..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


شرفات الذاكرة .. رواية للكاتب ناطق خوصي

مهدي شاكر العبيدي

 

ناطق خوصي

أتى لنا الأديب المصري الراحل غالي شكري في غضون عام 1969 م يوم حضر مؤتمر الأدباء العرب السابع المنعقد ببغداد ، ببدعةٍ جديدة لم تسترعِ انتباه أحدٍ وتسقهُ للإدانة والاعتراض ، وفحواها أنه صُدِمَ بما وجده في المجتمع العراقي من فرط الحذر والتحفظ والانكماش المستولي على سلوك كلا المخلوقين الرجل والمرأة ، مما يُكرِّس الانفصال ودوامَه في حياتيهما بأدنى درجاته وأوطأ مستوياته ، وكأن لم يصل الى علمهما ما قسرتهما عليه مقتضيات العصر والنهوض الحضاري في هذا الزمن ، من أن يُحسنا الظن بسريرة الآخر وينزعا الى الاختلاط في المنتديات العامة بعد أن يُزيلا هذا الحجاب الصفيق الذي يفصل بينهما ولا يَضنا ويتوانيا بِسَبِ مَنْ ألزمهما به ، وشتم مَنْ جرَّهما إليه ، ليخلص - أي غالي شكري - من مداخلته هذه الى أنَّ الفصام الشنيع ذاك ، كان له تأثيره في مراس الأدباء العراقيين لصنعتهم الأدبية بمختلف فنونها وأغراضها ، وبشكل خاص منها التولي عن كتابة قصة تمثيلية أو عمل روائي ممتاز يصوِّر ما يصوِّر من عواطف النفوس أنبلها أو أخسها في غمرة صراعها مع مصيرها أو قدرها ، لكنْ حينها يبين عجز الكاتب العراقي عن بلوغ هذا الشأو ، ونكوصُه مُخيباً عن أن يفي على حدٍ منه. كان ذلك خلال تصريحٍ أفضى به لأحد المتولعين بالمقابلات الصحفية مع المبرزين في الشأن المعرفي أو التخصص العلمي والأدبي الذي يقوم عليه حضورهم في دنيا الناس ، وتواتت لهم الشهرة لتألقهم ونبوغهم فيه ، وكذاك شأن ما حُبِيَ به غالي شكري وقتئذٍ من احتفاء الأدباء المبتدئين ممن سُمح لهم بغشيان المؤتمر ، وحوطه بمحض تقديرهم وإعجابهم بما لحظوه من موالاته نشره دراساته وأبحاثه في المجلات والدوريات بشكلٍ مسرفٍ حتى لقد عنَّ لهم أن يفتكروا في هل يمنح الرجل نفسه قسطاً من الراحة وينقطع عن مزاولة الكتابة ؟ ، غير أنهم ما لبثوا بعد سنواتٍ قليلات أن زايلتهم تلك الهالة من الثناء على مجمل نتاجاته واستهوائها لما مُني به من زعم بعضهم في المجلات التي تصدر في دول الخليج ومجلة الآداب كذلك ، أنه لا يعف عن السطو على كتابات الغير وانتحال عين توصلاتهم واستنتاجاتهم حول القضايا السياسية والشؤون الآدبية وعزوها لنفسه ، وحقيقة الأمر أن مقالاته المنشورة في مجلات تلك الحقبة ومنها ما احتجبت اليوم ، تنماز في عمومها بالنضج والجودة وتوافر له فيها من وضوح الرأي وجمال اللفظ ما يدل على طول استغراقه في الكتب وانهماكه في مطالعتها بغية تثقيف عقله وتربية نفسه وإرهاف ما له من حسٍ وشعور كفيلين بمعاونته على التمييز بين ما تغلب عليه الضحالة والسطحية والتهافت من نصوص الأدب ، وبين ما توافرت له منها موجبات البقاء والديمومة على مدى الأزمان ، لملاءمته ما يرتعش به الوجدان الانساني ويهجس به ضميره أينما كان من الوجود ، لكنها الفكرة الثابتة المساورة لأفهام غالبية كُتّاب مصر والمستأثرة بظنهم وتفكيرهم أنهم متميزون ومتفوقون على سائر أخدانهم وقرنائهم في الديارات العربية ، وعلى امتداد الأجيال المتلاحقة ، بطول باعهم بفن الكتابة ومكنتهم من الانشاء ، ومضيهم في الاستقراء والاستنتاج ، وتفننهم في التحليل والنقد ، وكذا اقتصر في بحثه المقدم للمؤتمر حول التجارب الأدبية لمرحلة ما بعد نكسة حزيران المريعة ، على تلخيصات لما كتبه أدباء مصريون أمثال نجيب محفوظ ونعمان عاشور وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم ، واطلعوا به من قصص ومسرحيات وأشعار لتكون البلسم الشافي من أوصاب هذه النكسة. ويُقرَن بانحيازه هذا مبالغته وضحكه على ذقون قرائه ، باعلانه لهم أن استمع " لنصف " ديوان الجواهري ينشده سائق سيارة أجرة وهو يجول به في شوارع بغداد للتدليل على مدى ما يحظى به الشاعر الكبير من الحب بين الجمهور الكادح ، ويناله شعره في أوساطهم من ذيوع.

استذكرت هذه الملحوظات والحقائق وقد فرغت تواً من قراءة هذه الرواية البديعة آخر ما رفد به الوسط الثقافي من نتاجاته القمينة بكل حفاوةٍ وتقدير ، ألا وهو الاستاذ ناطق خلوصي وبأسم "شرفات الذاكرة" لنباري بها الذين شايعوا وقتها المرحوم غالي شكري وأقروه على دمغه البيئة العراقية بتحفظها وتحرجها وعدم سماحها باختلاط الجنسين مما أثر وتسبب في ضعف سليقة الكُتّاب العراقيين وقصور ادواتهم في كتابة الرواية وشأنها أن تستوحي أطوار النفوس وتنفذ الى أطباعها وتصرفاتها , وتستقي من مكنوناتها وغرائزها ، ما توغل في سرده من حكايات ومرويات ، غير أننا نلفي في هذا العمل أو الصنيع الروائي الممتاز ، ابتداءً من الصفحة الثانية والثلاثين حتى الخمسين منه ، فرط إمعانه واسرافه في تعريفنا وتعريفك بأسماء الفتيات الجميلات اللاتي عرضْنَ في حياة "الفتى" ولا نقول البطل الموكل بمهاجمة معسكر أو اقتحام مدينة كما يملي بعضهم ، قلت عرضن وصادفن الفتى قبل أربعين سنة من مغادرته بلدته الصغيرة وقد عاد إليها مؤخراً في زيارةٍ قصيرةٍ مستطلعاً أسرارها وأحوالها ، ومستعيداً ذكريات حياته وما امتحن به فيها من صرووفٍ وتجارب أو انشغل فيه من فعاليات وممارسات على صعيد السياسة ، وابتغاء تحسين حياة المجتمع واستكمال مقومات السيادة الوطنية مثلما كان يختلج من شعورٍ في ألباب ذلك الجيل الذي واكب في عمره الزمني حركة 14 تموز فأغري بأوعادها وريع بما عقبها من دكتاتوريات ومظالم مجحفة ، فندم على ما اجترحه من خطأ ، ولام نفسه على تطرفه واندفاعه ، في الوقت الذي يأسي فيه على خروجه من تفاديه و بذله التضحيات ومساندته للجمهورية صفر اليدين وخالي الوفاض ، فضلاً على ما نزل به من حيف وحلَّ في ساحه من افتيات وجور.

ان الصفحات الثماني عشرة التي يصف فيها جمال فتياته وما يوحين به من سحرٍ وفتنة ، ويصور ما يبعثه استرساله في تقبيلهن من تلظي اشتهائهن للرجل ما يسوقنا لتأمله وتدبره والانتهاء منه أو القطع بأن لا نغلو في وصمه بالخطيئة التي تدان بها بنت حواء حين تـُكتشف فضيحةٌ واحدة وينفضح وزر واحد من هذه الأوزار وتظل البقية في الخفاء وبمبعدة عن عيون الناس ، علماً ان صلته بثلاثٍ من حبيباته كانت شبه عابرة أو تغشاها الفتور بفعل ما أسماه الفتى بالمصد الذاتي المُلزم للمرء أن يعهد من نفسه إلاً وذمةً أو لأنه نكص عما أغوينه به من مغامرةٍ أو تجريب مكنته منها الى مالانهاية ، فجميعهن يؤثرنه بأن يكنَّ عشيقاته ، فأدار ظهره لهنِّ ، وكأنْ  يئسنَّ من وصاله فانسحبنَّ من حياته ، وهنَّ: (نهاية) الوحيدة لأمها العجوز ويساكنها في البيت أخوها (كرمان) المؤذن من فوق سطح بيتهم في رمضان ، والمواظب في عامه على اللحاق بموكب التطبير بعد ارتدائه الكفن الأبيض وحمله السيف ليريق من دم جبهته ورأسه ما يريق كي يصدق في ايمانه وتصح عقيدته وتستوفي شروطها ، و (وسيلة) ذات البشرة الدكناء والعينين الواسعتين الشهوانيتين التي لم تكن في الحقيقة من أهل المدينة بل تأتيها من بغداد لتزور وتحل في بيت خالها وتجيء الى بيت الفتى ربما متأبطة قماشاً لتخيطه أمه وتصنع منه ثياباً على قدها (بعد أن أصبحت أمهر خياطة في المدينة) ويلهج سائر الناس بالثناء عل حسن تعاملها معهم ، فتقبل صوبها الزبونات بشكلٍ متواصل ، ويتسع صدرها للترحيب بهنَّ واستقبالها لهنَّ ، عدا هذه الفتاة التي لا ترتاح إليها وتقول عنها بأنها لعوب ، لكن (وسيلة) تعرف أين يكون الفتى سعدون من بيت جده حين يزدحم بيتهم بالزبونات ولم تأبه (وسيلة) لخلفه بالوعد نزولا على دواعي المصد الذاتي وما يستتبعه من فرقٍ وخوفٍ ، فانصرفت عنه ورجعت الى بغداد بعدما أوسعته من الشتائم غير الموجعة والقادحة ما أوسعته. تبقت من عشيقاته (زهور) ابنة الشرطي المحال على التقاعد أو المطرود من هذا السلك ، لا أحد يدري ، ويظل سره مشوباً بالغموض لاسيما أنه لم يلفِ مضاضةً في تجواب الأسواق والقهوات ليبيع الدخان على المارة والجلساء بصندوقه الخشبي المعلق برقبته موفراً لعائلته الصغيرة أسباب معيشتها من وراء ما يجتنيه من ربح ، وابنته زهور هذه لوحظ أنها كثيرة التجوال في طرقات المدينة ، ولم تدخل دارته يوماً تهيباً واحتراساً وخوفاً من أمه ، وطلبت منه ذات مرةٍ أن يتبعها حين صادفها في الشارع فصدف عنها وتجاهل حركاتها الماجنة "وسار في شارعٍ آخر" دون أن ينخدع ويُغرى وينسحر بجموحها وشبقيتها وشهوانيتها التي لا تقل عن شهوانية وسيلة.

يظل أمامنا تعرفه على فاتنته (سميحة) بنت (شلال) الذي كان يعمل موظفاً في الحلة ورجع الى بلدته بعد تقاعده ، وتصادق الفتى سعدون مع أخيها (منير) المجبول على هذا الشذوذ الغريب والذي يصل الى حد الهيام بالأخت بحيث عرض عليها  مراودتها حين تزوجت وانجبت ، كأن هذا التصرف من الأمور السهلة والمقبولة وأنه لا يعدو استغراقهما في النوم معاً كما كانا يستلقيان على فراشٍ واحدٍ زمن الطفولة والمراهقة ، وكذا تَعَوَّد أن يغشى دار زوجها (توفيق) حين تصادف عطلته من الجيش الذي انخرط في أحد تشكيلاته وحقّت عليه الجندية إثر تركه الدراسة مقتصراً على المرحلة المتوسطة ، وتخلصت منه بموته في حرب الشمال أو كأنه ساق نفسه سوقاً لملاقاة حتفه في قتال الأخوة ، ليشتفي من عذابه الكارب ، ويبرأ وجدانه من هذا الصراع الأليم بين الخروج على القانون الذي استنه البشر لاستقامة حياتهم ودوامها على الخير والطهر والنقاء ، وبين أن يرتكس في مهواةٍ من الرجس والخسة والرذيلة لا أوبة منها لأن يُعد من الصلحاء والنزهاء الأعفاء من بني آدم.

ويسترسل الفتى في وصف جمالها الفتان وجسدها الرشيق يوم وجدها وحدها في البيت وقد جاءه مستفسراً عن منير ، فاختلت به في غرفةٍ عُليا من الغرفات بعدما صعدت به إليها ، وكلاهما يخشى أن يباغت بمجيء أمها أو أبيها وهما على هذه الحال من الاضطراب واللهاث الساخن ، وتوسلت إليه أن يتخذها حبيبة ، لولا أن المصد الذاتي الكامن في أعماقه دفعه لأن ينتحل كذبة فيدعي أنه مسكون بغيرها رغم ما انغمس فيه من تبادل القبل لتظل ذكراها ماثلةً في سريرته حتى إيابه لبلدته بعد هذه الأربعين سنة التي تقضتْ كطيفٍ في منام ، وقد تغير كثير من معالمها وطرأ على حياة سكنتها ما طرأ من تغيير ، واندرست أجيالٌ من الناس وحلَّ في اثرهم آخرون ، وامتد العمر ببقيةٍ من عشرائه ومشاركيه في تأميله الموهوم ذاك أن يُحدث المشتغلون بالسياسة في كل مدينة وقرية ، ومن جميع الفئات والأجناس والعناصر نقلةً نوعيةً في حياة العراقيين وتستوي بينهم مقاييس العدالة ورعي حقوق الانسان ، إذا بهم يندمون على ما بان يومها من تحمسهم واندفاعهم ، فقد جوزوا لقاء ذلك بشر ما يُجاز به الفادون والمخلصون ، واُثيبوا بفنونٍ من الإجحاف والنكاية ، وألوان الامتهان والردع والعقوبة ما كان حقاً أن يُصبَّ جزء ولو يسير منه على أولاء المخاليق الرعناء ممن استغل المتمشدقون بالعروبة والطارئون عليها كَيدهم وشقاوتهم لاقتراف ما تعف عنه العجماوات من الجرائر والمظالم.

وللقائه بسميحة التي أهتدى الى دارها الجديدة وربما قاربت الستين عاماً وصار لها ابن توفي أبوه ، ومات عنها أخوها منير ولا تدري أتحزن عليه أم لا تحزن ، قلت لهذا اللقاء حديث آخر ريثما نفرغ من الكلام عن عشيقةٍ أثيرةٍ أخرى أسمها (منارة) ابنة الشيخ (معيوف) الذي طالما استمع سعدون لحديث جده عن أصل هذا الشيخ المزعوم الذي لا يتعدى كونه فلاحاً من الفلاحين ، وبفضل عون الجد الأكبر لسعدون الذي كان متنفذاً ومسموع الكلمة أيام ارتباط العراق بالعثمانيين ، فسمح له بامتلاك ضياعٍ وأراضٍ بوضع اليد وبمرور الأيام صار شيخاً ، و (منارة) هي صغرى بناته اعتادت دخول بيت  لشؤون الخياطة ودرجت على غشيان غرفته ريثما تنتهي أمه من إنجاز ما ابتغته من أثوابٍ وفساتين ، والفتى هناك خمد في داخله المصد الذاتي حيث كان لها مع سعدون معابثات وألاعيب ، وتحايل عليها بعد ما اشتكته من تورمٍ في خدها أخفته عن أمه باختفائها وراء سرفة الباب حاسبةً أنها لم تفطن وتشعر بما وراء هذا النزق الصبياني الذي خوفته منه ونهته عنه بعد خروج منارة من الدار ، فانقطعت عنه مدةً ولما تلاقيا طلب منها أن يصنع كما يصنع الممثلون في السينما حيث لا تحس بألم ولا يسبب لها أذى ، وهكذا مال برقبتها قليلاً الى وراء واستسلمت له بكل طواعيتها وتكاد تذوب بين يديه ، ولولا أن نادتها أمه لتسلم الثياب فانفلتت منه وانفكت عنه على مضضٍ بعد أن راقت لعينيها هذه الطريقة.

ومضت الأيام وظلت وجوه هاتيك الفتيات الثلاث أو الأربع تعشش في الذاكرة ومسحةٌ من الندم على تضييع الفرص من أيام مراهقته رغم اقترابه من الكهولة واجتيازه عتبة الزواج وتكوين الأسرة ، غير أنه يأسى لتصاغره حينها حيال وطأة المصد الذاتي وتغلبه عليه ، فيمسك نفسه عن الاسترسال بوحي نزواته الى أقصى حد ، الى أن بهتت صورهن وكادت تنمحي من ذهنه بمرور الزمن ، وتلمع في خاطره ذكرى سميحة أحياناً أو تخطر في مخيلته أيام دعابته ومزاحه معها ، فاحتضانه لمنارة بنت الشيخ معيوف في جميع الأوقات التي يفرغ فيها من القاء دروس الانجليزية وقد تعين مدرساً لها بعد أن تقدم به العمر ، وكأني أخلص الى أن هذا العمل الروائي الموشح ببعض الجرأة التي لم يتعودها القارئ العراقي في عرض حقائق النفوس وما تمر به من الامتثال بوحي الغرائز والاستسلام لها ، ويحجم غالبية الناس من كُتّاب وغير كُتّاب عن كشفها والبوح بها ، يكاد يكون ترجمة حال على غرار ما يستوحي سائر الروائيين المتفننين سير حياتهم مع بعض التحويرات والتعديلات وافتعال وقائع شتى لإيهام القارئ بابتعادهم عن الايغال في سرد حكايات تُجمل ما صادفهم من تصاريف ، وتعاملهم مع مختلف الرجال والنساء المتباين الأطوار والطبائع ، والمختلف المشارب والنزعات ، لكن بما تذوقته واستهواني من توفق الاستاذ ناطق خلوصي لهذا الأسلوب الذي توسل به لوصف مفاتن حبيبات فتاه سعدون وقد يكن وهميات واستيفائه لعناصره من لفظٍ دالٍ ورشيقٍ وخالٍ من التعمل والتحذلق ، قدر ما هو جارٍ على العفوية والسهولة والصدق ، ألقى في روعي شيئاً من الظن أنّ الكاتب يصور ما في دخيلته من هواجس وأفكار ، واستولت عليّ الخشية على سمت الرجل البالغ عمراً متقدماً لو تُلقى بين يديه هذه الصفحات الثماني عشرة من الكتاب وحدها ويمعن فيها نظراً  فترجع الى أيام صباه ومراهقته حتماً !.

وأخيراً يُلقي سعدون مراسيه عند سميحة وقد كبرت وتدهور بها الزمن ، وفي بيت منارة التي استعادت مالها في السابق من سلطان وشموخ وصارت تدعى شيخة ، وتقلبت على محن وكوارث شتى بعد ما امتد تعسف الظالمين لسائر أفراد أسرتها ونجت باعجوبة من مكرهم وكيدهم الى أن تسنتْ لها العودة لسابق مكانتها وشأنها غب احتلال الأمريكان لربوعنا فهم الذين سَهّلوا لها العودة من الكويت التي تخفّت فيها كخادمة في البيوت ، وليسوا هم بهذا الصنيع واشباهه يحق لهم أن يتمننوا على عموم المفدوحين بأوزار نظامٍ أدالوا منه وطوحوا بركائزة ، ونضيف إليه أنه نجم عنه فكٌ لعقدة الألسنة ، ونعم المواطنون بهذا المغنم أياماً عادوا بعدها الى سابق ترددهم وتحفظهم وتحرجهم من البوح بخوالجهم مخافة أن يُفسَّر مرادهم بغير ما يقصدون ويبغون ، ويغلو بعض الناس فيحمدون للأمريكان دالتهم علينا بوصلنا بالعالم الخارجي من طريق القنوات الفضائية التي كانت محرمة علينا في العهد السابق وذلك لا قيمة له بجانب تغاضي عساكرهم عن انتشار الفوضى في البلاد وتخريب المؤسسات ، وثمة حماقات وجرائر شنيعة اقترفوها وسمحوا بها وغضوا الأعين عنها ولم يَحتّج عليها أحدٌ ولعلهم يأملون أن نصطف الى جانبهم في المحافل الدولية ونغدو شركاءهم في النفع والضر ، وهذا هو الدَين المستحق ولا يدري أحد متى نفرغ من تسديده !.

وبعد البعد أ هذا ما كان يتطلبه منا ويُلحِف في ما يتمناه ويشومه بازدهار أدبنا ، وتولي كُتّابنا عن الجرأة في مواجهتنا بالمشكلات والحقائق ، واقترابنا من المسكوت عنه طويلاً من مشكلات الحياة ، الكاتب الراحل غالي شكري الذي صُدِمَ بتباعد الجنسين في بيئاتنا حين قدم للعراق ونصح لنا أن نسفر عن حقيقتنا ونزيح القناع عن وجوهنا ؟ فما يجري عندنا في الخفاء قد يستوي هو وما يشهده في بلاده مصر علناً وفي وضح النهار. فأما البراعة التي شارفها الكاتب في نسجه وصياغته لروايته ، فهي ما جاءت وتجسدت فيها إلا لأنه انفلت من إسار الإشتراطات واجبة الاتباع والملزمة للكُتّاب أن يسيروا على هداها ، فيصطنعوا نهاياتٍ وخواتيم تطفح بالأمل والتفاؤل وتغالب اليأس والفشل وتشيد بقدرة الانسان على صنع المستحيل ، وحتى شعار الأدب في سبيل الحياة أخاله سئمه وكفر به على ما يبدو لطول ما لهج به صناع الأدب وقرعوا الأسماع ، فهذه الوصفة الجدانوفية العتيقة البالية ما عادت تنفع في مداواة النفوس من الأدواء الاجتماعية الوبيلة ، لهذا انهمك في منجزه الروائي واستغرقته الروح الفنية وتواتت له الألفاظ دون أن يتوقف عند بعضها ويتحقق من صحتها ، فمن المؤكد أنه قرأ (الباب المرصود) لعمر فاخوري ذات يومٍ كسائر أفراد جيلنا من المسحورين الكلفين ببيانه الفصيح وطريقته في الكتابة والمعجبين باتجاهه التقدمي ، فالباب من الأسماء المذكرة لا المؤنثة وكذا يجيء قوله في غير موضعٍ "انفتحت له باب الرزق" بدلاً من القول انفتح له باب الرزق ، وهذا هو الصحيح ، وهذا المأخذ لا يقدح بهذا الأثر ويشينه لأنه ينظر بمجموعه من ناحية توقه للبراءة والتبسط في كل شيء خصوصاً من ناحية المعنى ، وتوخيه للسهولة في اللفظ الى المأثور من آداب الانسانية.

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000