.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


شخصية دِعْبِل الخُزاعِي من خلال التناقضات

د. يحيي معروف

الملخص

قلما نجد شاعراً أو كاتباً شيعياً دافع عن النبيّ (صلی الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الأبرار إلا ونجد أنواع التهم تخيم عليه. هذا المقال يدرس تناقضات المؤرخين من خلال تعريفهم لدِعْبِل الخُزاعِي (الشهيد سنة 246 هـ.ق) فيحاول الإجابة عن الأسئلة التالية:

1- هل يمکننا الاعتماد علی أقوال بعض المؤرخين للتعريف بشخصية دعبل الخزاعی رغم تناقضاتهم؟ 2- هل للتعصب دور في آرائهم وأقوالهم؟ 3- هل هناک أقوال أخری وردت في کتبهم تنفي مزاعمهم فيما زعموا؟

يحاول الباحث عرض التُّهم التي أُلصِقَت بشاعرنا ثم الإجابة عنها مستخدما نفس الکلمات الواردة في أقوال هؤلاء المؤرخين ويظلُّ القصد من ذلك هو إلقاء المزيد من الضوء علی تلك التهم والمقارنة بين أقوالهم ليتبين للقارىء نياتهم حتی يصل إلى الاستنتاج المنطقي.

وللبحث فرضيات نحاول إثباتها وهي:

1- أقوال وآراء هؤلاء المؤرخين للتعريف بشخصية شاعرنا نابع عن حقد دفين. 2- إنهم اضطرّوا لخلق التُّهم لإبعاد الناس عن الشيعة وشعرائهم. 3- توجيه هذه التهم لم يکن إلا بأمر من سلاطين الجور.

الکلمات الرئيسية: دعبل الخزاعي، المؤرخون، الشاعر الملتزم، آل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم).

المقدمة

الذين دافعوا عن آل بيت نبينا المختار (صلی الله عليه وآله وسلم) كانوا أكثر الناس عرضةً لأنواع المخاطر كالقتل والتعذيب وتلطيخ السُمعة مثلما ورد في أمهات المصادر العربية التي تتهم هؤلاء الشعراء بلؤم الطبع، والبخل، ودناءة النفس رغم ذلک احتفظت نفس المصادر ولو بقدر يسير، من صفاتهم السامية، وهذا القدر على قلَّته يكفي للتدليل على صحة ما ذهب إليه الباحث.

الدراسات السابقة

هناک کتب ومقالات عدة تلقي الضوء علی بعض الزوايا من حياة دعبل الخزاعي ولکن لم نعثر علی بحث شامل ينفی مزاعم المؤرخين في التهم الموجهة إلی هذا الشاعر الملتزم الذي قدم النفس والنفيس فی الدفاع عن عقيدته السامية.

لاشک أنه قلّما نجد شاعرا أو كاتباً شيعياً دافَعَ عن النبىّ (صلی الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الأبرار إلا ونجد أنواع التهم تخيم عليه نحو: (كان فاسداً)، (كان فاسقاً)، (كان رافضيّاً)، (كان كثير التعصب والغلو)، (كان ظالماً)، (كان أحمق)، (كان بخيلاً)، (كان كذوباً) وهکذا دواليک. وبالرجوع إلى تراجم هؤلاء الذين رُموا بالفسق والخيانة والحماقة والخروج عن الدين وغير ذلک، نجد من بين هؤلاء فريقاً كان معروفاً لدی الرواة بالصدق والوفاء والالتزام بالتقوی وجودة الشعر. ويظهر من أخبارهم أن هؤلاء الشعراء لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع حياة الظلم والاضطهاد، ومضوا يعيشون الحياة كأحرار غير مبالين بسلوک الطغاة والجبابرة وأوامرهم ونواهيهم.

منهجنا في هذا البحث هو الكشف عن حقيقة أحد الشعراء الملتزمين من خلال أقوال المؤرخين في نصوصهم التأريخية. ثم المقارنة بين أقوالهم ليتبين للقارىء المنصف نياتهم حتی يصل إلى الاستنتاج المنطقي والرأي السليم. فالبحث يعرض جانبا من جوانب السلوك الاجتماعي، لدی دِعْبِل بن عليّ الخُزاعِي (الشهيد 246سنة هـ.ق) الذي دافع عن آل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) بنفسه ونفيسه.

يحاول الباحث عرض التُّهم التي ألصقت به. ويظل القصد من ذلك هو إلقاء المزيد من الضوء علی تلك الانتقادات التي تناقلها الرواة في هذا الشأن. فالدراسة هذه لاتسعى إلى إثبات التهم التي تناقلها الرواة عن دعبل أو رفعها عنه، بل هي إلمامة إخبارية قُصد من حصرها وإيرادها عرضها وإخضاعها للدراسة من خلال الموازنة بينها وبين ما نسب إليه. هنا نلقي الضوء علی حياة شاعرنا الفذّ:

ولد "دعبل" في الكوفة سنة 148 هـ،( ابن خلكان. 1968م: 2/270 ؛ الخطيب البغدادي. 1417 هـ: 8/ 381) ونشأ فيها. والمعروف أن هذه المدينة كانت تتصف بولاء معظم أبنائها لآل البيت (عليهم السلام). وقد عاصر تسعة من خلفاء العباسيين هم: المنصور{بدأت خلافته سنة 136هـ} والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمامون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل {انقضت خلافته سنة 247 هـ.} فهو ينتمي في نسبه إلى قبيلة خزاعة المعروفة بولائها العريق للإسلام ولرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ولأهل بيته (عليهم السلام) فعبد اللّه بن بديل بن ورقاء، الجد الأكبر لدعبل، كان هو وأخوه عبد الرحمن رسولَي النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) إلی اليمن. وكانا وشقيقهم عثمان من فرسان جيش الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في صفين. قال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني: (1407هـ.ق:20/132) «کان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلی عليّ صلوات الله عليه» فترعرع في أسرة موالية لأهل البيت (عليهم السلام) ، وعلى الرغم من كل الصور المشوهة التي نسجها بعض المؤرخين حول شخصيته، لم يستطع أحد أن يطعن في عقيدته أو يتهمه بالانحراف عن ولائه لأهل البيت (عليهم السلام). فشعره يعكس وجهة نظره العقائدية في فهم التشيع. هنا نکتفي بما قاله ياقوت الحموي في معجم الادباء: (1355 - 1357هـ.ق. 4/196) «قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر، وأسنى المدائح قصد بها علي بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان».والآن نصل إلی تهم الرواة دعبلَ وما قيل عنه في المصادر العربية فلنبدأ بکتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (362-484هـ): هذا الکتاب من أهم ما وصل إلينا من كتب التراث العربي، واعتمد عليه معظم المؤلفين بعده، فكان أهم مصدر من مصادر تأليفهم في الأدب والنقد والتاريخ والحضارة العربية بكافة جوانبها وعصورها منذ الجاهلية وحتى عصر مؤلفه. عبَّر عنه ابن خلدون في مقدمته (1961م: 1070) بقوله: وقد حصلت لهذا الكتاب شهرة واسعة جداً، منذ أن ظهر للناس أواسط القرن الرابع للهجرة ووصلت شهرته إلى الأندلس سريعاً، "فبعث الحكم المستنصر إلى مؤلفه ألف دينار عيناً ذهباً، وخاطبه يلتمس منه نسخة. فبعث إليه منه نسخة حسنة منقحة (ابن الأبار الأندلسي. 1963م. 1/301) كما بعث بنسخة أخرى إلى سيف الدولة الحمداني أمير حلب «فأنفذ إليه ألف دينار» (ابن منظور. 1965-1966م: 1/1). رغم هذه الشهرة الواسعة نقده الکثيرون فذکروا مواضع الخَلل والاضِطراب والتناقض فيه. (انظر: محمد خير شيخ موسى. 1989م)

التهمة الأولی:

ذکر ابوالفرج الأصفهاني بعد أن نسب إليه أوصافاً ممتازة کـ«شاعر متقدم مطبوع» (1407هـ:20/131) ثم تابع القول فقال: «هجَّاءٌ خبيثُ اللِّسان!!، لم يسلم عليه أحدٌ من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم» وقال الخطيب البغدادي: (تاريخ بغداد، 8/246) «وكان خبيثَ اللسِّان قبيحَ الهجاء»!! وقال ابن خلكان (608 - 681 هـ) في وفيات الأعيان (1968م: 2/227): «كان شاعرا مجيدا إلا أنه كان بذي اللسان مولعاً بالهجو والحطّ مِن أقدار الناس» وقال أبو إسحاق القيرواني الحصري (ت 413 هـ) في زهر الآداب (لا تا. 1/86): «كان دعبل مداحاً لأهل البيت عليهم السلام كثير التعصب لهم والغلو فيهم».

وجوابه هو: أن في سيرة دعبل ملامحَ من العزم والقوة والاستمرار على المبدأ فدعبل يختلف عن شعراء عصره الذين أكثروا شعر المديح في الحكّام العباسيين، فهو كان يعبر بصراحة وصدق عما يراه ويشاهده من أحداث عاشها وعانَى منها الكثير، وكان يوجّه النقد الصريح للحاكمين دون خوف أو وجل، ممّا لوّن شعره بطابع الهجاء ولهذا أصبح محلاً للتجريح من قِبل البعض. لأنه كان شديد الموالاة لآل البيت (عليهم السلام)، متجاهراً في ذلك، متعرضاً بالهجاء لكل من يناوؤهم. وقد تحمَّل في سبيل ذلك كثيراً من المتاعب، واضطر إلى عبور الصحاري والفلوات هرباً ممن هجاهم من الخلفاء. قيل له: لماذا تهجو من تخشى سطوته؟ قال: (الأصفهاني. 1407هـ:20/133؛ ابن خلكان. 1968م: 2/227) «أنا أحمل خشبتي على کتفي منذ خمسين سنة، فلست أجد أحداً يصلبني عليها»

واما أسباب هجاءه المقذع للخلفاء الذين عاصرهم يعني هارون الرشيد، محمد الامين، المامون، المعتصم، والمتوكل ووزراء هؤلاء الخلفاء، دون أدنی شک هذا دليل جرأته وإقدامه على هجاء من يستحق الهجاء، ولو أدَّى ذلك إلى الصَّلب. فلم يكن هجاؤه للخلفاء والحاكمين عندئذ إلا بدافع العقيدة وموالاة أهل البيت (عليهم السلام). لأن الولاية لاتكون خالصة الا بالبراءة ممن يضادها ويعاندها، كما تبرأ اللّهُ ورسولُه من المشركين. وأما کلام أبي إسحاق القيرواني الذي ادعی أنه «كثير التعصب لهم والغلو فيهم» ليس إلا مجرد ادعاء لأنه لم يأت بنموذج ليثبت ادعاءه. فهذه الأقوال وما شابهها أُطلقت علی الکثيرين من موالي آل البيت (عليهم السلام) علی مرِّ العصور.

التهمة الثانية

ذکر ابوالفرج سبب خروجه عن الکوفة قائلاً: (الأصفهاني. 1407هـ:20/136) «عن أبي خالد الخزاعي: كان سبب خروج دعبل بن عليّ من الكوفة أنه كان يتشطَّر ويصحب الشُّطار {کان هذا الاسم يطلق علی أهل البطالة والفساد في أيام الدولة العباسية}، فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة {مفردها الصيرفيّ: الذى يبدل النقود}، وكان يروح كل ليلة بكيسه إلى منزله، فلمّا طلع مقبلاً إليهما وثبا إليه فجرحاه، وأخذا ما في كُمِّه، فاذا هي ثلاث رمانات في خرقه، ولم يكن كيسه ليلتئذٍ معه، ومات الرجل مكانَه، واستتر دعبلُ وصاحبُه، وجدَّ أوليا الرجل في طلبهما، وجدَّ السلطان في ذلك، فطال على دعبل الاستتار، فاضطر إلى أن هرب من الكوفة. قال أبو خالد: فما دخلها حتى كتبتُ اليه أعلمه أنه لم ‌يبقَ من أولياء الرجل أحدٌ»!!

وقد نسي ابوالفرج ما نقلها في الصفحات السابقة من کتابه فذکرها مرة أخری بشکل آخر فيه تناقض عجيب في کيفية قتل الصيرفيّ حيث قال: (الأصفهاني. 1407هـ:20/145) «....عن أبي خالد الأسلمي كان يتشاطر بالكوفه وهرب منها بعد ما قَتَلَ صيرفياً: أخبرني الحسن بن على قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن الأعرابى عن أبى خالد الأسلمى قال: كان دعبل بن علي الخزاعي بالكوفه يتشطر وهو شاب، ....وكان يصلت على الناس بالليل فقَتَلَ رجلاً صيرفياً، وظن أن كيسه معه، فوجد في كمه رماناً فهرب من الكوفة».

وجوابه هو: أننا نتوقع من القاریء المنصف ليقارن بين ما قاله أبو الفرج نقلاً عن رجل باسم «أبي خالد الأسلمي» فهو تارة يقول «وثبا اليه فجرحاه، وأخذا ما في كُمِّه..... .ومات الرجل مكانَه» ثم يقول «فقَتَلَ رجلاً صيرفياً» لو فرضنا أن هذا الخبر صحيحاً فهل مات هذا الرجل طبيعياً کما يموت الإنسان في بيته أو في الطريق؟ أم قَتَلَه دعبل؟! فأيُّ قول من الأقوال يعتبر صحيحاً؟ لأنه کما ذکر الأصبهاني: مرة هجم عليه الرجلان فمات الرجل مکانَه إثر جرح طفيف!! ومرة أخری ينسی ما قاله سابقاً فيقول:«قَتَلَ صيرفياً» بنفسه! فهل کان دعبل شريکاً في الموت أو قتله بنفسه للوصول الی کيسه؟!!

مما لا شک فيه أن مصدر الروايات التي قيلت في دعبل كلها واحدة وهو «أبو خالد الأسلمي»، والظن أن طابع الوضع عليها واضح بقصد تلطيخ سمعته. وکما يظهر عن کلام «أبي خالد» انه کان شديد التعصب علی دعبل بل يمکننا نعتبره من ألد خصامه فمن الطبيعي أن يسعی وراء هذه الأکاذيب. فخير مثال علی هذا هو ما ورد في الأمثال الفارسية حيث يقال: «إن الکذَّاب تقلُّ ذاکرتُه». والآن نلفت انتباهکم إلی ما قاله أبو الفرج عن حضور الشاعر لدی الامام الرضا (عليه السلام) وبکاء الإمام إلی درجة الإغماء وإعطائه عشرة آلاف درهم وحليّ كثير وثوباً من ثيابه وانه کيف امتنع عن بيع الثياب مقابل دفع مبالغ باهظة من قبل أهالي مدينة قم المقدسة. فهل يعقل للانسان اللبيب أن يخطر بباله أن دعبل هجم علی صيرفيّ طمعاً لسرقة أمواله؟!!

قال أبوالفرج الأصفهاني (1407هـ:20/162)؛ وقد ذکرها أيضاً في (1407هـ:20/132) فضلاً عن ذلک ورد في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (لا تا: 17/262) «...قال {دعبل}: دخلت على عليّ بن موسى الرضا -عليهما السلام - فقال لي: أنشدني شيئاً مما أحدثتَ، فأنشدتُه:

«مَدارسُ آياتٍ خَلَتْ مِنْ تلاوَةٍ ومنزلُ وحيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ»

حتى انتهيتُ الى قولي:

إذا وُتِرُوا مَدُّوا إلى واتريهم أَكُفّاً عنِ الأوتارِ منقبضات

قال: فبكی حتى أُغْمِي عليه، وأومأ الى خادم كان على رأسه: أن أسكت، فسكتُّ ساعةً، ثم قال لي: أَعِدْ، فأعدتُ حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى، وأومأ الخادم إليَّ: أن اسكت، فسكتُ، فمكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت، ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضُرِبَ باسمه، ولم تكن دُفِعَتْ إلى أحد بعدُ، وأمر إلى مَنْ في منزله بحليّ كثير أخرجه إليّ الخادم، فقدمتُ العراق، فبعتُ كلَّ درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم، فكان أول مال اعتقدته. يستوهب الرضا (عليه السلام) ثوباً لبسه ليجعله في أكفانه: قال ابن مهرويه وحدثني حذيفة بن محمد: أن دعبلاً قال له: انه استوهب من الرضا عليه السلام ثوبا قد لبسه في أكفانه فخلع جبة كانت عليه، فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه، فأخذوها منه غصباً، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلا فأنت أعلم. فقال لهم: انى والله لا أعطيكم إياها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام. فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الألف الدرهم وفَرْدَ كُمٍّ من بطانتها فرضى بذلك».

التهمة الثالثة

3- قال أبوالفرج الأصفهاني:(1407هـ:20/149) «كان دعبل يخرج فيغيب سنين، يدور الدنيا كلها، ويرجع وقد أفاد وأثرى. وكانت الشراة {الخوارج} والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه، وكان إذ لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه،... وسقاهم وشرب معهم، وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه، وألفوه لكثرة أسفاره، وكانوا يواصلونه ويصلونه.»

وجوابه هو: أن غيابه عن الناس وتجواله هنا وهناک فراراً من حکام الجور أو لکسب لقمة العيش فهو أمر طبيعي لأنه کان يلتقي لدی جولته بالخوارج واللصوص فهم کانوا يزورونه ولايصيبونه أذی فهم يؤاکلونه ويشاربونه وهو أيضاً عندما کان يبسط مائدته يستدعيهم لتناول الطعام معه. هذا إن لم يکن حسناً فليس بعيب لأنه يدل علی سجاياه الأخلاقية بعبارة أخری جذب إليه حتی اللصوص والخوارج رغم الاختلاف بينهم في الأفکار والاعتقادات.

التهمة الرابعة

قال أبوالفرج الأصفهاني: (1407هـ:20/137) «... عن أبي خالد الخزاعي قائلاً قلت لدعبل: ويحك قد هجوتَ الخلفاء والوزراء والقوادَ ووَتِرْتَ الناس جميعاً {أصبح لهم عندك وتر؛ والوتر: الثأر}، فأنتَ دهرَكَ كلَّهُ شريد طريد هارب خائف، فلو كففتَ عن هذا وصرفتَ هذا الشَّرَّ عن نفسك! فقال: ويحكَ؟ إِني تأملتُ ما تقول، فوجدتُ أكثر الناس لا يُنْتَفَعُ بهم إلا عَلَى الرَّهْبَةِ، ولا يُبالَى بالشَّاعرِ وإِنْ كانَ مُجِيداً إذا لَمْ يُخَفْ شَرُّهُ، ولَمَنْ يَتَّقِيكَ عَلَى عِرْضِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَرْغَبُ إليك فى تشريفِهِ. وعُيوبُ النَّاسِ أكثرُ مِنْ محاسِنِهِمْ، وليس كلُّ مَنْ شَرَّفْتَهُ شَرُفَ، ولا كل من وصفتَهُ بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقول، فاذا رآكَ قد أَوْجَعْتَ عِرْضَ غيره وفضحتَهُ اِتَّقَاكَ عَلَى نَفْسِهِ وخافَ مِنْ مِثْلِ ما جَرَى على الآخر. وَيْحَك، يا أبا خالد إن الهجاءَ الُمقذع آخِذٌ بِضبعِ الشاعر مِنَ المديحِ المُضْرِعِ. فَضَحِكْتُ مِنْ قولِهِ، وقلتُ: هذا والله مقالُ مَنْ لايموتُ حَتْفَ أَنْفِهِ».

وجوابه هو: أن کلام « أبي خالد الخزاعي» أشبه بحکاية مضحکة لأن الذي يسير وراء المنافع المادية لايُلْقي بنفسه إلی التهلکة عن طريق هجو الملوک والخلفاء والوزراء لکسب الثروة فهو لو کان مادياً لمدح الممدوحين فلم يهج أحداً هجواً مقذعاً. وإذا کان يقصد من وراء هجوه اکتساب المال لم يقل: «أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجدُ أحداً يصلبني عليها»( الأصفهاني. 1407هـ:20/ 133) إنه کان يعلم أن هجو الظالمين والمستکبرين لأجل الدين يؤدي إلی استشهاده رغم ذلک لم يخف منهم مادام حياً. فضلاً عن ذلک إذا كان غرضه كسب المال لكان بمقدوره أن يضع لسانه في سوق الارتزاق كما فعل غيره، ولو فعل ذلك لفاق أقرانه وجمع أموالاً هائلة لايمكن حصرها، ولكنه أبى إلاّ أن يضحّي بالغالي والنفيس من أجل عقيدة كان يناصرها ضميره، وليس هناك مجال للتظاهر بالتشيع ما دام التشيّع محارَباً من قبل الحكومة العباسية. هو کان يعرف جيداً أن من يتكلم عن مناقب الوصي يُقطع لسانه ويُمزق ديوانه. فلذلک ألزم أئمة الشيعة التقية على شيعتهم حفظاً على دمائهم التي استحلها أولئك المجرمون الذين خلقوا للجريمة والإساءة إلى الناس، ولولا التقية لما بقي للشيعة اسم ولا رسم. لقد شدد الأئمة الطاهرون على شيعتهم بكتمان إيمانهم وإخفاء عقيدتهم حفظا لدمائهم وإبقاءا على وجودهم.

التهمة الخامسة والجواب من دعبل نفسه:

قال أبوالفرج الأصفهاني (1407هـ:20/196) «يُتَّهم دعبل بشتم بنت عبد المطلب {عليهما السلام} فيهرب وينكر التهمة: أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبي قال: قَدِمَ دعبلُ الدينورَ، فجرَى بينه وبين رجل من ولد الزبير بن العوام كلامٌ وعربدةٌ على النبيذِ، فاستعدى على عمرو بن حميد القاضي، وقال: شتمَ {دعبل} بنتَ عبد المطلب، واجتمع عليه الغوغاء، فهرب دعبل، وبعث القاضي إلى دار دعبل فوكل بها وختم بابه، فوجَّهَ إليه بِرُقْعَةٍ فيها: ما رأيتُ قطُّ أجهلَ منك إلا مَن وَلَّاك، فأنه أجهلُ، يقضي في العربدة على النبيذ، ويحكم على خصم غايب، ويقبل عقلك أني رافضي شتم صفية بنت عبد المطلب. سخنت عينك، أفمن دين الرافضة شتم صفية؟ قال أبي: فسألني الزبيري القاضي عن هذا الحديث فحدثته، فقال: صدق والله دعبل في قوله، لو كنت مكانه لوصلته وبررته. هذه القضية وما شابهتها جعلته يفر من الناس حيث قال شهاب الدين أحمد، المعروف بابن عبد ربه في کتابه العقد الفريد (1990م . 2/289): «وقيل لدعبل الشاعر: ما الوَحْشة عندك؟ قال: النَّظرُ إلى الناسِ!!».

التهمة السادسة

ذکر أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي (ت 463) في کتابه تاريخ بغداد (1417 هـ: 8/245) «أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين بن محمد الجازري حدثنا المعافي بن زكريا حدثنا محمد بن يحيى الصولي حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال سمعت علي بن الجهم وقد ذَكَر دعبلاً فكفَّرَهُ ولَعنَهُ وقال كان قد أغري بالطعن على أبي تمام وهو خير منه ديناً وشعراً...»

وجوابه هو: عندما ينظر المنصف إلی تکفير عليّ بن الجهم ولعنه لدعبل يخطر بباله مظلومية هذا الشاعر الملتزم فإنه بمجرد أن طعن علی أبي تمام أصبح کافراً وملحداً حيث يستحق التکفير واللعن مع أننا نجد الکثيرين من الشعراء طعنوا الآخرين فلايوصف أحدهم بهذه الصفات؛ فضلاً عن ذلک لم ‌يکن أبو تمام معصوماً عن الذنوب کي لا يقدر أحد أن ينقده.

التهمة السابعة

إساءة دعبل إلی من أحسن إليه. قال عنه أبوالفرج الأصفهاني: (1407هـ:20/131) «لم يسلم عليه أحدٌ من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلتَ منه كبيرُ أحدٍ.»

وقال أيضاً (الأصفهاني. 1407هـ:20/195) «كتب {المأمون} إلى أبي أن يكاتبه {دعبل} بالأمان، ويحمل إليه مالاً. وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء فليفعل. فكتب إليه أبي بذلك، وكان واثقاً به، فصار إليه، فحمله وخلع عليه، وأجازه وأعطاه المال، وأشار عليه بقصد المأمون ففعل. فلما دخل وسلَّم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني:

مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات

فجزع، فقال له: لك الأمان لاتخف، وقد رويتها ولكني أحب سماعها من فيك، فأنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه، فوالله ما شعرنا به إلا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وأنسه به..»

وجوابه هو: انه لم يكن قليل الوفاء، ولم يضلّه المال كما أضلَّ غيره من قبل، وحين هجا أولئك الذين أكرموه وأحسنوا إليه كالرشيد والمأمون مثلاً، فلأنه كان يفهم جيداً أن ذلك ليس إحساناً قبل أن يكون وسيلة لشراء الضمائر والتسلط على ألسنة الشعراء. فهجاؤه لمناوئي آل البيت (عليهم السلام) لم يكن بدافع شخصي أو مادي قط، وإنما كان بدافع العقيدة الذي يملي عليه ذلك، بغضّ النظر عن سوء النتائج أو حسنها، وقد أصرّ على ما هو عليه دون أن يتردّد أو يقلّ من عزمه حدّ. إنه کان يعرف جيدا أن المأمون يتظاهر بالتشيع فخير دليل علی ذلک هو استشهاد الإمام علي بن موسی الرضا (عليهما السلام) بأمر منه فبديهي أن لا يأبه دعبل بعطاياه ولايهمه إحسانه. ولذلک نجد في هجاءه للمامون هدنة ولعل من أحد أسباب تلك الهدنة موضوع ولاية العهد التي قبلها الإمام الرضا (عليه السلام)، وسبب آخر من أسباب تلك الهدنة ما تظاهر به المامون من حب آل البيت (عليهم السلام) والعطف على أشياعهم ومحبيهم. فبدا واضحا لذوي البصائر النافذة أن ما فعله المامون لم ‌يكن إلا سياسة مرحلية لدعم جبهته في صراعه المحموم على الحكم سياسياً وعسكرياً مع أخيه الأمين. لأن المنافقين من الشعراء کانوا يحرّضون المأمونَ على دعبل، ولكن المأمون كان يفهم جيداً ما يجب أن يتخذه لتثبيت مركزه وحاكميّته، فكيف يقتل شاعراً معروفاً بولائه لأهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وعلى مرأى من الناس، لذا أعطى لدعبل الأمان رغم أنه هجا المأمون بقوله:( ابن خلكان. 1968م: 2/267؛ ابن عساكر. لا تا: 17/263؛ الأبشيهي. 1272هـ: 2/3)

إني مِنَ القوم الذين سيوفهم قتلتْ أخاكَ وشرَّفَتْكَ بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خمولِهِ واستنقذوك من الحضيض الأوهد

أشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي وحصاره بغداد وقتله الأمين محمد بن الرشيد وبذلك ولي المأمون الخلافة والقصة مشهورة ودعبل خزاعي فهو منهم وكان المأمون إذا أنشد هذه الأبيات يقول: (ابن خلكان. 1968م: 2/267) «قَبَّحَ اللهُ دعبلاً فما أوقَحَهُ كيف يقولُ عني هذا وقد وُلِدْتُ في حجر الخلافة ورضعتُ ثديها وربيتُ في مهدها». ولکن لما مات المأمون خلفه أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم سنة 218هـ، فطاردَ الطالبيينَ ونَكَّلَ بهم وكان دعبل يرى في المعتصم خصماً عنيداً وعدواً لا يمكن تركه، فأكثر به الانتقاد اللاذع والهجاء. وكان يطلبه دائماً ليفتك به ويتخلص من لسانه فوضع عليه الجواسيس وعندما بلغ دعبل أن المعتصم يريد قتله هرب. فهو لايرى شرعية الخلافة في المامون أو المعتصم، بل کان يحصرها في أهل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم). فلذلك نلاحظ أنه يتخذ أشعاره سلاحاً في عقاب الحكّام العباسيين لإظهار مساوئهم ومعايبهم وحقائقهم التي يخفونها وراء أقنعتهم کما قال في قبر الإمام الرضا (عليه السّلام) وإلى جواره قبر هارون الرشيد الذي انمحى أثره واندرس: (الأصفهاني. 1407هـ:20/194؛ ابن عساكر. لا تا: 5/233 ؛ المرزبانيّ. 1413 هـ:94)

أربِعْ بطوسٍ على القبر الزكيّ إذا ما كنتَ تُربع من دينٍ على وطَـرِ

قبرانِ في طوس: خير الناسِ كلِّهِمُ وقـبـر شـرِّهُـمُ.هذا مِن العِبَـرِ

ما ينفعُ الرجسَ من قُربِ الزكيِّ ولا على الزَّكيِّ بقُربِ الرِّجْسِ مِن ضررِ

وقال في خلفاء بني العباس مصوّراً ما هم عليه من مطاردة لأهل البيت (عليهم السلام) وتعذيب ونهب وتقتيل: (نفس المصادر)

قتـل وأسرٌ وتحريـقٌ ومنهبةٌ فعلَ الغُزاةِ بأرضِ الرومِ والخَزَرِ

أرى أميّـة معذورين إن قَتَلُوا ولا أری لبني العباس من عُذُرِ

فهو يعذر بني أمية في أفعالهم حيال بني هاشم لأنهم يبغضونهم ويخالفونهم في الدين والسياسة، ولكنه لا يرى لبني العباس من عذر فقد ناصرهم العلويون في قيام دولتهم ونجاح ثورتهم، وكانوا يحقدون على بني أمية لتقتيلهم آل البيت (عليهم السلام) وما قاموا إلاّ لأخذ الثأر الذي رفعوه شعاراً ولكنهم فاقوا ما فعله الأمويون.

قيل للوزير محمد بن عبد الملك الزيات: لم لا تجيب دعبلا عن قصيدته التي هجاك فيها؟! «قال: إن دعبلاً قد نَحَتَ خشبته وجعلها على عنقه يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلاثين سنة وهو لايبالي ما قال هؤلاء وما فُعِلَ له».(ابن المعتز، 2009م: 265)

لاشک أن دعبل كان يهجو العباسيين ويفشي سلوكهم السييء تجاه الناس. فهو يصف «خلفاء»!! بني العباس بملوك بني العباس. حيث ذکر أبوالفرج الأصفهاني: (1407هـ:20/157؛ الخطيب البغدادي. 1417 هـ: 8/379) «كان المعتصم {محمد بن هارون ثامن الملوک العباسيين الحكم سنة 218 هـ} يبغض دعبلاً لطول لسانه، وبلغ دعبلاً أنه يريد اغتياله وقتله، فهرب إلى الجبل، وقال يهجوه: (الأصفهاني. 1407هـ:20/158)

وقامَ إمامٌ لم يَكُنْ ذا هِدايةٍ فليسَ له دِينٌ وليس لَهُ لُبٌ

مُلوكُ بني العباسِ في الكُتْبِ سَبْعَةٌ ولَمْ تَأْتِنَا عَنْ ثامِنٍ لَهُم كُتْبُ

كذلكَ أهلُ الكَهْفِ في الكَهْفِ سَبْعَةٌ خِيارٌ إذا عُدُّوا وثامِنُهُمْ كَلْبُ»

وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

فکان دعبل نفسه في صميم المعارضين لخلافته وحكمه، ولا سيما مع تصاعد كره المعتصم لشيعة آل البيت (عليهم السلام) ومحبيهم، ولم يكن دعبل ليسكت عن كل هذا الحيف الذي ألحقه المعتصم بالمسلمين الشيعة. مرة أخری يهجو المعتصم والواثق {الواثق باللّه هارون بن محمد المعتصم هو تاسع الملوک العباسيين، حكم لخمس سنين، تمتد من 227 حتى 232 هـ} حين علم نعي المعتصم: (الأصفهاني. 1407هـ:20/160) «... كنت مع دعبل بالصيمرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق، فقال لي دعبل: أمعك شيء تكتب فيه؟ فقلت: نعم، وأخرجت قرطاسا، فأملى على بدئها:

الحمد لله لا صبرٌ ولا جلدٌ ولا عزاء اذا أهل البلا رَقَدُوا

خليفةٌ ماتَ لم يَحْزَنْ لَهُ أَحَدٌ وآخَرُ قامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أَحدٌ

فمَرَّ هذا ومَرَّ الشؤمُ يتبعُهُ وقام هذا فقام الظلمُ والنكدُ

استشهاده:

کما مرَّ سابقاً كان‌ العبّاسيّون‌ أشدّ كرهاً للعلويّين‌ من‌ الأمويّين‌ وأعظم‌ بغضاً، فأمعنوا فيهم‌ قتلاً وحرقاً، واضطهاداً وتعذيباً. فمن‌ ذكر عليّاً سُجن‌ أو نُهب‌ ماله‌ أو هُدمت‌ داره‌، وكان‌ البلاء يشتدّ علی العلويّين‌ يوماً بعد يوم‌. فمن‌ دفن‌ الناس‌ أحياء إلي‌ الصلب‌ إلی الحرق‌ إلی‌ الحبس‌ ومنع‌ الهواء والأكل‌ والماء عن‌ المحبوس‌، حتّی يقضي‌ نحبه‌ جوعاً وعطشاً. (انظر: الكيلاني‌. لا تا:22) فقُتل‌ أنصار علي‌ّ (عليه السلام) في‌ كلّ قطر وكلّ مصر وعُذّبوا تعذيباً مرّاً، قطعت‌ منهم‌ الأيدي‌ والأرجل‌. فلم يستثن شاعرنا عن مؤامراتهم فهو بعد ما هجا مالك بن طوق هرب إلى البصرة فبعث مالك بن طوق رجلاً حصيفاً مقداماً، وأعطاه سماً وأمره أن يغتاله كيف يشاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس، فاغتاله بعد صلاة العشاء، فضرب ظَهْرَ قدمه بعكازٍ مسمومٍ فمات من غد، ودفن بتلك القرية. وقيل بل حمل إلى السوس، فدفن فيها. (ابن عساكر. لا تا: 17/277 ؛ الأصفهاني. 1407هـ:20/200) وأما ترديد ابن عساكر في تاريخه (لا تا: 5/242) بعد ذكر وفاة دعبل سنة 246هـ وقوله: [قيل: إنه هجا المعتصم فقتله .وقيل: إنه هجا مالك فأرسل إليه من سمه بالسوس] ترديد بلا تأمل، إذ المعتصم توفي سنة 227هـ قبل شهادة دعبل بتسع عشرة سنة. كما أن ما ذكره الحموي في معجم البلدان (1357هـ: 4/418) من [أن دعبلاً لما هجا المعتصم أهدر دمه فهرب إلى طوس واستجار بقبر الرشيد فلم يجره المعتصم وقتله صبراً في سنة 220هـ] خلاف ما اتفق عليه المؤرخون وعلماء الرجال من شهادته سنة 246هـ (ابن خلكان. 1968م: 2/270؛ الخطيب البغدادي. 1417 هـ. 8/381).

النتائج

1- في تلك النماذج التي عرضناها ما يمكن اعتباره شاهداً على تعصب المؤرخين. ومع الرغم محاولة بعض مؤرخي الأدب العربي وبتحريض من (السلطان) لطَمْسِ معالم شخصية هذا الشاعر الشهيد وآثاره وشعره، فلقد حفظ لنا المنصفون من المؤرخين والباحثين شذرات من كلمات نظمها شعرا، فبقيت خالدة حتى يومنا هذا، تشير إلى الحق والخير والفضيلة.

2- تبين لنا من سيرة شاعرنا أنه مطبوع على الخير، يغلب على أشعاره الهجاء لحکام الجور؛ واشتهر بالهجاء في عصر کان يعتبر فيه الهجاء جريمة يعاقب عليها فاعلها. فهذا النزر اليسير من شعره الذي وصل إلينا عن طريق هذه المصادر فيه دلالة على أن روح التقوی والصدق ظلت تسيطر على تصرفاته.

3- كان دعبل شيعياً، وكان تشيعه معتدلاً معقولاً، لا غلوّ فيه ولا إسراف. فامتاز عن شعراء عصره بأنه كان جريئاً غاية الجرأة، وكان إذا ضرب لا يتهاون في ذلك، وإذا هجا فلا يهمه أن يكون هجاؤه في خليفة أو غير خليفة وما ذلك إلاّ لصدق نيّته وشجاعته وإيمانه وصلابة عزيمته.

4- في القليل من الشواهد التي عرضنا لها من أخباره وأشعاره ما يكفي للتدليل على حبه للإسلام وأهله. لأنه كان يتناول في شعره حق آل البيت عليهم السلام الذين كان يؤمن بحقهم الصريح، فهجاؤه للحكّام العباسيين يُثبت بكل صدق ووضوح تلك الطاقة وتلك القوة الكامنة في نفس هذا الشاعر الثائر.

5- من خلال العرض السابق لسيرة شاعرنا تبين أنه لم يعدل من مواقفه ولم يستطع أن يتقيد بحدود المستکبرين أو أن يمتثل لأوامرهم ونواهيهم. فهو كما يبدو قد طبع على الخير وكلف به وانصرف إليه وقد وجد في الشعر متنفساً له يعبر فيه عن مکنوناته القلبية، وسخطه على قيم الظالمين.

  

 

المصادر والمآخذ

- ابن الأبار الأندلسي. 1963م. الحلة السيراء. تحقيق حسين مؤنس. الطبعة الأولی. القاهرة.

- ابن المعتز. 2009م. طبقات الشعراء. تحقيق عبد الستار أحمد فراج. مصر: دار المعارف.

- ابن خلدون، 1961م. مقدمة ابن خلدون. الطبعة الثانية. بيروت: دار الكتاب اللبناني.

- ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر. 1968م. وفيات الأعيان وأنباء الزمان. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الثقافة.

- ابن عبد ربه، شهاب الدين أحمد. 1990م . العقد الفريد. بيروت: دار ومکتبة الهلال.

- ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي. (لا تا). تاريخ دمشق. ثمانين مجلداً. بيروت: دار الفكر.

- ابن منظور المصري. 1965-1966م. مختار الأغاني. القاهرة: تحقيق الأبياري.

- الأبشيهي، بهاء الدين أبو الفتح محمد بن أحمد. 1268-1272هـ. المستطرف في كل فن مستظرف. القاهره: مطبعة بولاق.

- الأصفهاني، أبو الفرج. 1407هـ. 1986م. الأغاني. الشرح والهوامش د. عبدالله علي مهنا. بيروت: دارالفكر.

- الخطيب البغدادي، أبي بكر أحمد بن علي. 1417 هـ. تاريخ بغداد أو مدينة السلام. الطبعة الأولی. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دارالكتب العلمية.

- الزّركلي الدمشقي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس. 1992م. الأعلام. الطبعة العاشرة. بيروت: دار العلم للملايين.

- القيرواني أبو إسحاق ابراهيم بن علي الحصري. (لا تا). زَهرُ الآداب وثَمَرُ الألباب. تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. مصر: المطبعة الرحمانية.

- الكيلاني‌، محمّد السيّد.(لا تا) أثر التشيّع‌ في‌ الأدب‌ العربي‌ّ. الطبعة الأولی. القاهرة‌: لجنة‌ النشر للجامعيّين‌.

- المرزبانيّ. 1413 هـ. أخبار شعراء الشيعة. الطبعة الثانية. بيروت: شركة الكتبي.

- ياقوت الحموي. 1355 - 1357هـ. معجم الادباء. مصر: مطبعة المأمون.

المجلات

- محمد خير شيخ موسى. 1989م. مجلة التراث العربي. «مواطِن الخَلل والاضِطراب في كتاب الأغاني». العدد 34، كانون الثاني.

المجلات

- محمد خير شيخ موسى. 1989م. مجلة التراث العربي. «مواطِن الخَلل والاضِطراب في كتاب الأغاني». العدد 34، كانون الثاني.

د. يحيي معروف


التعليقات




5000