..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تجليات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين (الجزء الرابع من الدراسة النقدية)

أسماء غريب

  الصّوتُ الحروفي عند الشّاعر أديب كمال الدّين

قصيدة "مُحاولة في الموسيقى" نموذجاً

•1.1             النّغم الحروفيّ

تتردّد الألفاظ وتتولّد منها معاني تخترق كلّ الحواس وتلج بعمق في روح المتلقّي. والقول بغير هذا لن يفضي إلاّ إلى تفريغ صوت الحرف العربي من معناه وتحويله إلى مجرد رمز أجوف لا شيء فيه. وجمالُ أيّ نصّ شعري يكمن في موسيقاه التي لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا تموسقت الحروف، وعَزفتْ لحناً يسكن شغاف الكلمات، ويصلُ إلى القلب عَبْر ما يكونُ قد قام به الشاعر من توزيع للنغم الصوتي على وحدات زمانية وأخرى مكانية تنتظمُ بداخلها الوحدات الصوتية والتشكيلات الإيقاعية والدفقاتُ الشعورية المرهفة الإحساس بجمالية الكلمة والمعنى المرتبطِ بكل ما له صلة بما اتفق أهل النقد على تسميته بالدلالة الصوتية، أيْ ذاك العلم الذي اهتم به قدماء العرب كالفراهيدي في كتابه "العين" وسيبويه في مؤلفه "الكتاب" وابن جني في "الخصائص"، كما اهتم به أيضاً لغويو الغرب أمثال "جسبرسن Jesperson" و"هيمبولت Himpolt" و"فيردناند دي سوسير Ferdinand de Saussure" وإن كان هذا الأخير قد عارض النظرية التي تقول بالصلة بين الصوت والمعنى.

لكن الأمر الأهمّ في محاولة الوقوف عند موسيقية نصّ الشّاعر هو نهج طريق تُمكّن من الوصول إلى الصوت الحرفي كأصغر وحدة فيه، وذلك بغرض فهم الكلّي عبر الجزئي، وهذا العمل لن يتحقق إلا إذا تمّ تحديد المستوى الفونولوجي والفونيتيكي للصوت من خلال التركيز على طبيعة هذا الأخير وعلى خاصياته الفيزيائية والعضوية. وستكون قصيدة "محاولة في الموسيقى" هي عيّنة هذا البحث المجهري، وذلك لما اجتمع فيها من المقومات والمؤهلات التي تشهد باكتمال التجربة الشعرية عند أديب كمال الدّين وتمام استدارة بدرها عبر التحرر من القصائد الموزونة الخاضعة لقيود البحر الشعري وأوزانه المقفاة، خاصة تلك التي حوتها ولم تزلْ دفّات الدواوين الأولى للشاعر ك "تفاصيل" و"جيم" و"أخبار المعنى".

يقول الشاعر إذن في قصيدته "محاولة في الموسيقى":

 "(1)

الموسيقى تهبطُ تهبط

طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلال ماء.

فيطيرُ قلبي مع الطير

لكنّ يدي لا تمسكه،

ويلامس العنقود شفاهي

لكنْ لا سكين حبّ تقطع فراغنا الجارح

والشلال يأتيني فأكون الماء لألقاه

لكني أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

(2)

حتّى الحروف صارتْ تتعبني

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دون أن تحمل في يدها باقةَ شمس

أو حفنةَ قمر

أو قُبلات ريش.

(3)

الكلُّ يتبرقعُ بثيابِ غيره

إلاّي.

ولما لم أجدْ ما أتبرقع به

خرجتُ إلى الشارع عارياً..

عارياً تماماً!

(4)

الموسيقى تهبطُ بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

(5)

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموت إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسران على أرجوحةِ العيد.

(6)

منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدته محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدته ممتلئاً بالأبجديات.

(7)

السعادةُ راقصةُ بالية

والحزنُ بدويّ يفترشُ الأرض

ليعزف على الربابة.

(8)

أعجبني موتي

وحين حاولتُ أن أكرره

جننت!

(9)

الموسيقى تهبطُ.. تهبط

والروح تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.

(10)

الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة

وتنامُ كما ينامُ العشّاقُ الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر.

الموسيقى تتألّقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّية

ترقصُ كما يرقصُ الجنّي.

(11)

يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروف تتألق.

(12)

يفرحُ الثريّ بجواري الفنادق

ويفرحُ المغنّي بدنانير الملاهي

ويفرحُ زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة.

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرح إلاّ بنفسي

ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي.

(13)

إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف:

احتجاجُ الحاءات

وضياعُ الراءات في ذكرى المدن الضائعة

ونفاقُ السينات

وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت؟

يا إلهي..

إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف؟"1

منذ البداية يحتفل العنوان بثيمة الموسيقى ويتغنّى بسموها وعلوها، إذ أنها هي التي تهبط من الأعالي، وهي التي تقتضي من المتلقّي أن يقف في حضرتها وكأنه داخل معبد عليه أن يلتزم فيه بالصمت حتى يتمكّن من تلقّي مكنونات حروفها ورسائلها.

وكونُ الشاعر استخدم لفظ "تهبط" فهذا فيه دلالة على تفوق اللغة الموسيقية وحروفها، خاصة وأن للموسيقى قدرة على تحريك مخيّلة الإنسان وأحاسيسه الدفينة، مادامت تتوفر فيه القدرة على تحقيق نوع من الوعي التخيُّلي للموسيقى كشكل جمالي وإستيطيقي لا يتجزأ من منظومة الجمال الكوني للوجود ولموجده.

فهل توجد حقاً في هذا النص موسيقى؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل لموسيقاه معنى؟ وهل استطاعت الكلمات في القصيدة أن تؤدي هذا المعنى؟ هذا ما ستتم محاولة الاقتراب منه ووضع اليد على الحروف التي تُوُلِّدَ من خلال تمازجها ببعضها البعض خفقانا في قلب الشاعر والمتلقّي موصلة إيّاهما إلى تلك المسافة الفاصلة بين أخفض وأقوى صوتين حروفيين فوق درجات سلّم الموسيقى الحروفية، بشكل يمكن معه معاينة ارتعاش الأول وتنهدات الثاني عبر ما يكون قد حدث داخل القصيدة من التصعيد في صوت ونغم الحروف المكونة لكلماتها، دون إغفال المَواطن التي وقع فيها الهمس والتأوه عبر عزف الحروف لنغمة متساوقة تتحوّل إلى سلك كهربائي يحمل بداخله رسالة يتوحّد فيها الشكل بالمضمون، ونغم الصوت الانفجاري بنغم الصوت المهموس، والصوائت القصيرة بالصوائت الطويلة، وهو الأمر الذي يشير إليه هذا الرسم الكرافيكي والذي تمّ فيه تقصّي وإحصاء عدد المرات التي تكرر فيها كل حرف من أحرف الأبجدية بدءاً من الألف ووصولا إلى الياء، خاصة وأنه تم التوصل إلى أن تكرارَ الشاعر لنوع معين من الأصوات الحرفية فيه بلاغةٌ تزيد من تجلّي المعنى ومن جمالية الكلام وموسيقيته وفي هذا دليل على مدى قدرة أديب كمال الدّين على انتقاء الحرف الذي له جرس موسيقي معين دوناً عن الآخر1:

 

الصورة رقم 5

صوت الألف

            خصّص الشاعر للألف ديوانا كاملا أسماه بـ (مواقف الألف) وكتب عن هذا الحرف وتجلّياته في تجربة الشّاعر الحروفية العديد من النقاد، والألف هو الحرف الملك الذي تعوم في نوره وبهائه كل القصائد والدواوين التي كتبها الشاعر إلى اليوم، وهو في قصيدة "محاولة في الموسيقى" تكرر لمائة وأربعين مرّة وبمعدل 14% كأعلى نسبة مئوية مقارنة إياه ببقية الحروف، ناهيك على أنه ظهر بكل تجلّياته اللغوية والنحوية، فهو في النص تارات مهموزاً وتارات أخرى ليناً، لذا وجب التوقّف عند كل شكل من أشكال الألف في القصيدة واستشفاف معانيه الصوتية وآثاره على المعنى داخل النسق العام للأبيات.

ـ الألف مهموزاً:

ورد في النص بمعدل أربع وثلاثين مرّة، أيْ خمس وعشرين مرّة مفتوحاً، ستّ مرّات مكسوراً، مرّتين مرفوعاً، ومرّة بعلامة السكون. وكون علامة الفتح هي الغالبة في الألف المهموز فهذا يعني وجود نتوء في الطبيعة الصّوتية للنصّ، لذا فالصّورة هي صورة بروز وكأن الشاعر غارق في بحر الوقفة والوقوف بشكل يجعل من الألف هنا ليس حرفاً صوتياً فقط ولكن بصرياً يتصف بالحضور والعيانية. ولعلّ هذا ما يبرّر ارتباط هذا الألف بالأفعال الواردة بصيغة المتكلم وبضمير الأنا (فأكون / لألقاه / أصطدم / أغرق إلى غير ذلك من الأفعال). وكون الألف مهموزاً ومرتبطاً بهذا النوع من الصيغ الفعلية فهذا يعني حركية وطاقة نابعة من الأنا الأعلى نحو الخارج أو رغبة تواصلية قوية تحتكم إلى التفاعل والمشاركة والتأثير في الدائرة الوجودية للحياة.

الألف المهموز إذن هو دليل على أصالة الخطاب الشعري لدى أديب كمال الدّين وعلى أرضيته الصلبة التي ترتكز على الفطرة التوحيدية داخل الإنسان، إذ لولا انفجار هذا الصوت المهموز لما كان هناك هذا النداء الصارخ بين ثنايا أبيات القصيدة وفي أعماق الذات الشعرية، هذا النداء الذي يرغب في إثارة انتباه المتلقّي كي يشقّ له درب التحوّل الحاصل داخل السلّم الصوتي لقصيدة "محاولة في الموسيقى" ودعوته إلى التطور مع معانيها والغوص في بحار لآلئها ومكنوناتها العجيبة كما هو جليّ في هذه الصورة:

الصورة رقم 6

الألف ليّناً:

ذكِر في القصيدة لأزيد من تسعين مرّة، وفي وجوده دعم إضافي لصوت الهمزة الناتئ باعتباره يشكّل نوعاً من المدّ المفتوح داخل النص كلّه، وهذا الألف وقع في أواسط بعض الكلمات وأواخر كلمات أخرى مضفياً عليها امتداداً صوتياً في الزمان والمكان، وموسيقية ذات نفس عال مشرع على أعلى درجات الوحدانية عبر نغم تصاعدي يتغيّأ وضع حدّ لهذه الحالة من الوحشة الكبرى التي كانت تسبح فيها الذات الشاعرة في عالم يتبرقع فيه الكلّ بثياب غيره. إذن ففي امتداد صوت الألف الليّن، انفراج لسفينة الباء وتعميق لنون الأرض، واستقامة لألف القلم، ونزيف للحروف من عين الدواة، نزيفاً تبدو معه وكأنها نوتات تتموسق بشفاه مفتوحة لا مُطْبقة، وتهبط وكأنها "عنقود عنب وشلال ماء".

                       

صوت اللام

اللام هي الحرف الذي تكرر صوته مباشرة بعد الألف، بمعدّل 114مرّة، أي أنه يشكل ثاني أكبر نسبة مئوية في النص. واللام حسب تعريف اللغويين لها، حرف صامت مرقق الحركة وصوته أسناني لثوي مجهور، وفي الحركات يصبح هذا الحرف قويَّ الوضوح والسّمع وهو في الوقت ذاته صوت متوسط بين الشدة والرخاوة ومن أشكال حضوره في القصيدة يُذكر قول الشاعر:

"الموسيقى تهبطُ بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

(5)

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموتِ إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسّران على أرجوحةِ العيد.

(6)

منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدته محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدته ممتلئاً بالأبجديات."

إذن فالكلمات التي ورد فيها حرف اللام هي كالتالي:

الموسيقى / بلامات / الأطفال / الموت / إليها / لنلتقي / طفلين /على / العيد / إلى / ممتلئاً

وكما يلاحظ فإن هذه اللامات الواردة هنا يمكن تقسيمها إلى ما يلي:

ـ لامات لصيقة بحروف الجرّ: 

وهي هنا وإن وردت بصيغ تستمدّ أصلها من خاصية الإلصاق في طريقة النطق بصوتها، إلا أنها جاءت بالشكل الذي حوّل خاصية الإلصاق والجمع هذه إلى صفات وخصائص أخرى يذكر منها:

ـ صفة الصيرورة (انظر: لنلتقي طفلين يتيمين)

ـ وصفة الايضاح والتبيين (يتحسّران على أرجوحةِ العيد / منذ أن تعرّفتُ إلى دمي / ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي) إذ وردت اللام هنا من أجل إيضاح موضوع الحسرة، وماهية المُتعرّف إليه.

ـ لامات مرتبطة بأداة التعريف (ال)

وقد وردت أوّلاً للدلالة على موضوع ذهني معلوم لدى المخاطب، فهو بمجرّد قراءته للجملة التي تُحُدّث فيها عن "الموسيقى" يُدركُ مباشرة من هي التي تهبط ومن هي التي تجيء: (الموسيقى تهبط / الموسيقى تجيء). وثانياً لبيان الحقيقة الذاتية لنوع الشيء الذي يتحدّث عنه الشاعر، أيْ أنّه نوع طائر وآخر حروفي: (وجدته محاصراً بالطيور / ممتلئاً بالأبجديات).

ـ ثمّ لامات أصلية في بقية المصطلحات

وهي هنا بسيطة، مرنة ومتماسكة بشكل جعلها أكثر قدرة على التعبير عن معاني مختلفة تدور حول حركة وفعل الموسيقى داخل النص، وداخل ذات الشاعر والمتلقّي، وهو ما سيُحاول شرحه عبر الآتي من التفكيك ورسم الذبذبات والحركات الصوتية والفنية الجمالية التي أحدتثها لامات الموسيقى وسيناتها ونوناتها.

يقول الشاعر إذن:

"الموسيقى تهبطُ بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال"

الموسيقى علوية الحضور ليس في هذا المقطع فقط بل في كلّ القصيدة. وكون حرف اللاّم ورد بصيغة الجمع (لامات)، فإنّ الحركة الهبوطية فيها نوع من الزّخ المطري العذب كشفاه الأطفال. ناهيك على أن في عبارة "شفاه الأطفال" ذاتها حضور لحرف آخر يشبه في رسمه وحركيّته القُبلة، ويقصدُ بهذا الحرف حرف "الميم"، إذن فالموسيقى المعزوفة هنا هي عبارة عن صوت وذبذبات اللامات والميمات:

يكمل الشاعر ويقول:

"وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات."

الموسيقى هنا في هذا المقطع ليست راءات وسينات ونونات فقط2، ولكنها حروف تتحوّل إلى طيور وإلى ماء والدالّ على ذلك هو الفعلان (تُزقزق وتوسوس) ثم كلمة (ندى) التي تؤكد ما سبقت الإشارة إليه من زخّ مطري يتكوّن بَعده الندى. إذن فاللوحة تكتمل الآن تماماً، وترى العينُ فيها الطيورَ والمطرَ الحروفيين والأطفال. أيّ أن الإنسان هنا، هو في مقام جنّة الوحدانية لا الأحدية، ذلك أن الأحدية هي موطن الله الأحد، ولا أحد يمكنه رفع حجاب عزّتها أبداً، وهذا يعني أن الجنّة هنا هي دالّة على جمال الله الّذي بوجوده غنّت الحروف وسبّحت له أجمل التسابيح وترنّمت بأرقي الترانيم والصلوات التي تمّ رصدها وفقاً لما يلي من الرسومات:

الصورة رقم 7

ويقصد بهذه الصورة كلّ الحركات التشكيلية مع إضافة السكون والشدّة إليها، وكما ترى فهي تشبه في شكلها الطائر، فحركات الفتحة والكسرة هي الأجنحة، والضمة هي منبت الرأس، وقد تمّ الجمع بينهن في الرّسم التخطيطي بالأسهم المتجهة إلى الأسفل حتى تأخذ حركة الهبوط الحروفي شكلها الصحيح، أمّا رأس الطائر فهو دائرة السكون، ومنقاره هو الشَدّة. وهذا يعني أن هذا الطائر الحركي سيحمل في منقاره  عند نزوله كلَّ الحروف التي أشار إليها الشاعر محدثاً في لحظة هبوطه رقرقة نونية وزقزقة رائية ووسوسة سينية، وهذا ما عُبّر عنه بهذه الصورة:

الصورة رقم 8

كما ترى، فالصورة هي تعبير عن صيغة فردية لكلّ حرف نازل، لذا فما عليكَ سوى أن تستحضر أمام عينيك وداخل أذنيك الصورة الجماعية لهذا النزول، باعتبار أنّ الشاعر تحدّث عن الحروف بصيغتها الجمعية قائلا: (لامات، راءات، سينات، ونونات)، ناهيك عن الميمات التي تمّ استبطانها من حركة شفاه الأطفال وما قد تحدثه مع اللامات لحظة الهبوط من أصوات القُبَلْ (انظر في الصورة أعلاه صوت وذبذبة السين والنون والراء). إذن فالأمر فيه حقّا، أصوات طيور جنّة الوحدانية، وإلاّ لما كانت لتوجد في النص عبارات الشاعر التالية: (منذ أن تعرّفتُ إلى دمي / وجدتُه محاصراً بالطيور / ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي/ وجدتُه ممتلئاً بالأبجديات)3.

صوت النون

ذكر صوتُ النون في القصيدة 59 مرّة، وهذا الحرف في تجربة الشّاعر ككلّ له قيمة مميزة حيثُ خَصّص له ديواناً كاملاً أسماه (نون) مفتتحا إياه بنص "قاف"4. والنون عند أديب كمال الدّين هي التجلّي الأسمى للحقيقة المحمدية، هذه الحقيقة التي عبّر عنها في ديوان (نون) من خلال افتتاحه له ب (ن والقلم وما يسطرون)، ذلك أنّ محمداً (ص) هو أوّل التعيين النُقطي، أما نصف الدائرة ففيه إشارة إلى الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار، لذا فإذا كان في الخلق علّة ظهور الله تعالى، فإن في محمدّ (ص) سبب ووسيلة لمعرفته.

ولعلّ هذا ما جعل النون حتى في نص "محاولة في الموسيقى" تظهر ليس فقط كحرف نفاذ، واختراق صميمي في المعاني، بل كاحتواء رحِميّ فيه احتضان واندماج.

والنّون في هذه القصيدة لها عدّة أوجه، فهي على مستوى الصورة الشائعة (ن) ذُكِرتْ لأكثر من أربعين مرّة، كما ظهرت لعشرات المرّات عبر حركة التنوين بكل أشكالها سواء المرفوعة أو المكسورة أو المفتوحة، لكن هناك حروف أخرى حضرت النونُ فيها وإن بشكل خفي كالياء التي ذُكِرتْ 59 مرّة، واللام التي هي في الأصل مركّبة من ألف ونون تتكون بدورها من زاي وراء، الشيء الذي يعني قوة إضافية لدى نطق حروف النص مادام الأمر يستدعي هواءً أكثر ينبعث من داخل الصدر إلى الفم ومنه إلى الخارج بشكل يجعل من مخارج النون واللام والياء تتقطّع وتتواتر الواحدة تلو الأخرى، مما ينعكس مباشرة على قوتها الإيقاعية والموسيقية، ولعلّ هذا ما يبررُ قول الشاعر:

"أما أنا فكالموسيقى

لا أفرح إلاّ بنفسي."

في هذا المقطع إشارة إلى العزف الموسيقي، وكل عزف حروفي فيه حضور للعازف ولطيوره الأبجدية المزقزقة فوق أغصان شجرة عنبه أو خمرته الحروفية (وعنقودَ عنبٍ / يلامس العنقود شفاهي)، والشجرة هي مجموع الشين والجيم والراء، وأصل الأشجار هو الانتصار على الأنانية، الذي هو أساس الأشجار كلّها بما فيها شجرة الحروف وموسيقى أصواتها الظاهرة والمستترة، أي شجرة خروج الأمر الإلهي إلى الوجود والكون.

صوت الحاء

تكرّر هذا الحرف في النص لأربع وثلاثين مرّة، وهو أيضاً عنوان لديوان شعري أصدره الشاعر سنة4    2002، وهو في نصوص الشّاعر بشكل عام رمز للحياة وانتصار على الموت: "ولئن كانت ميم الموت هي المستغاث منه، فإنّ حاء الحياة والحبّ هي المستغاث به. هذا يعني أنّ الشّعر الحروفيّ لا يستلهم القوى الإنجازيّة المكنوفة في الأساطير والأديان إلا ليشحنها بطاقات جديدة تزيده يقينا من أنّ الحروف كائنات حيّة ذات قدرة وجبروت، لذلك عكست في القصائد الحروفيّة الشروط التأسيسيّة لمفهوم "الحياة" من منظورها الصّوفيّ حيث "الحياة صفةٌ تُوجِب للموصوف بها أن يَعْلَم وأن يَقْدر." ولأنّ "للحروف حياتها الذّاتيّة.. فإنّ ذلك الرُّوح يذهب وتبقَى حياة الحرف معه.""5

وقصائد الشاعر عن الحاء كثيرة ولم ترد فقط في ديوان (حاء) بل في دواوين أخرى، كديوان (النقطة)، و(أربعون قصيدة عن الحرف) و(أقول الحرف وأعني أصابعي)، أما في هذه القصيدة فيقول عنها الشاعر:

"الموسيقى تتألّقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّية

ترقصُ كما يرقص الجنّي."

لا غرابة إذن في أن تتألّق الموسيقى وتُحوّل الحاء إلى حرية، أي تلك الحرية التي لا تتحقق إلا إذا كانت شجرة الصوت الحروفي مستورة بشجرات العلم والعمل والحال. وهذه الحرية ما هي إلا جنة الوحدانية والفردوس المغروس من سين النَّفَس وحاء الريح المنعكسين في الحواس الخمسة بشكل يدفعها إلى الحركة بوجود الله والخروج إلى ظواهر الأشياء المحسوسة، كي يتحقق في النهاية انفصال النفس عن الروح وانتشار السلام والرحمة في الإنسان.

كانت هذه إذن، محاولة الشاعر في الموسيقى، أي في الحديث عن السلام والرحمة عبر حروف تتألّق وتزقزق وترفرف مغرّدة فوق أشجار فردوس الحرية والوحدانية.

•1.2             عذاب الهجر ولذة الوصال في موسيقى الحروف

يقول الشاعر في نصه "محاولة في الموسيقى":

"الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة

وتنامُ كما ينامُ العشّاقُ الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر"

إن الموسيقى الحروفية في هذه القصيدة حقيقة وقناع، وهي في الوقت ذاته تمارس لعبة خطيرة ليس من السهل إدراك منطقها المعرفي كدالّ ومدلول. فهي سيميائياً رمز يختلف في معناه تماماً عمّا تم الاعتياد عليه في علوم الدلالة، لأن نظامها يتأسس داخل أنظمة أخرى لها علاقة وطيدة بعلوم اللغة والتصوّف، فهي موسيقى مُتنزّلة (الموسيقى تهبط) باعتبارها الحرف الإلهي النابع عن الذات المطلقة بشكل يستجلب الفرح (لا أفرح إلا بنفسي): (لاحظ التركيب الحروفي لكلمتي "فرح / وحرف")، إلا أن هذا الفرح لا ينبع إلا من ألم واحتراق (إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف؟) تتعالى وتنفصل فيه حروف كالألف مثلاً، لكونها دالّة على عالم الجبروت، وتتصل فيه حروف أخرى كالباء مثلاً باعتبارها دالّة على عالم الشهادة والظاهر.6 ثم يتحقق لحروف ثالثة أمر الذوبان في جوهر الحياة الحقيقي كما هو الحال بالنسبة لحرف "الحاء"، فيحدث التغشّي بالنورانية وتتحقق الحرية بشكل تتحوّل معه جنّة الوحدانية إلى كتاب مسطور، لذا فلا شيء يمكن تسميته إلا بالحرف، ولا مفهوم يمكنه أن يقع خارج التسمية، ولا علم يمكنه أن يُتحصّل بعيداً عن المفهوم، فكما أنه لا يمكن لأحد أن يتعرّف إلى الشعر إلا بعد علوم العروض والتصريف واللغة، فإن علم النغم والإيقاع لا يمكن الاقتراب منه خارج المعرفة بالأوزان الهوائية، وكلاهما قائم على الحرف، لذا يصبح نص "محاولة في الموسيقى"، كتاباً عن الشعر وعن الحرف، مادام هذا الأخير واقع في كلام الله لا يستكنهه إلا الشعر باعتباره كلاماً يحتاج إلى الترتيب والنظم، فكلام الإنسان ينبغي أن يكون مرتّباً وموزوناً ومساوياً لكل ما في العالم من نبات وحيوان وجماد، فالعالم إنسان بل حرف وجودي أبرزه نفَس الرحمن.

يكمل الشاعر ويقول:

" ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي."

وفي هذا القول دلالة على تحقق المعنى الكلّي للوجود الذي لا يمكنه أن يتم إلا عبر عملية اندماج ووصل بين النقطة والحروف، إذ النقطة أصل كلّ حرف ومعنى، وكل ما يقع عليه البصر أو يدركه اللبّ هو نقطة بين نقطتين ومعنى، وحرف بين حرفين، وما من فراغ قال الحلاج: (ما رأيت شيئا إلا ورأيتُ الله فيه).

الشيء الذي يعني أن هذا التجلّي الحروفي ما هو إلا تجلّ عبر النفس الإلهي، الذي هو برزخ تضمن مراتب وجودية يصل عددها إلى 28 مرتبة توازي كل حرف من حروف اللغة العربية بصوامتها Les consonnes وصوائتها Les voyelles الموازية لمراتب البرزخ الأعلى، وهو الأمر الذي يستدعي التوقّف قليلاً عند مستويات الصوائت في هذا النص محطّ الدراسة والتحليل بشقيها الطويل والقصير:

ـ الصوائت القصيرة والطويلة:

بلغت حركة الفتحة على طول نص "محاولة في الموسيقى" 422  حركة، أما الكسرة فتجاوزت 170 حركة. ولم تحض الضمة إلا بتكرار بلغ عدده  152 ضمة.

هذا بالنسبة للصوائت القصيرة، أما الطويلة، فقد بلغت الألف المدودة في النص 59 مدّا، ووصل مدّ الواو إلى 27 مدّا. أما الياء الممدودة فتكررت 50 مرّة في كلّ القصيدة. الأمر الذي يعني بأنّ حركة الحروف هنا قد غلبت عليها سمة فتح الشفاه وبالتالي الرفع من ذبذبة الصوت عبر حركة الفتحة ومدّ الألف الطويل، كما هو موضح في الصورة أسفله:

الصورة رقم 9 

أما بالنسبة للحروف الساكنة فقد بلغت في كافة النص 123 ساكنا، وهي وإن كانت لا تدخل في عداد الصوائت، إلا أن سكونها له تأثير لا يستهان به في حركة الصائت قصيراً كان أم طويلاً عبر فُجائية حبس الهواء الخارج أو الداخل من وإلى الحلق، مما يعطي للقصيدة، بل لكل صائت ختم به الشاعر كل بيت من أبيات نصّه إيقاعاً كروماتيكياً تصاعدياً خاصاً يشبه الرقص على السُّلم الحروفي الموسيقي، كما هو موضّح في الرسم التالي7:

الصورة رقم 10

إذن فشفاه القارئ وهو ينطق ليس فقط الصوائت والحروف الساكنة لهذا الجزء من النص بل للقصيدة كلّها، تتخذ سلوكاً مرتبطاً بتوتر عضلة اللسان، بحيث أنها تنضم مع الصوت الخلفي وتنكسر مع الصوت الأمامي مستوية في آخر المطاف أثناء نطق الصوت الذي يستوي فيه اللسان داخل قاع الفم، لذا فإنه يبدو وكأن الهواء يخرج بكامله من الفم على الرغم من وجود بعض السياقات التي تؤدي إلى وقوع خروج هذا الهواء من الأنف أيضاً من نحو ما يحدث في الحالة التي يكون فيها صوت المدّ متلوّاً بصامت أنفي ساكن (لاحظ كلّ حالات التنوين في القصيدة مثلا: عنقود عنبٍ وشلال ماءٍ).

هذا عن الجانب الصوتي والنطقي الإيقاعي للصوائت قصيرها وطويلها، أما من الناحية السيميائية العرفانية فإن مدّ الألف له دلالة عشقية وصالية خاصة، ذلك أنه عبر جنة الوحدانية التي سطّر حروفها الشاعر أديب كمال الدّين في هذا النص يسعى إلى تأكيد أنطولوجي لعلاقة الإنسان بالله وبالعالم عبر علاقة الألف باللام في (لا) التي تكررت في القصيدة بشكل لافت للانتباه (انظر: شلال / لا تمسكه / لا سكين / قُبلات / إلاّي / لامات / الملاهي / لا أفرح / لا أندمج / إلاّ /...).

ولا غرابة في الأمر مادام الألف يسري في الحروف كلها سريان التجلّي الإلهي في الكون، فهو قيوم الحروف، يتعلّق به كل شيء، ولا يتعلّق هو بشيء، يُظهِر الحروف ولا تُظهره. وهو لمَّا اقترن باللام في كلمة (لا) تحقق لكُلّ واحد مِنهما مَيْل وعشق، فكان اللامّ هو العاشق والألف هو المعشوق، وصار عشقُ اللام للألفِ هنا في النص، رمزا لعشق الشاعر لله.

أما مدّ الياء فهو في القصيدة الروح والذات، ولا نعيم يتحقق له إلا إذا ربطَ النفس والقلب بجنة الوحدانية، أو فردوس المحبة والسلام والمسرّة والحرية: (انظر العبارات التالية: شفاهي / وحشتي / دمي / قلبي / موتي / نفسي / نقاطي / حروفي...).

وفي الختام يبقى مدّ الواو في النص رمزاً معرفياً إلى الروحِ القدس الذي حملَ طيور الحروف وأصواتها إلى فردوس المحبة، أو المكان الذي اكتوى فيه الشاعر بنار العشق والشوق فصاح قائلا:

"يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروف تتألّق.

....

...

يا إلهي..

إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف."

ولا عجب في ختم أديب كمال الدّين لنصه بياء النداء (يا إلهي ..)، فهو الشاهدُ للواو وهو ينفصل عن بقية الحروف محدثاً انشطاراً في حركة اللسان بشكل جعل من الذات الشعرية حرفَ نداءٍ شاهداً للجمال، فحين يقول الشاعر (يا للجمال / يا إلهي ..)، فإن الأمر فيه إشارة إلى حدوث الذوبان في الجمال، والانصهار في جنان وحدانية الله، فيصبح الشاعر بهذا هو الشاهد والمُشاهَد، والمُنادي والمُنَادى.

1.3       التكرار سلطة كروماتيكية أم رجع صدى لغوي؟

تعددت المناهل التي غرف الشاعر من معينها كي يسطّر بنسغها نصوص قصائده الثرّة، إلا أن المعين القرآني يظل أنقاها وأصفاها وأكثرها غنى وتنوعاً. ولعلّ هذا ما يبرر لجوء الشاعر في نسج خيوط متون قصائده ليس فقط إلى مضمون النصّ القرآني وقصصه وعظاته، ولكن إلى تقنياته وأدواته البلاغية والبيانية، ولربما يكون التكرار واحداً من أكثر هذه الأدوات حضوراً في متن الشّاعر بشكل لافت للانتباه.

والتكرار في قصيدة "محاولة في الموسيقى" أنواع عدّة سيتم التركيز على أهمها، وهو لم يأتِ لأغراض إيقاعية موسيقية فقط، وإنما ليعكس موقفاً نفسياً وانفعالياً معيناً يؤدي إلى تجديد العلاقات اللغوية والدلالات الشعرية وإلى نمو البناء الشعري للنص بشكل كروماتيكي حيناً وتصاعدي قارّ أحايين أخرى، ممّا يدعو إلى التساؤل عن المعنى الحقيقي للتكرار في هذا النص: هل للكلمة أو البيت المُتكرر سلطة الابتداء، أم هل هو مجرد صدى يتردد على طول النص؟

تبدأ القصيدة ببيت تكرر في لفظه ومضمونه لمرات عديدة، فأصبح لازمة تظهر من حين لآخر بأشكال مختلفة ومضامين متطابقة مرّة، ويكمّل بعضها البعض الآخر مرّات أخرى، وهذا ما يمكن تأكيده عبر ما يلي من الأبيات:

الموسيقى تهبط تهبط (تكررت بشكل متطابق في المقطعين الأول والتاسع / أما في المقطع الرابع فذكرت لمرة واحدة مع الاكتفاء بذكر فعل "تهبط" لمرة واحدة فقط / "الموسيقى تهبط")

يتغير فعل "تهبط" على طول القصيدة ويصبح: تجيء / تذوب / تتألّق / تُحوّل / ترقص / تتموسق)، وفي هذا تأكيد لما تمّ تسميته بالتكرار الكروماتيكي النوع، وذلك لما تكوّن داخل البيت الواحد من أنصاف إيقاعات تفصل بينها أصوات حروف تتغيّر درجة درجة على طول الجزء الذي يتكرر:

الموسيقى تهبط تهبط

الموسيقى تهبط

الموسيقى تجيء

الموسيقى تذوب

الموسيقى تنام

الموسيقى تتألّق

الموسيقى تحوّل

الموسيقى ترقص

الموسيقى تتموسق

ونظرية الإيقاع الكروماتيكي هذه تجد لها صدى في المقطع السادس أيضا من القصيدة:

"منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدتُه محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدتُه ممتلئاً بالأبجديات."

المقطع إذن مكون من كلمات تتكرر شكلاً ومضموناً على طول المقطع، ولا يقع التغيير إلا في الكلمة الأخيرة، بحيث تصبح "دمي" "قلبي" و"طيور" "أبجديات"، مع الحفاظ على العلاقة الدلالية بين الكلمة الأصل والكلمة الجديدة، فالقلب له علاقة وطيدة بالدم، كما الطيور بالأبجديات.

أما المقطع العاشر من القصيدة فيمكن اعتباره نموذجاً مهماً لما يمكن تسميته بالتكرار الفعلي، لما وقع بداخله من تكرار لنفس الأفعال:

"الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة

وتنامُ كما ينامُ العشّاقُ الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر

الموسيقى تتألّقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّية

ترقصُ كما يرقص الجنّي."

لكن تبقى الأبيات الحائية في هذا المقطع هي الأكثر إثارة للانتباه:

"الموسيقى تتألّقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّية"

وذلك لأنها مفتاح القصيدة كلّها، أي ذاك المفتاح الذي أعطى لموسيقى النص معنى حقيقياً تمتد جذور شجرته إلى عمق أعماق أرض الحرية الحقة: "جنة الوحدانية" بكل طيور أبجديتها وخمورها القلبية الحمراء المعتّقة النابعة من دوالي وعناقيد العنب العدني.

هكذا استطاع الشاعر عبر تقنية التكرار أن يحقق داخل النص مستوى فنياً يعتمد على الصدى والترديد لما يريد أن يؤكد عليه من معاني بعيداً عن أي نوع من النمطية الأسلوبية، مع إجراء بعض التغييرات البسيطة على المقاطع التي يقع فيها التكرار، وكأنّ الأمر فيه دعوة للرقص وإلى تذوق نفس الإحساس بالسعادة التي يعوم في بحارها الشاعر وهو يعزف مقطوعة العشق الأكبر. وليس هذا فحسب، فالإيقاعية التصاعدية الحاضرة في النص ليس لها فقط سلطة كروماتيكية تؤثر في النفس عبر موسيقى الحرف وتواشجاته، ولكن سلطة زمانية تلغي كل زمن له صلة بالماضي أو بالحاضر أو المستقبل، ليصبح الزمن الحقيقي هو الزمن الأبدي الذي ليس له أول ولا آخر، ولا بداية ولا انتهاء، باعتباره زمن الله وزمن حاء فردوسه، ذلك لأن النص الحقيقي هنا ليس ما نسجته قريحة الشاعر، وإنما ما استبصره الشاعر في عمق الذاكرة الجماعية للإنسان وفي عمق زمانها الذي هو صفوة وزبدة ما خزّنه كل إنسان في ذاكرته الصُلبية عن فردوس الحرية، وموسيقى طيوره الأبجدية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.)8


 


 

 1لن يتمّ جرد كلّ أصوات الحروف والتطرق لكلّ منها بإسهاب وتفصيل، ولكن سيتمّ التركيز على نماذج منها واختيار تلك التي أولى الشاعر لها عناية خاصة دفعته إلى اختيار بعضها عنوانا لبعض دواوينه الشعرية.

 2 ذكر حرف الرّاء في النّص كله لـ 16 مرّة، أما السّين فلِـ 21 مرّة، والميم لِـ 54 مرّة.

 3 كل الصّور التوثيقية الخاصة بهذا الجزء من القصيدة تستند على عملية رصد الذبذبات الحروفية عبر آلة تسجيل وتحديد الموجات الصوتية للحروف المعنية بالدرس.

 4 أديب كمال الدّين، حاء، المؤسسة العربية للدراسات والنشر - عمان - بيروت 2002

 5د. حياة الخياري، " حآ " أديب كمال الدّين : مقاربة صوفيّة براغماتيّة، مجلة الأقلام - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد - العدد الثالث - تموز، آب، أيلول 2011

 6 تكررت الباء في هذا النص لأربعين مرّة.

 7اتُخذ كنموذج للتحليل العلاقة الهوائية بين الصوائت والسكون: البيتان الأولان من القصيدة. أما الجزء الأول من النص فقد اخْتير لتحليل موسيقية الصائت عند آخر كل بيت شعري: تهبطُ/ ماءٍ/ الطيرِ/ تمسكهُ/ شفاهي/ الجارح/ لألقاهُ/ الكبيرةِ/ أغرقُ

 8 القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 172.

 

أسماء غريب


التعليقات




5000