..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تجليات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين .. بحث نقدي ( الجزء الثالث)

أسماء غريب

 

القسم الثالث من الدراسة النقدية

 

بنية الصّورالوصفيّة وظاهرة التّواصل الحسّي

 

•1.1 صورة المرأة

 

صورة المرأة داخل نصوص أديب كمال الدّين هي نوع من أنواع العودة إلى الجوهر الأنثوي للكون، فهي ليست مُشتهاة بالمعنى الحسّي للكلمة ولكنّها بالدّرجة الأولى الصّورة المُثلى التي يُحَبّ فيها الله ويُدرَكُ بها وعبرها جماله بشكل يجعل من القارئ يعيش مع الشاعر تجربة النشوة والانخطاف، نشوة تصبح فيها المرأة رمز معرفة لا رمز هوية ووجود، إذ بالصورة يتصوّر الإنسان المعرفي نفسه متجسّداً، وهذا التجسّد يسهّل عليه التعبير عن المعنى لقوة حصوله في الخيال. الشيء الذي يؤدي إلى حدوث امتزاج أو انصهار هذا الأخير وسط الصورة كي يتحقق الستر والإخفاء للطافة المعنى ذاته، لأن الستر الذي يقابله الرمز والإشارة هو النقطة التي يلتقي فيها الشكل والمضمون. لذا فإن التعرّف إلى الجمال الإلهي عبر العنصر الأنثوي، فيه اكتشاف لأرقى درجات التكوين والخلق، مما يجعل من المرأة عند البعض ثمرة معرفة وعند البعض الآخر سبيلاً إليها، سبيلاً غالبا ما تكون مغرقة في السواد والتيه والبحث عبر الألم والبكاء والاحتراق عن الوجه المشرق للحقيقة الأنثوية والحقيقة المعرفية، ولعلّ هذا ما يفسّر كون المرأة عند أديب كمال الدّين تظهر لنا بوجهين، واحد مغرق في الشهوانية وآخر عائم في بحار الأنوار والجذب الإلهي اللطيف، كيف لا والأنثى في داخلها كوامن لا يعرفها إلا خالقها: تجدها ناعمة تارة وشرسة تارات، شهوانية مثيرة حيناً وباردة كالموت أحياناً، فلا الأساطير أنصفتها ولا الأديان حوت عظمتها وأسرارها. فهي الكاملة وهي الناقصة وهي المُدمرة وهي البانية. إنها ببساطة شديدة نقطة حمأ الكون وسرّ الله الأبدي.

 

ـ المرأة الريح عند أديب كمال الدّين

 

يقول أديب كمال الدّين في نصه "امرأة بشعر أخضر":

"(1)

لخمسين عاماً

كان يرسمُ اللوحةَ ذاتها: لوحة الموت:

امرأة دون عمر محدد

تسوق سيّارة سوداء،

سيّارة مسرعة

تسوقها امرأة عارية.

عبر نافذة السيّارة

ترى ثديي المرأةِ عاريين

وترى شعرها أخضرَ منثوراً

وترى ملامحها الساذجة.

خلفها توابيت

توابيت من؟

السيّارة مسرعة

والرسّامُ مرتبك

لأنّ المرأة ذات الشعرالأخضر

بثدييها العاريين

بعينيها الكبيرتين

بملامحها الساذجة

تحدّق فيه طوال الوقت.

هل كانتْ تدعوه؟

لأيّ شيء؟

(2)

مرّ خمسون عاماً

ولم يكمل اللوحةَ بعد.

لكنّه في صباحٍ عجيب

رأى عبر شبّاكه ما رأى:

آه، إنها شجرة الليمون مثمرة، يا إلهي!

بسكينٍ حادة

قطع ليمونتين من الشجرة

وبسرعة

قطعهما إلى أربع شرائح

وبسرعة

أخذ أنبوبةَ الصمغ

ليضع الصمغ

على الجانبِ الرطبِ من الليمونتين

ثم لصقهما كعجلاتٍ لسيّارة الموت.

الآن اكتملتْ لوحته

لم يعد ينقص سيّارة الموتِ أيّ شيء!

(3)

كان فرحاً كطفل

كطفلٍ حقيقي

لكنّ وجهه يشحبُ بسرعة

ليصبح بلونِ الليمون.

فيما كانت المرأة

بشعرها الأخضر المتطاير

بثدييها العاريين

بعينيها الكبيرتين

بملامحها الساذجة

تسوق السيّارة بسرعة

لتطلق قهقهاتها الفارغة من أيّ شيء!"1

 

 

 

ـ الشفرة الزمنية للنّص

 

تقوم هذه الشفرة على دلالات مصطلحية تتوزع بين زمن قارّ ثابت وآخر سريع برقي وثالث لانهائي:

ـ الزمن القار: (خمسون عاما /// ذكِر هذا التعبير لمرّتين على طول أجزاء النّص الثلاثة)

هذا بالنسبة للتعبير الدال على هذا الزمن، لكن هناك أفعال وظروف زمانية لها نفس وظيفة الإيضاح الدّلالي يمكن جردها كما يلي:

(كان (2)2 + مرّ+ رأى (2) +قطع+ قطعهما+ أخذ+ لصقهما+ كانت /+ بعدُ+ الآن)

ـ الزمن السريع: (سيّارة مسرعة // ذكرت هذه العبارة ثلاث مرات على طول النّص + قطع ليمونتين من الشجرة وبسرعة + وبسرعة أخذ أنبوبة الصمغ + لكنّ وجهه يشحب بسرعة)

أما عن الأفعال الدالة على سرعة الحركة داخل هذا الجزء فإنها كالآتي: (تسوق(3) + ترى (3) + تحدّق + يكمل + يصبح + تطلق)

ـ الزمن اللانهائي: (امرأة دون عمر محدد + طوال الوقت + الموت)

من هذا التبسيط للصفة الزمانية داخل النّص، يمكن الوصول إلى طبيعة الحركة بداخل المعنى وإلى ما يكون قد نتج عنها من تطوّرات أو تمفصلات، وهذا لن يتمّ إلا عبر استدعاء شخصيات النّص واستنطاق أفعالهم داخله وخارجه.

في النّص توجد أربع شخصيات وسيتمّ الغوص في دواخلها عبر التفكيك التالي:

الشخصيات حركتها وأفعالها داخل النّص

الرسام يرسم لوحة الموت

مرتبك

مازال لم يكمل اللوحة

في صباح عجيب رأى

قطع بسكين حادّة ليمونتين إلى أربعة شرائح

أخذ أنبوبة الصمغ

ألصق بها الليمونتين كعجلات للسيّارة

يشحب وجهه بسرعة

 

المرأة ذات الشعر الأخضر تسوق سيّارة سوداء

عارية

تحدّق في الرسام طيلة الوقت

تطلق قهقهاتها الفارغة من أيّ شيء

 

ـ الشاهد المستتر يرى ثديي المرأة عاريين

(ربما يكون القارئ) يرى شعرها الأخضر المنثور

يرى ملامحها الساذجة

 

 

ـ الرائي المتبصّر المحيط بكل شيء يصف كل شيء

(ربما الشاعر) يقول : لخمسين عاماً

كان يرسمُ اللوحةَ ذاتها: لوحة الموت

آه، إنها شجرة الليمون مثمرة، يا إلهي!

الآن اكتملتْ لوحته

لم يعد ينقص سيّارة الموتِ أيّ شيء!

 

كل هذا يعني أن هناك تطور وتمفصل داخلي في مسار فكر الرسّام، فهو من الجمود (الماضي) ينتقل إلى الحركة (الحاضر) ومن الحركة ينتقل إلى التحوّل ومن التحوّل ينتقل إلى القرار ومنه إلى تقرير المصير، مصيره ومصير الشاعر والمتلقّي معا (المستقبل). الوحيدة التي حافظت على تباث حالتها هي المرأة ذات الشعر الأخضر، فهي منذ ظهرت في النّص وهي تسوق مسرعة سيارتها السوداء ولا تنتظر أحدا.

ـ الشفرة الطلسمية

لوحة الموت التي يقدمها أديب كمال الدّين للقارئ تبدو سوداء في ظاهرها بل مربكة ومقلقة، وكأنّها كابوس ليلي مخيف، لكن القراءة المتمعّنة لها ولألوانها من خلال ما سبق جرده في الشفرة الخاصة بالزمن الداخلي والخارجي للنّص تفتح نوافذ جديدة يمكن الاطلاع عبرها على ما يخفيه النّص في صحرائه الخاصّة باللاوعي وباللاشعور الإبداعي، وهذا ما يمكن إيجازه وفقاً لما يلي من الإيضاحات:

ـ السيّارة السوداء :

هي في حقيقة الأمر ليست بسيّارة موت وإنما سيّارة حياة. والدليل على ذلك سرعة حركتها ونوافذها المشرعة. وهذه الحركة تعني رغبة في التغيير والتقدم نحو الأمام والتخلص من رتابة الماضي.

ـ المرأة ذات الشعر الأخضر:

هي شجرة الليمون وفي أثدائها أو ثمارها خير كثير وعميم، ولو أنها كانت بدون شعر طويل أو بدون لون أخضر، لكانت في النّص دليل شؤم وفقر ومرض. أما كونها عارية فهذا يعني أنها حبلى بسرّ عظيم يخصّ الرسام فقط أو الشاعر أو متلقّيا من نوع خاص له استعداد لتلقّي مفتاح المعرفة والجمال.

السكّين القاطعة:

هي فحولة وولوج ونكاح وانصهار وامتلاك لحقيقة رمز المرأة الخضراء والسيّارة السوداء، وبالتالي حركة فاصلة بين فترة ما قبل الخمسين سنة التي قضاها الرسام في الارتباك والتذبذب وما بعد هذه الفترة، أي حركة فاصلة بين الماضي والحاضر.

ـ الشفرة الأسطورية

في محاولة لمحاذاة مكنونات الشفرة الأسطورية سيتمّ في البداية التساؤل عن الكينونات التالية:

مّن يكون الرسّام؟ ومن تكون المرأة ذات الشعر الأخضر؟

للجواب عن هذين السؤالين ربما يقتضي الأمر التساؤل عن الكيفية التي صاغ بها أديب كمال الدّين هذه الصور وعن الأسس التي انطلق منها لحظة تنفيذ فعل الكتابة بل عن الميكانيزمات والآليات التي كانت تتحرك داخل ذهن الشاعر نفسه؟

في النّص كلّه ثمّة عنصر واحد يحمل بداخله مفتاح هذا السؤال، ولعلّه يكون عنصر الريح وإن كان غير واضح في أبيات النّص، إلا أنه ثمّة مصطلحات ستسمح له بالانبثاق والتجلّي عبر حركة توليدية تستكنه البنية اللفظية لما يلي من العبارات:

ـ تسوق سيّارة سوداء + سيّارة مسرعة /// لا يمكن للمرء أن يتصور سيّارة مسرعة دون أن يستحضر حركة الريح أو الهواء خارجها وهي الفكرة التي تجد ما يؤكّدها في العبارة التالية:

ـ شعرها أخضر منثورا + بشعرها الأخضر المتطاير /// لا يمكن للشعر أن يتطاير إذا لم تكن هناك ريح. الشيء الذي يعني أن نوافذ السيّارة كانت مفتوحة ومشرعة وهذا دالّ على أن السيّارة ولون شعر سائقتها وعريها، هي سيّارة حياة لا موت، وتقدم لا تقهقر.

لكن مهلا، ما لعملية التفكيك هذه وعنصر الريح؟ هذا سؤال يجد له جوابا في سؤال آخر: من تكون امرأة الريح هذه؟ وهذا سؤال آخر يجد الجواب عنه في الأساطير السومرية التي تغذّى منها لاشعور الشاعر في سنوات الشباب الأولى وربّما الصبا، وخاصة أساطير جلجامش التي لا تخلو مجموعة شعرية من اسمه. لكن ما لجلجامش وامرأة الريح؟

إنها المرأة التي ارتبط اسمها منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد بالرياح والعواصف فعُرفت ب "ليليتو" في سومر، وب "لي ـ ليتو"عند الأكاديين أو(سيدة الهواء) أو الربّة "نينليل"، ربّة الرياح الجنوبية وزوجة "إنليل". وقديما عثر الأركيولوجيون على اسم "ليليتو" في قرص طيني سومري من مدينة (أور) يعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد وفيه يحكى عن إله السماء الذي أمر بإنبات شجرة الصفصاف على ضفاف نهر دجلة في مدينة أورك وبعد أن كبرت الشجرة اتّخذ تنين من جذورها بيتاً له بينما اتخذ طائر مخيف من أغصانها عشاً له، لكن في جذع الشجرة نفسها كانت تعيش المرأة العفريتة "ليليث"، وعندما سمع (جلجامش) عن تلك الشجرة حمل درعه وسيفه وقتل التنين واقتلع الشجرة من جذورها فهربت "ليليث" إلى البرية.

ربّما تكون هذه هي الأسطورة التي استخرج منها الشاعر نسغ نصه لكن ليس ليعبّر عن الجانب المظلم للأنثى أو جانبها الشهواني كما صوّرته الأسطورة نفسها، ولكن ليصوغ للمتلقّي شكلا جديدا من أشكال الخلق والتكوين معتبراً الأنثى فيه عنصر صراع يتحقق من خلاله تنوّع الحياة ونظامها، فالعالم جاء إلى الوجود نتيجة فعل خلق إلهي، أما بنياته وإيقاعاته فهي نتيجة لحوادث جرت ولم تزل تجري في الزمان، لذا تجد الشاعر وظّف صيغة "السيّارة" كتعبير عن معاصرته لرموز الزمن الذي يعيش فيه، أما قيادتها فأعطاها للمرأة لتجسيد قدرتها الفاعلة والفعّالة في النظّام العام للحياة. وهكذا يُصبح جلجامش هو الرسّام أو الإنسان بشكل عام وفأس جلجامش التي قضى بها على القوى الشريرة التي استوطنت شجرة الصفصاف هي السكّين التي قطع بها الرسّام ليمونتين من شجرة الليمون، وهذا كلّه للدلالة على تمجيد العمل الإنساني الذي هو ليس فقط الجوهر الفعلي للإنسان وإنما كذلك سبب وجوده، أي حياته لا موته أو دماره. وليس هذا فحسب، فحركة السكّين داخل النّص أعطت للمعنى نفسه بُعدا شبقياً مرتبطاً بحركة التواصل مع الأنثى، أي حركة عودة الجسد المنفصم إلى وحدته الأصلية البدائية، وهي حركة تعبّر عن اغتراب الجزء أي المرأة ـ عن الكلّ (آدم/الرجل)، وهذا ماعبّر عنه أديب كمال الدّين في النّص بالمرأة ذات الشعر الأخضر التي تحدّق طويلا في الرسّام وتنتظر منه حركة (هل كانتْ تدعوه؟ لأيّ شيء؟)، أي تواصلاً أو نكاحاً كونيا باعتبار الأنثى تطابق الأنوثة السارية في العالم، لذا فإن حركة السكّين داخل الليمونتين أو ثديي المرأة هو اتصال معرفي وليس وجودي ولهذا حدث الانفصال (قطع الليمونتين إلى أربع شرائح) وتقيّدت الرغبة بالموت الذي هو حياة وبالألم واللذة وبكشف وهتك الحُجب.

 

•1.2 المرأة والحرف

 

لابدّ لكلّ متتبع لنصوص الشاعر أديب كمال الدّين، أن يعثر فيها وإن يطُل أمد البحث والدرس على ذاك البرزخ العجيب الذي يقف متهادياً بين كل ما هو حرفي ومجازي، برزخ لا يمكن أن يُسمى أو يوسم إلا بـ "الرمز" الذي ينضح دائماً بالحقيقة التي يمثلها، لكن ليس هذا وحده ما قد يكون الاكتشاف الأكبر للمتلقّي بقدر ما يُتوجب الالتفات إلى أمر آخر في غاية الأهمية والدقة، ويقصد به التساؤل عن ماهية السبب الذي يجعل من نصوص الشاعر نصوصاً رمزيّة بامتياز؟ أو ما هي طبيعة هذا الكنز الذي تنطوي عليه رؤية الشاعر للحقيقة بشكل تجعله قادراً على رؤية حياة ما من نوع ما داخل الإنسان وخارجه، ليؤكّد بالتالي للمتلقّي بأن حقيقة ما سواء أكانت مادية أو روحية هي مرتبطة أساساً بكل الحقائق الأخرى، وأن الإنسان يعيش في عالم من الرموز وبالتالي من المعرفة الرمزية؟

الجواب عن هذا التساؤل واحد لا غير: كل السرّ يتجلّى في ما يمكن أن يُسمّى بمبدأ وحدة جوهر الوجود. ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل من أديب كمال الدّين شاعراً يزجّ بنفس كل قارئ ودارس في دائرة العمل والحفر عبر إخضاع معظم قدرات هذه النفس لما يتبقى منها من قدرات أخرى و ذلك بهدف أن يبثّ بداخلها عند نهاية الرحلة طابع الوحدانية الإلهية وروحها بفعل قوة الصورة الرمزية، فتكون النتيجة أن يكشف الرمز عن نفسه بانكشاف الخاص في الفردي والعام في الخصوصي والكوني في العالمي. وهذا المعنى هو ما ستتمّ محاولة مقاربته عبر القصيدة التالية:

يقول أديب كمال الدّين في نص "غزل حروفي":

"(1)

هذي المرّة

لن تكوني مثل كلّ مرّة

امرأة من لحم ودم.

فلقد تعبتُ من دمكِ العاري وجحودكِ الأسطوري،

من خيانتكِ التي تشبه مشنقةً دون حبل.

وتعبتُ أكثر

من انتقالاتكِ المرّة الحامضة بين البراءة والذنب

ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين.

ولذا

هذي المرّة

ستكونين امرأةً من حرف

أخرجكِ متى أشاء

أمام جمع الوحوش

بيضاء من غير سوء

بيضاء لذة للناظرين.

(2)

عسى -

حين تكونين حرفاً -

أن أمسك طير الفرح بقلبي

بعد أربعين قرناً من الطيران الأعمى.

عسى

أن ألتقي نقطتي فألتقط منها

طلسماً للحبّ والطمأنينة

وألتقي هلالي فأراهُ يركض نحو العيد

بدشداشة العيد.

وعسى

أن ألتقي دمي

فلا أجده أسود

ككفّ قُطِعَ منها الابهام.

(3)

هذه آخر محاولات جغرافيتي الممزّقة

وتاريخي الذي يشبه معناي الذي لا معنى له.

هذه آخر محاولات الطفل فيّ

وآخر محاولات الساحر فيّ

والمجنون والشاعر

والوليّ

والزاهد والراكض من بحرٍ لبحر.

هذه آخر محاولات دمي:

أنتِ الآن امرأة من حرف

لا دم عندك ولا لحم

لا مؤامرات، لا مكائد، لا دسائس

لا هرطقات،

لا نزوات

لا ولا.

(4)

أنتِ الآن امرأتي

وشمعة داري!"3

 

يمكن تقسيم هذا النّص إلى مرحلتين مهمّتين في حياة الإنسان ككل وليس الشاعر فقط باعتبار هذا الأخير هو صوت يحكي لنا عبر قصائده عن رحلة الإنسان وسفره المضني داخل ظلمة هذا الكون الشاسع المهول: مرحلة ماقبلية وهي التي تبدأ من البيت الأول وحتى البيت الثامن، ومرحلة مابعدية تبدأ من البيت التاسع إلى نهاية النّص. إلا أنّ ما يشدّ الانتباه هو هذه الطريقة الغريبة في التعبير عن مفهوم "المرأة" هنا: ففي المرحلة الأولى نجد الشاعر يطلق عليها كلّ الصفات السلبية فهي:

ـ امرأة من لحم ودم

ـ عارية الدم

ـ جاحدة

ـ خائنة

ـ حامضة ومتقلبة بين البراءة والذنب

ـ ولا تجيد الحديث سوى عن الكأس والسكّين.

أما في المرحلة الثانية فهو يتحدث عنها وكأنها دمية مسلوبة الإرادة وهو الوحيد القائم على أمرها يتصرف فيها وبها كما يشاء ويحلو له:

ـ فهو يضعها في "جيبه" متى يشاء

ـ ويخرجها منه كي يعرضها أمام الغير ويتباهى بها متى يشاء

فهل هكذا يتعامل العارفون مع "المرأة"؟ طبعا لا، خاصة وأنه سبقت الإشارة إلى أن الأنثى بالنسبة للعارف وللواقف هي تجلّ إلهي وأن هناك العديد من المتصوفة ممن حاول ولم يزل تصحيح أخطاء السابقين في الكتابة عن المرأة والأنثى بشكل عام، وبالتالي معالجة ما ارتكبته الأساطير والخرافات سواء منها ذات الطابع الدّيني أو الفلسفي من ظلم وإسفاف في حقها، الشيء الذي يجيز القول بأن ما يتحدث عنه أديب كمال الدّين وبهذه الطريقة في نص "غزل حروفي" ربما قد لا يكون له أيّة علاقة بمفهوم المرأة العام المتعارف عليه لدى الجميع، كيف ذلك؟ هذا ما سيُحاوَل إيضاحه فيما يلي من القول:

يقول أديب كمال الدّين:

"ولذا

هذي المرّة

ستكونين امرأةً من حرف

أخرجكِ متى أشاء

أمام جمع الوحوش

بيضاء من غير سوء

بيضاء لذة للناظرين."

يوجد في هذا المقطع أثر للتجربة الموسوية أمام فرعون مصر وكهنته وسحرته، أي أن الأبيات تذكّر بالآيات القرآنية التي قال فيها عزّ وعلا:" وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"4 ثم "وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ"5، و"يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ. لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ "6 وبناء على هذه الملاحظة يمكن إجراء مقارنة تناصيّة بين ما ذكر في هذه الآيات من ألفاظ وبين العبارات التي ذكرت في مقطع الشاعر:

 

الألفاظ الواردة في الآيات العبارات الواردة في المقطع الشعري

 

ـ وأدخل يدك في جيبك ـ أخرجك متى أشاء

ـ تخرج بيضاء من غير سوء ـ بيضاء من غير سوء

ـ فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين ـ أمام جمع الوحوش

ـ بيضاء لذّة للشاربين ـ بيضاء لذّة للناظرين

 

من هذه المقارنة يمكن استنتاج ما يلي:

هناك من الألفاظ ماهو غائب في مقطع الشاعر لكنه يوجد في المقاطع القرآنية، فمثلا حينما قال الشاعر: "أخرجك متى أشاء" هذا يعني أن "الشيء" محطّ الحديث كان داخل الجيب وهذا يقود مباشرة إلى التعبير القرآني"وأدخلْ يدَك في جيْبك"، لكن هناك في المقابل ألفاظ أخرى تمّ اقتباسها أولاً من آية قرآنية معينة وإضافتها ثانياً إلى ألفاظ قرآنية مستقاة من آية أخرى مختلفة عن الأولى وذلك بغرض الجمع بينها ثالثاً في تعبير شعري واحد، ويقصد بهذا الجمع قول الشاعر: "بيضاء لذّة للنّاظرين"، بالرغم من أن المتعارف عليه عند دارسي القرآن الكريم أن لفظ "لذة"، ذُكر في القرآن مقرونا بعبارة "الشّاربين" ولم يذكر أبداً مقترنا بكلمة "الناظرين"، لذا وجب طرح السؤال التالي:

ما السبب الذي دفع أديب كمال الدّين إلى اختيار هذا المنحى اللغوي الغريب؟

للجواب عن هذه الإشكالية سيتم الاشتغال على التعبيرين معا، القرآني والشعري:

 

 

 

 

ـ بيضاء لذّة للشاربين ـ بيضاء لذّة للناظرين

 

في هذا التعبير إشارة لخـمـر الجنة يتلذذ الشارب بما يشرب ويسكر

ولبياض لونها ولذيذ مذاقها، إلا أن والنـاظر أيضاً يتلذذ بما ينظرإليه

الأمر قد يبدو غير كذلك إذا مـا تمّ وقد يُسحر به ويذهب لبّه.

الـتساؤل عن الـكأس الـتي تـوجـد

بها هذه الخمر، فلربما تكون هـي

البيضاء اللون وليست الخمر ذاتها.

 

بعد هذا التفكيك يظهر عنصر جديد، ويقصد به "الكأس" التي ذكرت في الآية القرآنية لكنها لم تذكر في عبارة "لذة للناظرين"، وهذا الظهور هو نداء ضمني مستتر لعبارة "الكأس" التي وردت في بداية النّص حينما قال الشاعر:

"وتعبتُ أكثر

من انتقالاتكِ المرّة الحامضة بين البراءة والذنب

ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين."

فما الفرق إذن بين كأس الآية وكأس هذا المقطع؟

كل كأس في القرآن هي خمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناءً وقدحاً. فهل هذا يعني أن الكأس التي ذكرها أديب كمال الدّين هي كأس خمر حقاً أم ماذا؟ هذا السؤال لم يكن من الممكن طرحه لو لم تكن عبارة "أغنية الكأس" متبوعة بلفظة "السكّين". وهذا يقود إلى تساؤل آخر يتغيأ البحث عن العلاقة بين الكأس والمرأة وبينهما معا و"السكّين".

قديماً كان العرب يرمزون للكأس بالمرأة الحامل أما السكّين فغالباً ما تكون بين طياتها إشارة لعنصر النكاح وهو قد ورد هنا في البيت الشعري بمعناه المادي وليس الوصالي الاتحادي بدليل أن البيت مسبوق بعبارتي "الحامضة" و"الذنب"، لكن لماذا "المرأة" هنا في هذه الصورة تبدو من جديد وكأنها غانية أو فتاة ليل؟ ولماذا بعد ذلك "المرأة" ذاتها ستتحول إلى "حرف" وتصبح بيضاء لذة للناظرين؟ هل يعقل هذا؟ لا شك وأن الأمر فيه شفرة لابد من فكّ رموزها.

نص "غزل حروفي" كما سبقت الإشارة مقسم إلى جزئين أو مرحلتين ولفظ "لذا" الذي أتى مسبوقاً بالبيت الذي قال فيه الشاعر"ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين" يبدو وكأنه حقاً سكّيناً أخرى غير (سكّين الكأس) قطعت بين زمنين وموقفين وتجربتين. لكن إذا كان الحديث عن الكأس قد أوصل إلى الحديث عن "المرأة"، وإذا كان الكلام عن السكّين قد قاد إلى ذكر الحديث عن النكاح وعن لفظ "لذا" القاطع بين مرحلتين، فإلى أي درب سيوصلك ويوصلني أيها القارئ الحديث عن "جمع الوحوش" وعن "سحرة فرعون"؟

سبق الحديث عن يد موسى البيضاء من غير سوء وعن المرأة الحرف التي أراد لها أديب كمال الدّين أن تكون بيضاء هي الأخرى لذّة للناظرين، لكن بقي عنصر لم يتم ذكره وإن كان حاضراً بشكل قوي التخفي والتستر، إنها "العصا"، عصا موسى أولاً وعصا أديب كمال الدّين ثانياً:

 

عصا موسى

 

في الآيات التي سبق ذكرها تمّ الحديث عن موسى (ع) الذي طلب منه الله عز وعلا أن يخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء، وهي نفسها اليد التي ستمسك بالعصا التي سيلقيها وستتحوّل إلى أفعى كبرى تلقف ما صنعه السّحرة من إفك، بمعنى تفضح من غير التهام وتظهر أفاعي الدجالين على حقيقتها الأصلية، أي كونها حبالاً وعصياًّ ليس إلاّ. وليس هذا فحسب فبالعصا فلق موسى البحر وبها ضرب الحجر.

هذا يعني أن من هذه العناصر يمكن استخراج المفاتيح التالية:

ـ الجيب

ـ اليد

ـ العصا

ـ البحر والحجر

 

عصا أديب كمال الدّين

 

منذ البداية والشاعر يشير إلى "امرأة" أصبحت في نهاية الرحلة شمعة داره، وكما يعلم الجميع فما من حرف يشبه العصا والشمعة في اللغة العربية سوى الألف، وهذا يعني أنه ما من امرأة أو أنثى في هذا النّص، ما من شيء هنا سوى الألف وما من أنثى سوى النفس البشرية التي في طريقها إلى الكمال تركض من بحر إلى آخر وتتنقل بين الذنب والبراءة وبين الكأس والسكّين، وعليه فإن المفاتيح التي يمكن استنتاجها في هذا الجزء هي الآتي ذكرها:

ـ الكأس

ـ السكّين

ـ الشمعة

وعملية جمع بين مفاتيح المقطع الخاص بعصا موسى (ع) وعصا أديب كمال الدّين توصل إلى العلاقة الآتية:

جيب + كأس= غمد

غمد لأي شيء؟

غمد لـ: السكّين وللعصا وللشمعة كما الأنثى غمد للذكر وكما الجسد غمد للنفس التي تحولت سكينها إلى عصا وعصاها إلى شمعة وشمعتها إلى قيّوم الحروف كلّها: الألف أو المرأة التي سمّاها الشاعر بـ"امرأة من حرف"، والتي يحمل هذا المقطع من قصيدة "محاولة في العزلة" وصفا دقيقا لها:

"هكذا فأنا أجلس في نفسي

لأحرس نفسي.

ولكي لا أنسى ما صُنِعَ بي

وضعتُ رمحاً على بابي

خضّبته بدمي

وصنعتُ من الطين

رأساً كرأسي

وضعتهُ على الرمح

وبكيت..

بكيتُ حتّى سالتْ روحي

فرددتها إليه... إلى الرأس.

***

كلّ صباحٍ أركعُ أمامه في خشوع

لأقول له:

"صباح الخير

أيها الرأس المثقل بالأسى والحروف".

فيردّ عليّ في هدوءٍ عظيم:

"صباح الخير

يا صاحبَ العزلةِ السعيدة!"7

 

 

1.3 المرأة النّقطة وظاهرة التّواصل الحسّي

 

يقول أديب كمال الدّين في نصّه "رسالة الحَرْفِ إلى حَبيبته النّقطة"8

 

"حبيبتي:

أيتها النقطة،

أيتها الحمامة،

أيتها الصّخرة الملقاة على حافةِ النهر،

أيتها الوردة الطيّبة،

أيتها الابتسامة اللذيذة كقيمرِ الصباح،

أيتها الدمعة: اللؤلؤة،

كيف أجدكِ الليلة؟"

 

ليس ثمة من شكّ في أنّ هذا المقطع من نّص "رسالة الحَرْفِ إلى حَبيبته النّقطة" يحبل بالكثير من الصّور والانزياحات المُتنوّعة والمُختلفة، لكنّ الذي يشدّ الانتباه بشكل أكثر عمقاً من غيره، هو هذه الطاقة الهائلة التي يزخرُ بها المُعجمُ الحسّي للقصيدة بشكل تتحوّل فيه المشمُومات إلى ألوان، والمسمُوعات إلى عطور والمرئيات إلى أنغام تتفاعل وترقصُ فيها وبها ومعها جميع حواسِّ المُتلقّي كي تتفجّر عند نهاية الرّحلة وتتدفّق مع الشّاعر متّخذة أشكالا جديدةً من الصّور الطّازجة والخارجَة عن عالم المُدرَكات الحسيّة مُخالفة في هذا كلّ الأعراف اللغوية والتصْويرية العادية، لذا وَجب التوقف في هذا المقطع عنْد كلّ حاسة على حدة:

ـ حاسّة البصر:

 

إنّ أوّل ما قدْ يصلُ إلى عين القارئ من الصور هنا هي صورة عاشق يشبه ساحر سيرك بين يديه قبعة سوداء طويلة يدخل فيها بخفة يد ورشاقة حركة "النقطة" ثم يخرجها وقد صارت "حمامة" أو "صخرة" أو "وردة" أو "صحنا من القيمر" أو "دمعة" أو "لؤلؤة". كذلك يوجد داخل الصّورة نفسها عنصرٌ آخر يصل إلى العين مباشرةً وهو عنصرُ اللون: فالنقطة لونها أبيض والدليل على ذلك عبارتَي: "أيتها الابتسامة اللذيذة كقيمر الصباح" و"أيتها الدمعة: اللؤلؤة"، إذ ما من شك في أنّ لون القيمر والصباح واللؤلؤ هو أبيض، ولذا جاز القول ووفقاً لقاعدة الاستنتاج الضمني، بأنّ الحمامة والصخرة والوردة لا يمكنهنّ أن يكنّ جميعهن سوى بيضاوات اللون بامتياز.

ـ حاسة الشم والتذوق

 

لو لم يكن عنصر الماء هنا حاضرا عبر ذكر مصطلحي "النهر" و"الدمعة"، لكان من الصعب جدا الحديث عن نوع الرائحة الكامنة داخل أبيات هذا المقطع، التي هي بدون شك رائحة عطرة وطيبة، مادامت تنبع من الوردة ومن القيمر، لكن هذا لا يكفي، على المتلقّي أن يتوغّل أكثر وأكثر كي يحدّد طبيعة هذه الرّائحة هل هي نابعة من عنصر الملوحة أو عنصر الحموضة أو عنصر الحلاوة أو عنصر المرارة، ويحدّد أكثر وبشكل أدق درجة الرطوبة والسيلان الساكنة داخل كل هذه العناصر، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال استخدام حاسة التذوق عبر الأنف وليس عبر اللسان مادامت هناك من الروائح والعطور القوية ما تصل إلى الحلق مباشرة من الأنف.

إذن لدينا عنصران أساسيان للقيام بهذه التجربة: الدمعة والقيمر.

الدّمعة كلها ماء، إذن فهي رطبة ومتدفقة ودائرية الشكل، لها طعم مالح. أما بالنسبة للقيمر فكله حليب ومصل، وفي الإشارة لهذين المقطعين علاقة وطيدة بعناصر أخرى تمّ ذكرها في هذا المقطع من القصيدة ويُقصد بها: الوردة واللؤلؤة، باعتبار أن هذه الأخيرة لا تتكون علميا وكيميائيا داخل المحارة إلا إذا تسربت إلى محارتها حصاة من الرمل أو الصخر فيتهيج الحيوان الرخو بداخلها ويتألم بشدّة ويبدأ دفاعا عن نفسه في إفراز مادة من الخلايا الظهارية وفي بناء طبقات متعددة ومتماسكة من الأرجونيت أو من كاربونات الكالسيوم التي تصبح بعد ذلك لؤلؤاً كاملاً. وعنصر التهيّج والألم الداخلي الحاصل داخل المحارة فيه نداء لتهيّج آخر له علاقة وطيدة بالدمعة المالحة المذاق كملوحة ماء اللؤلؤة، فهي غالبا ما لا تتكون إلا إذا حدث ألم داخلي بقلب الإنسان. إذن فالأجسام التي تتخلق فيها السوائل عبر عُنصر الألم في هذا المقطع ثلاثة وهي كالآتي:

ـ المحارة = اللؤلؤة

ـ العين= الدمعة

ـ القلب = الدم

أما السّوائل فهي أربعة: ماء المحارة + ماء العين + مصل القيمر + دم القلب

وكلّها سوائل مغذّية ترمز إلى عنصر تخليق الحياة في محارة الكون، أو وسط وردته الصوفية التي احتضنتْ منذ الأزل حليب التخليق ونقطته البيضاء اللؤلؤية المنطوية على الحقيقة المحمدية والتي لا شكّ يتمنى كل عاشق أن يقضي في حضرتها ولو جزءاً من الثانية كما سبق وقال الشاعر في مقطع من (خطاب الألف):

" المغنّي يتمنّى الصفاء

ويريد أن يقضّي العمر مع حبيبته

وأنا أريد أن أقضّي معك

ساعة صفاء واحدة

أو دقيقة حبّ واحدة

أو لحظة اطمئنان واحدة

أو ثانية مسرّة واحدة."[9]

مرّة أخرى ما من امرأة أو حبيبة بالمفهوم المُتعارف عليه في هذا النّص، لا حضور هنا سوى للنّقطة التي لولاها ما غنّى لها هذا الألف الشاعر الواقف العاشق المتيّم كل هذه القصائد المغرقة في الشوق والوله والصبابة عبر كتابة 15 ديوانا ، فهي هو، عبارتان لذات واحدة.

 

 



 

 

[1] أديب كمال الدّين، "امرأة بشعر أخضر" من ديوان ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2006، ص 97.

[2] الرقم بين قوسين يشير إلى عدد المرّات التي ذكر فيه المصطلح داخل النّص.

[3] أديب كمال الدّين، "غزل حروفي" من ديوان حاء، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2002، ص 73.

[4] القرآن الكريم، سورة النمل، آية 12.

[5] القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 108.

[6] القرآن الكريم، سورة الصّافاّت، آية 45./46/47

[7] أديب كمال الدّين، "محاولة في العزلة"، من ديوان النقطة، صدرت بطبعتين : ( الأولى 1999) - بغداد. (الطبعة الثانية 2001) - المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان، بيروت، ص 52.

[8] أديب كمال الدّين، "رسالة الحرف إلى حبيبته النقطة"، من ديوان شجرة الحروف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2007. ص 92.

[9] أديب كمال الدّين، "خطاب الألف" من ديوان نون، مطبعة الجاحظ، بغداد 1993، ص 57.

أسماء غريب


التعليقات




5000