.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة و تحليل في المضامين الشعرية للشاعر العراقي يحيی السماوي

د. يحيي معروف

الملخص

لقد تناول المقال دراسة تحليلية في المجاميع الشعرية ليحيی السماوي أحد عمالقة الأدب العربي الذي ولد سنة 1949م في السماوة بالعراق فترعرع في أسرة شيعية ملتزمة.

هذا المقال يسعی ليبحث عن الفرضيات التالية:1- الحب و الرومانسية لدی الشاعر مختلف عن غيره. لأنّ حبه عذريّ و ديني فلم يدخل المجون والابتذال في شعره، بل هناك نوع من المضامين الدينية في كلماته. 2- أسلوبه لبيان الحب تجاه الأم فريد من نوعه حيث يمتزج بحب الوطن فحبه الصادق للأمّ فاق الشعراء حيث لاينساها حتی في لحظات التکلم عن الوطن. 3- حب الوطن محبوک في ضميره ولذلك يموج الوطن في غالبية أشعاره. 4- برع الشاعر في استخدام المشاهد التصويرية في شعره أكثر من غيره؛ فضلا عن ذلك استخدم التشابية الفريده في شعره. 5- إنه استلهم في شعره من الائمة المعصومين (عليهم السلام) خاصة الإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) وكربلائه الدامية. 6- معظم دواوينه الشعرية مليء بالصراخ والغضب علی المحتلين وبالتشجيع علی القيم الإسلامية السامية کالجهاد والشهادة في سبيل الله. 7- أسلوبه لمقارعة وعاظ السلاطين فريد من نوعه.

الکلمات الرئيسية: يحيی السماوي، المضامين الشعرية.

  

المقدمة

لاشک أن العراق کان ولايزال مهدا للحضارات المختلفة فطبيعي أن يترعرع في حضنه أجيال من الشعراء المجيدين کالجواهري ونازک الملائکة وأحمد مطر وبدر شاکر السياب ويحيی السماوي وغيرهم من عمالقة الشعر والأدب. في هذا المقال نبحث عن شاعر ملتزم ومحب لآل بيت النبی (صلی الله عليه وآله وسلم) والذي طرق أبواب التجديد، والمغايرة، متجاوزا الأسلوب التقليدي، باتجاه تحسين أدوات صاخبة، وصيغ مثيرة تستفز القارئ، وتحثه على ما يغضبه ويرضيه، عبر تحديد الملتبس في الحكمة الشعرية، وتوضيح الغامض في المبنى اللغوي القاموسي المعقد، وبسط لغة سلسة القرار، سهلة الجواب، مفتوحة التجليات بمحاسنها الإيقاعية والتصويرية، وعلى أرض هذه الساحة الخصبة الرائدة في بناء الشعر الحديث.

استُهدِف بالملاحقة والحصار من قِبل البعثيين في النظام الصدّامي حتى لجأ إلى السعودية سنة 1991م، واستقرّ بها في جدّة حتى سنة 1997م يعمل بالتدريس والصحافة، ثم انتقل مهاجرا إلى أستراليا.( القرني،1429ه، ص29) وعن فراره من العراق يقول: (المجلة العربية- السعودية، العدد352) «لقد خدمني الحظ كثيرًا، فقد كان من المفروض أن يُلْقَى القبضُ عليّ بعد فشل الانتفاضة الجماهيرية في شهر آذار من عام 1991م، لولا أن قدري قد خدمني كثيرًا، فنجحت في اجتياز كهف الفجيعة، والهروب من العراق لأدخل السعودية، ومن ثَمَّ لأواصل مسيرتي نحو المدينة الفاضلة، المدينة الحلم».

وقد قدّم أسرة الشاعر شهداء للدفاع عن شرف وکرامة العراق فأختاه (أم نوفل) و(أم أحمد) فقدتا زوجيهما في هذا الدرب لينتقلا إلی عرش الله، يقول الشاعر في إهداء کتابه «نقوش على جذع نخلة» (2007م، ص 5): «الإهداء: إلى شقيقتيَّ: (أم نوفل) وهي تنتقل من مقبرة جماعية إلى أخرى. أملاً في العثور على بقايا عظام من رفات زوجها.... و(أم أحمد) وهي تحتضن رأس زوجها المثقّب بالرصاص الأمريكي أمام مسجد بغداد... إليهما، وإلى كل العراقيين الذين أودت بحياتهم المشانق الصدامية، وقنابل البنتاغون، أهدي هذه القصائد...»

وهذا الإهداء بحد ذاته، يكفي لشرح نوعية مضامين القصائد، ومعاناة الشاعر الصارخة مع مأساة وطنه ومواطنيه خلال عهد الطاغية صدام حسين ومرحلة الاحتلال الأمريكي (راجع: مقال لحافظ محفوظ، مجلة الحوادث اللندنية) عرف بنفسه بلغته الشعرية في حوار للمجلة العربية السعودية: (المجلة العربية- السعودية، العدد352) «اسمي الثلاثي: يحيى عباس عبود.. انتقلت من رحم أمي إلى صدرها بتاريخ 16/3/1949م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة.. أحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وظيفتي الحالية: فلَّاحٌ في بستان الأماني، أو: صياد، غير ماهر، أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم، أملاً في اصطياد هُدْهُدِ فَرَحٍ على غصن اليقظة في زَمَنٍ ذَبَح الحزنُ فيه عصافيرَ الأحلام..»

صدرت لشاعرنا أكثر من واحد وعشرين مجمع من المجاميع الشعرية التي نشير إلی بعضها من خلال هذا المقال.

سوابق البحث:

لاشك أن دراسة مؤلّفات الشاعر يحيی السماوي أصبحت محط اهتمام الكثيرين ومنهم طلاب الدراسات العليا في كتابة أطروحاتهم. منها: أطروحة الدكتورة فاطمة القرني في الرياض، بعنوان «الشعر العراقي في المنفی، السماوي نموذجا»، وصدر أخيرا كتاب بعنوان «تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي» عن مؤسسة المثقف العربي ودار الينابيع، في دمشق؛ قام بتحرير الكتاب ماجد الغرباوي رئيس مؤسسة المثقف العربي. والكتاب الآخر لحسين سرمك حسن بعنوان «إشكاليات الحداثة في الشعر الرفض والرثاء يحيی السماوي أنموذجا» من دار الينابيع في دمشق. وأخيرا طبع مقال بعنوان « اشغالگری در شعر امروزين عراق: الاحتلال في الشعر العراقي المعاصر» للدكتور علي نظري وآخرون في مجلة اللسان العربي في عددها ال 16 حيث أشير إلی بعض مقاطع من أشعار السماوي. ومقال آخر لعبد اللطيف الأرناؤوط،، بعنوان « إبداع الشاعر يحيى السماوي في "مسبحة من خرز الكلمات" في مجلة طنجة الأدبية: رغم كثرة الكتب والمقالات المتنوعة حول الشاعر لم‌نعثر علی بحث شامل لدراسة مضامينه الشعرية بشكل عام. وفي الحقيقة سعينا لنسلط الضوء على قامة شعرية هيفاء، وقفت بأدبها ضد بشاعة النظام الدكتاتوري المندثر تحت مزبلة التاريخ. فبحثنا عن شاعر عالج الكثير من الأوجاع التي ألمت بشعبه بتأثير ذلك النظام، فكانت قصيدته السياسية المتمردة، دليلا ناضجاً شكلت شعارا إنسانياً، لمع صداه في الذات الوطنية العراقية، مما ميز هذا اللون شاعره بإجادته للقصيدة الثورية الهادئة، وعَلتْ من مصاف الأدب العربي أمام بقية الآداب الإنسانية، المقرونة بالإخلاص للهدف والثقة بمقدرته الفردية، وقابليته في التأثير عبر بوتقة أساسيات فنه وصنعته، ومن أجل هذه المعايير وجدناه محافظاً كخلفٍ على المنتج الشعري للسلف، شعراء الجاهلية بالذات. هذا لأنه لم‌ يتحرر كليا من القصيدة العمودية، إنما بقي متماشيا مع بنائها اللغوي والفني بمحورية الوزن المتوازي أي اتفاق الإعجاز بفواصله البلاغية، مطعماً إياه بمحسنات لفظية أدت إلى قبولها، مثله مثل الشعراء أصحاب القصيدة الحارة بخطابها اللغوي، وحماسة معانيها الهادرة، ذات الإحساس المرهف الرقيق والمفردة المفعمة بالشاعرية الهادئة.(انظر: تداعيات التنوع ... ، الجزء الثالث جعفر كمال)

اعتمدت قصائد السماوي نوعاً من العفوية بكلا الاتجاهين الكلاسيكي، والشعر الحديث، كقصائد: التفعيلة، والحرة، ومتقابلات قصيدة النثر. ومن أجل أن نتعرف على الشاعر نقترب أكثر، لنلامس منجزاته كي نكشف عن هذه الشخصية الموهوبة، المنعزلة تقريباً عن شعراء جيله.

مضامين شعره

لقد تناول السماوي مضامين مختلفة، منها: الحب والرومنسية، الأم والعاطفة الصادقة نحوها، الحنين إلى الوطن، مقارعة المحتلين و تشجيع الناس علی الجهاد والشهادة في سبيل الله، مقارعة وعاظ السلاطين والمضامين السامية الأخری.

1- الحب والرومنسية

لو تصفحنا المجاميع الشعرية لشاعرنا لوجدنا مجموعة ضخمة من قصائده مليئة بالحب والهيام حيث يمکننا أن نسميه شاعر الحب والرومنسية لأنه مليء بالأحاسيس الصادقة وکأنه شاب في عنفوان حبه العذري. فهو يعشق ليشعر بأنه ما زال على قيد الحياة، وكأن العشق قد صار عنده مرادفا للحياة، بل سببًا من أقوى أسبابها لاشك أن الحب والرومانسية لديه مختلف عن غيره. لأنّ حبه حب عذريّ و ديني فذلك لم يدخل المجون والابتذال في شعره، بل هناك نوع من المضامين الدينية في كلماته؛ إنه يقول: (مسبحة من خرزالكلمات، 2008م، ص12)

«كلٌّ يذهبُ في حال سبيله:/ النهرُ نحو البحر/ السنابلُ نحو التنّور/ العصفورُ نحو العشّ/ الآفِكُ نحو اللعنة/ القلم ُنحو الورقة/ الصلوات نحو الله/ الوطنُ نحو الصيارفة/ وقلبي نحوك».

رغم أنه ياتي بعبارات مختلفة ويواصل کلامه ليستنتج حبه تجاه الحبيبة فإنه لاينسی وطنه الحبيب. فالعبارة «الوطنُ نحو الصيارفة» تثير في النفس الحقد على المحتل ومريديه الذين جعلوا من الوطن وما فيه سوقاً للبيع والشراء، فتُسرق أو تهدر مليارات الدولارات على حساب شعب يتضور جوعا .(راجع: مقال: لعبد اللطيف الأرناؤوط) يقول السماوي في قصيدته الأولى من ديوانه «عيناكِ لي وطن ومنفى» بعنوان «ترنيمة حب»: «حبكِ يا حبيبتي علمني أشياء/ أضاعني أشياءْ/  علمني كيف أكون عاشقاً /أنسج منديل الهوى من مقل العشبِ/ ومن زنابق الضياء /فعانقي ربابتي/ واقتلعي جميع ما غرست في حشاشتي/ من شجر النساءْ/ وحطمي كلّ القناديل التي/ ما مرّةً أيقظتِ الربيعَ/ في حدائق الشتاءْ/ حبك يا حبيبتي/ علمني الضحك كما علمني البكاءْ.....»

عندما يتکلم السماوي عن الحب والحبيبة لن ينسی وطنه؛ فکأنَّ الوطن و ذکرَ اسمه أحلی شيء في حياته. يقول في قصيدته بعنوان «في آخر العمر»: (قليلک لا کثيرهن، 1428هـ،ص 39) «واكتشفتُ أنني بلا حبِّكِ يا حبيبتي/ فقيرُ/ في آخر العمر اكتشفتُ/ أنَّ كلَّ وردةٍ حديقةٌ كاملةٌ/ وكل كوخٍ وطنٌ/ وتحتَ كلِّ صخرةٍ غديرُ/ والناسَ - كلَّ الناسِِ- ما دمتِ معي/ عشيرُ/ في آخرِ العمرِ اكتشفتُ/ أنَّ قلباً دونما حبيبةٍ/ مبخرةٌ ليسَ بها بخورُ/ في آخر العمر اكتشفتُ/ أنَّ لي طفولة ضائعةٌ/ جاءَ بها حبُّكِ/ فاستعدْتُ ما أضاعهُ المنفى...»

غزل السماوي فی الحب فريد من نوعه فهو عفيف وعذري وله صبغة خاصة، مختلف عن غيره؛ ونجده أحيانا يمزج الغزل بالبکاء والعويل علی الهوی والوفاء بالحب کما جاء في قصيدته الشهيرة «أوصيك بي شراً إذا خنت الهوى»(من البحر الکامل)؛ فهو يصف مراسيم غسل ميت الحب ويخاطب الحبيبة بأنها تعزم علی دفن المنی کطفلة موؤدة فيشهد ربه أن حبيبته لم تقتله بل نفسه المطمئنة قبلت القتل فهي راضية مرضية. وفي الختام يصف نفسه بأنه عفيف في الحب ويقول: (البکاء علی کتف الوطن، 2008م، ص119)

هَيَّأْتُ غُسْلي والنُعاةَ .. فَهَيّا (1)        تَعِبَ الهوى .. والصَّبْرُ باتَ عَصِيّا

ما دُمْتِ عازمةً على وأْدِ المنى                     فَلْتُجْهزي قبلَ الفراقِ عَلَيّا

أَشْهَدْتُ رَبّي لن أقولَ قَتَلْتِني                    يومَ الحسابِ غداةَ أبْعَثُ حَيّا

مَرْضِيَّةٌ .. لن تشتكيكِ لِرَبِّها (2)              نفسي إذا أَغْمَضْتِ لي عَيْنَيّا

ما سِرُّ خِنْجَرِكِ اصطفى صدري له              غِمداً وَقَدْ شَلَّ الجفاءُ يَدَيّا؟

عَطِشَ الهوى فأبى سواكِ لقلبِهِ                      نبضاً وَدِفْئاً للضلوعِ وَرِيّا

لا تنفِني من حقلِ قلبِكِ إنني                       عشتُ الحياةَ مُشَرَّداً مَنْفِيّا

أُوصِيكِ بيْ شَرًّا إذا خنتُ الهوى                     وَنَكَثْتُ عهدَ محبةٍ عُذْرِيّا

وفي قصيدة غزلية أخری جرّب الشاعر خبرته في إطار فن الموشحات فخلق أجمل صورة من العواطف الصادقة بحيث لو عرضنا موشحته «مياه الشهب» علی الکثير من الأدباء والشعراء ولم نذکر اسم الشاعر لا‌يشک أحد بأن الموشحة هذه ليست إلا من إنشاد الشعراء الأندلسيين لأن الوزن والقافية وشکل الموشحة کالمطلع والقفل والخرجة کلها تشبه الموشحات الأندلسية، حيث يقول (من البحر الرمل): (ديوان قلبي على وطني، 1413ه، ص 61)

اسْقِنا من صوتِكَ العذبِ طِلا          نحن لا نشربُ ماءَ العِنَبِ

يا نداءً جاءني في السَحَرِ

مُشْرِقاً مثلَ جبينِ القَمَرِ

لم أكنْ أعرف معنى السَّمَرِ

قَبْل أنْ أَعْرفَ ذا النَّبْعَ ولا         عرفَ القلبُ مياهَ الشُّهُبِ

يا حبيبي أنا ماضٍ للحبيبْ

لأُصَلِّي في شروقٍ ومغيبْ

والذي يدخل في البيتِ الرحيبْ

يَزْدَهِي منه فؤادٌ ثُكِلا            حين ضاقَ الأفق بالمغتربِ

وفي مقطع من ديوانه بعنوان "مسبحة من خرز الكلمات" يقول: (2008م، ص6) «أنتِ لستِ شمسا../ وأنا لستُ/  زهرةَ دوارِ الشمس../فلماذا / لا يتَّجه قلبي /إلا نحوكِ؟»

توسل الشاعر بثنائية وهي ثنائية (قلب - عباد الشمس) لخلق شعرية باذخة لخرزته النثرية فالشاعر كان موفقا بثنائيته أعلاه خصوصا عندما قدم ما يدعمها وظائفيا وهي االتشاكل الحركي مابين قلب العاشق والمحبوبة وحركة زهرة عباد الشمس مع حركة الشمس، وتقنيا فالشاعر قد وضع وسيطا بينه وبين القارئ عندما أراد إخبارنا عبر الحبيبة ما يعتلج في داخله عكس ما فعله في المقطع السابق، كما أن الشاعر خلق شعرية مضافة عندما نفى المشابهة بين ثنائية (الحبيبة - الشمس) عندما قال (أنتِ لستِ شمسا) وكذلك (الشاعر - دوار الشمس) عندما قال: (أنا لستُ زهرة دوار الشمس) وكذلك فهو استعار ملفوظ القلب ليمثل الجسد (جسد الشاعر) أي أنه استبدل الكل بالجزء ومن هنا فقد احتاز القلب تداوليا (فرانسواز، أرمينكو؛ ت:- د.سعيد علوش، ص19 نقلا عن: الخيط الشعري ...  شاهين، ذياب)

ويتكرر المعنى ذاته في مقطع آخر حين نقرأ (نفس المصدر): أيتها البعيدة كقلبي عن يدي /القريبة كالشمس من عيوني/ ادخلي صحاراي آمنة /في أقاليم جنوني /أنا الملك المتوج/ رعاياي: /الوردة.. /السنبلة../ والعصفور.

وكما أسلفنا فالشاعر هو ملك متوج في مملكة القصيدة وأقاليمها المجنونة كما أن القصيدة حبيبة بعيدة كقلبه عن يده وأن الشاعر ذلك المجنون المبدع الذي لا يحكم سوى الوردة والسنبلة والعصفور، وهو سليل أولئك الشعراء (المولّهين) من أمثال قيس بن الملوح وجميل وعمر بن أبي ربيعة.

نختم الكلام بقصيدة (ماعُدْتِ سراً) التي تعتبر قمة الروعة في الحب والرومنسية حيث قال (موقع الموسوعة العالمية للشعر العربي): «من حقِ شمسِكِ أنْ تُبكّرَ بالغروبِ/وأن تماطلَ بالشروق ِ../من حقّ صدركِ أن يُصعّرَ دفئَهُ/ إن جئتُ ألتمسَ الملاذَ/ إذا عوى ذئبُ الشتاءِ/ مُكشّراً عن بردِهِ/ فأتيتُ مرتجفَ العروقِ../من حق وردكِ/ أن يسدَّ أمام نحلِِ فمي/ شبابيكَ الرحيقِ/ من حقِّ نهرِكِ أن يمُرَّ/بغير بستاني/وحقكِ أن تصدي عن حرير الخصرِ/شوكَ يدي/ وعن ياقوتِ جيدكِ/ طينَ عاطفتي/ وعن فمِكِ الوريقِِ/ جمري .... ولكنْ/ما حقوقي ؟»

فالشاعر يعرض لنا مشاهد رائعة أمام أعيننا وكأنه رسام ماهر يرسم بريشته لوحات جميلة وفيها: 1- الشمس (الحبيبة) وتماطلها بالشروق. 2- صدر الحبيبة الدافیء وامتناعها عن قبوله في يوم شتوي بارد رغم عواء الذئب. 3- الورد المليء بالرحيق (خد الحبيبة) وامتناعها عن قبول فمه الذي شبَّهه بالنحل. 4- نهر الحبيبة الذي له حق أن يمر بغير بستانه. 5- اختيار الحبيبة في إبعاد خصرها الحريري عن شوك يده. 6- إبعاد جيدها الياقوتي عن طين عاطفة الشاعر. 7- إبعاد فمها عن جمرة فم الشاعر...

2- الأم والعاطفة الصادقة نحوها

تموج العاطفة الصادقة نحو الأم في جميع قصائده بل في کل لفظة من ألفاظة نثرا ونظما فهو شاعر رومنسي للغاية وبما أن کلماته نابعة من القلب فهي تدخل صميم الفؤاد بل تجري في خلايا القلب دون إذن مسبق. وفي الحقيقة أسلوبه لبيان الحب نحو الأم فريد من نوعه لأنَّ حبه الصادق للأمّ فاق الشعراء حيث لاينساها حتی في لحظات التکلم عن الوطن.

«شاهدة قبر من رخام الكلمات» قصيدة يرثی فيها أمه التي، وبفعل إنثكاله المرير بها، أهدى ديوانه الذي يحمل العنوان نفسه إلى روحها: «إلى روح الطيبة أمي وقد غفت إغفاءتها الأخيرة قبل أن أقول لها: تصبحين على جنَّة»، وبهذا الإهداء ختم السماوي على باب الديوان بشمع الأسى الأسود، وأغلق أبواب وشبابيك النص ليجلس في ظلمة الانكسار .. في وحشة منفاه بأستراليا ..(انظر: الرثاء في الشعر العراقي المعاصر.... http://www.adabfan.com/criticism/4411.html)

يقول الشاعر فی هذه المجموعة النثرية (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات: (2009م، ص 25) «يومَ صَفعَتني /بكيتُ كثيرا/ ليس لأن الدمَ/ أفزَعَ الطفلَ النائم في قلبي/ ولكن:/ خشيَةَ أنْ يكون وجهي الفتِيّ/ آلمَ كفّ أمي.»

نجد قمة الروعة في هذه المقطوعة العاطفية؛ فهناک ابن مثالي يعشق أمه لدرجة يتأسف من أن يوجع وجهه کف أمه!

وفي قصيدة أخری وصف عيونه الباکية في مراسيم تشييع جثمان أمه الحنون کجدولين من الدموع قائلاً: (شاهدة قبرٍ من رخام الکلمات، 2009م، ص10) «وشيَّعَتها:/ عيونُ الفقراء/ العصافيرُ/ ويتامى كثيرون/ يتقدَّمُهم شقيقي بطرَفِهِ الإصطناعية/ وشقيقتايَ الأرمَلتان/ وجدولانِ من دموعي!»

فعناصر التشييع تتکون من عيون الفقراء والعصافير واليتامی وأشقاء الشاعر. وقد حاول السماوي أن يرسم بريشته الشعرية لوحة محزنة لهذه المراسيم المؤلمة. کل هذه الصور حصيلة عاطفته الصادقة. ونری قمة الروعة في شعره عندما يصف أشقاءه يغطون قبر أمه بأغطية من التراب فيأتي بصناعة «حسن التعليل» البديعية ويدّعي بأنه لم يأت الشتاء فلماذا غطاها أشقاؤه؟ فيجيبهم قائلا: كي لا تسمعَ نحيببي! فالعاطفة الصادقة تموج في کلماته هذه: (نفس المصدر، ص15) «الفصلُ ليس شتاءً / فلماذا غطاها  أشقائي / بكلِّ هذه الأغطية من التراب ؟ / ربما  / كي لا تسمعَ نحيببي  / وأنا أصرخُ في براري الغربة / مثل َ طفل ٍ خطفوا دُمْيَته: / أريدُ أمي ../فتبكي!»

وهنا يبرز لنا استخدام الإيهام الشعري مع ذاته حتى يُبعد فكرة أن أمه قد غادرت الحياة. لاننسی أن السماوي رغم عاطفته الصادقة، له خبرة وافرة بإتيان صنعة «حسن التعليل» في کلامه: (نفس المصدر، ص26) «مرَّة ً/ لسَعَتْ نحلة ٌجيدَ أمي/ ربما/ ظنتْ نقوش جيدِها ورودا زرقاء/ لتصْنعَ من رحيقها عَسَلا/ خضرَة ُ عينيها /أغوت الفراشات للإقامة / في بيتنا  الطينيّ!»

وبمطالعة عميقة لهذا النص نجد ان الشاعر استخدم الإيهام الشعري ببراعة ومزجه مع مخيال النحلة وأضفى عليه موروثا سومريا زاهيا وبدلالات فنية من خلال الوشم الأزرق المرسوم على جيد أمه. كما يمكن لهذا المشهد الشعري داخل النص ان يحدث في واقع الحياة ايضا ولكنه يتطلب العين الماهرة والذكية التي بوسعها ان تلتقط تفاصيله وهذا ما تمكن منه السماوي حقا. مَن منا لا يدري أن لفظة «الأم» لها دور کبير في قاموس السماوي حيث لا تجد قصيدة رائعة إلا وفيها لمحة إلی الأم وحنانها إنه لن يترک ذکرها ولو کان في مراسيم تشييع جثمانها فيرسم بريشته أجمل الصور وکأنها لوحة ألصقها علی الجدار: (نفس المصدر، ص8)

«في أسواق "أديليد" /وجَدَ أصدقائي الطيبون/ كلَّ مسْتلزماتِ مَجلس العزاء:/ قِماشٌ أسود/ آياتٌ قرآنيةٌ للجدران/ قهوةٌ عربية/ دِلالٌ وفناجين/ بخورٌ وماءُ الورد/ باستِثناء شيءٍ واحد:/ كأسٌ من الدموع ولو بالإيجار/ أُعيدُ به ِ الرطوبةَ/ إلى طين ِعينيَّ / الموشِكتين/ على الجَفاف!»

فقد أعدّ الأصدقاء في " أديليد " المدينة التي يسكنها في أستراليا، كل شيء للعزاء، ولم يستطيعوا الإعداد لشيء حاسم نسوه والشاعر بأمس الحاجة إليه وهو توفير الكمية المناسبة من الدمع. إنه مرتبك بفعل الخسارة الجسيمة .. خسارة مزدوجة .. خسارة أم .. وخسارة وطن .. وكلاهما تابوتان يحملهما على ظهره المنحني. فالشاعر بدأ بمراجعته إلى كل ما مرّ من حياته ويحاكمها تارة ويحكم عليها تارة أخرى وبين حين وآخر يرجع ويتذكر أن سر ارتباطه بالوطن هو ما تعلمه من أمه وهكذا الكثير من أبناء العراق رضعوا حب الوطن من حليب الأمهات في غربته وأثناء إقامة مراسيم العزاء يريد أن يثبت ارتباطه الوثيق بالوطن مرة أخرى فهو لاينسی الأم حتی في لحظات التکلم عن الوطن: (نفس المصدر، ص16) «لستُ سكراناً/ فلماذا نظرتم إليَّ بازدراء/ حين سَقطتُ على الرصيف؟/ مَنْ منكم لا ينزلِقُ مُتدَحْرجاً/ حين تتعثرُ قدَماه بورقةٍ/ أو بقطرة ِ ماء/ إذا كان/ يحملُ الوطنَ على ظهره/ وعلى رأسه/ تابوتُ أمه؟»

فالشاعر المثكول يُظلم من قِبل رفاقه فيظنون سقطته على الرصيف بفعل سكرة الخمرة المدوّخة، وليس بسبب لطمة المثكل المرعبة التي جردته من أمه بعد أن خلعته من وطنه / الأم، أي سلبته أمّين اثنتين. هذا ما أراد أن يؤكده في غربتة ذلك الالتساق المتين لكل شيء يربطه بوطنه الذي تركه مجبرا ويبقى يسترسل ذاك الاسترسال العذب ويرافقة الألم والعتب والتذمر. مرة يكتب عن مزايا أمه وأهله ومرة يكتب عن الوطن فلم يبارح هذا التلازم الموجع بين أمه والوطن طوال مقاطع القصيدة. وفي المقاطع الأخرى ينعى نفسه أحيانا كثيره ويقول: «مذ رحلت أمي /وأنا /جثة /تمشي على قدمين/في مقبرة  ٍ/اسمها الحياة  !» (انظر: قراءة ليست نقدية ...  حليم كريم السماوي)

صورة الأم لدی السماوي صورة جميلة ساکنة في قلبه کما يقول:( نفس المصدر، ص13) «أيُّها العابرُ .. لحظة ً من فضلِك/ هلاَّ التقطتَ ليْ/ صورةً تذكاريةً مع الهواء؟/ وأخرى مع نفسي؟/ وثالثة ً عائليّة/ مع الحزن والوجَع ِ الوحشيِّ/ وأمي النائمةِ/ في قلبي؟»

للسماوي أسلوب خاص في التشبيه مرة يميل نحو المبالغة في التشبية کما يقول في تشبيه عذابه بعذاب جهنم عندما يتعذر عليه توديع أمه: (نفس المصدر، ص 11) «سُبحانكَ يا رب!!/أحَقا ًأنَّ عَذابَ جَهَنم/ أشدُّ قسوة ًمن عذابي/حين تعَذرَ عليَّ /توديع ُ أمي؟ /آه .. لو أنَّ ساعي بريد ِالآخرة / وضعَ الرسالةَ في صندوق عمري/لا على وسادة أمي!»

فعمد الشاعر إلی استخدام المحسوس يعنی ساعي البريد بدلا من اللامحسوس يعنی ملک الموت. مرة أخری نراه شبَّه نفسه بطفل صغير فَقَد دميته فيبکي بشدة، للمبالغة في البکاء: (نفس المصدر، ص 15) «وأنا أصرخُ في براري الغربة/ مثلَ طفلٍ خطفوا دُمْيَته:/ أريدُ أمي/ فتبكي! /لماذا رَحَلتِ/ قبلَ أنْ تلِديني يا أمي؟/ أدريكِ تحِبّينَ الله/ ولكنْ:/ أما مِنْ سلالم غيرُ الموتِ/ للصعود إلى الملكوت؟»

وبهذا النكوص الطفلي لم يعد لدى الشاعر ما يخفيه. كل شيء صار معدا للإنكشاف الفاضح وبعد أن كان منخذلا بعدم فهم من يشاهدون ارتباكه وهو ينزلق على قطرة ماء الخسران الرقيقة بحجمه الهائل. فنراه يقول: (قصيدة " شاهدة قبر من رخام الكلمات " ص 10 و11) «القروية أمّي/لا تحب سماع دوي المدافع / ليس لأنه يُفزع / عصافير نخلة بيتنا / إنما / لأنه يذكّرها بـ " جعجعة القادة /الذين أضاعوا الوطن /وشرّدوني/ تكره أصوات الطبول (باستثناء طبل المسحراتي)/ نعشها حملته سيارة أجرة / وشيّعتها: عيون الفقراء .. /العصافير .. /ويتامى كثيرون .. /يتقدمهم شقيقي بطرفه الإصطناعية ../ وشقيقتاي الأرملتان .../وجدولان من دموعي».

جمهور الأم الراحلة المعزّي هو الفقراء أولا .. هؤلاء هم الذين يعرفون قيمة الأمومة الحقيقية .. الحرمان من الأم هو الفقر الأكبر. هؤلاء ترتبط ذكرى الدور الأمومي لديهم بالحرمان فيتدعم المضمون الإنقاذي للحضور الأمومي، لكن الرفاه والتخمة الطفلية المادية تضعف هذا البعد: (نفس المصدر، ص 27و28) «آه ... مَن لملايين الفقراء/.المرضى / المشردين / وكل مَن كانت الطيبة أمّي ../ تُطعمهم كلَّ يوم/ خبزا دافئا من تنور دعائها /بعد كلّ صلاة؟»

ويقول: (نفس المصدر، ص 19) «حين أزور أمّي/سأنثر على قبرها/ قمحا كثيرا / أمي تحب العصافير /كلّ فجر: تستيقظ على سقسقاتها/ ومن ماء وضوئها/ كانت أمي/ تملأ الإناء الفخّار قرب نخلة البيت/ تنثر قمحا وذرة صفراء/ وحين تطبخ رزّا/فللعصافير حصتها/ من مائدة أمي...».

وحتى بعد موتها، فإن هذه الأم العظيمة تبقى مهمومة بمصير العصافير الهشة المسكينة وهي تواجه شظايا الحروب والإرهاب بأجسادها الصغيرة: (نفس المصدر، ص 18 و19) «الطيّبة أمّي / ما عادت تخاف الموت / لكنها/تخاف على العصافير / من الشظايا / وعلى بخور المحراب /من دخان الحرائق/ والأمهات اللائي/أنضب الرعب أثداءهن»

3- الحنين إلی الوطن

يخوض السماوي مغامرة الشعر منفتحا على مسالكها ومتاهاتها اللغوية والبنيوية وعلى مادتها الخصبة وروافدها المتنوعة، حريصا على أن يرسم لنا خلف كتاباته ملامح هاجسه الأكبر: الوطن، يخفيه ويظهره يقدمه ويؤخره لكنه حاضر في كل قصيدة. ولا يهدف الشاعر الى إعادة تكوين التاريخ أو السياسة أو تصفية الحسابات الحزبية والطائفية، وإنما يهدف إلى امتلاك صوته الضائع الذي أوشك أن يفقده وسط التحرك اليومي المتسارع. (انظر: نوستالجيا السماوي ... أماني أبو رحمة) لاشك انه يعشق وطنه کما يعشق حبيبته؛ فالوطن في ذاکرته له مکانة سامية ولذلک عندما يتذکر حبيبته لاينسی الوطن بکل جزئياته من النهر والنخيل والأعشاب. فالوطن حبيبته الثانية لأن حب الوطن محبوک في ضميره ووجدانه. وهو محور مهيمنٌ أصيلٌ متجذر في أعماق وجوده، وما ذاك إلا لحنينه المُحَرِّق إليه، وشدة إحساسه باغترابه عن ذاك الوطن، الذي يحمله بين جوانحه، ويجري منه مجرى الدم في العروق. يؤكد السماوي تشبثه في وطنه مهما أبعدته عنه السنين والمسافات وبرغم ماأصابه من إحباط، هذا الإحباط الذي جسده في قصيدته الرائعة (إحباط) الذي جاء فيها: (شاهدة قبر من رخام الكلمات،2009، ص45) «زرتُهُ كي /ألقي النظرةَ الأخيرة َ عليه/ قبلَ دفنه /في المقبرة ِالطائفية /دَخلتهُ /وأنا مُنتصِبُ القامةِ مثل علامة التعجُّب/ تجَوَّلتُ فيه /وأنا مُنحَني الظهر /مثلَ علامة الاستفهام/ فغادَرْتهُ /وأنا ضئيلٌ /مثل علامة الفارزة /خشيةَ /أن أنتهي مُجَرَّدَ نقطةٍ/ في كتاب مقبرةٍ ممسوحِ السطور!»

وهنا يؤكد الشاعر مدى الإحباط المخضب بالحزن الذي سقط عليه مرة واحدة صعقت به عند زيارته الأخيرة إلى الوطن، حيث رآه كيف يذبح بسكاكين أبنائه تحت التسميات المختلفة وعلى رأسها الطائفية، فجاءت ترنيمة الإحباط هذه مثل أرملة تندب حظها في خريف العمر عزفها السماوي بوجع روحه وخياله الخصب الذي ذهب به هذه المرة إلى العلامات اللغوية التي جعلها تنطق شعرا، وهذا يعني أن السماوي في خياله الخصب هذا لاتحده آفاق اللغة، لأنه يحاول استنطاق الحيثيات والمستجدات وكل الأشياء المحيطة به حيث يسعى إلى تأسيس منجز إبداعي متميز تفتخر به المكتبة الأدبية والإبداعية العربية والعالمية على حد سواء وهذا ماحصل فعلا. (انظر: يحيى السماوي في عيني الثالثة ...، خالد الخفاجي)

وتشكل ثنائية: الوطن والمنفى، الأرضية الفكرية لعشرات من نصوص السماوي... فالوطن يتجلى في شتى التجسدات إلا أن واحدا منها يكون بصورة معشوقة يمنحها الشاعر حبا يصل حدّ الذوبان فيها والإتحاد بها كما يقول في قصيدة (النفق): (قليلكِ لا كثيرهنَّ،2007م، ص 41) «حينَ اختصَرْتُ بخيمَةٍ وطناً/وغُصْناً بالخميلهْ:/قدَّمْتُ أوراقَ اعْتِمادي/ للمنافي/حينما حاصرني (الأشاوسُ الذئابُ) ذاتَ ليلهْ/عَبَرتُ سورَ الوطن ِالمذبوح ِ»

لكن وطنه ممتحنٌ بالمحتلين والسراق: «وحين عدتُ:/ رأيتُ " شمشونَ" الجديدَ/يبيعُ في حانوتِ مطمَحِه ِ/"دليلهْ"!!/ورأيْتُ " أسيادَ القبيلهْ "/يَتناطَحونَ على ثيابِ أبي/ويَقتَسِمونَ نصفَ الليل ِ/أرغِفةَ الطفولهْ !/فحَزمْتُ ما أبقتْ ليَ الأيامُ/ مِنْ عَفَشِ الكهولهْ!» (انظر: السوداني، سوسن: كائنٌ خرافيٌ يستعير عينين ...)

فقد ظلّ الوطن لديه حُلْمًا ماثِلاً في مخيّلته... خير دليل علی ذلك صرْخَتُهُ المُدويُّة المُوجعَة في قصيدته «لا تذبحوا حبيبنا العراق» حيث قال: «لا تذبحوا حبيبنا العراق/ نصرخ باسم طينه/ باسم يَتاَمَاه../مشرّديه.. جائعيه../ باسم نخله../و عصرنا المثكل في مكارم الأخلاق/ باسم عروبة غَدَتْ/ دون يد وساق/ لا تذبحوا حبيبنا العراق/ فلتتركوا مَصيرَهُ/لأهْلِهِ العُشّاَق» (انظر: الوطن مَنْشُودًا ومَوْجُودًا ..، محسن العوني)

إنّ هذا الارتباط الحميم بالوطن وهذه الذاكرة الحيّة المتوهّجة وتلك العلاقة المتينة على البُعد تجعل من خروج الشّاعر من العراق أَشبه شَيء بالخروج من الفردوس وتُحَوِّلُ هذا الخروج إلى مُرادفٍ للجنون أو البَطرِ وهو ما يدفعه إلى ممارسة طقس اسمه تربية الأمل ومُرَاكمة الحنين للعودة إلى أحْضاِنه. يقول في قصيدته «على مشارف الستّين» (لماذا تأخرتِ دهرا؟، 2010م، ص41): حيران../لا أدري أَمِنْ بَطَرٍ /غَادَرْتُ أرض النّخل أم خَبَلِ؟

يتكثّف الإحساس بالشوق والحنين لدى الشّاعر إلى درجةٍ تتحوَّلُ معها العودةُ للوطنِ/ الحلم إلى هَاِجسٍ يقض مَضْجعهُ كما جاء في قصيدة (خذني إليك) (موقع صحيفة المثقف: الوطن مَنْشُودًا ومَوْجُودًا ...): «خذني .../ سَأَرْضَى لو أَتَيْتُكَ جُثةً/ تَغْضُو بحضنك كي يطيب مَصيرُ!»

لا بدّ للشّاعر داخل هذه الدّوامة من استراحة هي أشبه باستراحة المقاتل.. حينما يتحوّل قلبه إلى طائر يمضي - أو يسري - به إلى الوطن الحبيب.. العراق مَسْقَطُ الرّوح كما جاء في قصيدته «طَيْرٌ أنا قلبي»: (نفس المصدر)

طَيْرٌ أنا قلبي، إذا سكن الدُّجَى        يمضي به نحو العراق جَنَاحُ

ونجدُ الشّاعر في ذات القصيدة يناجي دمع دجلة والفرات وهو يُعزّي نفسه ويعلّلها من خلال ذلك قائلاً:

يا دمع دجلة والفرات لنا غدٌ          مهما استبدّ بكفره السَفّاحُ

السّيف ما ذبح العبير، ولا الهدى      تحدو به لجحيمها الأشباحُ

سنعود تحمِلُنا هوادجُ ثأرنا             و إذا سقطنا فالجنان رباحُ

يتخضَّبُ الجَسَدُ الشهيد لترتقي         نحو السّماء سَنَابِلٌ وأقَاحُ

إنّ الدارس لأعمال الشّاعر لا بدّ وأن يتوقف عند ظاهرة لافتة وهي كثرة الدّواوين التي خصّ بها وطنه العراق بشكل مباشر، نحو: قصائد من زمن السبي والبكاء عام 1971/ قلبي على وطني 1992/ من أغاني المشرّد 1993/جرح باتّساع الوطن 1994/ عيناكِ لي وَطَنٌ ومنفى 1995/ هذه خيمتي فأين الوطن 1997/ نقوش على جذع نخلة 2005/ الأفق نافذتي 2003/ البكاء على كتف الوطن 2008/ شاهدةُ قبرٍ من رخام الكلمات 2008/... وفي الحقيقة يأخذ الوطن أكبر مساحة في نفسه؛ إذاً يأخذ الوطن أكبر مساحة في حبه وعشقه، ربما كان في بعض نسائياته يرمز إلى بلده فهو أعظم محبوب تترجم إليه كلماته الغزلة، أو ترسم بحسب موصوفاته صفاته، فيتجسم في كلماته (العراق) المارد الكبير الذي يزأر في ذاته فتنخذل كل الموجودات وتنحني حبا واحتراما وانسحاقا أمام جبروته. إنه العراق الذي طاول من أجله الغربة وصارع الوحشة ليحتفظ به، فلا يلقيه من يده لأنه لا يريد أن يستبدله.

هذه المقاطع الشعرية المأخوذة من ديوانه الشعري «نقوش على جذع نخلة» الذي طبع في مجموعة بعنوان (قليلك لاكثيرهن) حين يقول: (ص 127)

أسفي على بغداد كيف غدت               سوقا وأنجم مجدها سِلعا

قد كان يربطني بهودجها                    خيطٌ من الآمال وانقطعا

الجسر تجفوه المها وإذا                      قَرُبَتْ تشظى وجهها فزعا

أو قوله في قصيدته (يا صابرا عقدين الا بضعة) : (نفس المصدر، ص 153)

النخل نفس النخل إلا أنه                        مستوحش الأعذاق والسعفاتِ

لكأنّ سعف النخل حبل مشيمةٍ                      شدت به روحي لطين فراتِ

فوددت لو أني غرست أضالعي                         شجرا أفيء به دروب حفاةِ

الله ما أحلى العراق وإنْ بدا                             متقرح الأنهار والواحاتِ

شبّه الشاعر سعفات النخيل في العراق بحبل المشيمة في رحم الأمّ حيث شدت بها روحه لطين الفرات في أرض الرافدين فيأتي بتشبيه آخر وفي نفس الوقت أجمل من الأول فيتمنی أن يغرس أضالعه كأشجار لتفيء بها طريق الحفاة والمساكين. ويقول في قصيدة «تَماهي»(3): (قليلک لا کثيرهن، 1428هـ، ص 21) «بينكِ والعراقْ/ تماثلٌ/ كِلاكُما يسكنُ قلبي نَسَغَ احتراقْ/ كلاكما أعلنَ عصياناً/ على نوافذِ الأحداقْ/ وها أنا بينكما/ قصيدةٌ شهيدةٌ/ وجثَّةٌ القى بها العشقُ/ إلى مقبرةِ الأوراقْ/ بينكِ والفراتْ/ آصِرَةٌ/ كِلاكُما يسيلُ من عينيَّ/ حين يطفحُ الوجدُ/ وحين تشتكي حمامةُ الروحِ/ من الهجيرِ في الفلاةْ/ كلاكما صيَّرني أمنيةًً قتيلةًً/ وضحكةً مُدماةْ/ تمتدُ من خاصرةِ السطورِ/ حتى شَفةِ الدواةْ/ كلاكما مئذنةٌ حاصَرها الغُزاةْ/ وها أنا بينكما/ ترتيلةٌ تنتظرُ الصلاةْ/ في المدنِِ السُباتْ/ بينكِ والنخيلْ/ قرابةٌ/ كلاكما ينامُ في ذاكرةِ العشبِ/ ويستيقظُ تحتَ شرفةِ العويلْ/ كلاكما أثكلهُ الطغاةُ و

د. يحيي معروف


التعليقات

الاسم: د. يحيی معروف
التاريخ: 31/08/2013 13:25:24
أخي الفاضل والشاعر الکبير السيد يحيی السماوي المحترم:
لاشک أن دراسة متواضعة کهذة تمثل قطرة من البحر الزاخر المليء بالؤلؤ والمرجان. أتمنی أن أجتني من هذا الکنز الثمين دُررا لامعة وفريدة في دراساتي المقبلة لتصبح وسام شرف علی صدر أعمالي الأدبية.
وأما إرسال المقال الی السيدة " هدى الأمين " في جامعة ذي قار والسيد " علي الإزيرجاوي " في جامعة المثنى فهذا يزيدني فخراً واعتزارا.
ختاما أشکرک من عطاءک المتواصل مع دعائي بالمزيد

الاسم: د. يحيی معروف
التاريخ: 31/08/2013 12:38:03
الأخ علي الزاغيني والأخ جلال جاف المحترمين
بالتاکيد مرورکما النبيل يشد أزري
لاشک أن الشاعر الکبير يحيی السماوي ذخر للعرب والمسلمين کافة فهو بحر لاينضب من العطاء المتواصل.
أتمنی له ولکما دوام النجاح والتوفيق

الاسم: علي الزاغيني
التاريخ: 31/08/2013 07:32:17
الاستاذ القدير يحيى معروف
احييكم على ما تناولتم في مقالكم هذا بحق شاعرنا الكبير يحيى السماوي
دمت لنا ودام ابداعكم الجميل

الاسم: الأزرق / جلال جاف
التاريخ: 30/08/2013 22:20:38
الكاتب القدير الاستاذ

د. يحيی معروف

جهد ادبي رفيع سلم يراعك وهو يبحر في عالم السماوي الكبير
دمتما وحفظكما
تحياتي ودي واحترامي لكما

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 30/08/2013 22:08:35
أخي الجليل الأديب القدير الأستاذ الدكتور يحيى معروف : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

دراستك الفذة هذه وسام تباهى به صدري وشعري ، وافتخرت به قبلي إحدى أهم مجلات التحكيم الجامعية العربية ، فتقبّل مني سيدي شكر العصفور للبيدر وامتنان الصحراء للمطر ، مع رجائي بسماحك لي في إرسالها الى طالبة الدراسات العليا السيدة " هدى الأمين " في جامعة ذي قار وطالب الدراسات العلياالسيد " علي الإزيرجاوي " في جامعة المثنى ليتخذا منها مرجعا في رسالتيهما لنيل شهادة الماجستير عن تجربتي الشعرية .

أكرر شكري اللامتناهي مع دعائي بالمزيد من عطائك الإبداعي سيدي .

الاسم: د. يحيی معروف
التاريخ: 30/08/2013 20:32:49
أخي الحبيب السيد الحاج عطا الحاج يوسف منصور
أشکرک من ملاحظتک القيمة
لاشک أن العراق كان ولا يزال مهداً
للحضارات المختلفة انا متاکد بذلک واتمنی لشعبه ودولته النجاح في مهمامهم لاستقرار الامن والسلام بإذن الله

الاسم: الحاج عطا الحاج يوسف منصور
التاريخ: 30/08/2013 18:33:11
الاستاذ يحيى معروف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه

ما تناولتَه في مقالتكَ عن شاعرنا الكبير السماوي هي إضمامه
من نفحات قلم صادق وهذا ما يتوق له القارئ .

ولكن أوقفتني عبارتكَ [ لاشكَّ أنَّ العراق كان ولا يزال مهداً
للحضارات المختلفه ] فعبارة [لايزال] هي حالة الاستمرار
في كونه مهد الحضارات وهذا لا يتطابق مع واقع الحال .

دُمتَ ودام بهاءُكَ .

الحاج عطا




5000