هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الطريقة البديعة لتطبيق الشريعة

محمد الحمّار

الشريعة في الصدور لا في الدستور

أعطف حقا على المنادين بتحكيم الشريعة في الدستور لأن لو كان هؤلاء قد تحرروا بالفعل لما طلبوا مثل هذا الملاذ للانطواء فيه. على امتداد عقود كانت الشريعة الإسلامية عند المسلمين والشريعة المسيحية عند المسحيين مصدر التشريع . لكن الذي حدث هو أن العقل والقانون الوضعي عوضا القانون الإلهي لدى المسيحيين بينما القانون الوضعي الديكتاتوري هو الذي عوض قانون الله عندنا. والآن وقد تحررنا من الحكم الدكتاتوري بفضل ثورة 14 جانفي كي نتفرغ لصياغة قوانين إنسانية من عند مسلمين أحرار، أتعجب من سماع أصوات تنادي بإدراج الشريعة كمصدر أساسي أو وحيد للتشريع. وكأن هذه الأصوات تقول: روحوا إلى الجحيم أنتم وتحرركم يا مسلمو المظهر؛ نحن نمثل الدكتاتور الجديد إذ لا عيش لنا بلا دكتاتور؛ نحن نريد قوانين الاستبداد من جديد وراضون بأن تنسب هذه القوانين للشريعة؛ نحن نحب السكينة. والشريعة، ولو أخطأ الفقهاء في تطبيقها، هي مصدر سكينتنا."  ينما حري بنا أن نشدد على أنّ الشريعة في الصدور لا في الدستور وعلى أنها في الرأس، الذي تنبثق عنه القوانين، لا في الكراس.

*******

 

هل أنّ توقف التعليم الزيتوني جريمة في حق الدين والمجتمع؟

أعتقد أنّه من التجني بمكان أن نختزل السبب في انحسار الفكر الديني في حدث إغلاق التعليم الزيتوني وتحويل التعليم الديني إلى الجامعة التونسية، كما يخال لبعضهم .هنالك في اعتقادي عدة عوامل ضالعة في اضمحلال الفكر الديني الإرشادي المواكب للعصر وأهمها القمع السياسي المسلط على الفرد والمجتمع بحكم طبيعة نظام الحكم الفردي في الفترتين البورقيبية والنوفمبرية على حد سواء وكذلك بحكم سبق التحديث متعدد الأوجه على التثقيف.
وفي سياق متصل أؤمن أن بورقيبة أراد تغيير التصور الديني عموما. وقد نجح هو في ذلك ولم يتبعه علماء الدين الموجودين حينئذ. بكلام آخر لم ترافق الحركة التحديثية البورقيبية حركة تجديد للدين بصفة تدعم المنحى الحداثي وتخلق له مبررات علمية متجددة.
من هذا المنطلق نفهم كيف أن المجتمع التونسي ذهب ضحية الفكر الديني المتخلف الذي أتاه بقوة كنتيجة للتهافت على خطاب القنوات الفضائية وذلك لتعطشه إلى تبرير للحداثة أكثر منه بسبب جدوى الخطاب الديني المروج هوائيا. والحل في اعتقادي هو التواصل مع المنظومة الحداثية وذلك بفضل إرساء "طرق سيارة" تواصلية  في داخل الإسلام كموورث ثقافي وكبِنَى موجودة في الفرد والمجتمع.

*******

 

التجديد الديني على النهج البورقيبي ضرورة تاريخية

لنتفق من الأول على أنّ التجديد الديني هو العودة إلى الإسلام المصدري في عظمته ووظيفته الحضارية لكن بأساليب ورؤى مستحدثة. ثم لو أسلمنا بأنّ من أخطر مواضيع الساعة "موضوع"  ضبابية العلاقة بين الإنسان التونسي، والعربي المسلم، والدين الحنيف وبأنّ "النص" بمعنى العلاج المألوف إنما هو اللجوء إلى الفكر الديني المشايخي، سندرك أنّ مجرد التسليم بأنّ المشكلة ذات طابع ديني (الموضوع) لا يعني أنّ الحل لا بد أن يكون بالضرورة دينيا إرشاديا دعويا (النص). من هذا المنظور تكون نخبنا خارجة عن "الموضوع" لأنها لا تستطيع أن تخرج عن "النص". فما الحل؟

بالاستلهامٍ من آخر الأدبيات التي قرأتها (مقال ممتاز للأستاذ فاروق بن عمار بالفرنسية: "حكومة 1956 خلقت سلفيي 2012") ومن تعقيبي عليه، يتضح لي أنّ تونس اليوم، نخبا وشعبا، ملزمة تاريخيا بتكميل الفكر البورقيبي في مجال تجديد الفكر الديني الإنساني (علما وأني لست بورقيبيا). في هذا السياق فقط من الممكن أن نفهم كيف أنّ انحسار التعليم الزيتوني في عهده وبسبب سياسته ليس جريمة بحد ذاتها كما يذهب إليه الكثيرون. بل بالعكس، قد نكون اليوم، وبفضل الحرية التي اكتسبناها تبعا للثورة (المتواصلة) مهيئين أكثر من أي وقت مضى وأكثر من أي مجتمع عربي إسلامي آخر لرؤية المسألة الدينية من منظور جديد ومتجدد. ومن أهم المقدمات الممهدة لرؤية من هذا الصنف أن لا نتألم من جراء اندثار التعليم الزيتوني وأن لا نتحسر عليه وأن لا نسعى جاهدين إلى الانسياق إلى محاولات مثل إعادة الاعتبار للتعليم الزيتوني. لقد كانت "الزيتونة" واحدة من مفاخر التعليم والمعرفة في الماضي لكن ليكن ما هو آت أرقى وأجدى.

أمّا في ما يتعلق بالرؤية بالذات فيحق التشديد على أنّ بورقيبة، لمّا بدّل العقليات باتجاه تحرير المرأة و إيلاء التعليم مكانة مرموقة وشحذ الهمم إزاء تبجيل العمل وتقديسه والحرص على التنظيم العائلي بفضل تحديد النسل، وغيرها من السياسات الثورية، لم يكن يهدف كما يظن بعضهم إلى تدجين العامل الديني ولا إلى علمنة الضمير التونسي. كانت أعمال بورقيبة ترمي إلى عقلنة ما هو قابل للعقلنة لكنه لم يكن من الممكن عقلنته من قبل جراء التخلف والانحطاط ثم الاستعمار. أمّا الدين فكان من المفترض أن يعنى به أخصائيون آخرون، غير بورقيبة. لكن هذا لم يكن ممكنا نظرا للسبق الهام للفكر البورقيبي على فكر سائر النخب آنذاك بما فيها النخبة الدينية. لقد كان بورقيبة سابقا لعصره ولعصر المجددين في الفكر الديني الإنساني (التدين/التجربة الدينية).

بكلام آخر ربما حان الوقت اليوم لقطف الثمار من التجربة التعليمية ومن تجارب المجتمع الأخرى في عهد بورقيبة ثم في عهد خليفته المخلوع. ومن بين هذه الثمار "الخروج على النص" لا بمعنى "الخروج عن الموضوع"، وما يستبطنه من المرور بجانب الحاجيات الحقيقية للشعب مثلما هو سائد الآن، وإنما بمعنى تناول الموضوع مباشرة وفي الصميم وبمقاربة جديدة أي ثورية جديرة بثورة 14 جانفي/يناير. وإذا بحثنا عن عينات دالة على أنّ الساحة الفكرية والإعلامية تتخبط خبط عشواء سنحكم مثلا على دعوة مشايخ الدين للكلام في الإذاعة و للظهور في التلفزة بنيّة تبجيلهم على غيرهم من النخب بدعوى أن طبيعة "الموضوع" دينية بأنه خروج عن الموضوع. كما أنّ دعوة المشايخ بعضها بعضا للتحاور حول مسائل مثل تحكيم الشريعة الإسلامية (اجتماع قصر الرياضة "القبة" في يوم ذكرى الاستقلال، 20 مارس 2012) تُعتبر قمة في الخروج عن الموضوع. وتخصيص خطب الجمعة ومواضيع الدروس الإرشادية لمسألة تحكيم الشريعة إنما هو خروج ليس مثله خروج عن الموضوع. ذلك أنّ المسلم المتوازن، وهو افتراضي وغير متوفر الآن في السلوك الاجتماعي العام، من يرفض التنصيص على أن الشريعة أصلا للتشريع بينما هو يعيش تاريخيا في دولة إسلامية. وإلا فكيف صار مسلما وعاش مسلما إلى اليوم إن لم تكن قوانين مجتمعه متصلة بالشريعة من بعيد أو من قريب؟

 

إنّ موضوع الساعة هو احتقان العلاقة بين التونسي والدين وبالتالي بينه وبين الشريعة، من بين جوانب دينية أخرى. ومن أسباب طرح مسألة تحكيم الشريعة تخبّطُ الإنسان التونسي، والعربي المسلم عموما، في مشكلة وجودية شائكة. فليس مطلب إدراج الشريعة كأصل للتشريع حلا لمشكلة بقدر ما هو مؤشر على وجود مشكلة. وهذه الأخيرة من الصنف الوجودي. وهي نتيجة لعدم تملك "المواطن" التونسي للمهارات المتعددة والمختلفة التي من المفترض أن تكون مكتسبة لديه لكي لا يحس بالغربة في عقر داره: الإسلام من جهة واللغة من جهة ثانية، على الأخص. والمهارات المفقودة هي من مشمولات المعارف والعلوم للإنسان المسلم، لا من مشمولات إسلام/أسلمة هذا الإنسان من عدمه.

إن التونسي مسلم، ولا يقل إسلامه ولا يزيد لا على إسلام الاندونيسي ولا الإيراني ولا الموريتاني ولا السنغالي ولا السعودي ولا غيرهم. لكن ما ينبغي أن يميز التونسي عن غيره من المسلمين هو ما يميزه في نفس الوقت عن غيره من غير المسلمين: كيف يستخدم المعارف والعلوم لكي يكون وفيا لنفسه وداريا بحاجياته وتطلعاته الحقيقية ومتملكا للحلول لمشكلاته وللوسائل الكفيلة بتحقيق أحلامه. وهذا لعمري يستوجب مشايخ العلم الدنيوي، وهي صفة تتوفر في كل خبير مؤمن يُعنى بمجال من مجالات الحياة المعرفية والعلمية باختلاف اختصاصاتها.

لقد عشنا قبل بورقيبة في البُعد "الأول" الذي لم يكن ليعترف بعلمٍ أرقى وأفضل من العلم المتمثل في التحصيل الزيتوني. ثم حدث ما حدث من تجاذبات إيديولوجية وسياسية أفضت، كنتيجة للصراع بين البورقيبية واليوسفية (نسبة للمناضل صالح بن يوسف) على الأخص، وامتدادا لفكر خير الدين باشا، إلى غلبة البُعد "الثاني"، البُعد الحداثي الذي كان بورقيبة رمزه الأساسي إن لم نقل الوحيد (بمعية نفر قليل على غرار الشيخ النسوي الطاهر الحداد). فهل حان الآن وقت التأليف بين البُعدين؟ من المتأكد أنّ ذلك رهنٌ ببروز مشايخ البُعد "الثالث".

*******

 

وحجة على لزوم التجديد الديني الإصلاح البورقيبي استباق للعلم

في الوقت الذي يتعرض فيه المجتمع التونسي، والعربي، لإهانات ذاتية باسم الدين والتديّن الإسلام منها براء، قد يكون الاستئناس بالعلم الحديث في قراءة تاريخ بلد مثل تونس واحد من الطرق المؤدية إلى حقائق لم تكشف عنها أساليب التحليل التقليدية. في هذا السياق لنحاول استقراء بعض قوانين التطور في المجتمع التونسي المعاصر بالنظر إلى المسألة الدينية، وذلك بفضل مقاربة معلوماتية. فقد تصلح المعلوماتية لا فقط لتثوّر، كما هي فاعلة الآن، عبر ما أصبح يسمّى بـ "تكنولوجيات المعلومات والاتّصال"، طرق التواصل بين الناس ولكن أيضا تصلح لتبرير طرق التواصل الجديدة فتشكل القاعدة العلمية التي بنيت عليها. ثم لنرَ كيف يمكن استشفاف كيفية استثمار نتائج هذه المقاربة في تغيير الواقع التونسي، والعربي الإسلامي.

يقول الأمريكي ألفن توفلر مؤلف كتاب "رجّة المستقبل و الموجة الثالثة" (1): "إنّ الأمّي في القرن 21 سوف لن يكون ذاك الذي لا يحسن القراءة و الكتابة. سيكون ذاك الذي لا يحسن التعلّم، محو ما تعلّم ثمّ إعادة التعلّم." إنّ الذي أدهشني من أوّل وهلة عند قراءة تنبّؤ توفلر ليس، بعد،المعنى والصيغة  الاستشرافية (المسمّى) بقدر ما هو الإسم الثلاثي أو ثلاثية الإسم. فالأفعال الثلاثة المكوّنة للإسم، رغم أنّها متداولة في اللغة الانجليزية (وأيضا في الفرنسية)، إلا أنّ عدم وجود سبق بخصوص إدماجها في "ثلاثية فعلية" - إن صحّ التعبير - لتتأسّس عليها عملية أو وظيفة واحدة و مندمجة، قائمة بذاتها بما يؤهّلها لاستحقاق اسم المنظومة المتكاملة، هو الذي يسترعي الانتباه بما معناه أنّ ندرة المظهر(اللغوي) تخفي ندرة الباطن (المنهج الجديد للتعلّم).

ها نحن الآن أمام منظومة ذات ثلاث مراحل متّصلة ببعضها البعض بصفة عضويّة  (أتعلّم- أمحي- أعيد) ولكنّها، من جهة أخرى، تحتوي على بعدين اثنين، واحد لغوي و آخر منهجي يبدو أنّ الصلة بينهما هي كذلك في غاية من الوثوق. والصلة تتمثّل، على الأقل، في اشتراك البعدين في التثليث (الأفعال الثلاثة ومسمّياتها على التوالي). ولسائل أن يسأل: من أين جاء التثليث؟ و ما علاقة المراحل الثلاثة بالثورة المعلوماتية التي افترضنا، في بداية التحليل، أنها قد تكون أنارت مسالك كانت بالأمس مظلمة، بحكم أنّ التطبيقات المعلوماتية نفسها مستوحاة من تطبيقات العقل الإنساني؟

إنّ من يلقي نظرة عميقة واستطلاعية على مختلف وظائف الكمبيوتر ولا يكتفي بمجرّد مداعبته وإتباع شطحاته و إبداعاته لن يجد صعوبة في إدراك تواتر عمليات ذات مراحل ثلاثة، منها ما هو سطحي من نوع " أشغّل- أطفئ- أعيد التشغيل" ومنها ما هو ذو دلالة أعمق: أركّب- أمحي- أعيد التركيب".

إنّ هذه الوظيفة جدّ هامة من حيث تجسيمها لرؤيا معيّنة للتعلّم بما معناه أنّ "التعلّم" إنما هو في الأصل تركيب لبرنامج، بما يترتّب عن ذلك من تكامل في البنيان وصلابة في المحتوى، وأنّ " محو التعلّم" إنما هو إفساد لبرنامج ثبتت عدم جدواه أو استنفذ الصلاحية التي تم تركيبه من أجلها، و أنّ " إعادة التعلّم" إنما هي تركيب لبرنامج محدث، أو لآخر تمّت مراجعته و تمّ تنقيحه، فيه ما يلزم من الحينية و الحيوية ما يخوّل الاعتماد عليه كأفضل بديل لذاك الذي لم يعد صالحا فتمّ محوه.

فبعد أن ثبت، هكذا، أنّ لتكنولوجيا المعلوماتية صلة دموية باللغة من جهة و بالتعلّم من جهة أخرى، فإنّ المحصّلة تتلخّص في ما يلي: إنّ طبيعة الوظائف المعلوماتية، بحكم أنها مجسّمة لتمارين و نشاطات الذكاء الإنساني المتعددة و المختلفة رغم الطابع الافتراضي التي تكتسيه هذه النشاطات و التمارين في المقام الأوّل، قد بدأت في إضفاء نوع من المرونة و الليونة و السيولة في صميم نظائرها من الوظائف الموجودة في واقع الحياة؛ نظائر تتقدّم عليها في السنّ وفي التراتب مثلما تتقدّم الدجاجة على البيضة. هكذا فالــ"البيضة" هي التي تنجب الـ "الدجاجة" بعد أن كانت هذه الأخيرة قد منحت سبب وجود الأولى.

فمنهجية التعلّم التي تنبّأ بها ألفن توفلر، مثلا، صارت بعد واقعا ملموسا وهي الآن واحدة من دعائم الإستراتيجية التعليمية في عدد من الجامعات العالمية مثل " المركز السويسري للتصرف" *. والسؤال: هل يمكن سحب نفس تلك المرونة و الليونة و السيولة، التي حققتها الثورة المعلوماتية، على كل ما نتعلّم؟ وإذا كانت الإمكانية واردة فعلا، ألا يستحسن أن يتمّ تجريب و تطبيق ركني " المحو" و" الإعادة" على كل ما لم نحسن تعلّمه، أو ما أخطأنا في تعلّمه على الوجه الأكمل، مثل اللغة و الدين؟

     فبخصوص اللغة، تلوح الإجابة بالإيجاب بديهيّة. فيكفي أن يراجع المرء (الكهل أو الشيخ مثلا) نفسه و يتذكّر كلامه لمّا كان صبيّا ثمّ مراهقا فشابّا و أخيرا كهلا و شيخا ليستنتج بسهولة أنّه اليوم لا ينطق بنفس "الكلام" (بمفهوم كلمة "بارول" الفرنسية لفردينن دي سوسير) الذي كان يستخدمه في أيّة حقبة سابقة. بالتّأكيد، لقد تكرّرت عمليّة "أمحي ما تعلّمت - أعيد التعلّم " عدّة مرّات و بصفة طبيعيّة لدى المتكلّم فأفرزت الـ"كلام" المنسوب إليه دون سواه من مستعملي نفس اللغة في حقبة معيّنة (الحقبة الحالية مثلا).

أمّا بخصوص الدين، فقد يكون تاريخ الأديان شاهدا على أنّ منهجية " المحو - الإعادة"( و التي تحدث طبعا بعد التعلّم) قد سبق فعلا توظيفها في المجال العقائدي. و من أجل التثبّت من ذلك، يكفي أن نتذكّر عبادة الأصنام عند عرب الجاهلية و اضمحلالها بسبب استبدالها بالإسلام؛ أو ماجوسية بلاد فارس ثمّ اعتناق الفرس للدّيانة الإسلامية؛ أو إسلام بلاد الأندلس ثمّ استبداله بالمسيحية؛ أو الديانات البونيقية في شمال إفريقيا ثمّ تعويضها بالمسيحية في الحقبة البيزنطية وبالإسلام في القرن السابع ميلادي؛ أو حملات التنصير والتّهويد والدّعوة الإسلامية في الحقبة المعاصرة. إلاّ أنّ الأهمّ في هذا كلّه يخصّ أوضاع المجتمعات الإسلامية المعاصرة بناءا على كونها تعيش أزمات هويّة و استقطاب عقائدي (و سياسي) و إرهاب فكري و ما إلى ذلك من الأوبئة المتأتّية، في رأينا، إمّا من سوء تعلّم الإسلام أو من مغالاة في تعلّمه أو من رفض غربلة الموروث الدّيني والمكتسب باتّجاه التصفية و التّنقية أو من رفض لإعادة النظر في ما لم يعد صالحا من مسلّمات التديّن (وليس من مسلمات الدين).

ولأنه قد تسنّى لنا، إلى حدّ الآن، أن نتفحّص عراقة طريقة " أتعلّم - أمحي - أعيد " (رغم ثوبها المعاصر التي عادت لنا فيه) من حيث ملاءمتها لمجال تعلّم الدّين عموما، ولأنّ التطبيقات التي ذكرناها تبدو جدّ صالحة لإعادة تعليم الإسلام دون سواه من الأديان، وذلك رغم تعلّق تلك التطبيقات باستبدال دين بدين، وليس باستبدال ما فسد من التديّن بما صحّ منه حسب نفس الدين (2)، فلا ضير في أن يتحلّى دعاة الإسلام بما يلزم من الثقة و من الإيمان و من العلم و يكونوا من بني هذا العصر لكي ينضمّوا إلينا بالتساؤل: هل ليس هنالك قرائن  معاصرة تلوّح بأنّ السبق التاريخيّ والوظيفيّ في تطبيق الطريقة الثلاثية على التديّن (كعملية اجتماعية واسعة ) موجود فعلا لدى بعض المجتمعات المسلمة دون سواها؟ وهل لا يمكن، في صورة الجواب بالإيجاب، استكمال نفس المنحى أو تطويره أو سحبه على كافة المجتمعات المعنيّة، أو القيام بكلّ ذلك معا، أي اعتماد طريقة " تعلّم - محو - إعادة " و تطبيقها في مجال التربية الدينية العامة ؟

    فعلا، يتّضح لنا أنّ الطريقة العائدة إلينا في ثوب جديد قد تمّ استخدامها بالفعل وهي تنتمي إلى ثقافة التديّن عند بعضنا. ولا يهمّنا إن تمّ ذلك عن قصد أو عن غير قصد، عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة، بقدر ما يهمّنا الانتفاع بالآثار المنجرّة عن العملية ذاتها. أمّا المكان الذي حصلت فيه "التجربة" فهو لا شيء غير بلدين اثنين : تركيا وتونس. ففي هاذين البلدين قد حصل نوع من المغالاة بالعصرنة والتمدّن ومحاولة التحديث كقيمة في حدّ ذاتها، من قبل الزعيمين المؤسسين للدّولة الحديثة فيهما وهما على التوالي مصطفى كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة. وبالتالي فإنّ ما يمتاز به نظامي البلدين عن سائر الأنظمة في البلاد الإسلامية هو المنحى العلماني (بنسب متفاوتة طبعا؛ ولو أنّ العلمانية في تركيا صفة للدولة بينما هي في تونس فكر، واقع غير مُمأسس). وقد كان ذلك نتيجة منطقية للإيمان المفرط بالعصرنة و التمدّن والحداثة.

وقد أفرز ذلك الانبهار الأقصى بالقيم والمفاهيم والمنهجيات الغربية النشأة، بالتوازي مع تكريس فصل الدّين عن الدّولة في واقع الحكم، أضرارا جسيمة في داخل النسيج العقائدي والرمزي والنفسي والسوسيولوجي للمجتمعين المعنيين دون سواهما، أهمّها على الإطلاق تتعلّق بمسألة الهوية بكامل فروعها. وما من شك أنّ الدين (الإسلام) قد نال، ولا يزال ينال، نصيب الأسد من السجالات الفكرية للنخب في كلا البلدين، وبالخصوص في تونس اليوم، ما بعد الثورة. والسؤال في ضوء هذا: من جهة، ماذا عساه جرى للإسلام في خضمّ الثورة الكمالية التي أرست دعائم الدولة العلمانية الفتية حتى نرى المجتمع التركي اليوم يقوم بمنعرج ذي 180  درجة يتمثل في أن أصبحت تركيا بالذات البلد المسلم الوحيد الذي يحكمه حزب إسلامي سياسي (حزب العدالة والتنمية) يقبل ويطبّق مبدأ التداول على السلطة في ظلّ تجربة ديمقراطية تعدّ فريدة من نوعها من حيث نجاحها إلى حدّ الآن؟ من جهة أخرى: ماذا عساه جرى للإسلام قبل الإعلان عن قيام النظام الجمهوري في تونس في سنة 1957 ( وكذلك بعده) بانتصار التيّار العلماني التحديثي بزعامة الحبيب بورقيبة حتى نرى، منذ التحوّل السياسي (المشبوه) في 7 نوفمبر 1987، تواتر مُلفت للإنتباه لمحاولات التدارك؟

 لقد توالت فعلا، في تونس، الإجراءات العملية والقرارات السياسية رفيعة المستوى التي كانت ترمي ربما إلى نوع من التدارك لِما فات، ممّا حدا بالفاعلين تسمية كل عمل من ذلك القبيل "إعادة الإعتبار للدّين الحنيف". ثم ما معنى أن تتبنّى الدولة بالذات، في سنة 1993، إنجاز برنامج إصلاحي لمادة التربية الإسلامية في صلب المناهج الخاصة بالناشئة والشباب، وهو عمل فريد من نوعه مقارنة بسياسات البلدان الإسلامية الأخرى؟ وما القصد من قرار بثّ آذان الصلاة في التلفزيون أو من تأسيس إذاعة قرآنية بعد عقود من "تجفيف منابع الدين"؟

قد نميل إلى الظن أنّ تلك الإصلاحات والتحوّلات الحاصلة في مستوى طريقة التعامل مع الدين الإسلامي (سياسيا ومؤسساتيا في تركيا، وتربويا وإعلاميا في تونس)، إن دلّت على شيء فتدلّ على أنّ الإسلام، في كلا البلدين، قد تمّ  "محو تعلّمه" بما معناه شطب ما تبيّن فساده من التقليد الديني ومن الثقافة الدينية ومن أنساق التدين البالية والمحنّطة، أثناء فترة بناء الدولة الفتية في كلا البلدين، وهي بالذات حقبة استلزمت المراهنة على قيم العلمانية والتمدّن والعصرنة بغية تحصيل الحداثة، واستبدال العوامل والقيم شبه الدينية بها. لكنّنا نميل إلى الاعتقاد أنّه قد حصل سوء تفاهم تاريخي (لا يضاهيه خطورة سوى سوء التفاهم حول دور الدين) بين من قصد "المحو" وبثّ رسالته إلى المجتمع كمتلقّ، وبين المجتمع، الذي أريد له أن يتقبّل الرسالة. فبقدر ما كانت هذه الأخيرة نبيلة (افتراضا) لدى الباث (المصلحين في تركيا؛ وبرقيبة وفريقه في تونس) وتهدف إلى تخليص الدين من شوائب التديّن، بقدر ما وقع فهمها، في حقيقة الأمر، من طرف المتقبّل (المجتمع) على أنّها هدّامة ومستهدفة للدين نفسه، كما سنرى. 

 وإلاّ كيف نفسّر ذلك المنعرج التصحيحي الذي سجلناه في سلوكيات السلطة الحاكمة في تركيا الكمالية وفي تونس البورقيبية  في فترة ما بعد أتاتورك وفي فترة ما بعد بورقيبة على التوالي، إن لم يكن الدافع هو الحاجة الملحّة للقيام بعمل ما يكون عملا استعجاليا يرمي إلى تضميد الجراح. ولقائل أن يقول: "من أين جاءت الجراح والحال أنّ "المحو" كان من ورائه قصد تحرير القوى العاملة وتنمية المهارات الضرورية للتقدّم؟" طبعا هنا يكمن المشكل والجواب الأرجح هو أنّ المجتمع (الشعبي) في كلا البلدين لم يع تلك الأبعاد النبيلة التي كان يخفيها هدم ما فسد من التديّن، بل آخذ عملية "المحو" والتفريغ على أنها إجرام في حقّ الدين بالذّات وفي حقّ المتديّنين. والذي زاد الأمر تعقيدا تأخر النخب المثقفة، وهي علمانية متطرفة في غالبيتها، عن الركب الإصلاحي إزاء المسألة الدينية وعلاقة الدين بالحداثة، فالذي "حدث في تركيا (صعود الإسلاميين إلى الحكم) لا شك في أنه زلزال سياسي (...) وهو زلزال بمعنى انقلاب سياسي أبيض جاء عبر صناديق الاقتراع تعبيرا عن سخط شعبي ضد هيمنة المؤسسة العلمانية المتطرفة (...)"(3)

إذن، جاء الوعي  بلزوم الإجراء الإصلاحي العريض الذي اتّخذته السلطة في كلا البلدين المعنيين في التسعينات من القرن الماضي وفي مقتبل القرن الحالي (و هو سياسي في تركيا وتربوي/إعلامي في تونس) بمثابة اعتراف، من ناحية بعدم جاهزية مجتمعها تباعا، في أواسط القرن المنقضي، لقبول مثل ذلك "المحو"، ومن ناحية أخرى لضرورة تعويض ما قد تمّ محوه وتفريغه.ومن هنا تفهم أنّ القصد من تنفيذ الإجراء الإصلاحي إنّما هو " إعادة تعليم " الإسلام، بمعنى إعادة التركيب، لدى الأجيال الجديدة، لما وقع اعتباره أنّه فاتها مقارنة بما كان عليه حال التديّن لدى آبائهم وأجدادهم.

إلاّ أنّ هذا الإستنتاج لا يسمح لنا بالحكم لا لفائدة من قام بـ"إعادة تعليم" الدين و لا لفائدة الكيفية التي تمّ بها ذلك. كما لا يسمح لنا بالحكم لا عليه ولا على الكيفية نفسها. إنه حجة فحسب على أنّ العملية الثلاثية، "محو التعلّم" (أو التفريغ) ثمّ "إعادة التعليم والتعلّم " (بالإضافة إلى "التعلّم " وهو المعطى الموجود تاريخيا) والتي تنبّأ بها ألفن توفلر قد تمّت فعلا بخصوص مادة الإسلام. فيحقّ لنا أن نعتبرها سابقة عملية في تاريخ الإسلام عوضا عن الامتعاض منها أو التنديد بها، سيما أنّ سيد المرسلين كان يستخدم هذا المنهاج: "كان صلى الله عليه وسلم يفرغنا ثم يملؤنا" (عن أحد الصحابة؛ وهي أيضا منهج يُعرف باسم "التخلية والتحلية" لدى الصوفية). لقد فرّغت النخب في عهد بورقيبة من الإيمان بالخرافة ومن التفكير السحري، ولا ضير في أن يقع التفكير في إضفاء البعد البيداغوجي المعاصر على هذه العملية، مما يرشّحها كمنهجية قابلة للاستخدام من طرف المربّين والفاعلين في المجتمع المدني، من مفكرين وإعلاميين وأدباء وفنانين، شريطة أن تتوفّر لهذه الأطراف الدراية اللّازمة، ليس بالدين الحنيف بالضرورة، بل بكيفية التعامل مع الدين وتناوله. والتجديد الديني يعني بالذات تصحيح هذه العلاقة لا تغيير الدين لا سمح الله، كما يتوجس منه خيفة الكثيرون.

فقط يجب على هذه الفعاليات أن تدرك مليا ثم  تذكر العامة  أنّ ما تعلمته مجتمعاتنا من الإسلام هو كلّ الإسلام وليس نصفه أو ربعه، كما ذهب إليه بعضهم، "فكل مسلم مقتنع بدينه منذ أن نزلت الآية الأولى في غار حراء. ومن يحاول أن يأتي للمسلمين بوسائل لاقتناعهم بدينهم فإنما يضيع وقته و ربما يضيع وقت المسلمين أنفسهم،" (4) وأنّ عدم ارتقائنا إلى فهم أرقى و أعمق للرسالة الإسلامية هو المشكل الأساس، وليس مردّه نقص في الدين وفي المعرفة الدينية، بقدر ما مردّه نقص في تقنيات المراجعة المستدامة ("محو التعلّم ") للموروث و المكتسب من الثقافة الدينية حتى يتسنّى لنا من جهة القضاء على الغث من ذلك الموروث ومن تلك الثقافة، ومن جهة أخرى تحيين التعاليم والوصايا السمحة ثمّ الارتقاء بها إلى مستوى العصر وبخطاب العصر: " إعادة التعلّم ". فالأجدى أن لا يضيّع نخب ما بعد الثورة حقيقة علمية مؤكدة كهذه، ناهيك أنها متناظرة مع منهاج ديني، فيستبدلوها لا قدر الله بالسراب الإسلاموي.

المراجع:                                                                                       

(1) عن مجلة "نيوزويك" 9-10-2006 ص 59                                               (2) لا يمكن أن نقارن هذا بما جرى لليهودية ثمّ للمسيحية من استبدال للدين بنفس الدين، وهو ما نعتبره  نحن المسلمون تحريفا يتناقض مع جوهر الفكرة التي نحن بصدد تحليلها.   (3) الكاتب الليبي فرج العشة كما سرده جورج جحا في " حين تسري روح الإسلام في العلمانية" ، جريدة "العرب" بتاريخ 27 ماي 2009، ص 14.                               (4) مالك بن نبي، " دور المسلم و رسالته"، دار الفكر، دمشق، 1989 ص 51.

 

*****

التأسيس الدستوري: سيادة القانون بين الشريعة والطبيعة

من المعلوم عن الشعب العربي والمسلم إجمالا أنه لا يحترم القانون. لست متأكدا من الأسباب لكني أرجح العقلية الانتظارية الراسخة في العقول والناجمة عن تعلق دفين بفكرة قيام الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة في يوم ما، كواحدة من الأعراض الدالة على وجود مشكلة تتعلق بالقانون وبسيادته وبمبررات احترامه أو عدم احترامه. فكيف ننجو من المأزق التالي: احترام القانون الإنساني الطبيعي الوضعي، والإيمان بالشريعة الإلهية مرجعية للحق؟

في الحقيقة أفضل تجاوز طرح المشكلة من المنظور التاريخي والسياسي لأحاول تسليط الضوء على المشهد المنطوي على المشكلة في وضعه الميداني الراهن، في تونس. من هذا المنطلق أعتقد لو كل واحد من التونسيين، وكل واحد من الشعب العربي المَعني إلى حد هذه الساعة بالانتقال الديمقراطي وبتأسيس دستور جديد للبلاد، توفرت لديه شروط مُعينة لاحترمَ القانون المعمول به الآن ولَطبّقهُ، لنال رضاء نفسه ورضاء الناس أجمعين عليه ورضاء الله عليه. وتطبيق القانون، حتى وإن كان هذا الأخير موضوعا بواسطة البشر، طريق مفتوح أمام تطبيق الشريعة الإسلامية، مفخرة الإسلام والمسلمين كافة. لكن في أية شروط بإمكان ذلك أن يتحقق؟

إنّ تطبيق القانون الوضعي، لمّا ينضاف إليه الالتزام الديني المصحوب بإرادة المتديّن التواق إلى مرضاة الله جلّ وعلا، عبارة على عهد يقطعه المرء على نفسه، وعبارة على ميثاق شرف يوقعه مع الجماعة ومع المجتمع لتجسيد الانسجام المطلوب من أجل تحقيق عيشة تكون هادئة لكنها في الوقت نفسه مُولدة لأسباب الارتقاء بجودة القانون نحو الأفضل، نحو أعلى درجات الفضيلة والأفضلية: الشريعة الإلهية. فليكن هذا الصنف من التمشي تطبيقا للقانون بروح شريعتية.

لكن هنالك مشكلة خفية تُعدّ من المبطلات الأساسية لتطبيق القانون بروح شريعتية. ولا تكمن المشكلة في التشديد من طرف بعض أطياف الإسلام السياسي على تطبيق الشريعة السمحاء، ولا في معارضة العلمانيين واليساريين لهم وللتمشي الذي أطرحُه، ولا في إقصاء الملحدين وغير المسلمين من بين سكان البلد المسلم لفكرة مثل هذه، و بصفة لامشروطة، وإنما تكمن المشكلة في عدم ثقة المواطن في المجتمع المسلم مهما كان دينه وطيفه وحساسيته ومذهبه بالمُشرع البشري كمصدر للقانون.

 أما المتسبب في هذه العلاقة الجدّ متوترة فهو على ما يبدو انقطاع الأواصر الشرعية، والشريعتية القديمة التي كانت تربط بين الراعي والرعية في بلاد المسلمين قاطبة. وقد نتجت عن الانقطاع نقلةٌ لسُلطة التشريع، من أيدي المُشرّع ذي المرجعية الدينية إلى أيدي المُشرّع ذي المرجعية الفردانية، الكليانية، الاستبدادية: الحكم الدكتاتوري في العصر الحديث.

ما العمل لتصحيح العلاقة التي مازالت فاسدة بين الحاكم والمحكوم بسبب انعدام الوفاق حول الشرعية التشريعية، وكيف يمكن أن يتحول الحدث الثوري إلى عامل ترسيخ لمفهوم القانون كضابط فعال للسلوك لدى المواطن في المجتمع الديمقراطي؟ في الواقع يكفي أن يكون العقل المجتمعي أو من ينُوبه من النخب المثقفة  مُدركا أنّ نقطة التحول المركزية إنما هي بالتحديد الإحاطة بالديكتاتورية، لا فقط كنظام للحكم بل كمصدر للتشريع، وأنّ بالإمكان توليد مبررات التجذير القانوني من صُلب هذا المعطى الحيوي، وأن لا مجال لترك الفرصة تفوت دون تحقيق المبتغى.

بالإضافة إلى ذلك، ليس حدث الإحاطة بالدكتاتورية، صانعة الرذيلة التشريعية، فقط مَدعاة للاهتمام الشديد وللاستغلال الأقصى في مجال التشريع البشري من طرف الناس أجمعين وبقيادة النخب، لكن حريّ بهذه الأخيرة أن تقوم بالتحويل اللازم، في العقول، لِحدثِ سقوط الديكتاتورية، من مجرد آلية سانحة لتغيير مؤسسات الدولة ولتطعيم المجتمع بالمؤسسات غير الحكومية ولتبديل الشخصيات العمومية الفاعلة بأخرى، إلى حدث للحرية. فالحرية، إذا ما حظيت بالتزكية والممارسة الضروريتين من طرف كل فرد في المجتمع، فإنها تصبح المدخل الطبيعي لسيادة القانون، علما وأنّ هذه الأخيرة هي عبارة على المحرك الأخلاقي للنظام الديمقراطي.

فالمجتمع التونسي بالخصوص، و العربي عموما، الملتزم اليوم بالانتقال الديمقراطي، مُطالب من باب أولى وأحرى بإنجاز النقلة النوعية في مجال التشريع البشري المميز للمجتمع المسلم، والتي من دونها لن يكون الانتقال إلى الديمقراطية إلا صوريا، لا سيما أنّ المؤسسة التي يُعلق عليها الشعب كل آماله الآن (قبل ثلاثة اشهر من موعد الانتخابات المقررة ليوم 24-7- 2011، في تونس)، المجلس التأسيسي، هي تلك التي أنيط بعُهدتها صياغة دستور جديد للبلاد، رمز القانون ومضمونه. فلنتصوّر لمدة هنيهة أنّ مجلسا تأسيسيا منتخبا يكون، لا قدر الله، غير مستبطِنٍ للبعد التحرري في مجال صلاحياته التأسيسية، والتي غنمه الشعب بأكمله بما فيه من سيمثله في المجلس، بفضل الثورة. سوف لن يكون هنالك طائلا من وراء عملِ هذا المجلس، في مثل تلك الظروف المرتبكة، سوى إعادة إنتاج مبررات الدكتاتورية، وبواسطة القانون؛ الاستبداد القانوني والدستوري بأمّ عينه.

وعلى عكس ذلك، إن أُحكِمت المراقبة على التمشي الذي تتوخاه حاليا الهيئات المكلفة بإعداد مجلة انتخابية لغرض انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي، وعلى رأسها الحكومة والإعلام، سيكون بالإمكان، وهذا ما أتمناه، تدارك الخطأ المتمثل في تبجيل المنحى الإجرائي والأداتي على المنحى التحرري في التعامل مع المسألة التشريعية وفلسفة التشريع. وأعني بالمنحى التحرري مرة أخرى و بكل بساطة تكريس المفاهيم الناجمة عن المفهوم الأم الذي غنمه الشعب من الثورة: الحرية.

فالحرية هي القيمة الأولى للثورة العربية، ولكل ثورة. وهي القيمة التي من المفترض أن يستفيد منها الشعب الثائر ضد الدكتاتورية. فالحرية أبجل من الديمقراطية. وما الديمقراطية إلا الوصيفة الإجرائية والأداتية لحرية الفرد المسلم والمجتمع المسلم. لذا المطلوب تحقيقه الآن، من جهة، انفتاح الديمقراطية على المجتمع المسلم؛ ولن يكون هذا ممكنا إلاّ  في حال انفتاح المسلم، من الجهة المقابلة، على الديمقراطية بنفس القدر الذي يرغب أن تنفتح هي عليه؛ وبصفة تفاعلية وتبادلية.

لكنك في الوضعية الراهنة، في فترة ما قبل انتخاب المجلس التأسيسي، ترى الإعلام مُنفلتا (على غرار انفلات قطاعات مختلفة أخرى) عمّا يجول بخاطر أبناء الشعب وعمّا هو دفين في أعماق الضمير والعقل المجتمعيين، ومُغال في الإسهام، بقسط وافر، في حشو الأدمغة بالمادة القانونية الخام و الجافة، لا تستشف من أية سلطة أو من أي طرف أبسط المؤشرات على تشريك الشعب في الحدث التحرري.

 وأمام وضع يتسم أيضا بعقلية نخبوية تتصارعُ بمقتضاها الفئات الإيديولوجية على البقاء، أكثر من صراعها ضد أية قوة تريد معاودة الدكتاتورية، مُكافِحة من أجل الإحراز على صوت لفائدتها وكرسيّ تتلذذ فيه بالصوت المكتسب، أكثر من كفاحها من أجل تكريس الحريات بشتى أنواعها، لا تستقيم لديك أية رؤية حول إمكانية أن يكون لتونس مجلسا تأسيسيا متشكلا من أهل الثقة الذين يشترطهم تمشٍّ تأصيلي يكون مُفضيا إلى إرساء سيادة القانون، وبالتالي مُسفرا عن القبول، عن طواعية، بالإذعان لاحترام القانون بروح إيمانية وشريعتية.

في ضوء هذه الصعوبات، التي ليست بالهينة، هل من اقتراح غير توجيه النداء إلى كل القوى الحية بالبلاد بأن تشرع على التوّ في العمل على تجسيد المبدأ الأولي الذي أهداه الشعب لنفسه، بفضل ثورته على الاستبداد: تكريس الحريات؟ وهل تُكرَّسُ الحريات بمجرد السماح للجماعات أن تناقش ما طاب لها من مواضيع بغير إرشاد من النخب المعنية، أم تُكرَّسُ الحريات بفك اللجام عن أفواه المثقفين؟ لكي يُبيّنوا للشعب أنّ الحرية واحدة، سواء أكانت ذات مصدر طبيعي وإنساني أو ذات مصدر ديني وشريعتي.

*******

 

الشريعة فضاء للإبداع، لا ذريعة للتهوّر والانصياع

توصّلنا في مقالات ودراسات سابقة إلى إثبات أنّ الشريعة الإسلامية السمحاء  تشتغل في حياة المسلم المتدين مثلما يشتغل النحو في اللغة عموما. ومن فوائد هذا الطرح أن يتعلّم المرء كيف يُبدع ويستنبط الطرق والوسائل لتسهيل حياته من داخل نظام للقوانين.وهل أفضل من الشريعة نظاما عاما وشموليا للقوانين؟ فليست الضوابط والأحكام والأوامر، لا في النحو ولا في الشريعة،موانع للإبداع.بل بالعكس، هي حوافز له.

لكن يقول قائل، إذن لماذا لا نطبّق الشريعة وانتهى الأمر؟ طبعا هذا مطلب جائز في ظاهره  إلاّ أنه غامض في باطنه. ويكمن الغموض في ما يلي: إنّ إنسان القرن الحادي والعشرين يؤمن بأنّ التطوّر صار يسلك اتجاها من الأسفل(الواقع الميداني) إلى الأعلى (السلطة والقانون). وأناس هذا القرن، بما فيهم دعاة الإسلام السياسي، يؤمنون أنّ الديمقراطية وسيلة عصرية ناجعة للحكم. ولكني أشك في كون رموز الإسلام السياسي يسيطرون على آليات التصرّف، تفكيرا وممارسة، من الأسفل إلى الأعلى. وهي آليات من دونها لا تتحقق لا الديمقراطية ولا أية وسيلة أخرى مناهضة للاستعباد والكليانية. ثم إنّ إنسان هذا العصر غلبت عليه نزعة التحرّر الفردي وما يتلاءم معها من نزعة برغماتية في العلم والعمل (وهي نفس نزعة السلوك من الأسفل إلى الأعلى). ولو أنّ هذا المنهج أوروبي المنشأ و أمريكي الرواج والنجاح، ما قد لا يحلو لكثير من الأطراف بداعي أنّها ليست من الإسلام، إلاّ أنّ المسلم المعاصر مطالب بالاقتداء بها لمجرّد كونه ابن عصره، ولأنّ الإسلام دين صالح لكل العصور.

و إن كان الإنسان المعاصر عموما والمسلم خصوصا ملزم بالعمل طبق تلك الشاكلة ليبرالية المنحى في التفكير وفي السلوك، فلماذا لا يبرهن كل من لَهُم مشكلة  مَوصوفة  بعدم انسجام واقعهم مع دينهم، والمسلمون في رأس القائمة، على أنهم حقا قادرون على الإبداع من داخل نظام القوانين الجاري به العمل في مجتمعاتهم؟ لماذا لا يبرهنون على ذلك أوّلا ثمّ يثبتوا قدرتهم على التعامل بالمثل، بمثل ذلك الإبداع، مع نظام الشريعة السمحاء؟

هيهات،الذي ينظر في الواقع اليومي الميداني للمسلمين، سيلاحظ عدم احترامهم للقوانين الوضعية المعمول بها في المرور وفي الإدارة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي المقهى وفي الملعب وفي قاعة السينما وفي غيرها من المساحات العمومية. ومثل هذا الاستهتار بحق الآخر في حياة كريمة، جرّاء رفض "المواطن" المذنب التماهي مع الضوابط التي من شأنها أن تضمن الحق له وللآخر، خيانة في حق الآخر. وأليست الخيانة ضربا من ضروب الإثم التي يعاقِب عليها القانون الإلهي كما يعاقب عليها القانون الوضعي؟

هكذا يبدو أنّ مبطلات الخلق و الإبداع والابتكار والتوليد والتحويل لدى عموم المسلمين، ليس غياب الشريعة كنظام مطبّق ساري المفعول، بل الإيمان أنّ حياتهم باطلة دون شريعة. وهذا خطأ بدائي لا يليق بمواطن هذا الزمان. بل هو نكران لِصفة الحياة على من هو بصدد العيش. وأترك للفقهاء حكم الإسلام في هذا النكران. في المقابل الذي يهمني أنّ إبطال صفة الحياة على الحياة قد أدّى بـ"المواطن" المسلم إلى بذل كل ما في وسعه للتستّر بمطلبه الذي لم يتحقّق. ولو تربّى على البذل والعطاء، ولِمَ لا، " لو تعلّقت همّة المرء بما وراء العرش لناله، كما جاء في الأثر الديني المشهور، بالصبر والتريّث وإتباع المسالك العقلانية. لكن ليست له القابلية لتحمّل المَشقة الفكرية والمعنوية لإضفاء معنىً خصوصيّا على حياته، فما بالك بنيل ما وراء العرش؟

وكأني بالمسلمين لم يتدرّبوا على المواطنة، فقد اتخذوا غياب الشريعة ذريعة للعمل لدنياهم كأنهم يموتون غدا، مُقلّبين بذلك الحكم الإسلامية رأسا على عقب. وباسم غياب الشريعة عَمَد العامة والخاصة إلى تكديس الثروات "من حلالك ومن حرامك" وإلى اضطهاد المرأة وإلى قمع الرأي المخالف، وإلى الاستقالة إزاء الشباب بدعوى التحرر والليبرالية، وإلى التهوّر في الطريق العام وعلى الطرقات وإلى العديد من التجاوزات الأخرى المنافية للوضع كما للشرع. باسم غياب الشريعة تمّ تغيير وجهة الإسلام من مسلكه الطبيعي، المناهض للعنصرية وللاستغلال وللاضطهاد، إلى مسلك متطرّف يزكّي التبعية والإقطاع. وبعد أن كانت اليمين في الإسلام خيرا (الميمنة؛ أهل اليمين)، أُريد بها أن تكون شرّا، على اليمين في حلبة السياسة.

وللأسف،لا يخجل "المواطنون" المسلمون، وهم العاملون على مثل هذه الشاكلة الضالة حقّا و بكُل التقويمات، أن يصنّفوا أسباب تخلّفهم في خانة الاضطهاد من طرف أولي الأمر منهم، بدعوى أنّ هؤلاء من العلمانيين ومن المارقين ومن الضالين. في حين أنّ المواطن الحقّ، يقول رالف والدو أمرسن، هو الذي يصنع الحاكم وليس العكس، ببنائه للأفكار وليس ببنائه للديار. فضلالة المسلمين اليوم هي تفريطهم في ملكة التفكير، ما يفسّر تمرّدهم على القوانين. وهو إذَن تمرّد انصياع وحيرة وليس تمرّد تحرّر. إذ أنّ عدوهم اللدود، في واقع الأمر، ليس من يحكمهم بل المبطلات الذاتية للتحرر التي نحن بصددها.  

 كما أنّ اعتبار"المواطنين" المسلمين للقوانين الوضعية، بتك الطريقة، منافية للإبداع، يُعدّ ليس فقط دحضا لمفهوم المواطنة، بل أيضا صفارة إنذار مُدوّية حيال فرضية تطبيق الشريعة من لدنهم . فكيف سأثق بمن هو كذلك إزاء القانون الوضعي فأعتبره جادّا لمّا يطالب بتطبيق القانون الإلهي؟ الأمر يستوجب كثيرا من التدبّر وكثيرا من الإبداع في التفكير من جهة من يحبّ الله ويتمنى لو تمّ تطبيق الإسلام. وهذه الميزات ليست متوفرة لدى الإسلام السياسي. أمّا سبب عدم توفّرها فهو واضح وُضوح الإسلام ولكنه في الوقت ذاته غامض غُموض نفسية المسلم: الإبداع في التفكير ليس من مشمولات السياسة والسياسيين، إنّما هي من مشمولات التعليم و المُعلّم.

في الحقيقة لا شيء يمنع المسلمين من الاكتشاف والاستنباط والتدبّر إزاء الذكر الحكيم وما أنزله الخالق البارئ شرعة ومنهاجا. إلاّ أنّ النقص في التربية الملائمة لروح العصر(باتجاه تحت/فوق) صار يُترجَم بنُقص فادح، لدى"المواطن"المسلم في فهم مسؤوليات إسلامية مثل الاستخلاف، وغيرها ممّا يُضاف إلى العبادات في الإسلام. وأعني بذلك باب الأخلاق وباب المعاملات. فأدّى تجاهل المسلم أنه مخلوق له مسؤوليات من جهة، وحرصه المغلوط على أن لا يتفاعل مع قوانين الشريعة إلاّ بتوفّر شرط تطبيقها، إلى واحدة من  الحالات الثلاث التالية: إمّا الفصام والانفصام (وهو ما درسناه في مقالات أخرى)؛ إمّا التشبث بالعلمانية المتزمّتة، وهي ردّ على التعصب الديني (وهي غير العلمانية التي لا يجب أن ننفي منافعها  للمسلمين)؛ وإمّا الانحياز المَرَضي إلى تطبيق الشريعة، وهو الذي يهمني أكثر في هذا الموضوع. ولو أنّ الحالات الثلاثة اجتمعت،باستفزاز من السبب الأخير، فأفرزت السلوك المشين، المُبطل الذاتي للتحرر.

إنّ من اختار أن ينادي بتطبيق الشريعة، ظنًّا منه أنه يُرضي الله ظلّ في الواقع يُغضبه تعالى، لأنّك تراه في أثناء انتظاره لأن يتحقق مطلبه يؤذي أخيه المسلم مثلما رأينا أنفا. فلا هو أرضى الله ولا أرضى العصر. حيث أنه اختار أن يكون منهجه منافيا لروح العصر ولِعُلُومه، بتوخّيه التدليل عوضا عن التعليل والدوغمائية عوضا عن البراغماتية. ومنهجه منهج بالِ تجاوزته الأحداث والمعارف. ويكفي أن نذكر أنّ علماء أبرار مثل وحيد الدين خان جزموا بالقول إنّ الإسلام نظام لا يستدعي سلطة لتطبيقه. فما العمل؟

إنّ ما خسره هؤلاء المُنادون، بمبدأ الرغبة، بتطبيق ما لا يطبّق إلاّ بالعقل هو إهدار فرص تعلّم فنون الإبداع، من ابتكار واكتشاف واختراع من داخل منظومة القانون المتواجدة. وخسروا فرص التحصيل عل مهارات حديثة من مشمولات علوم التربية، من علوم دماغية وأنطولوجية وغيرها، وهي مهارات قد تقودهم إلى الطمأنينة على الإسلام دينا وعقيدة وشرعة ومنهاجا، لو احتكموا إلى قواميسها. لآنّ، في التدين، مثلما هو الشأن في التكلّم والمخاطبة، ليس البرّ أن تحفظ القواعد عن ظهر قلب، بل البرّ أن تتفاعل معها بالتمييز بين الدين (الشريعة) والتديّن (أنت) مثلما يقع التمييز بين "اللغة" (النظام) و"الكلام" (كلامك أنت). والبرّ أيضا أن تمارس الدين الحنيف بفضل القدرة على التمييز بين الشريعة كهدي مقدّس من عند الله وبين تجربتك الشخصية والوجودية في ضوء المنارة الإلهية، مثل تمييزك بين القانون النحوي ("صناعة "اللغة أو "علم بكيفية" بعبارة ابن خلدون) وبين فهم المتكلّم له ( "نفس الكيفية" بتعبير ابن خلدون أيضا). كما أنّ البرّ أن تعلم أنّ معرفة الدين شيء والالتزام به شيء آخر. فلا يكفي أن تكون عارفا بالدين لكي تزعم أنك ملتزم به.

 ورحم الله مالك بن نبي وهو القائل :"فكل مسلم مقتنع بدينه ...ومن يحاول أن يأتي للمسلمين بوسائل لاقتناعهم بدينهم فإنما يضيع وقته وربما يضيع وقت المسلمين أنفسهم. فالمهم في الأمر اليوم أن نلاحظ أنّ الشكوك التي تسربت إلى عقول الآخرين عن المجتمع الإسلامي إنما تتناول رسالة المسلم لا عقيدته" ("دور المسلم ورسالته"، دار الفكر، دمشق،1989 ص 51). إنّ المطالبة بتطبيق الشريعة اليوم وسيلة تفرضها على المسلم أطراف مُعينة والحال أنه عارف بدينه. ولمّا كان هنالك من يزوّد المسلم بالدين مع أنه عارف به، فكأنه يضطهده بينما  يحبّذ المسلم تفريغ عقله وذهنه ونفسه من الشوائب التي اختلطت بالجيّد مما يعرف من الدين. أمّا "رسالة" هذا الأخير بإزاء هذه الوضعية غير المريحة، وهي المتعلّقة بخلط فظيع بين المعرفة والممارسة، بين العلم الديني والتجربة و بين الدين والحياة بما تتطلبه من التزام حقيقي بالدين، فلم يحن الحديث عنها. لِمَ لا؟ لا لأنها سرّ يستدعي الستر وازدواج الخطاب والغموض، كما هو الحال اليوم في المنابر السياسية، وإنّما لأنّ من حق المسلمين أن يوصلوا صوتهم إلى المحافل الدولية (مثلما أوصلها اليهود من قبلهم)، والحال أنّهم لا يملكون الخطاب المعاصر الذي سيفهمُهم بواسطته الآخرون. وطالما أنّ فاقد الشيء لا يعطيه، لا بدّ عليهم أن يدركوا ما الذي يعوزهم لبناء مثل ذلك الخطاب.

 إنّ مسلم اليوم يفتقر إلى"الكفاءة التواصلية"، وهي التي ستحلل عقدة من لسانه يفقهوا قوله (دعاء من القرآن العظيم)، بمعيّة "الكفاءة الدينية" (معرفته بالدين وعدم حاجته لوسائل مفروضة عليه من خارجه). فلمّا كان من الثابت في مجال التعلّم المعاصر للّغة أنّ "الكفاءة التواصلية" (نعوم تشُمسكي) عامل ضروري ومكمّل لـ"الكفاءة اللغوية" من دونه لا يستقيم حال الكلام، فليس هناك خيار للمسلم اليوم سوى أن يكتمل قدرته على الالتزام. وهذا لن يتمّ إلاّ بتحصيله على "الكفاءة التواصلية"، إلى جانب عرفه بالدين. وهذه مهارة حيويّة، في مجال الحياة عموما  كَمَا في مجال التدين خصوصا. فـ"الكفاءة التواصلية" هي الواسطة التي سيتمّ بها التفريغ من الشوائب. وحين يفرغ زاد المسلم التاريخي والثقافي والمعرفي من الغثّ ويُبقي على السمين يُمكن الحديث عن فحوى "الرسالة". فليست الفحوى أمرا يتمّ إملاؤه على المؤمنين لكي يحفظوه ويتلوه ويكرروه، مثلما هو جارٍ اليوم من غسلٍ لأدمغة المؤمنين وحشوٍ لها بمادة أرادها لنا الخالق قُدوة ومنارة وحقيقة باعثة على الإبداع.

وحريّ بأولي الأمر من المسلمين ا، ينكبّوا على هذا الجانب الوظيفي في تربية الأجيال. و إلاّ فستكون المجتمعات العربية والإسلامية قد أضاعت كثيرا من الوقت. وستكون فئات عديدة منها قد حكمت على العديد من أبنائها وبناتها بوأد القدرات على الإبداع، وبالتالي سمحت لقوى التعصّب و التزمّت والاستقطاب بأن تشيع شيوع الوباء.

إنّ الشريعة السمحاء أسمى من أن يقع توظيفها في أغراض بائسة ويائسة مثل التستّر على الرذيلة والتمرد المُنصاع والمعرفة الجاهلة. فما أحوج المسلمين إلى التعامل معها بالمنطق الديالكتيكي الذي يخوّل لهم توليد وتحويل ما يطيب من قوانين العدل والإحسان والمساواة وغيرها التي يقع تكريرها على التوّ، بعد أن يتمّ تجفيف منابع التكرار الببغائي. ويتمّ إنجاز ذلك  في الإطار الرحب، إطار التفنّن في رصد ما يزيدهم، كل يوم ودون انقطاع، يقينا على صحّة احتكامهم إلى نظام الإسلام وشريعته وإيمانا بالله جلّ وعلا. والله أعلم.

*******

نحن و اللامقول عن ثقافة الإسلام المحمول

لفتت نظري في صبيحة يوم 10-2-2012 مانشيت في صحيفة يومية تقول:"الشيخ الوهابي والنائب النهضوي في جامع مساكن: سنعيد تونس إلى الإسلام"، قاصدة على التوالي الشيخ محمد موسى الشريف والسيد الصادق شورو. وما راعني إلا أن غرقتُ في يمّ من التساؤلات: هل سيُعيد الشيخان تونس إلى الإسلام لأنها ليست مسلمة؛ مَن سيُعيد مَن؛ هل الإسلام ذهب حتى تُطرَح مسألة عودة الناس إليه؛ هل الإسلام جهاز محمول حتى نُعيد بواسطته من ترك "الحِمل" حتى نلقى له حاملا يحمله؟

أمام محاولات التربية والسياسة والإعلام في العالم  في مسعى غريب لخندقة المسلم، بمثل هذه الطرق والتصريحات، ضميرا ووجدانا وعقلا، ككائن ذي علاقة مع الإسلام ومع أصلَي الشريعة لكأنها علاقة امرئ بمجرد جهاز هاتف محمول، إن شاء فتَحه وإن شاء غلقَه، إن شاء شَغله تبعا لحاجته له وإن شاء شَغله تبعا لغياب أية حاجة مُجدية له، إن شاء ضخم بواسطته صورا و أصواتا وإن شاء خَفّتها بواسطته.

نقولها بمرارة، ولو أنّ العالم في عنفوان الحضارة: صحيح أنّ حمل المسلم لدينه ولأصلي الشريعة فيه ما زال كحمله أسفارا. لكن هذا لا يستدعي إعادة أسلمة المجتمع المسلم. بينما الأصح أن نقول إنّ الإسلام نظام لا يشتغل إلا باشتغال صاحبه ولا يتوقف عن الاشتغال إلا بتوقف صاحبه عن الاشتغال ككائن حي ومسؤول. فهل نحن كائنات حية ومسؤولة رغم الإسلام الموجود فينا؟ هذا هو السؤال.

لو كنا كذلك لطبقنا قاعدة أنّ عقلنا في ديننا (بينما من لا يدينون بالإسلام من رواد النهضة في هذا العصر دينهم في عقولهم). ولكي يكون عقلنا في ديننا كان علينا أن نحافظ على الدين منتصبا في داخل العقل، لا خارجه لكننا انزلقنا في متاهة الاعتقاد على أنه كذلك ثم في متاهة الترويج لتلك الصورة في العالم بأسره.

وفي ما يلي بعض الخطى الواجب توخّيها كشروط لتوفر ظروف التطبيق السليم لتلك القاعدة:

- أولا،  لقد آمن الله لنا؛، ثم آمن الرسول لنا؛ كما قال العلماء. وقد حان الوقت لنؤمن لأنفسنا.

- ثانيا، أن نعي بحداثة ما قاله القدامى (الخليفة العباسي المتوكل: (847- 861م) بنظرة استشرافية ثاقبة مفادها أنّ "ما قرره الخلف لن يرفضه السلف": لن ينتظر المرء مثلا التئام جمع من الفقهاء ليقرروا بالوكالة عنه أنّ الحرب شبه المعلنة الآن على العرب منكر وأن الثورة العربية حق يراد به باطل.

- ثالثا، أن نعي أنّ حسن استغلال العلوم الحديثة هي الطريق المثلى إلى استقراء تعاليم الله والحِكم السنية: إننا مسلمون بعدُ وحاجتنا هي استكشاف ما نحمله من إرث إسلامي متنوع، لا شحن ذواتنا بالزائد من الإيمان. فما زاد عندي إنما يقابله فراغٌ عند نظيري المواطن المسلم.

- رابعا، أن ندرك أنّ الحركة في الواقع هي المقياس الذي نقدر بواسطته على الحكم عل امرئ بأنه مسلم قوي أم مسلم ضعيف. والثورة التونسية (والعربية) وتبعاتها وتداعياتها واقع يعرض نفسه الآن للفرد وللمجتمع لكي يمارسا التقييم الذاتي بالمراجعة وبالنقد. وهي أعمال من العلم إذن فهي من الإسلام. وإن الفاعلون في المجتمع المدني والسياسي وفي الحكومة ليسوا فاعلين الآن فلا لأنهم ليسوا مسلمين بما فيه الكفاية، كما قد يحلو للشيخ محمد موسى الشريف وللسيد الصادق شورو أن يظنا، وإنما لأنّ عقل المجتمع الذي هم جزء منه ليس متواقتا ومحَينا مع مقياس حركة الواقع المعيش، ولأنّ هذا العقل خالٍ من العلم الكافي لإنجاز ذلك التوقيت وذلك التحيين.

- خامسا، أن نفهم أنّ مثل هذا التوجه الميداني يتطلب تجاوبا مع منطق الحياة، إن في السياسة الأهلية أم في السياسة العالمية. أما القاعدة الأولى لتي تسيّر هذا المنطق فهي قاعدة التمييز بين الحق والباطل كثنائية إنسانية أزلية قبل أن تكون دينية. صحيح أنّ الدين كان أول من جاء بها، لكنه جاء بها ليؤنسنها لا ليحفظها في جهاز محمول.

بهذه المعاني يمكن القول إنه ليست لنا مشكلة مع الإسلام. وإنما مشكلتنا الحقيقية الراهنة تكمن في الأداء الضعيف جدا في مجال فهم المجريات والأحداث أهليا وعالميا وفي مجال السيطرة عليها وفي مجال إدراك النفع منها. ومشكلتنا تبعا لذلك تتمثل في عدم الاستطاعة على تصوّر المستقبل الحضاري و رسم المشاريع العمومية وإعداد البرامج التنموية. أما التدارك فهو ممكن شريطة إتباع المنطق الإنساني، الفطري والعلمي والواقعي. وهو منطق به نستبطن الإسلام حتى يصبح راسخا في داخل عقلنا. بينما ما يجري الآن باسم الإسلام إنما هو منحى الإفراغ من الإسلام، منحى الإسلام المحمول لا المأمول.

*******

تونس بين آحادية الإسلام السياسي وثنائية الوحي والوعي

أغلبية الشباب يظنون أن الإسلام هو ما يشهدونه من تفجيرات وما تلمحه أعينهم من لحي وما يلفت انتباههم من ملابس خصوصية، وما يهدد نفوسهم من حرمان من الموضة ومن الفن ومن الأدب ومن الحياة بالأساس. أهي غلطتهم أم غلطة من يتشدقون بالديمقراطية الخالية من العنصر الثقافي و الهوياتي؟ أولائك الذين قدموا مبررات كافية لبعض روافد البورقيبة وللنوفمبرية لكي تكون على صفة من الاستبداد تليق بالأفلام البوليسية؟

وهل أنّ تدارك ما فات العقل المجتمعي يكمن في أسلمة المجتمع من طرف قوى عانت من قبل من القمع المباشر بسبب أفكارها الدينية المباشرة؟ هل يُصحَّحُ القمع السلطوي و البوليسي، مهما كان مباشرا وعدائيا،  بواسطة المباشراتية اللاهوتية؟

أعتقد أن الحل يتمثل في تحريك إرادة العمل لدى الحاكم والمحكوم  ومنه تحريك سلطة القرار لديهما. وهذا يستدعي عملا استعجاليا، من دوم أدنى شك، لكن في جوانب غير السياسة المباشرة، وفي جوانب غير الدين المباشر. المطلوب تدخلٌ سريع في جوانب الفكر المتعددة والمختلفة يكون فيه المعطى الإسلامي متناظرا و متطابقا مع الأرضية شبه الوحيدة التي تتوفر للكائن العربي الآن من حيث تحملها للتدخلات السريعة؛ الوجه الدنيوي الوحيد تقريبا الذي يقدم نفسه كمرآة تعكس صورة التديّن الاجتماعي، بأكثر قدر ممكن من الأمانة: المعطى اللغوي (وليس هذا هو المجال للإسهاب في طرح الرؤية كاملة). و إلا فنحن قادمون على كارثة.

وتتمثل الكارثة في احتمال اضطرار العقل المجتمعي تسليط الاستبداد بنفسه وعلى نفسه: انظروا إلى هؤلاء الإسلاميين القادمين من حيث لا ندري والذين لم يتوانوا عن تسمية الثورة باسمهم لكي يحكمونا باسم إسلام لا يفهمه لا الكبار و لا الصغار. هؤلاء يحاولون إما إقناع المجتمع  بتلك الحقيقة (مثلما فعلت ولا زلت أفعل) مع فارق خطير يتمثل في أنهم يمارسون مساومة المجتمع بتلك الحقيقة ومنه تطويعه إلى الحل الإسلامي إن استجاب، وإرغامه على القبول بذلك الحل إن لم يستجب.

والحال أن المجتمع مُتوَقٍّ بطبعه، بفضل الإسلام أولا وبفضل الثورة ثانيا، ضد الاستبداد. فهو صامد ومُقرر أن لا يقتنع بأية حقيقة كانت لمّا تأتي هذه الأخيرة من عند أناس لم يشاركوه ثورته ولم يترجموا أهدافها في واقع جديد، مثلما هو الشأن الآن وكما يتجلى لنا من خلال مواقف أفراد الشعب الذين لا ينتمون إلى حزب النهضة. والحال أن هذا المجتمع سينتهي به الأمر، مهما بدا ذلك متباينا، إلى أن يخيّر ترك الإسلام جانبا، في حالة تغييب وتخدير، على أن يمتثل لأوامر أناس قرروا إعادة أسلمته. علما وأن أسلمة المسلم تُعتبر في نظر الفرد والمجتمع، وفي نظر العلم، شذوذا ليس مثله شذوذ.

إذن ما الذي عسى أن يحدث لمّا يجد المجتمع نفسه مجبرا على التضحية بإسلامه؟ سيعاقب نفسه انتقاما وتشفيا؟ سوف يرضخ لا قدر الله للحكم الاستبدادي باسم إسلاموية مستوردة؟ الجدير بالملاحظة في هذا الباب أنّ أمريكا، البلد المُصدر للإسلاموية، لم تكن لتراهن على الإسلاميين كبديل للحكم البائد، في تونس وفي بلدان عربية أخرى، لو لم تقع في خلط رهيب بين الإسلام والإرهاب وذلك منذ أحداث 11 سبتمبر 2001. فهي بالتالي تعلم علم اليقين أنّ للإسلام قدرة تعبوية عجيبة، مما يفسر مراهنتها على الإسلام السياسي لقيادة الرأي العام نحو الإذعان لتلك القوة.

 إلا أنّ الرياح لن تجري بما تشتهي سفن أمريكا، حيث إنّ الذي لا تعلمه لا هي و لا مشتقاتها هو أن الإسلام المصدري لم يكن أبدا سلطة استبدادية، كما رُوّج له منذ الأحداث المذكورة. والذي لا تعلمه أمريكا هو أنّه إذا حصل استبداد في التاريخ الإسلامي فمردّه تخلف عقول معتنقيه وعدم قدرتها على استساغة واستبطان معانيه ومقاصده السامية.

بالتالي يبدو أنّ الوقت قد حان لتدفع أمريكا ضريبة معادلتها للإسلام بالإرهاب. وذلك بأن تفهم أنّ الإسلام مضاد طبيعي للاستبداد، ما قد يستميلها لتبَنّي الإسلام كوسيلة لمناهضة موجات الاحتجاج داخل أمريكا بالذات. وهذا ما قد يصنع الفارق مستقبلا.

لكن هل سننتظر حتى يحين ذلك الوقت لنستورد من عند أمريكا إسلاما متجددا أم سنضطلع بأنفسنا وبمصيرنا من الآن؟ بل أليس تغيير نظرتهم للإسلام موثوق الصلة بتغيير نظرتنا نحن له في المقام الأول؟ على أية حال يظل تحويل الوعي التونسي، والعربي الإسلامي، بالقيم والمفاهيم الحداثية على غرار حرية المعتقد وحق الاختلاف وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وتعددية فكرية وسياسية، من فكر مهووس إلى واقع ملموس، من أجل إنقاذ الوضع العام المتردي، رهن قدرتنا على رصد و معايشة ما يكشفه لنا التاريخ من وحي فوري ذي مضمون عقلاني على غرار ما يكشفه لنا الآن بخصوص المكانة الطبيعية للمعطى الديني في حياتنا.

كما أنّ تحويل الإرادة وسلطة القرار الضروريتين لرسم السياسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية المتسقة مع العقلانية المجدَّدة، ولإعداد البرامج المنبثقة عنها، وغيرها من مستلزمات الحياة المعاصرة، الحرة والديمقراطية، من طور النية والرغبة إلى طور الإنجاز والواقع، رهن الإيمان التكاملي الذي سيسمح به التجديد الحاصل للنظرة للدين الحنيف.

*******

 


الطريقة البديعة لتطبيق الشريعة

تقدم النائب والمناضل الإسلامي الصادق شورو في يوم 23-1-2012 بكلمة في المجلس التأسيسي أقامت الدنيا ولم تقعدها بعدُ. وقد كان وجه الصدمة في المداخلة أن استشهد العضو التاريخي لحزب النهضة بآية الحرابة من القرآن الكريم، إن لـ"يلوم" المعتصمين والمحتجين والمضربين على صنيعهم أم لـ"الحكم" عليهم.

 إنّ مداخلة النائب تمثل في اعتقادنا فعلا مناسبة تاريخية لِما توفره من فرص لمراجعة الرؤية للدين الحنيف وعلى الأخص في جانب تطبيق الشريعة.

إنّ الإسلام كاللغة. ومن فضائل اللغة أنك لمّا تتكلمها في زمانك ومكانك لا تقلد فيها كلام غيرك، ولو كان كلام رب العزة، إلا إذا كنت جاهلا وفي طور تعلم. هكذا وبنفس المعنى لا يمكن أن يتمّ تقليد الأحكام الشرعية القديمة دون أن يُتهم المقلد بالجهل. فكل ما جاء به الله صالحا لكل زمان ومكان بتوفر شرط العلم والدراية. وإن توفر هذا الشرط لم يبق للمجتمع المسلم إلا أن يهنأ نفسه على المستوى الذي بلغه. وشكر الله على هذه النعمة أفضل تطبيق لكلام الله.
من هذا المنطلق لم تعُد مشكلة المسلمين عموما ومشكلة قادة رأي المسلمين تُرى على أنها متعلقة بتطبيق الشريعة من عدمها. إنّ المشكلة في التواصل مع كلام الله جل وعلا.

 لننظر إلى اللغة. كل لغة لها نحو. وليسأل المرء نفسه "هل يمكن أن أتعلم النحو بتطبيقه مباشرة بلا كلام وتجربة في التعبير والتبليغ؟". إن كان ذلك ممكنا فتطبيق الشريعة (وهي في الدين قائمة مقام النحو في اللغة) إذن ممكن. أما إن تعذر عليه ذلك فليحاول أن ينظر من جهة التجربة في التعبير والتبليغ، عساه يدرك أنّ تلك هي مصيبته.

بهذا المعنى لو كنتُ الصادق شورو لأقمت وجهي لصورة الحق، صورة التجربة الإنسانية في عالم مشوه بأيادٍ فوقية لا علاقة لها بالعدل والمساواة.

 لو كنت شورو لاتبعت سارق الثورة حتى باب داره: ثورة فانتخابات فتشكيل حكومة في مناخ اجتماعي مشوب بالغموض والتوتر، فاطراد الاعتصامات والاحتجاجات والإضرابات.

لو كنت شورو لَما تجرأت حتى على السؤال بأي ذنب سـ"أتّهم" المعتصمين والمحتجين والمضربين فـ"أتوَعدهم بالانتقام" متوخيا أسلوبا لا تاريخيا استنباطيا عشوائيا. حاشى أن يكون الإسلام متخلفا بما يكفي للقفز على التجربة والتقوقع في النص. حاشى أن يكون الإسلام متخلفا حتى يسمح بالاستنباط في الحكم على البشر في عصر غير ذي عصر استنباط.

لو كنت شورو لأمعنتُ في الصورة العالمية ولتبيّن لي ضلوع أسياد الرأسمال العالمي في بعث متطوعين محليين يستنسخون نموذج الاستغلال في بلدي ويخلقون منهم طبقة ممن يعتدون بكامل أصناف الفحشاء على شغالين مطوقين بين حيطان معاقل يدخلونها قسرا ويقضون فيها أحلى ساعاتهم كرها حيث إنها لا تدر عليهم بما يستحقون من أجر مقابل جهد يبذلونه فوق طاقتهم.

لو كنت شورو لَما استحضرتُ آية الحرابة لِوَأد القوامة العقلية على النقل لدى بني أمتي؛ لَما استحضرت أية آية أخرى من آيات الله المنزلة في لوح محفوظ، لا لشيء سوى لأن الصورة البشعة التي يحملها الواقع الاجتماعي والسياسي آية معبرة عن تحريف مقاصد الإسلام النقية، فما بالك أن أتمادى في تحريف الواقع باسم الآيات البينات.

لو كنت شورو لأدركتُ أن المعتصمين والمحتجين والمضربين أمة من الثوار الأحرار لا يسقطون الكلم على أوضاع تتكلم بنفسها بل يستقرئون قواعد الحق التي جاء بها الدين كله من خلال تجربتهم مع الوحش الرأسمالي.

لو كنت شورو لرسمتُ معهم آية استحقاق العمل بكرامة، وتقاضي الأجر بالعدل، والانتفاع بالخيرات بالمساواة.

*******

 

مَن السلفي.. طارق رمضان أم منتقدوه؟

لم أكن من أنصار طارق رمضان ولا من مشاهديه لا في التلفزة ولا في الفيديوهات اليوتيوبية والفايسبوكية. ربما لأني ذو ميل تداولي ووظيفي في الفهم وفي التطبيق. فقبل 14 جانفي لم أكن أرى طائلا من وراء الاستماع إلى خطاب دعوي متحرر بينما أنا أعيش في مناخ غير حر.

لكن تغير موقفي فقط يوم شاهدت فيديو فيه تحليل جيوستراتيجي وسياسي بديع لِما يسمى بـ"الربيع العربي". وكان ذلك يوما قبل أن يعقد الضيف ندوته الأولى في "بيت الحكمة" ويومين قبل ندوة قصر المؤتمرات (الأحد 26 فيفري 2012). فعلا تغير موقفي من الرجل بصفة عجيبة لا تضاهيها إلا الصفة التي انتقل منها شعبنا من وضع المستبَد به إلى وضع المرشح للتحرر. فقصدت مكان اللقاء وحضرت الندوة.

ولم تأت المفاجأة من طارق رمضان، حيث إني كنت مهيئا لأن أهضم خطابه مهما كان الثمن. فالرجل جاء ليحدثنا في موضوع الحرية، في مناخ حر. ولا يمكن أن يرفض المرء مثل ذلك الحديث إلا إذا لم يكن يرغب في الحرية. وإنما أتت المفاجأة من واحد من المثل العليا التونسية في التفكير لديّ، محمد الطالبي. فمن البداية لم ير الطالبي ضيرا في تصنيف ضيف تونس في خانة السلفية، بل بالأحرى الوهابية. وقد شعرت حينئذ بشيء من عدم الاتساق لم أكن قادرا على تعليله على التو. كيف يدعي الطالبي أنّ دينه "الحرية" (قالها أثناء التقديم) وفي نفس الوقت يتهم بالسلفية الوهابية داعية متحررا؟

في اليوم الموالي بدأت تتاح لي فرص التعليل. وكان ذلك لمّا استمعت إلى الأستاذ الطالبي على إذاعة "شمس آف آم" وهو يشكك في كون رمضان "عالما" أو"مفكرا" واكتفى بنعته بـ"الصحفي" الذي يركب على الأحداث ليلبسها أفكاره. "لا يا سيدي"، قلت في نفسي. "ما هكذا يكون طارق رمضان. لكن ماذا يكون إذن؟"

في يوم الغد توفرت لي عناصر جديدة للفهم والتعريف. وكان ذلك عند إطلاعي على جريدة المغرب ليوم 28-2-2012 (ص 22): "نجم إعلامي أو عالم إسلامي؟". كان ذلك عنوان لمقال للأستاذ عبد الكريم قابوس يقول فيه كاتبه إن خطاب رمضان "نفس الخطاب الإخواني الذي بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر كركيزة لتثبيت الهوية" و"لا جديد تحت قبة بيت الحكمة في خطاب طارق رمضان إلا ما قاله محمد الطالبي". كلا يا أستاذ، إنّ طارق رمضان لم يأتِ بالجديد في حدود انتظارك وانتظار الأستاذ الطالبي للجديد. لكنه يحمل الجديد في حدود تطبيق الدين. يحمل الفكر الاتصالي الضروري الذي من دونه لن يتم تفعيل الدين كعامل تقدم.

وعلى واجهة متصلة، لقد حصلت الفائدة لديّ: إنّ الأستاذين الكريمين، من بين مثقفين محترمين عديدين، يقيّمون طارق رمضان في أحد البعدين المستقطبين، إما الإسلامي أم الحداثي. يحكمان عليه تارة بالتعاطي مع السلفية الوهابية، وذلك بعيون حداثية. وهذا النمط من الحكم على الفكر إنجاز تونسي بحت. كما أنهما يقرران طورا، وعبر نظرة علمية إسلامية ، أنه ليس بالعالم (الطالبي) وليس آت بالجديد (قابوس). وهذا أيضا اختصاص تونسي بحت. بينما في حقيقة الأمر جاءنا طارق رمضان بالبعد الثالث، بُعد التواصل بين الذات والدين عبر الواقع السياسي، البُعد الذي ينصهر فيه ثنائي الإسلام والحداثة.

بالتأكيد أتى الرجل إلى تونس ليعرض كتابه "الإسلام والصحوة العربية"، وليقدمه كآخر إصدار له، وليحسس العامة بأنّ الكتاب يركز على ضرورة تجنب الاستقطاب و"الهوس بالجزئيات والشكل" وعلى ضرورة "العودة إلى معاني الأشياء" (ترجمة لكلام قاله في ندوة قصر المؤتمرات). نفهم من هذا أنّ كافة منتقديه، الذين يعيبون عليه تأثره بالسلفية أو بالوهابية ولا يرون الواجهة الاتصالية التي يتوسع فيها، كانوا غير قادرين على إنجاز السبق في تجاوز الاستقطاب قبل قدومه، مما حرمهم من الإبحار على نفس الموجة التي يبحر عليها هو، وبالتالي على تقديم نقد مفيد للتونسيين في هذه الفترة الصعبة المتسمة باللخبطة الفكرية والسياسية. كانوا جزءا من المشكلة بينما كان الغرض من وجود الداعية التعاون معهم، ومع كل التونسيين، حتى يتحول الجميع إلى جزء من الحل.

يا أستاذي الطالبي، لقد أتانا طارق رمضان ليوضح لنا أسلوبا ورؤية في التعاطي مع "الربيع العربي" لا أن يعرض علينا العلم الأصلي الذي يتخصص فيه (الدراسات الإسلامية المعاصرة). وهي رؤية نابعة من دون شك من قناعاته العلمية. إذ ما هي الصلاحية الدنيوية للإيمان وللعلم بشؤون الدين وما هي الآثار الطيبة للعقيدة وللمعرفة إن لم تتضح في شكل رؤى سياسية صالحة للمكان وللزمان؟ و ما من شك في أنّ الرجل، الذي له موقف معاد للامبريالية وللتدخل الأجنبي في شؤون العرب، يتموقع بفضل هذه الرؤية في خط معاكس للوهابية التي تتهمه حضرتك بالانتماء إليها . فالسلفية الوهابية متواطئة مع الامبريالية وحاملة لرايتها. إذن إن كان معنى السلفية هو ذاك الذي جلبه لنا طارق رمضان، فمرحبا بالسلفية. وفي المقابل إن أضحى التديّن عاجزا على إفراز مثل ذلك الموقف التقدمي، فذلك العجز هو الأولى بتسميته "انسلاخسلامية". وفي هاته الحالة حتى من تُقرّون أنهم انسلاخسلاميون ليسوا كذلك بل هم مفكرون أحرار عيبهم الوحيد أنهم لم يكترثوا بلزوم تبرير العلاقة بين إيمانهم وما يقترحونه من أفكار وأفعال. وليس من الصدفة أن يكون مثلهم في ذلك مثل طارق رمضان بالذات، الذي لم يطرح على نفسه، ولم تُطرح عليه، مسألة التبرير العلمي لرؤاه السياسية بالمعنى الذي يجعلها مستساغة كتطبيقات للشريعة، كرسائل معاصرة للإسلام.

أتخلص بالقول إنّ طارق رمضان يضطلع بدور نتمنى أن يتقمصه الكثيرون في البلاد العربية الإسلامية، دور المثقف الوسيط الذي يحمل إلى عامة الناس تطبيقات من محض تأليفه، لكنها تطبيقات تستنير بما يكتبه علماء الدين وبما يكتبه كل من يبحث في الدين من أية زاوية من زوايا العلم الدنيوي. وهذا دور لا يقدر أن يضطلع به لا الإعلامي ولا الأكاديمي. فقط معلم التدين هو القادر على تزويد عامة الناس ببيداغوجيا التديّن. وطارق رمضان من الأوائل الذين اكتسبوا دربة في هذا الصنف المطلوب. وهذا ما لم يتفطن له منتقدو الداعية السويسري. إنّ طارق رمضان معلم إسلامي بيّن لنا أنّ إسلاما بلا رسالة كلغة بلا وظيفة.

 

*******

 

مجتمعنا بين الأسلمة والوسطية التأليفية

بقدر ما كان الإيمان بالله وباليوم الآخر مسألة شخصية بقدر ما يتضح أنّ تطبيق الإسلام في كليته، لمن رغب في ذلك، عمل يتطلب علما لتحقيقه ويتطلب دربة على الآليات وتجربة للممارسات ورصدا للسلوكيات. من هذا المنطلق و نظرا لأننا في عصر يتسم بالحريات الفردية وعلى رأسها حرية المعتقد، كيف السبيل إلى طريقة للتفكير الجماعي تكون مرنة بشكل يضمن حقوق كل الأطراف الإيديولوجية في الاندماج فيها والانخراط في المشاريع والبرامج المنبثقة عنها؟

إننا لم نفلح لا في الاشتراكية ولا في الشيوعية و لا في التعاضدية ولا في الليبرالية ولا في العلمانية ولا في الائيكية. وحتى الإسلامية التي هي بصدد التجريب الآن، وبعد أشهر من إزاحة الأنظمة الفاسدة في كل من مصر وتونس و (بكل تحفظ) في ليبيا، فهي تواجه صعوبات جمة لم يتوقعها حتى روادها والمدافعون عنها. ويتمثل التوجس من الإسلامية في وجود وعي تحرري لاإسلامي ينافسها على جميع الأصعدة، مما سيضطر الإسلاميين إلى اعتبار الإسلامية مفصلا من مفاصل الجسد الإيديولوجي للمجتمع الواحد، لا الجسد كله. لكن ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا المفصل نظرا لتمتعه بشرعية الانتماء الهووي من جهة وبشرعية الانتخابات من جهة أخرى؟

بمجرد إدراك أنه ليس بوسعنا، والحالة تتسم بالخلط بين الحساسيات تارة و بالإقصاء في ما بينها طورا، أن نكون اشتراكيين مثلما كان الاشتراكيون أو تعاضديين مثلما كان التعاضديون، إلى غير ذلك، أو إسلاميين مثلما يكون الإسلام المصدري، لم يبق سوى خيار الوفاق. والوفاق فكري بالأساس أو لا يكون. فمجتمعاتنا لم تحسم السجال الفكري حتى تجرؤ على حسم السجال السياسي. والحسم السياسي مستحيل في المرحلة الراهنة لأنّ المعركة ليست على مستوى الأفكار والاستراتيجيات وإنما على مستوى كيف نشكل الأفكار وكيف نرسم الاستراتيجيات. وطبيعة المعركة عائق بحد ذاتها لأنها لا تحسم بالأدوات السياسية. وإلا لكأن الطبيب الجراح سينزع إلى إجراء عملية على العين بأدوات تستخدم عادة في جراحة المعدة  أو المفاصل.

إن نزعة التأليف ضرورية لرفع اللبس وتفادي الخلط في الأدوات ووضع الإصبع على مكمن الداء. كما أنها ناجعة لإقامة حاجز نهائي أمام الشعبوية. لكن يشترط أن يتم التأليف في ما بين كافة الحساسيات، عدا الإسلامية، لأنّ من المحبذ أن تتحول هذه الأخيرة إلى عامل تأليف بعد أن كانت (وما زالت إلى اليوم) عامل منافسة إزاء بقية الحساسيات.

ما من شك في أن الفرز الإيديولوجي الذي تعيشه مجتمعاتنا إلى اليوم  بين الإسلامية من جهة وسائر الحساسيات من جهة أخرى آل إلى الاستفحال عوضا عن التقلص، وذلك بالرغم من محاولات التوفيق التي تمت على امتداد عدة أشهر ومن المجهودات المبذولة في سبيل الوفاق. وهذا دليل على زيغ المعطى الإسلامي عن دوره الطبيعي، دور المحرك، وتشبث الحساسية الإسلامية بدور المتباري.

إن النظرة الجديدة إلى الأشياء هي الكفيلة حسب اعتقادي بتعديل موازين القوى السياسية على المدى المتوسط و البعيد. وتكون حركة التعديل جارية حول مركز يسمى (مجددا) "الوسطية". وتكون حركة التعديل السائرة نحو المركز الوسطي "وسطية تأليفية" نظرا لسعي الأطراف الإيديولوجية الضالعة فيها ، وهي هجينة بما أنها غير متأصلة بَعدُ في البيئة الداخلية، إلى الانصهار في وسط يتسم بالحيوية بما أنه يستمد عضويته من حركية الإسلام، وهو الصالح لكل زمان ومكان.

هكذا يتحرر الإسلام من الجمود الذي فرضته عليه الرؤية القروسطية والنرجسية. و تتحرر أيضا كل الطاقات الإيديولوجية المستوردة من عند العالم القديم. و تكون الوسطية التأليفية تجربة الإنسان الذي يعيش في الفضاء العربي الإسلامي، لا إيديولوجية الإسلام المفروض على المسلمين وعلى غير المسلمين. لكن كيف يمكن أن تتعامل ميدانيا الأحزاب الدينية الحاكمة (نسبيا) في مجتمعات "الربيع العربي" مع رؤية مثل هذه؟

*******

وجوب مساندة "الاتحاد" لأنه يطبق الشريعة

 

إنّ مساندة "الاتحاد العام التونسي للشغل" في هذا الظرف العصيب المتسم بالتجاذب الإيديولوجي أمر مفروغ منه وله مبرراته التاريخية والأخلاقية. و السبب أنّ هذه المنظمة العريقة، التي هي أقرب على قلوب المواطنين من أي حزب سياسي موجود على الساحة، لا لشيء إلا لكون دفاعها عن حقوق الشغالين إنما هو جملة من التطبيقات المتكررة والمتجددة للشريعة الإسلامية. فالشعب التونسي مسلم في غالبيته والطبقات الكادحة لم تكن لترضى بالاتحاد مناصرا لقضاياها عبر العقود الطويلة لو لم تتوسم فيه التجذر في المرجعية الإسلامية التاريخية، إن اجتماعيا أم ثقافيا أم سياسيا.

 

لكن من المفارقات الغريبة أن أحد الأحزاب الحاكمة يسعى إلى الاستحواذ على الرأي العام وإلى تأليبه على الاتحاد العام التونسي للشغل. ولم يجد وسيلة ملائمة لذلك إلا شيطنة الاتحاد، بينما الرصيد النضالي التاريخي الذي في جراب المنظمة العمالية لن يزيد الشغيلة، ومنه الرأي العام، إلا حرصا على الوقوف إلى جانب منظمتهم دفاعا عنها وعن مبادئ الإسلام التي يشتركون فيها معها.

 

ثم إن السبب في تشكل مثل هذه المفارقة هو الخلط المفاهيمي بين اليمين واليسار، إن في السياسة أم في الإسلام. فالإسلام دين يتسق جيدا مع يسار السياسة لكن الذي جرى عبر التاريخ أنّ اليمين افتكه واستأثر به ومارس بواسطته كل أنواع الاستبداد حتى من قبل أن يُخترع مفهوم اليمين واليسار.

 

ففي الدين كل ما هو يمين هو المحبوب لدى الله وكل ما هو يسار رديء ومكروه. بينما السياسة اليمينية واليسارية نشأت في فرنسا وأوروبا عموما بشكل مقلوب بالنظر إلى طبيعة الدين الإسلامي دون سواه. لقد نشأت ثنائية "يمين/يسار" باعتبار أنّ المسيحية، لا الإسلام، دين كنائسي ليس صالحا لكل مكان وزمان مثلما هو الشأن في الإسلام. وفضلا عن جهل غير المسلمين بالإسلام، هنالك جهل المسلمين أنفسهم، بالإسلام وبالفرق بينه وبين المسيحية وبأصول نشأة اليمين واليسار. وكان ذلك الجهل مكرسا لتبعية المسلمين للتفكير الغربي والاستشراقي، مما زاد الأمر تعقيدا بأن أصبحت التبعية نفسها مدعمة للخلط ومنتجة للتناقضات. وهذه التبعية هي التي قطعت الطريق أمام الوعي الإسلامي ليشكل وعيا يساريا مؤمنا. وكانت النتيجة أن بقي المسلمون متمسكين بعين الخطأ: كل سياسة مؤمنة إنما هي يمينية؛ وكل سياسة يسارية كافرة. بينما اليسار، إن السياسي أم النقابي، هو الذي يتسق مع مقاصد الإسلام.

 

بهذا المعنى يتضح أنّ يسارية الإسلام مجسمة في مساندة المحرومين والمستضعفين وملحة على الأثرياء بأن يتواضعوا ويفكروا في المسحوقين. من هنا نفهم أن الاتحاد العام التونسي للشغل قوة يسارية تسمح بتجسيم التحول المفاهيمي باتجاه استرداد المعنى المسلوب للإيمان كعضد لليسار وكمضاد لليمين في السياسة.

 

 

 تبعا لكل ما سبق إنّ الاتحاد العام التونسي للشغل، بناءً على أنّ خصومه ينعتونه باليسارية مع شجبهم لها واتهامها بأنها ليست من الإسلام، وبناءً على مبدأ يسارية الإسلام أصلا، إنما هو من دون أدنى شك قوة يسارية تقدمية من الإسلام.

 

بالنهاية إنه لحريّ بكل مواطن رافض أن يكون سياسيا وأن ينزل إلى سفالة السياسة السياسوية المعمول بها في بلدنا، أن يكون حريصا على أن يبقى الاتحاد، وهو ملك للشغيلة، وملك للتونسيين كافة، ذلك السد المنيع و المدافع الصلب على الشغالين وعلى حقوقهم والمدعم لمطالبهم.

- انتهى -

محمد الحمار

في 26 مارس 2012

 

 

محمد الحمّار


التعليقات




5000