..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
حسام برغل
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأسلوب الرومانسي للكشف عن خبايا الذات في (وحي ذاكرة الليل) لرحاب حسين الصائغ ..نجية جنة

رحاب حسين الصائغ

 

  

نجية جنة

قراءة الأستاذة نجية جنة / ناقدة من المغرب 

        صدر للكاتبة العراقية رحاب حسين الصائغ ، كتاب تحت عنوان " وحي ذاكرة الليل " سنة 2012 عن منشورات جامعة المبدعين المغاربة ، يتكون من اثنين و ثلاثين نصا ، وهو من الحجم المتوسط ، و الأديبة رحاب حسين الصائغ قبل أن تكون قاصة فهي شاعرة، لذلك جاء كتابها الأخير زاخرا بمعان شعرية أكثر منها نثرية، و"هذا الجنس الأدبي حديث في الأدب العربي بحيث ظهر في بداية القرن العشرين خصوصا مع أمين الريحاني وجبران خليل جبران ومي زيادة وغيرهم ممن ثاروا على القصيدة التقليدية المقفاة ، بل اعتبروها تحد من تطلعاتهم وتعرقل تدفق الشعر وانسيابية "1

      ولكن الإشكال كيف يمكن تصنيف نصوص الأستاذة رحاب. هل ضمن الشعر النثري أم النثر الشعري؟ فالقارئ العربي لا يكاد يميز بينهما و" الباحث ليجد صعوبة في تعليل الخلط المذهل الذي يمزج بين الشكلين آنا، ويفصل بينهما آنا. في الشعر المنثور يأتي الشعر موصوفا وما النثر سوى صفة ، وفي النثر يحدث العكس" ويقول أنيس المقدسي: " لابد من التمييز بين النثر الشعري

و الشعر المنثور، فالأول أسلوب من أساليب النثر تغلب فيه الروح الشعرية من قوة في العاطفة وبعد في الخيال ، وإيقاع في التركيب و توافر في المجاز ... على أن الشعر المنثور غير هذا النثر الخيالي وإنما هو محاولة جديدة قام بها البعض محاكاة للشعر الإفرنجي ...تلمس فيها أصحابها النزعة إلى النظم الحر من قيود الأبحر العروضية المعروفة "2 إذن " فالشعر النثري هو شعر أولا و النثر الشعري هو نثر أولا " 3 لذا وانطلاقا مما سبق ذكره فالأسلوب الموظف في نصوص الأستاذة رحاب حسين الصائغ يحيلنا على النثر الشعري بحيث نجده يتمتع بالإيقاعية الداخلية و التصويرية الشعرية و الرومانسية الفياضة إضافة إلى أساليب الاستفهام و النداء و التكرار، ويعتمد الكلمة الموحية و الجمل القصيرة المحكمة البناء و المكثفة الخيال ، كما يعتمد على طبيعة الموقف النفسي والعاطفي بوصفه تعبيرا عن تجارب شخصية ذاتية ، فأصبح لونا من الأدب الرومانسي الذي يعتمد على الخيال المجنح .كما يقول محمد غنيمي هلال : " هذا الخيال الطموح الجموح عند الرومانسيين هو في أحد معانيه مظهر لظمئهم في تعرفهم على مثلهم من خلال ما تجيش به نفوسهم من عواطف ومشاعر، وقد دفع ذلك كثيرا منهم إلى محاولة التعرف على ذات أنفسهم بالغوص في أعماق النفس وما توحي به الصور الشعرية من صور لاشعورية تتجلى في النوم و الأحلام " .4 ولأن العاطفة هي منطلق رئيس آخر من منطلقات الرومانسية فقد انصرف الشعر الرومانسي عن الخارج إلى داخل الإنسان وأحداثه النفسية بدلا من الأحداث الخارجية " 5.

      فنصوص الأديبة رحاب حسين الصائغ جاءت كأنها رسائل كتبتها إلى حبيب متخيل ولكنها في الحقيقة تبثها لنفسها ، تنثر خواطرها شعرا رقيقا ، يستعيد ذكريات تجاربها الأليمة ، ويحكي عن وحدتها المكلومة ، وغربتها البئيسة ، وقناعاتها كأنثى في مجتمع لا يزال الرجل يفرض وصايته عليها ، مجتمع رجولي تعتبر المرأة المبدعة فيه نشازا لا يمكنها ممارسة حريتها الشخصية أو التعبير عن ذاتها إلا وهي مستترة تحت أسلوب خاص يوظف الرمزية والإبهام و الإيحاءات الدلالية بشتى أنواعها. فالكاتبة تتعرض للمحاصرة و الوحدة والحرمان ثم النفي في مختلف مناحي الحياة ، ولكنها تحقق متعة فنية وتمرر أطروحة معينة في حديثها عن الحرية وعن القومية . فهي تتساءل عن ماهية الحب وأسراره ودوافعه وآثاره على مجمل الكينونة البشرية ، فتارة تكون ضعيفة أمام الرجل، تستسلم له تماما وتتمنى أن تذوب في دواخله ، وأخرى متمردة رافضة، فتصوراتها غير واضحة و حالتها النفسية جعلتها تتحدث عنه في عدة مستويات ، فإعجابها مثلا بالرجل المتعالي جعلها حائرة ، ومع ذلك فهي تطلب منه الأخذ والعطاء وهنا تستعمل مفردات ذات طابع شبقي ، فحبها ليس عذريا بل إباحيا ، ، فهي ترفض أحيانا، و تتغزل أخرى ، وتعبر عن السرية أحيانا ثالثة ، هذه السرية التي تخشى البوح بها رغم ذلك . فنصوصها ليس لها خصائص بنائية فنية واضحة ، ففي شكلها العام تقترب من الأسلوب الاستدلالي ذي الطابع السردي إلا أنها في أحايين أخرى تحتفظ بالطابع الفني عن طريق توظيف السخرية و اللعب اللغوي ، فهي ترسم صورا جمالية زاهية شفافة حول فلسفة الحب والجمال .

       وبخصوص الخطاب المستعمل فهو أحادي يعتمد الانشطار الذي يحيل على مفهوم الدائرة وخطاب آخر يعتمد الانشطار الشذري التفاعلي مما يجعل القارئ يجتهد أكثر لتأويل المعنى وفق آليات منهجية ، فطبيعة أغلب النصوص تعرض صوتا داخليا يتحدث عن النفس وحركتها الدقيقة مما يغيب الموضوع ويغيب الحقل الدلالي معا .و إذا كانت المقاربة الأسلوبية تقوم على الاستنتاجات الوصفية ، والاستعارات تكمن في السياق ككل وليس الجزء أي الألفاظ ، فالسياقات التي تحف بالمفردات في نصوص الصائغ تعطينا قرائن نصية لاحقة مما يجعلها تفقد جذوتها عند كل مفارقة أو تشخيص أو تجسيد لمعاني مجردة ، فالمفردات المستعملة كلها أو جلها تنتمي إلى المعجم الرومانسي ذو النبرة العاطفية الذي يطفح بها البوح النثري الشعري حيث الحديث عن الحب المستحيل و الحنين إلى ماض ولى بكل ذكرياته ، ولتبرر ذلك تلجأ الكاتبة/ الشاعرة إلى التناص الذي تجسده في مرجعية قرآنية أو لوحات فنية كدالي وبيكاسو أو استحضار شخصيات أسطورية كعشتار وفينوس ،وحصان طروادة ، فضلا عن حصول علاقات سببية بين الأحداث المتخيلة ، إضافة على استعمال السرد المجمل " ألم أقل لك أني سأخرج من حدود الزمان والمكان " ص 16 ، كما أنها تستعمل الرثاء الضمني للخاطرة فهي تأسف وتحزن لهذا المآل الذي لا ترغب فيه ،فالروح الرومانسية الحالمة تتغلغل في اندفاع نحو إنشاء جمالية المفارقة التي تقوم على التضاد الكامن بين الروح والجسد ، فهي تطرح تساؤلات عقيمة ومتاهات شعرية ذات انزياح دلالي ، أما الاستفهام الاستنكاري والفراغات فيحيلنا على إيحاءات كلها ضياع وتيه . كما أنها توظف الحلم و الذي يعتبره الطب النفسي في تحليلاته تعبيرا وانطباعات مصدرها اللاشعور والتي لا يمكن للذاكرة أن تصله إلا من خلال الحلم أو المتخيل ، فكتابتها جاءت كأنها مونولوج الداخلي يعكس طويتها وانفعالاتها .

           أما العنوان "وحي ذاكرة الليل" فيقوم على استعارة كلية تنتشر في ثنايا الكتاب بدرجات متفاوتة، إنها فوضى رائعة تجعل من القارئ دائم البحث والتنقيب بين النصوص حتى يجد المتعة المتوخاة . لأن الوحي هو وحي عاشقة اتخذت من الليل ملجئا وستارا، فجاءت لفظة الليل طاغية على كل نصوصها فهي متمردة و الليل يكرس لديها الشعور بالوحدة والغربة ، فالليل كان دائما رمزا للخوف و الحزن والابتلاء ، فهو ليل طويل زمنيا ومعنويا ، لا يوجد فيه أي معنى أو أي بصيص لأي أمل أو خلاص ، إن صورة الليل هنا حقيقية من معاناة الكاتبة النفسية وصورة من حياة بائسة ، فالليل قادر على الانتشار والوصول إلى أي مكان ومعه يأتي القمر بكل دلالاته وكل الاعتقادات الملازمة له ، و تصاحبه الشجرة بكل المعتقدات الدينية و الشعبية ، وهما معا رمزا للحياة والخصب والتجدد .

        فالقارئ لنصوص الأستاذة رحاب يجب أن يكون ملما بكل الثقافات العالمية ،لأنها اعتمدت التشتت في كل شيء كما أنها اعتمدت الإبهام و كأنها تتماهى مع ما كتب فلوبير " إنما يبدو جميلا بالنسبة لي ، ما أريد كتابته ، هو كتاب عن لاشيء ، كتاب لا يعتمد على شيء ، تتماسك أجزاؤه بقوة أسلوبه ، تماما كالأرض وهي محلقة في الفراغ ، لا تعتمد على شيء خارجي لدعمها ، كتاب لا يكون له موضوع تقريبا ، أو على الأقل يكاد الموضوع فيه يكون غير مرئي "6 . فالكاتبة جمعت بين كثير من المتناثرات حتى أضحت نصوصها عصية على الفهم في بعض الأحيان ، أفكارها مشتتة كحال الأدب الحديث ، يقول الويلي والبازعي عن مفهوم التشتت في الشعر الحديث " إنه يعني التكاثر المتناثر ليس شيئا يستطيع المرء إمساكه والسيطرة عليه ، وإنما يوحي باللعب الحر الذي لا يتصف بقواعد تحد هذه الحرية ، بل هو حركة مستمرة تبعث المتعة وتثير عدم الاستقرار والثبات ويتسم بالزيادة المفرطة ...أي فائض المعنى وزيادته المفرطة على ما يفترض أنه يعني ." 7 ورغم تأثر الكاتبة بالشعر الحديث الذي يعتمد مفردات بسيطة مستقاة من الحياة اليومية إلا أن توظيفها للرؤى والأحلام وارتيادها منطقة اللاوعي واستعمالها للرموز والصور المعقدة واعتمادها على بنية شكلية متشذرة سبب لها كثافة دلالية عصية على التحديد.فحتى عناوين النصوص جاءت معبرة عن هذا الإبهام وهذا التشتت ، فنجد مثلا " عنوان لشيء ما "، "قيام همهمتي" ، "مسافات عقيمة"،" مكابدة الدقائق"، " من داخلي أتحدث" ،" شجن الكلمات" ،" أسئلة عقيمة "، " تجاهل " ،"بين قوسين" ، "انسلاخ" ، "غادرت رأسي"، و "ثمة رزم" وغيرها ... فلا يسع القارئ إلا البحث والتقصي حتى يصل إلى نوايا الكاتبة .

        تقول الشاعرة في الصفحة 7 و 8 " بحثت عنك بين شقوق السهو المطوي تحت ألم الأيام ...كل دمعة جفت على وجنة الألم اللوزي ...أقفز واقفة أمام المرآة ساخرة من رعشة ألمت بكل جوانحي ...لا بأس حولي أشجار كثيرة...لم أتعود التجمل بنوع من زينة النساء ...القلم والأوراق كل احتفالي ...أطلب من ضوء الفجر الساري ، أن لا يوقظني ، ومن صخب النهار أن لا يقلق راحتي ، فأجد الجميع متفقين على سلب راحتي ." من خلال هذا النص- والذي يعتبر خلاصة لما جاء في كل النصوص - و ما يزخر به من استعارات ومجازات انزياحية لا يمكننا إلا أن نجزم بأننا أمام نص نثري شعري بكل المقاييس ، فالكاتبة /الشاعرة حزينة جدا ، تبحث عن شيء ضاع منها وسبب لها آلاما ، فبحثها كان بين شقوق السهو المطوي تحت ألم الأيام ، فهي صورت آلامها وجسدته واندمجت فيه وهذا قمة الإبداع الرومانسي ، ولكنها سرعان ما تستدرك نفسها وتقفز واقفة أمام المرآة فهي واعية بحالتها ولا تريد الاستسلام لضعفها كامرأة ، فالمرآة انعكاسا لشخصيتها القوية التي لا تزال تقاوم وسوف لن تهزم مع الأيام رغم الإرتعاشات التي تختبئ بين جوانحها ، أي الشعور بالضعف . وما الإشارة إلى الأشجار الكثيرة سوى رمزا للتجدد ومواصلة الحياة ، كما ترفض أن تكون كالنساء اللائي همهن زينتهن وأنوثتهن فقط ، فهي لها هدف في الحياة ألا وهو الكتابة والإبداع ، فبهما ستحقق كيانها وتستطيع الاستمرار والتجوال عبر العالم ، فهي ليست بحاجة للرجل لكي تستقل وتحقق كينونتها ، ولكنها تعاني من التشويش وعدم الراحة لأن الذين حولها يقلقون راحتها ، وهنا إشارة إلى القيود التي يفرضها المجتمع حول المرأة .

تقول في الصفحة 9 /10 " كيف يأتي الخلاص وكلي اشتهاءات لزمن ناصع ...أنظر أفق القمر الساكب نوره فوق أسطح العالم ...لف شجرة بائسة في حقل شاسع، تناغي لوحدها العزلة وتغني الوحدة ...بينما الأرق يتسرب ...كأني خلقت من قبل ...موءودة ، ومن بعد مستلبة ، ولكن ليس كغيري ، لا أمل من التحول

و المرور داخلي " فهي تتساءل عن زمن الخلاص ، مشتاقة تحن لزمن ولى ، تشبه نفسها بشجرة وحيدة ، فالشجرة لها رموز أسطورية ودينية ، ولها مخزون شعبي عميق ، فالكاتبة بدون وعي منها تجد نفسها تتشبث بهذا الموروث الشعبي رغم رفضها الواضح له ، فربما لها اعتقادات معينة ، فالإيحاءات المستعملة هنا لها دلالات رمزية لا تريد الكاتبة الإفصاح عنها و البوح بها، فقط تبثها هواجسها ، كما أنها تكرس رفضها للاستلاب الذي تعيشه المرأة منذ أقدم العصور . " ولها عشق عتيد صاعد من نبتة الصبار ، وما أكثر الجمال الشاردة و المقودة بتسلط خبيث من قبل أوغاد الموروث " ص10 فصبرها وقوة إرادتها تضاهي نبتة الصبار التي تصمد في الصحراء رغم المعاملة السيئة والوصاية المفروضة عليها من طرف الرجل .

       وتتوالى النصوص بنفس الوتيرة ، تتغنى الكاتبة بالمشاعر الجياشة وبالحب الأزلي الذي يبهج الحياة والذي يجسد لديها الحرية والجمال " حلق مع عصافير الحزن ...لا تضع لها أقفاصا "ص12 وترفض حب الرجل لها كأنثى فقط " ليس لأني أنثى فكر بها رجل " كما تشير إلى الحرية المفقودة في وطنها العربي " فكل شعوبنا أحلامها مقتولة " ص12 . هنا تحاول الابتعاد عن الذاتية لتمرر انشغالها بهموم ومشاكل الشعوب العربية ولكن بطريقة خجولة ." مع انقطاع التيار الكهربائي، الذي يكمم جميع من في البيت ...كي يتهيئوا للنوم مرغمين ، وهذا ما تعودنا عليه منذ تواجدهم في بلادنا ، أصبحنا مجبرين على النوم والخوف ، ففي مدينتي تدور دورة الرعب مدى ساعات اليوم ...أيها السكون الزائف...ما دمت في بلدي لا أعرف معنى السعادة ...اهرب من قسوة الجراد المهيمن على فضاء تاريخنا ، ومخزون ماضينا وتراث أيامنا وموروث مفاهيمنا ...ادخل الفراش البارد تلفني أنفاس الحنين و الألفة لكل الأهل ... حين يختنق صوت زنا جيل الدبابات وتعود النجوم للحوار معي ...نعيش غبطة اللحظات من جديد ."ص44 هنا تصف الحالة المزرية لوطنها ، يعيش حالة حرب وفوضى وقهر، وربما هذا ما جعلها تهرب داخلها ، تعيش مع متخيلها وتحاول الذوبان في حالة الحب ، إنه هروب قهري . فدائما الإنسان يحاول الانغماس في حالة مغايرة حتى ينسى واقعه المرير ، شأن الشعراء في الآونة الأخيرة وخصوصا في الشرق الأوسط ، أصبحوا يتغنون بالحب ومفاتن المرأة والحالات الشاذة متناسين بذلك ما يكابدونه من ويلات نتيجة الوضعية المزرية في الوطن العربي .

        في الصفحة 13 توظف التناص مع لوحات دالي لتتكلم عن الجرأة والرغبة التي تعتريها كأنثى والصراع المتأجج بداخلها "مثل أرصدة مشاعري النائمة ، يوقدها الشوق لحياة عابثة ." ص 14 ولكنها دائمة التفكير في الرجل الذي يحتويها "ضمني حين تجدني قطرة ندى ..على شفة وردة يانعة، يحركها عنف الشهوة للحب .جردني من مسامات جلدي ..واسقني من جوارح نفسك العاشقة للحياة ...فلنطلق كل العصافير والفراشات في سماء حقولنا المفقودة . ألم يخلقنا الله كي نعمر الأرض ..ونكون شعوبا وقبائل " ص 16 " لذا اخذ نوح "من كل زوج اثنين"ص 37 " أدغدغ يقطين يونس وصبره ...ربما يأتي ضحى آخر يلبسني قميص يوسف "ص 48 هذا التناص مع القرآن الكريم يعود بها للاعتراف بحقيقتها كامرأة وكأنثى دورها الأول والأخير نصف الرجل ومكملته ، وهذا ما يدعو إليه الدين.

        لكنها ترفض هذا الدور في إطاره التقليدي ، "أصدم كثيرا بسقف صلد من العوائق التي لا مكان لها ولا زمان في كوني المفعم بالأمنيات .لكوني أنثى تستشعر هذا الانبثاق ، لها عقل يتآكله الحب للمعرفة ! نفس تعيش خارج إطار الشكل ، أريد الصراخ ..أريد تحطيم الأسوار ..وأعود أبحث من جديد عن ما يناسب حجم أهوائي ...وكل ما حولي أرفضه رغم أنوفهم ...وأظن أن قلبي ما زال بكرا ...وبعد لم أجدني حققت كل ما أريد؟؟ ص18/19 فالكاتبة تشعر بالقلق والحزن لأنها لا تحقق مبتغاها كامرأة ، فهي ترفض ما هو مألوف وما هو تراثي ديني او أسطوري . كما أنها تعاني من الغربة ، فالذكريات تحاصرها والحنين يلفها " ألوج داخل قضبان سجني ...بلدي يرسل مناراته للثرى ...وحدي أتقلب بين حلقات لولبية...ضجر البعد عن الوطن، والعيش بين قوم لا أفهم لغتهم، كثير من أحلامي يأخذها الليل .. لو كنت رجلا لما عاب أحد وجودي في الطرقات ...أبرق لك من خلال وجودي ...مع حضورك يتغير مسار حياتي " ص20/21 " لن أتخلص من تبعيتك..كنحلة أراقص جمال زهرك ، في طرقات الحب وأتنفس شرائع الصمت " ص 39 /38 " لو كنت قربي أهديتني ذراعيك و ألقيت عليهما راسي ، أريحه من التأمل الصعب " ص 41 فالليل والوحدة يجعلانها تتذكر حبها القديم تعيد قراءة رسائل الحبيب وتناجيه من خلالها ، فالكاتبة تعيش مخاضا داخليا ، فالتحليل النفسي يمكنه أن يصنفها ضمن المرضى الفصام ، فهي تارة معجبة بالرجل وتحبه وتتمنى الاندثار والانصهار فيه وتارة أخرى ترفضه وتقاومه ، فهي تستجدي العطف والتعاطف ، إعجابها المستتر يتخلله الخوف و التمرد، إنها الازدواجية في الشخصية ، "انكب بخشوع أقبل الوردة، وبصمت أغوص في البحر كي أغرق، متنفسة مشاعر اللوعة " ص23 " حبي له لم يوصف في جرائد عشتار"ص25 تصف الحب المتبادل بينها وبين حبيبها ، إنه حب قوي ، جارف، ولكن يؤثثه البعد والفقدان والضياع و الشوق ، إنها تعتمد التناص مع حكايات الحب القديمة لروميو وقيس وجميل .وتوظف مفردات رومانسية ،الشجر،قرنفل ، ياسمين ، قوس قزح ، ضوء الشمس ، الليل ، النجوم ، الرذاذ ، الشلال ، المطر و الريح ، هذا الاندماج يجعل نصوصها شفافة رقيقة عذبة تحيلنا إلى الشعور بالتوحد مع الطبيعة. " علمت جفوني أن لا تمطر حنانها إلا في حضرتك ...يشق ضوء الشمس برذاذه الهادر حولي كشلال .ص29.

        يتكشف لنا أخيرا أنها تعيش حبا متبادلا ، ولكن البعد وحالة الحرب هما من يحول دون لقائها بحبيبها ، "وصلتني اليوم منه كلمة واحدة فقط 'احبك'...هذه الرسائل عشت أغذي من هديها دمي على مدار الليالي ...كلانا نمثل نفس الألم ونعيشه تحت سقف الانهزامات من خارج أفق أحلامنا ...حشد المذياع أخبارا طابع لونها قاني .وأي رأس لسنة لا نرى فيها غير العصافير تذبح والفراشات تحرق والنمل يكنس والعشب الناعم يسحق. لكلمة أحبك حفيف وصلني عذابه "ص70 ، إنه وصف درامي بكل المقاييس لحالة من التشتت والحرمان ، فالغربة وعدم الاستقرار قمة الإحساس بالضياع ." وتبحر عبر المسافات التي بيننا، لحرير أشواقنا ، فرحيق ألمنا لا يلثمه غير من علق بمثل ما أصابنا ، يا كربلائي وهالات مآذنها ، أمنيتي أن يحتضننا صحن أجوائها المقدسة "ص72 إنه حنين إنسان مكلوم سيجعل القارئ يندمج مع الكاتبة ويختبر إحساسها ولوعتها .

       إن نصوص رحاب حسين الصائغ تغري بالقراءة و التأمل ، فهي تعطي للقارئ شحنة رومانسة عذبة تتلذذ بقراءتها ، فعفوية البوح يجعل من التجربة النثرية الشعرية تجربة إنسانية خالدة.7-الابهام في شعر الحداثةص:"كتاب وحي ذاكرة الليل " تأليف : ذ. رحاب حسين الصائغ

رحاب حسين الصائغ


التعليقات




5000