هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تونس: إذا التقى الشيخانِ نُضحّي بجيلٍ ليصعدَ الثاني

محمد الحمّار

بالرغم مما نكنّه من احترام ومودة للإعلامي الماهر سفيان بن فرحات، إلا أننا لا نتمالك أنفسنا من التنبيه بأنّ مسألة استقالته من قناة "نسمة" (بمعية حمزة البلومي، في 2 سبتمبر/أيلول) ثم طرده من إذاعة "شمس آف آم" (المعلن عنها في 4 سبتمبر) وما تبعها من دخول المعني بالأمر في إضراب جوع لا ينبغي أن تُقرأ حصريا لا من زاوية الشخصنة (كما بدا لمدير الإذاعة) ولا من منظور نظرية المؤامرة (استبداد السلطة بالرأي الحر).

لئن كان الخصام الشخصي موجودا بالفعل والتوجه الاستبدادي ثابت لا محالة، فإنّ وضع الحادثة "السفيانية" في إطارها السياسي العام، إطار المجريات غير المعلنة ولو أنّ هذه الأخيرة وقعت تحت غطاء أحداث معلنة ألا وهو إطار استتباعات ما أصبح يعرف بلقاء الشيخين، سيدرّ علينا ببعض المعاني الهامة.

إنّ لقاء رئيسي حزبي النهضة ونداء تونس (لقاء الشيخين) في باريس قبل عشرة أيام من حديث الغنوشي لقناة نسمة (في 25 أوت) وما أسفر عنه من استقالة لبن فرحات والبلومي على إثر ملاسنة على المباشر (بين بن فرحات وحسين الجزيري كاتب الدولة للهجرة، في سهرة 27 أوت) لم يمرّ، إعلاميا، من دون صدور كثير من الكلام و سيلان كثير من الحبر بشأنه.

 لكنّ المشكلة هي أنّ كل ما قيل وما كتب عن اللقاء لم يتعرض سوى لرمزيته كمؤشر على إمكانية تبني "الكبار"، بمعنى العقلاء والحكماء، لقضية وطنية أبدى "الصغار"، من سياسيين حديثي العهد بالميدان ومن أحزاب، أنهم مازالوا مراهقين في مجال البناء السياسي المشفوع بنتائج ملموسة. وهذا مما قد يكون هو الذي أسفر عن إقحام أربعة من خيرة المنظمات الوطنية لرعاية الحوار الوطني ولتسيير المداولات بين أحزاب الترويكا من جهة وأحزاب المعارضة من جهة أخرى. بكلام آخر، لقد استعصت على الإعلام متابعة الحدث السياسي الأكبر ففوّض أمره لأطراف اجتماعية ومهنية.

إذن أصبحنا أمام مشهد من التأزم في الوضع الإعلامي يخفي التأزم في الوضع السياسي. والملفت للانتباه أيضا أنّ حدثَي الاستقالة (بن فرحات والبلومي) والطرد (بن فرحات) والأحداث الجانبية لهما جرت بكل مفاجأتيه، مما يحدو بنا أن لا نستبعد العلاقة الوثيقة بين مفاجأة لقاء الشيخين ومفاجأة الاستقالة والطرد. وكنتيجة لذلك لا يسعنا إلا أن نأسف لرؤية الإعلام يحمل أوزار السياسة. والدليل على هذا الخلط في الأدوار هو ركون المجتمع السياسي إلى اعتزال الحدث الأكبر وانشغاله بالوجه الإعلامي للأزمة السياسية دون سواه.

في السياق نفسه، وبمفعول المفاجأة، ما من شك في أنّ لقاء باريس قد زلزل المشهد الإعلامي في تونس. لقد فاجأ الإعلاميين كلهم وكان من الطبيعي جدا أنّ الأشاوس منهم، بحكم الأنفة وربما بشيء من الغرور، لم يقبلوا بأن تفوتهم مثل هذه الفائتة. فكانت النتيجة أن تصدى هؤلاء، وبن فرحات والبلومي من رموزهم، للضغط المُنجرّ عن بوادرَ التقارب بين طرفين كانا بالأمس القريب خصمين لدودين (حزب النهضة وحزب نداء تونس). ولنتصور حجم الضغط (لفكرة التقارب) لكي ندرك حجم التصدي والصمود، فنقيس ردة الفعل التي ستصدُر عن المؤسستين الإعلاميتين ("نسمة" و"شمس") التي يتعاون معهما رمزَا التصدي والصمود.

في ضوء هذا لا يمكن أن يلوم بن فرحات أو غيرَه من الإعلاميين المخذولين جراء الحدث المفاجئ سوي من له مشكلة شخصية معه. وحتى بالنظر لهذه للفرضية الشخصية فإنه ليس من البديهي أن يكون بن فرحات قد تعمّد سلوكا مشينا لم يقبله مدير "نسمة" وبعد بضعة أيام يتعمد سلوكا مماثلا لم يقبله مدير "شمس". بينما اللوم كله يقع على جهتين اثنتين: أولا، على حالة المراهقة التي تتخبط فيها السياسية في تونس، مما فرض تدخل "كبار الحومة" فيها فرضا ابتغاء ترشيدها، ومما حكم عليه بأن يكون عنيفا إلى درجة صعق العقل الإعلامي.

ثانيا، يقع اللوم على هذا العقل الإعلامي لتخلفه في تملك المهارة المعرفية الضرورية لدرأ البلاء عنه ولإثبات أنه مرآة عاكسة لرداءة الوضع السياسي ومن ثمة لمحاولة التدارك لكي يتمكن من البحث عن المكامن الحقيقية للمشكلات. فلئن كان بن فرحات، وهو خريج الإعلام التونسي وواحدا من أبرز رموزه على الإطلاق، قد وجد نفسه مُجانبا لحدث الشيخين، ولتردي الوضع السياسي عموما، فما بالك بعامة الصحفيين والمعلقين والمحللين؟

فطالما أن لا ذنب للأشخاص في قضية الحال، ماذا ينبغي فعله فضلا عن مصالحة الإعلاميين، الذين طالتهم يد السياسة المخرّبة، مع المؤسسات التي كانوا يتعاملون معها، وكذلك مع جانب كبير من الرأي العام (الذي وجد في الاستقالة والطرد خير جزاء لإعلاميين "متكبرين" و"مضادين للثورة") ؟ وإن توجب الإصلاح فهل ينبغي إصلاح الإعلام أم السياسة؟

للإجابة لا نرَ بُدّا من التذكير بأنّ الصراع بين سياسة مراهقة وإعلام معتدٍّ بنفسه ليس وليد اللحظة الراهنة، ولا هو بالأساس سليل الانقلابات في المواقف (على غرار لقاء الشيخين)، ولكنه إرث تحمّلَ عِبأَه الساسة  والناس ذَوُو الفكر وأصحاب الرأي أجمعين، منذ أن أُغلق باب الاجتهاد (في القرن التاسع ميلادي) على يد الخليفة المتوكل. ولا نرَ بُدّا والحالة هذه من استنكار وضعية التخلف الابستمولوجي الذي يتضح لنا شيئا فشيئا أنه المسؤول الأول عن عدم قدرة النخب على امتداد العصور على حلحلة مشكلتين متسقتين كلاهما مع الأخرى.

 وتتمثل المشكلة الأولى في الصراع المرَضي بين النهج العقلي والنهج النقلي، مما كان له أثرُ تأبيد سوء الاتساق بين الدين والسياسة. وما صراع اليوم بين الإسلام السياسي والسياسة الدهرية إلا دليل على هذا التأبيد. أما المشكلة الثانية فتتجلى في غياب كل عمل من شأنه أن يُمنهج أبعاد واستتباعات كلمة الخليفة آنذاك حين قال "ما يقرره الخلف لن يرفضه السلف"، والتي نعتبرها خير تجسيم للنهج الميداني الذي نحن بحاجة ماسة له الآن وهنا.

من هذا المنظور، وللتمادي في الإجابة، نعتقد أنّ النكسة الإعلامية الحاصلة اليوم تعبيرٌ عن استحالة العقل المجتمعي ككل، كلما حدثَ تقارب بين الفكر الديني (ويمثله في قضية الحال راشد الغنوشي) والفكر السياسي (ويمثله في قضية الحال الباجي قائد السبسي)، أن يعمل من خلال هذا التقارب على الحصول على ما من شأنه أن يمكث في الأرض وأن يكون فيه الخير للبلاد وللعباد. 

إنّ هذا الجليد المنتصب بين فكرين اثنين، متباينين بالرغم من انتماء كلاهما إلى نفس السلالة، هو الذي ينبغي تذويبه من أجل المصلحة العامة وحتى المصالح الخاصة. فقضية الحال تقع تحت طائلة المطلبية الإصلاحية الشاملة، ولا يتعلق الأمر فقط بإصلاح الإعلام دون سواه أو السياسة دون سواها، ناهيك أن يتعلق الأمر بشخص سفيان بن فرحات أو الباجي قائد السبسي أو راشد الغنوشي أو فلان أو علان.

والإصلاح شاملٌ أو لا يكون لأنّ ركيزته الضرورية واحدة ومشتركة بين المجالات كافة. وهذه الركيزة (الابستمولوجية)، إذ من البديهي أن تتصدى تحديدا للخلط بين الدين والسياسة، فلزامٌ عليها أن تعيد تأسيس العلاقة بينهما وتعدل هذه العلاقة باستمرار.

بكلام آخر، إنّ المطلوب هو إعادة توضيب العلاقة بين الدين والسياسة، علميا وأكاديميا. وهذا مما يعني استبعاد عامة الناس من هذا الشأن (لتلافي الخلط بين الدائرتين، ولتجنب الحكم على النوايا و الشبوهات والتعصب والعنف وغيرها من العوائق) قبل أن يكتمل التوضيب ويُسفر عن منتوج نهائي، جاهز للاستخدام وللتوظيف.

فالمحلصلة  من عملية الإصلاح الذي يُشترط أن يكون مبنيا على أس علمي يميز بين الديني والسياسي ولا يخلط بينهما، يناظر ويطابق بينهما ولا يمزج، لن يكون سوى فكر سياسي ذي أرضية موحدة، و وليد عصره. وهذا الفكر المنشود لن يكون فعالا وبنّاءً إلا في حال اكتسابه القدرة على الاشتغال بكل نجاعة لكن من دون التسبب في كوارث وانقسامات مثل تلك التي نشهدها في هذه الحقبة، على غرار الزلزال الإعلامي الراهن والناجم عن القنبلة التي شكلها لقاء الشيخين.

محمد الحمّار


التعليقات




5000