هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حديقةُ الكتب

محمد الأحمد

(الايمان بحدوث الاعاجيب هو احساس ملازم لهؤلاء الذين يعيشون حالة الفرار واليأس والخوف، ولولا هذا الايمان لفقد الانسان قدرته على الاستمرار- ريمارك).

غالباً ما أجدهُ في حديقة الكتب، متفرساً في مساحة هوائها النظيف.. انظر اليه دائماً بوجل، وحبّ كبير. اجيدُ التمعن في احواله التي لم تعد بالنسبة لي غريبة. خصوصاً بعد ان اصبحت كاتباً مثله، وارغب في كل مرة ان اساله، احدثه عن مغامرات احلامي، وتجاربي الكتابية.

لكنه دائماً يمضي دوني عميقاً في شذى الورد، ويغوص بعيداً في جمهرة تلك الالوان التي تتنافس عليها العصافير، البلابل، الحساسين، القبرات، وبقية انواع الطيور التي تعرف الزقزقة كما الاغنيات. اسأل نفسي احياناً هل هو برجل من لحم ودم، ام انه ملاك حارس لهذه الحديقة الزاهية. منكب على الدوام في اسطر تلامع من ذاكرة كاتبيها، هو يفهم لغتهم، هو يعرف معاني هذا الكورال الرخيم، انه يسمع سمفونية الحديقة.

اكاد اراه بين كل ذلك الخضم، وبودي ان اسأله، متى تنتبه لي يا عم "انور"، متى ستعرف كم انا قريب منك، وانا اودّ منك ان تعلمني درس القراءة في تلك المتون، الاهم من درس الكتابة، اذ هي انعكاس لما نقراه، هل تعرف بان جدنا "دستويفسكي" قد وقف امام فرقة الاعدام، وكان تاركاً في زنزانته مجموعة من الكتب التي لم يقرأها وكانت احدى امانيه ان يمنح فرصة لقراءتها، وقد تحققت امنيته بعد ان شمله العفو الاميري، وعاد الى ثكنته ليقرأ بضراوة اكبر؟..

كأني اسرقهُ من مكانه، عالمه، تاريخه، ومن حديقته البهيجة.. بهذا العالم الافتراضي، اعيد تشكيله واجعله قريبا مني. انا احبه جداً، كأنما استحضره لاقتطع معه وقتاً عمرنا المهدور ونقرأ ما فاتنا.

-         "صدقني يا عم "انور" أعمارنا هدرتها الصراعات الإقليمية البغيضة، يوم جعلوا انسانها اداة حرب بالإنابة".

 أعودُ الى حديقة الكتب، اشمُّ شذاها، يجعلني ذلك الحلم ان اعيش حياتي الحرة التي استطيع بعدها ان اكتب على الحاسب عند عودة تيار الكهرباء، ولا افترض ان كانت تغادرني الصورة ابداً، فانا اركض خلفها في حقول مكتبتي المزهرة، تلك التي لم تحوِ برغم مساحتها الشاسعة مثل حديقتك الزاهية..

امعن النظر في صورته الجميلة، وجه طيب الملامح، دقيق الاسارير، صاحب نظرة ثاقبة. اراه يتلفت في حديقته، كانه احس باني بالقرب منه، كنت قد عرفت بانه يستعد مثل كل مرة للقراءة..

كأني كنت اصاحبه في كل ما يقرأ...

- رواية "الشياطين"؛ يا "عم" اتعلم اني قد عثرت قبل ايام مصادفة على نسخة منها جعلتني نادماً على عدم قراءتي لها ايام كنت صغيراً. لعلها كانت قد غيرت مسارات، واحدثت انعطافات مهمة في حياتي..

كأنما مؤلفها يكشف لي اليوم عن خريطة الافكار الشيطانية البشرية، المتداخلة، والمتوارية، وكيف يتلبس السياسي مشروعه الثقافي بحجة انه يدافع- في حين انه- في موقف المحارب، يكذب كانه الصادق من اجل الحقيقة، يندس من اجل ان يدسّ، ويسمم الافكار، ويعيث بالأنظمة الاجتماعية فساداً، فيقول "نعم" مجبراً، ويسوّفها حتى تصبح "لا". عظمة هذه الرواية الخالدة ان يقرأها بجدية مثقف اليوم حتى يتخلص من انتهازية السياسي الذي فضحته عبقرية "دستويفسكي".

كنت احسني قريباً منه لا شعر بحنوّ الابوة، وليس معزولا عني، فلم يكن ذلك العزل باختيار كلّ منا، اذ تفصلنا عن بعض مسافة هائلة قد تزيد على الاربعمئة فرسخ، بالرغم من ذلك اكاد اراه بصورة جلية، واتابعه عن كثب وبدقة متناهية.

ذلك الابتعاد عنه وفرة عزلة قصية، صارت بيننا فاصلاً آنياً، وصرت برغم البعد؛ اراه الآن يستعد لطقس القراءة المقدس.. له جملة من الاستعدادات، فهو يلمّ نفسه، وينزوي مثل كل مرة مع كتاب في نهار مفعم بالسحر، والحيوية. كما اتابعه كيف يعد العدّة لدرس الكتابة، أيضاً، كانه يصغي الى موسيقى غريبة تجول في ذهنه، يخرج قلمه الرصاص، ويبدأ بخطوط طويلة عريضة كأنما يرسم، فاسمع حفيف القلم على الورق، وانا اتشوق الى ما دونه بكل تلك السرعة. يجعلني اسال نفسي هل كتبها ام بالأصل كان يحفظها، وملي على نفسه من الذاكرة. اجده اليوم قد ترك عادته بالاحتفاظ بعلبة مليئة بطوابع البريد، فهو لم يشتر حتى ورق رسائل انيقة، كما كان في السابق. زمنٌ قد تغير، حضره الانترنيت، صار فيه العم "أنور" يرسل رسائله عبر البريد الالكتروني، كمن يطلق حمامه لتعود له بالأخبار السعيدة. يرسل ما كتبه بعد ان يطلب من احد ابنائه يساعده في كيفية تحميل هذه الاوراق التي دونها الى الحاسب، ليتسنى ارسالها عبر الانترنيت بعد ذلك. ويبقى حريصا على لمة الورق التي تبقى بين يديه، ثم يعاود ليصحح بدقة ما فات من انامل الابن..

"اياك ان تغفل لي حرفاً فيتغير المعنى، ربما الخطأ مني يظنون به صحيحاً كوني الدارس المتخصص في المعهد العالي لأعداد المعلمين".. يتابع بنفسه المكتوب بواسطة الحاسب.. "حرفاً حرف"، ويتأكد للمرة المتكررة، حتى يرسله، الى النشر..

بعد حين اراه في دقة بالغة يستخرج رزمة الصحف، ويفترشها بعد ان يقرا كل ما فيها من موضوعات، ثم يعزل ما يراه منها مناسبا، وبعدها لا يتركها؛ الا وذهب بها الى مكتب الاستنساخ، لينسخ منها عدة نسخ، ويغلفها، ثم يحملها مرة اخرى عبر البريد العادي الى اصدقائه في شتات الغربة، وتعود عليه حمامات الرسائل بأجمل سلام.

كالعادة يتكور على الاريكة في وضع ثابت، جاعلا الضوء يتسرب من النافذة التي خلفه على وجه الورق، والاجمل باني اراه منبسط الاسارير كلما يبتدئ القراءة، انفاسه تهدر باتزان، واصابعه ايضاً هي الاخرى تلتم على اطراف الكتاب، فأقول لنفسي انه بدأ يحلم. يتوحد مع كلمات كتاب لا يفارق يديه، اراه ممسكاً طيات الكتاب وحاشراً اصبعه، ويذهب عميقاً في تواصل الكلمات. بالكاد يتحرك فوق الاريكة المريحة، الا من اجل ان يتحول الى بلاط الارض بحثا عن برودة نشيّة في صيف يشح فيه الهواء البارد، باحثاً عن نسمة باردة من ملامسة الارض تقلل من مناخنا المحتدم.

كونه أنموذج كبير، افتقده منذ كنت ولداً صغيراً. انموذج كنت اتمناه ان يكون قريباً مني،  وجوده في مرمى بصري يعلمني الكثير. كنت احتفي بالرجل الكاتب العملاق، وهو ينشر في اهم الصحف التي تصل الي واستمتع بقراءة صفحاتها الادبية.

فكان افتقادي اليه، معوضاً بالافتراض. انه افتقاد كبير خلفهُ محيطي الذي خليّ من رجل مثله، حياتي كانت خالية من معلم يرشدني الى كيفية امثل السبل الى القراءة. كم كنت وحيداً وانا اتعثر في قراءة العشرات من الكتب التي كانت فارغة مما اريد. كنت اعرف بان الرجل الكاتب خبيراً بمثل تلك الكتب، ولعله يوماً سوف يختصر لي المسافة الى الكتب الجيدة.

لم يكن يفكر في كيفية جلوسه، يكاد ينسى كل ما حوله، ويذهب حيث سطور الكتاب اراه يدخل بين طيات الكتاب، كمن يدخل الى غرفة ويغلق بابها عليه. تارة اسمعه في الداخل يضحك عميقاً مع كائنات لا اعرفها، اظنها جنيات شفيفة تخرج اليه من طيات الكتاب.

كنت اراه، واتابع حركاته اثناء القراءة، يصبح في بعد اخر عني كلما استغرق في قراءته. اتحسس انتظام أنفاسه، وكانه يتحول الى كائن اثيري، ويطير وراء الكلمات. انه الرجل الحق الذي لن تغمض له عين. يحلق وراء كلماته، وراء الصور التي في داخل الكلمات، وكان دائماً في درسه الذي يعطيه لي بانه، يرى الكلمة المشحونة معنى، انه الذي يفصل بين كلمات العاشق الذي يكتب عشقه. اذ يجترح البلبل الحبيس حلماً في يقظته، ربما يكون ذلك بكيفية حريته خارج قفص الانسان، وذلك لا يزيد عن التجوال بين ايك الاغصان، او حياكة عش هانئ، تضع له انثاه بضع بيضات يدفئهما حتى موسم التفقيس الجميل، ويحاكيه انغاماً شجية لمن حوله بأجمل الوقفات. فيلتقطها..

كنت شديد الملاحظة، معه، وكنت ارقب الدفاتر الكثيرة المصفوفة قرب راسه، واترقب الفرصة المناسبة لانقض عليها فأقرا ما استطيع منها.. اكتشفت بان اوصاف الرجال الذين يكتب عنهم غالباً ما يصفهم بسرد، وكانه يعطي صورة واضحة حتى يعلقوا في الذاكرة، اوصافه لهم لا يجعلهم اشخاصاً عابرين. يسرد بذائقة عجيبة، يسرد وكانه ينحتهم من الصخر كما يفعل "مايكل انجلو"، ويقول هم "بالأصل موجودين وانا ازيح الغبار عنهم"..

لا اعرف من اين يأتي بتلك الكلمات، كنت اراه يغترف من تلك المخيلة العميقة كبئر، فقد قرأ كثيراً، ومرن سرديتهُ على الوصف، لقد حول قلمه الى الة تصوير دقيقة. اراه ينهمك في البحث عن تفاصيل تعلق في الذاكرة، ولا تغادرها.

كنت ارى له طبائع لم يلحظها احد غيري. احيانا لا ينام، يكتب في الليل دون ضوء، لقد عود يديه على ذلك. نور العقل يرسل الى اصابعه واصبعه ترسم. كثيراً ما وصف امرأة، بعدة صفات، والبسها عشرات الاثواب، وراح يرسمها بعشرات الالوان، ونسي بانه يكشف عن امرأة واحدة، قد ملات له لبّه. يراها، ويطارد شبيهاتها في الكتب التي يقرا فيها. المرأة راحت تنهض من سطوره، جميلة، مثقفة، تناقشه فيما يحلم، وما يخطط لكتابته..

يحب كثيراً الحديث عن الكتاب الذين تعلم منهم، وغالباً ما يفيض بإسهابٍ عنهم.. يتابع سيرهم، ويقرأها، وغالباً ما يؤكد بان كتب السيرة تعلم الكثير، مثلما كتبهم، فالرجل اي رجل مليء بفيض عقلي فانه دون ما شك يعطي مما يفيض..

مرة قلت له باني أحب كل ما كتبه العظيم "فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي" (1821 - 1881)، وسالته هل قراته بطريقة اخرى غير طرقنا التقليدية. نحن لم نجرب طرقاً مضمرة، تجعلنا نكتشف الانسان الذي امامنا بالإنسان المخبوء تحت جلدنا، ولم نستخرج تلك الجواهر من ذلك البئر العميق الذي اسمه عقلنا الباطن، كان علينا ان ندقق جيداً في ذلك العمق السحيق من العمق البشري.. كما كان يفعل "جدنا" ويلبسه اسماء ابطاله، فكان متصالحاً الى درجة كبيرة مع نفسه بحيث يرى كل هذا العمق البشري مكشوفاً امامه. كل أولئك الابطال الذين باتوا رموزاً، لهم صوراً معكوسة في ذلك العمق السحيق. يعرف كيف يستخرج كل تلك الاشياء، يعرف مقارنتها، يعرف كيفية تدوينها.

حاولت ان أستفز فيه القارئ الماهر المخبوء فيه، فعرفت عمق حبه للمؤلف العظيم. وجدته يجيب على الفور "كيف لا اعرفه، وقد اطلعت على الكثير من اعماله وأصبحت افكارها وشخصياتها جزءا من تراث البشرية الروحي. تعد رواياته هي الاثمن ما في تراث الرواية العالمية".

كم كنتُ اتمنى ان ينسى ذلك السؤال الذي حفر فيه عميقاً، وقد مضي الى قلمه يكتب عن روايتا "الجريمة والعقاب"، و"الاخوة كارامازوف" اللتان عبرتا بأكمل نضجٍ عن فلسفة الكاتب الحق". اضافة الى "رواياته الأخرى "مذلون ومهانون" و"الابله"، و"المراهق" فهي كتب عظيمة" ايضاً.

كانه بقي يقول: "لقد كان المؤلف إنسانا ابيّا وعنيداً في الدفاع عن معتقداته، وقد ترك ذلك كل بصماته بنتاجه العظيم"..

-         "ليتني اشترك معه في صفات كثيرة"!!

"ولد في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1821 بموسكو في اسرة طبيب عسكري ينحدر من فئة رجال الدين منح لقاء استقامته في الخدمة لقب نبيل. كانت امه تنتمي إلى فئة التجار. لم تتآلف مع زوجها، اذ كان رجلا صعب الطباع، وعلاوة على ذلك كان مريضاً بالصرع الذي انتقل بالوراثة إلى ابنه. اما امه فزرعت فيه المشاعر الدينية العميقة. منذ صباه ولع الرجل بميول التمرد وانبهر بالطموحات المثالية للكاتب الألماني "شيلر"، واغرم بروايات " تشارلز ديكنز" الذي كان يجيد اثارة العطف على الناس المهانين. وكانت قريبة إلى نفسه تكشف التناقضات الاجتماعية في أعمال "بلزاك" الذي ترجم بنفسه من الفرنسية الى الروسية رواية "أوجيني غراندي" قبل عامين من اصداره لأول عمل ادبي هو رواية "الفقراء" عام 1846 التي نشرت في مجلة (المعاصر)، واقبل عليها القراء".

بقيّ العم "انور" ينهمر في كلمات موصولة بمخارج كلمات واثقة، وكأنه وجد ما يريد اقناعي به...

-         "تخرج من كلية الهندسة، جامعة "طرسبور" لكنه لم يلتحق بالوظيفة، إذ لمس في نفسه انه اديب بالفطرة، وتعرف بالناقد الروسي البارز "بيلينسكي" الذي كان يتزعم كوكبة من الادباء الشبان من انصار ما يسمى بـ "المدرسة الطبيعية".  

-         "ذكر في رواية "الفقراء قصة حبه الاول، اذ كان يريد كتابة وجه حبيبته ليمكن القراء من فهمها"...

-         "انضم إلى حلقة "زملاء بيتراشيفسكي" الذين اسسوا جماعة شبه سرية. وتمكنت الشرطة من تتبع الجماعة حتى القت القبض عليهم في ربيع عام 1849م، وحكم عليه بالإعدام، وخفف الحكم في اللحظات الاخيرة نفيّ الى "سيبيريا" ثم وصف هذا المشهد المؤثر في روايته "الابله". كذلك دقته في وصف حكم الاشغال الشاقة في كتابه "ذكريات من منزل الاموات".

ارتفع صوته وراح الى رزمة اوراق كانت بين يديه، وكانه لوح بها مدافعا عن تلك المرأة..

-         "اردت القول بان كل نساء الكاتب هنّ امرأة واحدة غالبا تتغير صورهن ولكنهن في الاخير صورة واحدة قد خرجت من ذهن الكاتب.. هي صورة امرأة مازال يحبها"..

ثم واصل القول:

- "ولعه بلعب القمار جعله يواجه دوماً حاجة ماسة إلى الاموال، واضطره إلى عقد صفقات غير عادلة مع اصحاب النشر لإصدار رواياته بأثمان بخسة. وربما كان معرضاً دائماً لخسارة طباعة حقوق مؤلفاته. خصوصاً مع روايته الشهيرة "الجريمة والعقاب"، ولكن كاتبة "اختزال" شابة جميلة اسمها "آنا سنيتكينا" التي تزوجها فيما بعد. انقذته من استغلال الناشرين. واعادت اصدار "الشياطين" التي كتبها عام 1872 في طبعة جديدة، ثم نشرت له رواية "المراهق" التي كتبها عام 1875، ولم يغبن حقه في اعظم رواية على الاطلاق "الاخوة كارامازوف" عام 1880. لقد قضي اغلب سني نتاجه العظيم تحت وطأة جشع الناشرين، وابتلاعهم كافة حقوقه. اذ قامت بعد زواجه منها بتسيير الامور المالية له، ودافعت بشراسة عن حقوقه لدى نشر روايته الجديدة مما ساعده في الحصول على مبلغ لا بأس به مقابل عمله الادبي. وتعهد لها مقابل ذلك ان يتخلى عن القمار نهائيا، ودون ان يستطع أن يفي بعهده، وكم كان وصفه دقيقاً لذلك المرض في رواية "المقامر" التي صدرت عام 1866م".

واصل العم "انور" قائلاً: "الكاتب عندنا هو الذي يختزل كتابته بنفسه"!!..

 كأنما سألته كيف يكتب الكاتب و لا يختزل. فقال: - " نعم.. هناك الكثير مما تفيض به المخيلة لتصبح عبئاً ثقيلا على المؤلف نفسه"... لقد اعطى "تشيخوف" صلاحيات الى امرأة عيَّنَها مختزلة لكتاباته حتى تأخذ منه كل ما يكتبه، وتساعده في انقاذ مسوداته من الاختزال الشديد الذي غالبا ما كان يقوم به بنفسه، الذي يدمر وربما يجعلها تنتهي الى العدم"..

"اليس حيفاً عظيماً يقع على كل كاتب ينجز كتاباً بعد سهر الليالي، وتعب متواصل، واعياء وارهاق، ومن ثم يذهب بكتابه الى دار النشر العربية ليدفع لهم حتى ينشرون كتابه"

-         "الناشرون على الدوام لا يعرفون الا لغة المال، وهم في اغلب الاحيان لا يدققون فيما ينشرونه، همهم المال ولا غير"

بقيت اتابعه اثناء ليل طويل، تتنقل اصابعه متحسسة حواف الكتب المتراصة في مكتبته، كنت اراها وكأنها ليست غريبة علي، كأنها كتبي، المرصوفة كما رصفتها، وهو امامي يقودني كانه يعلمني ماذا ينبغي علي اعادة قراءته، بقي العم "انور" يدلني، وكنت احاول ان اسبقه فامسح له الكتب التي تمر عليها انامله الطيبة..

"اتعامل مع الكتب كأنما اتعامل مع كائنات حية، فمن حقها علينا ان نزيح عنها الغبار لتتنفس، انها تستحق منا العناية وان لا نهملها كثيرا ترزح تحت موجات الغبار، ومن الغريب باني اتي على بعض الكتب لأمسحها فأجدنني اعيد القراءة بها، ثمة كتب تجذبني لأرفع عنها غبارها، اجدني معتنياً بها اكثر من غيرها، ككائنات وديعة، واليفة. تلك الكتب اعهدها تتطابق مع ذلك الكائن الذي في داخلي مطالباً بالارتواء، يريد القراءة المتجددة، انه يعرف باني اودّ ان اقرا كل يوم بطريقة متجددة"

لم اكن نائماً بل وجدتني اسمعه كأنما يواصل القول لي، كان صوته صافياً يصلني وانا مغمض لعيني، واتبصر قامته الفرعة بكل وضوح:

- "كم انت مقصر معي عندما لا ترد على رسائلي فقررت ان احضر اليك في حلمك"..

واوصاني ان اكتب اليه:

-         "ما ان تكتب على الظرف "انور عبد العزيز[1]" فان الرسالة تصل بريديا حتى باب بيتي".

وجدته يؤكد قبل ان يغادرني، وانا في غمرة نعاسي:

- "الموصل مدينة متحضرة، قديمة، وراسخة بتحضرها، وان اغلب سكانها معنيون بالمدنيّة.. متواصلون وسباقون عليها".

كنت ارى الحمام يعود سريعاً، وهو يحمل لي منه، عشرات المغلفات البريدية، المليئة بشتلات زهور تفتخر بها حديقتي.

   8/6/13بعقوبة



 

[1]  *  يعد أحد الاعلام البارزة في الأدب العراقي الحديث تولد الموصل عام 1935م

محمد الأحمد


التعليقات




5000