحيرة :

ـ تُرى من تكونين ، ولماذا هذا الاستسلام العجيب ؟

وهكذا ، بدأت أشم رائحة الدم الذي ينزف منها ، في الساعة الحادية عشرة صباحا ً فكرت أن اللوحة تحتاج لمماحكة لبقة ، ولابد من فعل ، ولابد من مراجعة ردة الفعل ، الذي ربما يعيد بصيص الأمل إلى نفسي .

وما دام الأمر يتعلق بالأمل ، لذلك غمست الفرشاة باللون الأحمر ، على حين غرة كان الألم يلم بي عندما طليت الجزء الأسفل بصبغة دموية . وأحسست أن هذه المبادرة كانت حاسمة في بناء التكوين لهذه اللوحة .

لم تتركني هذه المرأة وشأني ، أردت أن أصرخ ، لكن ما أن فتحت الشباك حتى سمعت دويطلقة طائشة ، أعادت إلى ذهني جزع الموت المحدق بتلك المرأة .

أخيرا ً تكومت على كرسي التأمل .حينها مرق في بالي ذلك الهاجس :نعم ، تجاوز عمري الخمسين ولا بد من التخلي عن ما يفسد اللوحة ، يجب أن أهذبها من كل ما هو تجاري .

كان الوقت يمضي ، انتصاف النهار يعني أشياءكثيرة بالنسبة لي ، منها تنامي الحماس ، وتأويل اللوحة كما لو أني أقرأها للمرة الأولى . ولكي لا أقع في الحيرة ، بدأت اصدر أحكامي النقدية ، التي ساعدتني على أضاءة وجه الرجل بالبرتقالي ورسم الظلال بضربات منسجمة .

كلنا يعرف أن للوحة شكل دال ، ولكني تساءلت :ما هو ، وكيف يمكن البرهنة علية الآن ؟

استغرقت في التفكير راصدا ً الضباب المتصاعد من المروج المقابلة للشباك .هذه الاستراحة القصيرة وتنشق الهواء العذب بسلام أثار انتباهي وحفزني لترويض ما هو مستتر ، أو البحثعن ما يوحد اللوحة تشكيليا ً .

أعطت للمسات الانطباعية البيضاء على وجهي الرجل والمرأة حيوية للشكل وطردت عن ذهني الإحساس بالخيبة ، إنها كانت تشبه الإشارات الطيبة للإهتدء إلى الإيقاع الداخلي .

نظرت مطولا ً إلى الوجهين ، قبل أن أقول لهما :

ـ يا لحزني عليكما اليوم ، حط الغراب على انفي ، وسمعت حشرجات انكيدو .

هكذا أنا ، تقاسمني لوحاتي همومي ، معها يتحول الزمن الأبدي إلى نقطة حلم وسراب ، كالدخان المتصاعد من غليوني ، كل ذلك ذكرني بعبارة تيشخوف الحاذقة : كلما زاد نقاء المرء زادت تعاسته . وبين قلق وإلهام أضفت إلى الوجهين لمسات صفراء باهتة ، وعاودت تأمل اللوحة ، كمن يحدق في وجه حبيبته بحثا ًعن إيماءة نشوى . تجاوزت عقارب الساعة الثانية ظهرا ً ، فلا احلى من ملء الصمت بحوار تصالحي ، عن الخوف من التهلكة أو عن مغامرة تغيرنا أو عن المواعيد السرية . تلفت وجدتهم معي ويشغلون حيزا ً من المرسم ، لكني وبالرغم من هذا التحول المباغت والمدهش سألتهم :

ـ من يبدأ الحوار بيننا ؟

قال الرجل قبل ان تفر الكلمات من ذهنه :

ـ ليس من الأنصاف قتلك لهذه السيدة الجميلة .

لم أتوقع أن يباغتني بهذه العبارة ، لذلك تساءلت مندهشا ً :

ـ ماذا تعني !

ـ أعني ..خسارة أن تموت هذه الحسناء .

قلت بحزن ظنا ً مني انه أساء فهمي :

ـ أتريد أن تعرف من قتلها ؟

فقال الرجل بنبرة متميزة :

ـ اعرف .لكن ، ألا توافقني الرأي أن القتل من اجل القتل أمرا ً مقرفا ً ؟

فقالت المرأة بمرارة وبصوت واهن :

ـ يتوجب عليك عدم الإكثار باللون الأحمر مخافة أن نغرق بالدم .

قلت وأنا أهرش فروة رأسي محاولا ً أخفاء ضحكة مكبوتة :

ـ هل تريد سيدتي أن ألون الواقع الدموي باللون الأخضر .

ابتسما معا ً، وجرجرنا الحوار إلى تعريف الشكل الدال ، بعدها قادنا الحديث إلى الفرق بين الحواس الصادقة والمزيفة ، وعند الرابعة عصرا ًقالت المرأة بصوت مهذب :

ـ بالله عليك ، لاتنس موعدك مع الغابة .

هززت رأسي وأنا أراهما يعودان ، كل إلى موقعة من التكوين ، قلت بلهجة مقتضبة :

ـ سأهتم بهذا الأمر ؟

قالت المرأة بفرح :خذ معطفك المطري ، فالغابة بانتظارك ؟

 

( 5)

 

أن الذيفي داخل الغابة كالذي في باطن الفكرة مع فارق التأويل ، هذا ما ورد في خاطري . كانت الريح باردة هذا اليوم ، جلست على الصخرة حين مر ثلاثة صبية وهم يلهون مع كلبهم الذي يشبه الذئب ، قال لي احدهم :

ـ الطبيعة تشذب نفوسنا ، أنها كالمدرسة .

ودون أي تردد قال أصغرهم :

ـ أني أكره كل ما يذكرني بالمدرسة .

بعد أن غادروا ، بدأ نديف الثلج يهطل كريش الملائكة .كنت وحيدا مع نفسي ، محاولا أن أمتص هذه اللحظة الهشة ، التي تنبؤني بكلمات لا تخص أحدا ً سواي :الجمال الساحر بدأ من الغابة وينتهي بها .لذلك بُحت للغابة بكل ما يجيش في خاطري.

مشيت بخفة مقلدا رقصة الظبي ، من يراني لا محالة يتهمني بالجنون ، لكن قبل أن أصل إلى شجرة الدرداء لمح بصري يَحمُور قفز بخفة كأنه رأي شيطانا ً ، أردت أن أقول له : تمهل ، أتعرف ما سيحل بسيدة اللوحة ؟ ، لكنه كان أكثر حذرا ً، فقد توارى بين الأحراج المنحدرة نحو باطن الوادي .

في الغابة يولد حلم حسي وبدائي ، أما في المرسم فأخاف على الحلم منأن ينهار لأي سبب طارئ ، لذلك كنت اليوم أكثر احتراسا ً وانأ ادخل المرسم ، ربما لأن اللوحة بدأت تشير لي :أن الخيال المسرف يودي إلى جنون اللاكمال .

حالة التردد زادت من تنامي المخاوف في قلبي .نعم ، كل ذلك بسبب الأنين الصادر عن اللوحة .

قلت للمرأة التي أضناها الألم :لا تموتي يا أختي الطيبة .

كانت العينان الفاحمتان للرجل بحاجة الى نقطة بيضاء لتكون أكثر نظارة وحياة ، بفرشاة صغيرة عالجت الأمر، هكذا أصبحت نظرته أكثر قسوة ، كأنها تطالبني : بحق الرب ، أنقذها .

في هذا الوقت ، شعرت بالتذمر ،ودَنوت منهما ، متذكرا ًأن لعنة النريف تطاردنا جميعا ً .

أخيرا ً ، حشوت غليوني بالتبغ ، وقررت أن أخذ جرعة من التأمل .بعدها ولج قلبي الهدوء الضروري ، سمعت المرأة تواسيني ، كأنها أحست أن رؤيتي قد أشرقت ، قالت بثقة :لا تنس ، أني لم أتخل عنك . وواصلت عملي كمن يصعد إلى رابية .

بعد منتصف النهار نظرت من النافذة ،فرأيت السماء تنث رذاذا ً ، وأبصرت قطعان الغيوم الرمادية تهرول كأنها في مهمة سماوية .

أذكر لحظتها بأني كنت أصارع ألما ً لا أعرف مصدره ، حتى اللوحة أحست بذلك ، وهي تتلقى ضربات الفرشاة المتوالية كزخات المطر .

ما أن أدرت ظهري عن اللوحة ، وابتعدت قليلا ً ، حتى تملكتني رغبة لمعرفة ما قمت به .

لم أنتظر من احد أن يقول لي ما أفعل ، شيئا ً فشيئا ً صرت أقترب من حقيقة ما أريد فعله ، أو بتعبير أدق ما تريده اللوحة على نحو أوضح .

وجدت ملاذي بمعالجة ملابس الرجل باللون الأسود ، قلت له وعلى شفتي ابتسامة كامنة :

ـ يا صاحبي إن معطفك كجلباب صوفي يخاف الأسلحة .

أصغيت إلى المرأة ، متمنيا ً أن ترشدني إلى اللون المناسب لثوبها ، نعم ، أحببت تلك المرأة ووددت أن يكون فستانها ذا لون مشبع بالزرقة ، لكن بعد أن تمعنت مطولا ً بالأمر ، عدلت عن ذلك ، وفضلت أن يكون ثوبها محتشما ً . قالت:

ـ آه ..كم أحب الأزرق السماوي ، لماذا لا تجربه ؟ .

قلت :لا .. أرجوكِ.. في تقديري أنه لا ينسجم مع الجو العام للوحة .

بدت عبارة الرجل تثير فضولي وكانت كإيماءة لحقن الدم النازف :

ـ يا له من جرح راعف ، كيف يمكنني إيقافه ؟

تبادلنا النظرات ، وهمست لي اللوحة :

ـ يا ترى ، هل تعرف ما عليك فعله ؟

ـ أعرف ، ولكن النهايات أصعب من البدايات .

غمرني أحساس بالارتياح حين قالت المرأة :

ـ ألا تجد من الضروري وضع لمسات صفراء على عنقي .

ـ كل شيء ممكن ، ولكن لماذا يا جميلتي ؟

ـ اعتقد يا سيدي ، أن هذه المحاولة ستشد الأبصار للجرح آو الدم النازف .

تركت اللوحة تتكلم عن التفاصيل المثيرة والغريبة ، وبعد نصف ساعة صار اللون الأصفر أمرا ً واقعا ً .محدثا ً لي صدمة للوهلة الأولى ، لكني ما أن تأملته حتى أدركت أنه بالغ الحيوية .

غمرني صمت لا يوصف ، والإنهاك الذهني كاد أن يقوض بناء اللوحة ، كنت في نهاية هذا النهار كمن يخرج من رقصة الموت خائر العزيمة .

 

كدت اذرف الدمع عليها ، أتعبني القنوط ، محاولا ً بكلتا يدي إيقاف النزيف ، قلت مبتئسا ً :

ـ آه ..أحس إنها ترتعش من رهبة الموت .

 

رأيتها تنظرني بفزع وحيرة ، ودت لو أواسيها ولو بكلمة ، غير إني لم أجد ما أقوله لها سوى :نامي يا أخيتي بسلام .

 

تركت كل شيء في مكانه وعلى حاله ..أطفأت المصابيح وخرجت .. حاثا ً الخطى صوب دروبغابتي الشعثاء، التي أحسستها تغط هذا المساء بوجع حارق عميق ، من دون أن تحدثني هذه المرة إلا بسؤالها الوحيد : إلى متى ..إلى متى تستمر لعنة النزيف !؟.

 

انتهت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اليحمُور :حيوان بري ، ما بين الماعز والغزال

 

25 / 8 / 2013

  

 

 

 

 

بديع الآلوسي


التعليقات




5000