..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


شهادات في زمن الاجتياح / قوس الربابة على وتر مقطوع

غريب عسقلاني

غزة هي الحالة  

الجغرافيا المصادرة، المطرودة من جفاف صحراء النقب إلى حضن المتوسط, جرف من يابسة فقيرة، ترقد على بعض ماء عذب، وكثير من ماء مالح تسرب ومازال يتسرب من ماء البحر، يقتل نهر الماء الجوفي كلما شدنا الجنوب إلى رحاله ..

 سوافٍ.. تلال وبطون رملية تكونت بفعل جيولوجيا قديمة وحديثة، رمال زحفت على الأرض المجاورة شرقاً، طمرت تربة, وأشجار ومدن وقرى, لترفد غزة على منجم حضارات وتواريخ, خيل للعابثين أنها طمست.. وكأن قتل الأشياء عادة حميدة، وفعل مبرر .

في الفاجعة الأولى طورد الناس حتى وصلوا إلى السوافي، سويت الرمال وصارت أمكنة شبه معمورة، بعض خيام وأكواخ، وبيوت صفيح تمددت وسميت مخيمات لاجئين، تبلورت فيها الأجيال، تناسخت وتناسلت وأصبح المخيم واقعا سكانياً، لا هو بالمدينة ولا هو بالقرية أو الكفر أو النجع أو حتى البادية, لكنه المرجل الذي تفاعلت فيه كل الأمكنة ولم تفقد خواصها, اندغمت فيه الحالات ولم تندمج، اختلطت ولم تنصهر أو تذوب، وشكلت ظاهرة سكانية, لها حضورها ومقومات وجودها، لها أهدافها وأحلامها, استخلصت هذه الكتلة البشرية مبرراتها, وسيرت صيرورتها لتصبح كيانا اجتماعياً وحالة حاضرة، تشد الدارسين وتدهش المراقبين، وتحير علماء الاجتماع, ومحترفي تأويل السيسولوجيا .

في غزة تتجاور المدينة والقرية والمخيم، يحدث الاندغام لدرجة التكامل، ويُطرح السؤال المشترك.

ما معنى أن تكون هن, والوطن خلف بوابة على مرمى حجر ، أو على مدى رشقة نظر، العين ترى واليد ترشق، والحمولة عبوات حقد وبأس وتمرد..

العبوة حجر بقي على الأرض ينتظر اللحظة.

حجر هامشي مرفوض يسكن أديم الأرض، ينتظر لحظة توهج، لا تدري القبضات الغاضبة أن حجارة الأرض، نتف من صخورها، تحدث فعلا كالمعركة وهو ليس بمعركة، ثورة وهو ليس بثورة، انفجار امتد انفجارات متتالية لم تهدأ بعد .. اندفاع جيوش بلا رتب أو مراتب، كل الناس من كل الطوائف والشرائح والأعمار، الكهل والرجل والشاب والطفل والأمهات والأجنة في بطون الحوامل .

ما الذي حدث وما زال ؟

وعلى أي المعادلات تسير الحالة وتتبلور الأحوال ؟

لا معادلة غير حتمية الصدام.

ولا قانون غير فانون الانتفاضة التي عثرت على وسائلها ..

لا ميزان بين قوى العظم واللحم الآدمي وبين البارود وفولاذ الدبابات والعربات المجنزرة, ولا اختراق غير ما تحدثه الحجارة في بنية الوجدان الإنساني، وما تصنعه القذائف والمقذوفات في العظم واللحم .

لا توصيف فالوصف أقصر من الموصوف، والحدث تجاوز الوعي المقدر والتوقع المحتمل، فالأمر تجاوز منطق الرؤيا, فوران يتجاوز درجات الغليان الفيزيائية, وانفجار عن مقياس لا يقيس انشطار أنوية الدمار الشامل، لأن الانفجار هذه المرة، دمر الأفكار والمقولات والأسس التي قولبت طاقات الشعوب والجماعات المضطهدة .

الحالة هنا تقرر قانوناً جديدا هو قانون الانتفاضة الشعبية، والشعب الفلسطيني هو المبادر والمتفجر ..

الانتفاضة سياق حياة في غزة المحاصرة بين بوابتين من حديد وبارود، غزة منفية أقصى جنوب الخارطة، تقطعها السيارة في نصف ساعة على طول 45 كيلو متراً وعرض ثمانية كيلومترات، تتمدد وتنكمش مع شهيق زفير المعاناة اليومية، وغزة رئة استوعبت هواء الكون وطيرته رسائل غضب، فالانتفاضة أصبحت أهم معالم الحياة تحت وطأة الاحتلال، وهي الوسيلة الوحيدة المتاحة لأن الظلم استشرى، والرياح أتت بما لا يتفق مع مرافئ السفن ومحطات الوصول المنتظرة، ولأن الزمن العربي الإسرائيلي لم يتلقط اتجاه بوصلة الناس، تكرس الانتفاضة جهد مشروعاً ومفتوحاً على كافة الاحتمالات، هي الملاذ لشعب ما عاد يمتلك من مقومات الحياة غير الرغبة في الحياة على جغرافيا محددة في كنف دولة وتحت راية .

تلك بواعث المواجهة، وفي المواجهة تتعدد الصور والوجوه، ويتجلى وجه الله ووجه الوطن مهما تنوعت الأفكار والبرامج، ومظاهر القصور والمتاهات المتوقعة, التي لم تشكل استثناء لا يكرس الانفصام الذي يقود إلى الانفصال, أو الاقتتال مهما تعقدت مظاهر الخصومة، وهذه خصوصية مفاجئة، وعلى الباحثين في علوم الاجتماع السياسي دراستها واستخلاص عبرها، لأنها جوهر الحالة وهي الطريق إلى بلورة نظرية الحاجة والمتاح، والموجود والممكن ، والتجاوز عند الضرورة، والتريث قبل الانفجار، والتشظي الذي يلتئم لوحة غير سيريالية، وإن بدت اشد غرابة. فالحياة في هذا الوطن غرائبية عجائبية، لا تتمنطق بقوة الشياطين وأدوات اللا واقعي والخيالي .. الحياة قفزت عن واقعية الأشياء وأوجدت ممارسات مفاجئة تدهش الآخرين، والحمد كل الحمد لوسائل الإعلام المسموعة والمرئية، والشكر كل الشكر لكرامات ت كنولوجيا ثورة المعلومات التي تصدر الخبر عند وقوعه, وتقف بالمرصاد للتأويل والتكذيب، فالصورة سيدة الموقف، والجغرافيا المصادرة تصبح باتساع الدنيا, تثير الأسئلة في فضاءات المعمورة

وفلسطين تطرح الأسئلة.

 

سواد النهار وبياض الليل

غزة مضغوطة بين بوابتين

بيت حانون ( إيرز ) شمالاً تدفعك إلى وطن مصادر صار اسمه (اسرائيل ) ، وبوابة رفح جنوبا تأخذك إلى مصر (بلاد العرب أوطاني) إذا ما اجتزت أسلاك كامب ديفيد وأشواك السلام الممصوص من سلام العافية، ( إيرز) بوابة الحلابات، تشفط العمال عرايا حتى من طعام الإفطار، ضحايا محتملة لأصابع جندي مرتعشة سجنوه في برج المراقبة ، علقوه في الهواء يمارس الخوف والتوجس والذعر على مدار الساعة، رغم هدير الأباتشي التي تحتل السماء, والدبابات التي تحرث الأرض، وجندي برج المراقبة زحفت كل حواسه الخمسة إلى أطراف أصابعه على الزناد. والعمال قطعاناً يمضون وقطعاناً يعودون، بقايا آدمية هامدين بفعل رضاعة عكسية أخذت العافية, وانحل فيها البدن, وتسلخ الجلد خلال ثماني ساعات عمل في الحقول والمصانع والورش وأشغال الطرق السوداء، يكمل ذلك عشر ساعات مرافقة لتأمين الوصول والعودة .

 يخرج العامل إلى الحلابات قبل أن يلفظ الليل آخر العتمة، يصلي الفجر على رمال ما قبل الحاجز مع بياض أول النهار، ويعود بعد صلاة المغرب وقد يدركه آذان العشاء، مكدود يطارد رزق العيال، والعيال ينتشرون في الأزقة رصيدهم الأهم الحجارة، والحالة صارت واقعا بفعل طول التداول.

ولأن للحياة في غزة شؤون أخرى، فلا بد من التعايش مع الآني لحظة بلحظة، عبور إلى الآتي المفتوح على فضاءاتٍ لا تتعامل معها الرحمة في المدى المنظور، وليس أمام الناس غير تقمص الإصرار على البقاء بانتظار يوم قادم من رحم الغيب ، يحدسه الناس ولا يمسكون بمقوماته، واقع يمد لسانه لشطحات المبدعين, وهواة الفنتازيا في زمن تتقولب فيه الأشياء، لتدخل في منظومة الإدراك ضمن محددات مادية الكون.

   والكون هنا بين معبرين, يعيش المحاكمة، بين موت الحياة، أو الحياة في موت مقيم، بين شربة ماء عذب أو التعود على ماء مالح, يخرج من بئر تفحم احتجاجاً على مصادرة الينابيع وخزانات المياه الجوفية تحت قاعدة الجدار العازل أو الفاصل سيان .

هل هي المقاربة بين زلزال لم يحدث، لكن موجودات المكان تؤكد حدوث أكثر من زلزال بدرجات تجاوزت مقياس ريختر, فهل ينتحر ريختر لأنه لم يفكر في مقياس زلزال البارود بقرارات الإعدام المسبقة، وترك لشارون تسجيل براءة الاختراع، أم أن القضية معلقه بين رسالة العلم ورسالة الأخلاق، هل هي قضية خلافية بين جنرالات الحرب وممثلي الرب في إسرائيل، قد يكون الأمر كذلك, لكن الانفجارات حدثت ومازالت، ودرجات القياس يدركها الناس على جلودهم وبقايا أجسادهم، ولغزة قراءة فريدة تقوم على الاختيار بين طفولة مفقودة ، وشباب مقصوف, ورضيع لم يشبع من صدر أمه يستقبل قذيفة صممت لاختراق الدروع .

 

رفح عالم آخر

يعيش الناس على إيقاعات خاصة، وحكايات خاصة، لم يعد الموت هنا مفاجأة أو فاجعة، ولا هدم البيوت حادث استثنائي، ولا اختراق الرصاص صدر رضيع على صدر أمه فعل يفوق التصور، الإيقاع شديد الخصوصية، الموت والهدم والتجريف، وغياب الصغار والكبار صارت من مألوف الحياة، لا تثير عجباً أو استهجاناً إلا عند المراقب القادم من خارج المكان، وأعضاء الطواقم الصحفية والإعلامية، وطواقم حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية .

سئم الناس من الحديث، المكان يتحدث, فالناس هنا لا يثقون بالسياسة ولا يأبهون بالسياسيين، يهزأون من الفضائيات وقنوات البث المباشر، لأنها ترسل أطراف الحدث، ولا تقترب من بؤرة الانفجار، الناس هم الحدث وهم ضحاياه، الآدمين والأشجار والحيوانات والبيوت، أرواح تتقافز في المكان لا تموت، تغفو مع انطفاء لؤلوة عين الشهيد، وتُستفز مع شلل الأعضاء والأطراف المصابة أو المبتورة، تسكن الأرواح الحفر التي تخلفها جذوع الأشجار التي اقتلعت بعد طول ثبات، تهجع الأرواح قبل الفجر بين ركام البيوت المنسوفة أو المقصوفة أو المجرفة، تلملم حكايات المكان, وتحتفظ بأسرارها المقدسة .

في رفح تتبدل الأشياء, تتناوب الحالات والأحوال، والموت سيد المكان، الطير في الفضاء مذعور من الطائرات الزنانة، الأزيز يربك خفق الأجنحة، ينعف ريشها، يصرعها ضغطاً أو تفريغ هواء أو فرقعة، تدور الطيور ثم تسقط في قبور الآدميين، أو عند مرقد الشواهد، أو في ظل جثة حيوان، فلا فسحة للحياة في الموت، ولكأن الحياة تهيؤ فاصل لحكاية بدايتها الموت ونهايتها موت، وما بينها موت وذكرى لا تموت. هذا ما تمتم به من أخذني إلى الرجل صالح أبو مور لزيارة ابنه الطفل ابن العاشرة إبراهيم، الذي لم يكن يأبه لما كان يدور، ملعبه الأثير بالقرب من بوابة صلاح الدين، يأخذ كرته وينظم فريقه ويمارس هوايته يستعرض قدراته على تمرير الكرات، و يصوب نحو مرمى الفريق الخصم.

ويشهد الملعب لاعباً مناوراً ذكياً وخفيفاً، وراشقاً للأهداف لا يخيب .

 يقول أستاذ الألعاب في المدرسة :

ـ يَصُرُ إبراهيم عينه اليسرى، ويفتح اليمنى على أقصى اتساع، فلا يخطئ الزاوية ولا يرضى بأقل من ارتطام حارس المرمى بالأرض مهزوماً، غرامه أن يرقص الحارس قبل أن يسدد ..

ولكنه عند بوابة صلاح الدين يستفز قناصاً يراقب المكان من برجه العالي,القناص شبحه على صليب منظار البندقية، وقذف فانطفأت عين اللاعب، ضاعت العين العسلية الذكية, وسكن كهف العين عين زجاجية ميتة لا تميز بين الدمع و القذى .

مشكلة إبراهيم أن العين المفقوءة لم تتوقف عن الإدماع، الأمر الذي يثير عجب الطبيب المعالج.. والد الطفل يسأل:

- إلى متى ستظل الدموع ؟

يقول الطبيب الذي خذله علمه:  

-  إلى أن يجف معين غدة الدمع .

-  متى؟!

يراوغ الطبيب الذي يعز عليه استئصال الغدة:

- عندما تدرك الغدة عبث اللعبة، وأن العين الزجاجية لا تنظفها الدموع :

 

هؤلاء من فعلوها 

سالي الشاعر، تيبس ساعدها الأيمن على انثناءة طارئة، رصاصة عوراء هشمت عظم المرفق، وقتلت أعصاب الكف، الأصابع ظلت مضمومة ما عدا السبابة الذي ذعر عصبه وبقي مشدوداً, ليبقى الإصبع مشدوداً يقرر حاله.. السبابة تشير:

- هؤلاء من فعلوها ..

كان الإصبع يشير إلى جنود أقاموا متراسهم قريباً من البيت.. قالت :

- كنت على السطح أتفرج على الناس في بيت عزاء محمود صديق أخي الشهيد جمال، وفجأة حاصرت الدبابات الحارة، وأطلقت القذائف، وانهمر الرصاص، هربتُ إلى أسفل، لكن الرصاصة لحقتني, فارتميت على الأرض ولم أصحوا إلا في المستشفى.

البيت عار يعود لقريب مغترب، لجأت إليه الأسرة بعد أن جرفت الآليات البيت في منطقة الشريط الحدودي وقتلت جمال .

الأب يتكوم في الزاوية يتلفع ببطانية سوداء, هدية من الصليب الأحمر, يدس بخاخة في فمه بين الحين والحين يستقيم تنفسه، وتسكن عيناه، يبصق سعالا جافاً، يزحف إلى الستين، جسده يقول أنه عايش المرض منذ زمن طويل:

-  هذه المنطقة اسمها الجنينه، كانت جنينة رفح، صارت مقبرة.

سالي مبطوحة، تسند خصرها على مرفق يدها اليمنى، وتدرب اليسرى على الكتابة، انظر إليها، تبتسم ثم سرعان ما يتقمصها تجهم مفاجئ، اسمع فحيح تنهدها.. أتساءل :

 كيف يتنهد الصغار؟!  

تنهض سالي تفتح صفحات دفترها :

ـ هذا خط اليمنى قبل الإصابة، وهذا خط اليسرى .

 شتان فالفرق كبير، خط اليمنى جميل واثق, وخط اليسرى خجول متعثر يبحث عن لياقة مفقودة . 

أخذتُ يد سالي، حاولت فرد أصابعها المضمومة، لم تستجب وظلت مضمومة، حاولت تعديل وضع الساعد المشدود، رأيت الألم على وجه الطفلة فأجحمت، وظلت السبابة تتهم .

-  هل رأيت الجندي الذي أطلق عليك النار يا سالي ؟

- رأيت الجندي الذي قتل جمال .

- هل تسطيعين التعرف عليه ؟

- كنت خائفة ، وكان الجندي مرعباً .

عين سالي صافية يسكنها حزن عميق، وكأنها قفزت عن عمرها إلى مستقبل مجهول، سألتني بصوت متردد :

ـ هل لجنود الاحتلال أولاد مثلنا ؟

 

أنياب الجرافات

 للجرافات الإسرائيلية مهام أخرى في غزة، وللجرافات أدوات ملحقة تقوم بأعمال التجريف والهدم واقتلاع الأشجار، بارود العدو يحصد الأرواح, وجرافات العدو تقبض على أرواح الشجر والحجر، والأقدار في غزة موصولة مترابطة ..

عمي حامد المنجد الجميل, الذي اشتغل بأصابعه الذهبية فراش العرسان, وطرز ملاءات العرائس، تقاعد عن مهنته واشترى عشرة دونمات, أصبح مالكا في بيت حانون .

 الأرض بيارة برتقال، وعمي حامد يسري مع نجمة الصبح، يتفقد الشجر، يترنم بأهازيج الأعراس بعد أن يتلو آيات من الذكر الحكيم .

جرفت البيارة وردم البشر .

- شجرة واحدة استعصت عن سن الجرافة .

يبكي عمي حامد كما لم يبك ولد أو زوجة، وهو الذي فقد أحب أولاده إلى نفسه في الانتفاضة الأولى، وفقد زوجته التي ذوت حزنا على ولدها بعد أسابيع من الموت قال :

-  صارت البيارة ساحة للغربان وجراء الثعالب الضالة .

- في المال ولا في العيال يا عمي .

-  الشجرة مثل الولد, تربيها فتعوض عليك تعبك وتغنيك عن السؤال .

ويحدث نفسه :

ـ السؤال وعرفناه، والجواب لم نسمعه بعد .

 الذي يؤرق عمي لدرجة الموت، هو كيف يصل إلى الأرض بعد أن اعتبرت نطاقاً امنياً، يعزي نفسه..

-  الأرض باقية، لا ترحل ولا تهاجر، لكن الشجرة اليتيمة عطشانة ..

عمي حامد يحوم حول الأرض, ينتهز الفرصة ليدلق جالون الماء حول الشجرة.. وفي يوم آوى إلى فراشه وقد ضربته القشعريرة .

- ما بك يا عمي ؟

- الشجرة صامت يا ولدي .

- وكيف عرفت ؟

- سكنها الغراب ، ولم تطلق ازهارها . الشجرة حزينة

- وهل يحزن الشجر ..؟

- كل من تسكنه الروح يفرح ويحزن

  يفاجئني منطق عمي، الروح تفرح وتحزن, والروح تعلن الحداد، ولكل روح أسلوبها الخاص وطريقة تعبيرها..

الأمر الذي يحير الناس في غزة، صيام أشجار الزيتون عن الأثمار، التفسير يملكه فقط من خبر السنين، علمته أن الشجر يعبر عن حزنه بالتوقف عن الأثمار.. قلت :

-  محصول الزيتون خفيف هذا العام .

- وهل المصائب الذي نزلت علينا قليلة يا ولدي

- وما علاقة هذا بذاك ؟

- روح الزيتون مباركة تعرف ما لا يعرفه البشر .

طأطأ عمي حامد، وأسبل حفنيه وكأنه يتقي الضوء، كان وجهه صافياً على شحوب،  رائقاً شفافاً، خلته يحاور كائنات بعيدة تبتسم .. شدنى, وأخذت أجوس في تعابير وجهه حتى أفاق من غيبوبته / حلمه.. فتح عينيه وحدق في الضوء، وحزم أمراً :

- سأزرع الأرض .

- ولكنه الحصار .

قاطعني بصرامة

- سأزرع الأرض...

 

إنهم ينسفون البحر :

الصياد العجوز لم يعد ينام على الشاطئ، ظل مركبه قد اختفى، صدور المركب عندما صودر البحر، وأصبح الشاطئ عذاباً.. يملأ الصياد رئتيه بدخان عربي قوي، يسعل وهو الذي طالما تباهى على أقرانه ومجامليه بأنه لا يسعل, فهواء البحر يبطن رئتيه بزاد رباني.

-  من يركب البحر، لا يألف العيش على البر

الصياد العجوز يعتبر الماء بيته ومرقد ، يتخذ من سيرة البحر تقويمه ومداد عمره، يؤرخ للأحداث بالنوات ومواسم الصيد، يعلق إشارته عند إشارات البحر, عند رضاه وعند غضبه، يرف جفنه الأيسر ينتظر ألماً قادماً، يدق صدره، فيعرف أن أسراب السردين، وطيور الفرّي (السمان ) في الطريق إلى الشباك، يغير النسيم اتجاهه، فيعرف كم من الوقت سيمر قبل أن تصل جحافل البوري أو الدنيس أو كلاب البحر، حتى سلاحف الماء ترسل إشارتها قبل أن، تدفن بيوضها على الشاطئ أو في تجاويف الصخور.. الحياة مع البحر مواسم ، ولكل موسم عدة وعتاد, ولكل صيد طقوس والبحر جواد لا يضن على خليله، والبحر عجيب إذا صام ينغلق على سره، لا يسلم مفاتيحه إلا لمن عرف السيرة, وأدرك التقويم, وزاوج بين مسار النجوم في السماء وحركة التيارات في بطن الماء.. والبحر عميق, وصدر الصياد واسع رحيب، البحر قدر, والصيا د يمتثل للمقدر والمكتوب، يصارع ولا يغضب من البحر، غضبه دائماً على نفسه, فهو المخطئ لأن البحر أزلي لا يغير مواعيده إلا إذا اهتزت الأقدار .

الصياد العجوز لم يعد يركب البحر، ترك مركبه على الشاطئ حتى شاخ المركب امتعاضاً وحزناً، والصياد الذي يطارد المدى يقف له الطراد الإسرائيلي على مرمى نظر، يرشفه إذا أغزته الحالة ، يرده إلى الشاطئ، وينتشر الرعب في الماء، يتسرب الدبيب إلى أعماق الماء تتردد ذبذباته، تثير الهلع بين سكان الماء، تهاجر كائنات البحر المطارح بعيدا,ً تتجاور مرمى زوارق الحرب الإسرائيلية.. يتنهد العجوز، ويتجرأ عليه السعال، يحدث نفسه:

- إلى متى سننتظر الأسماك في المياه العميقة .

- هي بانتظارك يا سيد البحر .

- الأسماك يا ولدي إذا تغيرت عليها المطارح تأخذ قرارها بالانتحار احتجاجاً..

وفي يوم ضبطت العجوز في السوق، يزعق غاضباً في الباعة:

- لا تعرضوا هذه البضاعة .

-لماذا يا ريس البحر

ـ هذه الأسماك انتحرت، قذفها البحر فوقعت في الشباك ميتة .

تحدثت غزة عن طرح البحر العجيب .

فقد قذف البحر الأسماك على رمال الشاطئ، ميتة متزلعة تشوبها بدايات عفن، ولم يدرك الناس سر الحالة، الصياد العجوز اعتصم بجدار بيت نُسف حديثاً وأخذ يتمتم :

" لم يستطيعوا تجريف الماء فعجزوا البحر بالقنابل "

يصرخ البحار العجوز في الناس:

أنتم في زمن يتفجر فيه كل شيء حتى ، لكنهم لن ينالوا من توقيت البحر لأنهم لا يعرفون أسراره ..

 

الطيور في سماء غزة :

لا طيور في سماء غزة، لا ريح تحمل ريش الأجنحة, ولا نسيم يعبق بأريج الفصول, فالفصول بوابات دم إثر دم، الهواء في غزة ثقيل / حزين / ملوث / محتل، حتى الغربان والبوم لم تعد في عرف الناس طيور شئوم وخراب، الغربان السوداء غادرت قمم أشجار السرو وتوقفت عن النعيق.. تقصت هامات الأشجار العالية، ولم تجد البوم عتمه تأوي إليها في النهار، الخفاش تزلعت أجنحته بفعل الردم ونثار الانفجارات.. في الفضاء تصفر الطائرات الزنانة كما يسميها الناس على مدار الساعة، تصور ما يدور على الأرض، وتسجل حركات الناس حتى في حجرات النوم، وعلى موائد الطعام الفقيرة، الحالة في غزة كما الوطن حاله عري قسري, ولا خجل ولا فضيحة، إلا فضيحة الإسرائيليين كل لحظة ويوم، لا حضور إلا لهدير الأباتشي وطائرات أف 16، والكوبرا إذا لزم الأمر..  < /o:p>

في الفضاء موت يترصد الناس والحيوان والطير والبيوت وإسفلت الشوراع ,التي ما عادت معبدة، والصيد طفل، رجل، امرأة, حارة نائمة على جوعها وجراحها وقتلاها .

القتل في غزة طقس يومي يتجدد ينثر بهاءه، والقتيل / الشهيد، يطبق جفنيه على راحة أبدية لا يسأل إذا ما تناثرت اشلاءه أو تشظت .

والحالة في غزة حصار

الحالة موت وأسئلة ووطن..

والحالة في غزة بحث عن زهرة في شعاب الكوابيس, وقوس ربابة يطلق لحنا مشروخ, على وتر مقطوع /موصول.

 

غريب عسقلاني


التعليقات




5000