هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تونس بين الإرهاب والفهم المتجدد للإسلام

محمد الحمّار

ما من شك في أنّ الإرهابيين نفرٌ متشددون في الدين وذلك بالرغم من أنهم يتشاركون مع سائر المسلمين في كونهم يدينون بإسلام واحد. فما الذي يميز بين الفئتين، الفرقة الضالة والأخرى التي تمثل الأغلبية ؟ وماذا عسى أن تفعل تونس لمجابهة المد الإرهابي الضارب في مُدننا في الآونة الأخيرة؟

إن فهمَ الإسلام ومن ثمة تطبيقه هو الذي يخلق الفارق بين الفرقتين حسب اعتقادنا. ولمّا نتحدث عن تطبيق الإسلام لا نقصد شعائر الله لأنّ عادة ما لا يشكل أداؤها إثارةً لِجدل كبير وإنما نقصد المعاملات والسلوك. وهذا هو السياق الذي ينبغي أن يحظى بالأولية ليدرَج فيه موضوع العناية بالإرهاب (وهو سلوك منكر) كلما بلغ أشدّه في بلادنا أو في كل بلاد المسلمين التي عانت أو تعاني من نفس المشكلة.

فالذي حدث في مناطق الشعانبي و قبلاط وسيدي علي بن عون  ومنزل بورقيبة على التوالي من جرائم استهدفت أمنيين أثناء أداءهم الواجب الوطني إزاء الدولة وإزاء الشعب إنما هو دلالة على فهمٍ وتطبيقٍ فاسدَين للإسلام من طرف المعتدين حيث إنّ خطأ هؤلاء ومَن يساندهم ومن يواليهم ويتعاطف معهم يكمن في إتباع مقاربة فجة لبضعة مقولات إسلامية ولو أنّ هذه الأخيرة مجسدة في الإسلام المصدري الصحيح.

وهذه المقولات المشهورة التي تصنع العقلية الإرهابية بالرغم من مرجعيتها الصحيحة تتكون من المقولة العامة 'الإسلام هو الحل'  وأيضا من فرعيها الاثنين وهما مقولة 'الحاكمية لله وإتباع سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم' ومقولة ''تطبيق الشريعة'.

من ألطاف الله، بالرغم من أنّ الكثير من المؤمنين يُقرّون بصحة هذه المقولات بل ويعتبرونها مسلمات إلا أنّهم واعون بأنّ من الحكمة أن يتجنبوا العمل بها بصفة حَرفية. لكن في المقابل فإنّ المصيبة تحدث لمّا تؤخذ المقولات على حَرفيتها من طرف فئة قليلة من المسلمين ثم من ذلك الإيمان الخاطئ تنبني آثار خطيرة. بالمحصلة إنها مسلمات توَلد 'الاعتدال' كما توَلد الإرهاب وذلك بحسب أن يكون الفاهم والمطبق لها مسلما عاديا أم إرهابيا.

في السياق نفسه، نلاحظ أنّ الإرهابي قبل أن يصبح إرهابيا هو أولا وقبل كل شيء سلفيّ أو أصوليّ أو إخوانيّ، أي مؤمن بحَرفية النص وبلزوم تطبيقه كما هو. وهو يعتقد أنّ إذا أرادت الأمة حلاًّ لمشكلاتها  فلا بدّ لها أن تحقق إرادة الله وذلك بفضل إرساء 'الدولة الإسلامية'، وهو النظام الذي يرونه الأمثل لتكريس الحاكمية لله ولتسهيل تطبيق الشريعة. لكن بالنسبة لهم فإنّ 'دار الكفر' هي العائق الأساس الذي ينتصب أمامهم على الطريق إلى فرض النمط المجتمعي الطوباوي والدولة الثيوقراطية. وعندما ترتطم إرادة هؤلاء بالعائق المتمثل في استحالة أسلمة المجتمع المسلم ويذوقون لوعة الإحباط نتيجةً لخيبة الأمل، عندئذ عوضا عن مراجعة النفس وتقييم العقائد التي لم تؤَدِ بهم سوى إلى وضعٍ من الجمود، تراهم يلوذون بالانطواء على النفس ومن ثمة يستسلمون لمفاتن الخطيئة  الإرهابية الدموية استيعابا ثم تطبيقا.

وعلى العكس من الإرهابيين فإنّ عامة المسلمين الذين لا يحملون الوزر الإرهابي يؤمنون في قرارة أنفسهم بأنّ السبيل الإرهابي ليس سبيلهم مع أنهم يؤمنون بنفس المسلمات الدينية، كما قدّمنا. وبالرغم من أنّ هذا واضح وبديهي إلا أنّ هنالك أسئلة محيّرة بهذا الشأن: ما هو الخلل الذي يخفيه هؤلاء 'المعتدلون' ، أو ما الذي يخفى عنهم، إلى حدّ أنّ حضورهم في المجتمع لم يكن ذا تأثير رادعٍ لكل أنواع التطرف بما فيها الإرهاب؟ وهل صحيح أنّ غالبية المسلمين معتدلون حقا؟ وإن كانوا كذلك فلماذا لم ينفع اعتدالهم في التوقي من الإرهاب؟ بكلام آخر لماذا هنالك إرهاب إن كان فهمُ هؤلاء للإسلام معتدلا؟

 نعتقد أنه من الإجحاف الاعتقاد أنّ مقاربة الفهم والتطبيق عند هؤلاء الذين يمثلون الأغلبية والمعروفين بتسامحهم وبرحابة صدرهم هي من صنف'الإسلام المعتدل'. فالأجدر تسمية هذه المقاربة بـ'الإسلام الراغب في الاعتدال' أو 'الفهم الذي يعوزه التعديل حتى يصبح معتدلا'  عوضا عن ذلك. أما ما ينقص هذه المقاربة لكي تصبح بالفعل مقاربة الإسلام المعتدل أو في أسوأ الحالات 'في طريق الاعتدال' فسنحاول شرحه في ما يلي:

 من جهة، إنّ ما يميز هؤلاء المسلمين الراغبين في الاعتدال عن فئة المسلمين المتعاطين للإرهاب هو أنّهم بعيدون عن سبيل الإرهاب مهما كانت أوضاعهم المعيشية سيئة ومهما كان انحطاط البلدان العربية الإسلامية واضحا وجليا، وأنّ تجنبهم للتطرف الإرهابي راجعٌ إلى انغماسهم في الواقع المعيش وصراعهم اليومي لرفع العديد من التحديات، بطالة كانت أم فقرا وفاقة أم عناية بالأطفال وكفالة للوالدين أم لهثا وراء تحسين ظروف العيش أم غيرها من المآرب الميدانية، الآنية والعاجلة. كما أنّ ما يحفظهم من سوء السبيل الدموي فهو رضاهم بنظام الحكم الذي نشئوا فيه ولا يخطر ببالهم تغييره على الطريقة الأصولية المؤدية إلى الإرهاب.

لكن في الجهة المقابلة، أليست هنالك علاقة بين المقاربتين، مقاربة الإرهابيين الفجة و الخطيرة والمقاربة المسماة بـ 'المعتدلة' من شأنها أن تجعل من الوقاية من التشدد والتزمت والإرهاب أمرا عصيّا؟ وأليس حريّ بكل مسلم أن  يحاول الكشف عن هذه العلاقة، إن وجدت، لكي تتضح له الروية وتنبثق بوادر الحل الرامي إلى رتق البون بين نمط العيش وجَودة الحياة اللذَين يتوقون إليهما عامة المسلمين من ناحية ونمط العيش الذي يريد الإرهابيون فرضه على المجتمع بأكمله من ناحية أخرى، حتى تكون الغلبة لمنطق الحياة الكريمة على كل أصناف المنطق الهجينة؟

إنّ العلاقة بين أصحاب المقاربتين موجودة فعلا بل ونعتقد أنّ عدم التنبه لوجودها هو بمثابة الاستمرار في حالة الغيبوبة التي ساهمت في تغليب منطق الإرهاب على منطق الاعتدال الحق. وبإمكاننا إدراك هذه العلاقة لمّا نتأكد من أنّ عامة المسلمين لا يضطلعون كما ينبغي بمهامهم الدنيوية وذلك بأن يتدبروا معاني الإسلام الخالدة بالتقاطع مع العلم وقواعده وسننه. هذه هي تحديدا العاهة الأصلية التي كانت و ما تزال تهيئ المناخ لكارثة الإرهاب بأن تحل محل كل توجه موضوعي ومنطقي، ومن ثمة بأن يأتي الإرهاب على الأخضر واليابس مثلما حصل في الصومال وفي أفغانستان ويحصل في ليبيا أيضا.

تُرى أيّ نظام سياسي يناسب مجتمع المسلمين وأيّ منوال اقتصادي يصلح به وأيّ موقف ينبغي اتخاذه إزاء القضايا الإقليمية والقومية والعالمية العالقة أو الشائكة أو الحارقة، وما هي التحديات التي تفرض نفسها الآن وهنا؟ تلك عناوين وتساؤلات نعتقد أنّ جمهور المسلمين العريض و'المعتدل'  لم يقدر على التفكير السويّ بشأنها، ناهيك أن يتدارسها ويحلحل المشكلات المنجرّة عنها، وبالتالي فهي عناوين لم يبتّ فيها الفهم 'المعتدل' ولم تشفع فيها المقاربة المسماة بـ 'المعتدلة' وبقيت غير مصرّفة في الواقع دون تأثير ردعي على كل محاولة يائسة ومتشددة على غرار المحاولات الإرهابية.

نستنتج من هذا أنّ المقاربة العمومية المدعية للاعتدال فاشلة علاوة على فشل الخيار الإرهابي و فظاعته على غرار فشل المقاربة الإرهابية، إذ إنّ الاعتدال الحق لا يمكن أن يكون مُولدا للفشل، وللفشل الذريع. فلو كان حقيقيا وبلا حاجة إلى دفعٍ جديد وقويّ لَما كانت تونس اليوم واقعة في كمينِ آفة الإرهاب ولَما عانت بلدان أخرى من نفس الآفة ولَما أُرغمت الجزائر على التضحية بالنفس والنفيس طوال عشرية كاملة جرّاء الموجة الإرهابية العارمة التي كادت تغمرها آنذاك .

 أما المطلوب إنجازه الآن في ضوء هذا فهو الانكباب على مجموع تلك العناوين التي استعصت على الفكر والسياسة، ثم صياغة طرائق من شأنها أن تتناولها بكل جدّ، وفي الآن ذاته التفكير في أساليبَ من شأنها أن تعالج قضايا المسلمين العالقة. وهذا مما يشكل مقاربة آنية وميدانية لفهم وتطبيق الإسلام لا نشك في أنّ المجتمع المسلم بحاجة أكيدة إليها إذا أراد فعلا أن يضع حدا لتنامي ظاهرة التشدد الديني عموما والقضاء على الإرهاب على الأخص.

في الأخير وعلاوة على لزوم حث التونسيين على اليقظة المستمرة في هذه الظروف الهشة التي تمر بها البلاد خصوصا تبعا للعمليات الإرهابية الغادرة، لا يسعنا إلا أن نحث جميع الفاعلين على تقديم المصلحة العامة على المصالح السياسية الضيقة وذلك بأن يدركوا أنّ الإرهاب لا يقاوَم فقط بالحديد والنار، إنْ توَقّيا أم تصديا، وإنما بتضافر الجهود من أجل صياغة مقاربة للعلم الميداني تفي بشروط انسجامها مع الإنسان التونسي المنتمي إلى ثقافته والمنفتح على كل الثقافات و المتحرر من براثن الاستبداد.

محمد الحمّار


التعليقات




5000