هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ما الإسلاميات اللغوية‎

محمد الحمّار

في هذا اليوم الثامن من "اعتصام الرحيل"  وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها مجتمعات "الربيع العربي" والتي تتسم بالخصوص بالصراع الدموي بين إسلاميين من جهة، إن كانوا في السلطة مثلما هو في تونس أم كانوا معزولين عنها مثلما هو في مصر، وبين غير إسلاميين موجودين في وضع معاناة بسبب إبعادهم عن السلطة (مصر)، أوبسبب الصعوبة التي يلقونها لتهدئة الأوضاع بعد التمكن من السلطة (تونس)، بودّنا أن نسهم في بناء أرضية مهيِّئة للإنقاذ الوطني ومنه للوحدة الوطنية.

 ولإنجاز ذلك نعتقد أنّ المفصل الأساس للجسم المتحد المنشود إنما هو المفصل العَقدي. كما أنّ الشرط الذي نقدمه لتوفير حظوظ النجاح هو أن يتم التوحد من أسفل إلى فوق أي من القاعدة الشعبية وعقيدتها باتجاه السلطة وعقيدتها. وهو مما يتطلب انسحاب كل حزب ديني (النهضة والتحرير وأنصار الشريعة وغيرها في تونس) من الساحة السياسية أو تحوّله إلى حزب مدني أو تفرّغ الهيئات المُنحَلة للعمل الجمعياتي، فكريا كان أم اجتماعيا، وذلك لكي تتعادل الفرص بينهم بين غير الإسلاميين من حيث الاستعداد للخوض برصانة وتأنٍّ في مثل هذا الموضوع وحلحلته.

وبالرغم من أنّ هذا الإطار غير متوفر الآن ويبدو مستحيل المنال إلا أنه الخيار الوحيد إذا استثنينا خيار المواجهة المشؤوم. فتوفير مثل هذا الإطار جزء لا يتجزأ من مشروع التوحد العقدي. ويتحقق ذلك في اعتقادنا بفضل انكباب الطرف الإسلامي والطرف غير الإسلامي في مجتمعاتنا على التوصل إلى اتفاق حول تعريف موحد للقانون ولأصل التشريع. وذلك عبر التحاور والتناظر على نفس قدم المساواة، لمّا تمّحي شيئا فشيئا أسباب الخلط بين المسجد والحزب، بين التدين والتحزب، وتنحسر تدريجيا تداعيات هذا الخلط.  

ما الذي لا يتفق حوله الإسلاميون وفرقائهم؟ طبعا ما نستقرئه من الوقائع والأحداث والتجاذبات، وكما قدمنا أنفا، هو أنّ المشكلة كلها تحوم حول مفهوم الشريعة ومسألة اعتمادها كمصدر للتشريع من عدمه. لكن في حقيقة الأمر نرى أنّ ما يدعو إلى التصارع بين الطرف الإسلامي والطرف غير الإسلامي حول هذه المسألة لا يعدو أن يكون الفشل الذاتي، لدى هؤلاء وأولئك على حدٍّ سواء، في التحرك الإيجابي بما تقتضيه الإيجابية من سيطرة على الطبيعة ومن تطوير للثقافة بحسب هذه السيطرة. ففي مجتمعاتنا العربية الإسلامية ما يزرعه المزارعون لم يكن أبدا كافيا لإطعام شعوبها، وهذه الأخيرة لا تستهلك مما تصنه تبعا لتأخر الصناعة فيها. وبالتوازي مع الفقر المادي، فإنّ مجتمعاتنا لم تكتسب القدرة الثقافية على التحرك من أجل فرض العدل المحلي و الكوني وكلمة الحق وحلحلة قضاياها المشروعة على غرار القضية الفلسطينية.

لمّا كانت الأنظمة العربية الإسلامية تشتغل بمنأى عن الإسلام السياسي على إثر نيل استقلالها السياسي كانت المجموعة الوطنية في هذه البلدان تتحرك بإيجابية لا يستهان بها. وكانت فالحةً في تحقيق حدٍّ أدنى من العيش الكريم لشعوبها. لكن ما الذي منعها من مواصلة العمل على الدرب البنائي إن لم يكن نوعا من الفقر البنيوي أي افتقار العقل للمهارات المعرفية والعلمية والتجريبية؟ هكذا نفهم أنّ تلكم الإنجازات لم تكن كافية لضمان استمرارية الدولة الحديثة. وربما كان توقفها عن النمو المطرد بما يرضي الشباب والطبقات الكادحة هو الذي أهدى الفرصة لِما يُسمى بالإسلام السياسي أن يتسلل شيئا فشيئا إلى داخل النسيج العقدي (بالأساس) للعوام حتى يقنعهم بضرورة تبنيه كمشروع واحد ٍأوحَدٍ للتنمية والرقي والسعادة.


لكن المفارقة تكمن في كون الإسلام السياسي بدوره أظهر حدوده في هذا المجال، خاصة في مصر أين الإخوان المسلمون خاضوا تجربة سابقة لتجربة الإسلاميين في تونس مثلا وأين تبين أنّ الإخوان ماهرون حقا في العمل الاجتماعي التطوعي لا غير وأنّه سيأتي اليوم (30 يونيو 2013) الذي يتبين فيه المصريون ومن ورائهم كل المسلمين أنّ الإخوانية لا تصلح للحكم.

ويمكن تعليل المفارقة كالأتي: إنّ الإخوانية لا تصلح للحكم لا لأنّ النخب والشعوب في مصر وفي تونس وفي سائر البلاد المماثلة لا تؤمن بالشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وإنما لأنّ العقل المجتمعي، ككل وليس عقل الإسلاميين حصرا (لا ينفردون بعقل يميزهم وإنما بباراديغم غريب)، لم يكتسب الكفاءة الذاتية التي ستخوّل له أن يعادل بين أن يؤمن بـ"الشريعة كأصل للتشريع" وبين أن يؤمن بـ"شخصية الإنسان المسلم كمصدر للتشريع". وهو صنف من الجهالة يشترك فيه غير الإسلاميين من دون أدنى شك مع الإسلاميين.

 فالمسلم الذي ما يزال غير قادر على السيطرة على الطبيعة ومنه على تقوية الثقافة تبعا للمكتسبات المعرفية والعلمية والتجريبية التي ستتوفر لديه بفضل تلك السيطرة لا تتولد لديه الإرادة بأن يضطلع بنفسه بمهمة التشريع وبالتالي يبقى في وضعٍ تابعٍ لا يمنحه سوى فرصة إسقاط فشله، إما على "مجتمع كافر لا بد أن يكون فيه من يعلي كلمة الله بتطبيق الشريعة" وإما، في الصورة المقابلة، على "شرذمة من المتاجرين بالدين".

ونتخلص بالقول إنّ الكرة في ملعب غير الإسلاميين أكثر منه في ملعب الإسلاميين لكي يتدبروا سبل الإنقاذ من هذا المأزق. هُم الأكثر تحررا من القيود الدوغمائية للدين؛ هُم الأقرب للإيمان بأهمية التملك لوسائل استخراج الثروات الطبيعية والتحكم فيها؛ هُم الأميَل إلى اعتماد المناهج العلمية لتفسير الظواهر وتحليل الواقع وبناء النظريات المعرفية؛ ، إذن هُم الأولى بأن يوظفوا قدراتهم هذه في سبيل البرهنة على أنّ الشخصية المسلمة، بصرف النظر عن تديّن صاحبها من عدمه، تكتسب لِما سماه الطاهر الحداد بـ"حياة التفكير " وبأنها قادرة على صياغة ما سماه مالك بن نبي "رسالة المسلم المعاصر" وعلى إنجاز ما عبر عنه عبد الوهاب المسيري بـ"توليد واقع جديد"، وبالتالي على السعي نحو بلوغ التوحيد بالمعنى المطلق. وهل ينتظر الإسلاميون غيرَ بلوغ التوحيد و غيرَ تماهي التوحيد في المطلق مع التوحيد في الإسلام ليضطلعوا هُم أيضا بوظائفهم اندماجا مع سائر المسلمين بل مع سائر البشر المتحررين؟

  

 

************
نحن مسلمون يساريون ولسنا إسلاميين. وهذا مما يعني أننا لا نستخدم الإيديولوجيا الدينية في العمل السياسي وإنما نساهم في صياغة الإيديولوجية المجتمعية العامة وذلك بفضل قراءتنا الحرة والعلمية للإسلام.

واختيارنا أن نكون مسلمين يساريين نابع من دراستنا لمسألة توظيف الدين في الحياة عموما واشمئزازنا من توظيفه المباشر والمباشراتي في السياسة بينما الإسلام لا يصلح للسياسة إلا لمّا يمر عر الشخصية المسلمة والذات المسلمة.

***********

المادية الجدلية

الإسلام نص وواقع. جموع المسلمين يعنون به كنص فقط وهذا مما جعل الواقع يتغير من دون سيطرتهم عليه. فالخلل يكمن إذن في عدم اكتسابهم المهارات اللازمة لهذه السيطرة. لو اعتبرنا الإسلام جدلا جزءا من هذا الواقع وأضفنا إلى ذلك حب المسلمين لدينهم، فستتولد الحاجة لاكتشاف هذا الواقع بكل شغف وفضول وحرص. إذن يكون اكتشاف الواقع اكتشافا للإسلام عبر هذا الواقع. أليس الإسلام مادة حية؟


أرى أنّ التونسيين والعرب عموما لا يفكرون في المستقبل إلا على سُلم المادة بينما على السلم الصحيح هم يرتقبون المستقبل أكثر مما يشاركون في صياغته. وهذا هو الجمود بعينه.

ولكي ينصرف الجمود ويصبح قادرين على صياغة مستقبلنا بأنفسنا لا بد من الانقلاب في تصور عقيدة التوحيد. فالتوحيد هو الإسلام للمشيئة الإلهية، أي اضطلاع بالإرادة الذاتية بفضل التحلي بالحكمة والعلم أثناء رصد الحركة التاريخية وقوانينها، بينما نحن ورثناه، معنى وممارسة، على أنه استسلام للحتمية البشرية وهي حتمية استبدادية سواء باسم الدين أو باسم الدنيا.

نحن بهذا المعنى المنقلب مستسلمون لإرادة القوى العظمى بما فيها الإرادة الصهيونية وما ارتبط بها في العصر الراهن من قبول بالارتهان المادي ومنه المعنوي.

نحن منضوون جهرا تحت لواء المصلحياتية المادية بينما نعلن جهرة أنّ التحليل المادي الجدلي للواقع من الكفر  والحال أننا لو تعلمنا هذه الطريقة في تناول الواقع لأوصلنا ذلك إلى التقاطع مع المقاربة التوحيدية التي نستقرئها من العقيدة التوحيدية.

وما حدث في مصر (وهو ثورة المستضعفين ضد النيو ليبرالية) لا علاقة مباشرة له بالإيمان والكفر بقدر ما علاقته واضحة بين جهل المسلمين بالسنن التاريخية والطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، وهي سنن بإمكان كل البشرية التوصل إليها بفضل العلم، ناهيك أن العلم القبلي (الدين) يسهل على المؤمن استيعاب تلكم العلوم ومن ثمة توظيفها لاكتشاف السنن والقوانين.

والشوط الثاني سيبدأ الآن ويتمثل في استغلال القوى العالمية والعالمة لجهلنا بالسنن والقوانين ومن ثمة مزيد تثبيت النظام الرأسمالي المتوحش، ولو كان ذلك عن طريق الجيش (الحالة المصرية).

شروط القراءة الجديدة للإسلام

لا يمكن أن تتضح قراءة صحيحة للإسلام من دون تطهير العقل الذي يعتزم إنشاء هاته القراءة. في الأثناء ليس هنالك قراءات للإسلام بقدر ما هنالك محاولات استبدادية بدعوى صياغة قراءة جديدة.

نخبنا ذات فكر تعاقبي (دياكروني)، مما يجعلها لا تتناول مشكلة الحال إلا وتنغمس في التاريخ وفي التراث وفي الأثر و المآثر فتكون النتيجة أن لا حل ولا هم يحزنون.

نخبنا ليست تزامنية في تفكيرها بل هي تعاقبية أي لا تدرس المشكلة من زاوية واقعية وإنما من زاوية تاريخانية منفصمة عن الواقع. وهذا مما حمل الفقهاء المفسرين على الاقتصار على النص الديني كمنهل وحيد لمعرفة القوانين والسنن. لذا جهزنا سلسلة من النظريات لغرض إصلاح هذا العيب من بين عيوب أخرى.

إنّ النص الديني واضح وجلي وفضلا عن ذلك فو مفسر في الكتب والمجلدات. لكن الذي ليس واضحا ولا جليا هو استعداد المؤمن لاستبطان الوحي وتفعيل العقل بمقتضى علاقة الوحي بالواقع المعيش. وهذا تطبيق الإسلام لا فهمه. وهي حاجة المسلمين اليوم.

فندعو المنظرين في الفكر الإسلامي ليدَعوا النص الديني ويعتنوا بالنص العقلي. فالأول مفهوم وواضح بينما الثاني مبهم و إبهامه مُتأتٍّ من كون أصحاب العقل منهمكين في قراءة نص مقروء مما انجرّ عنه آليا استنزاف هذا العقل في ما لا طائل من ورائه.

عقل المسلم مصدر للتشريع:

  

من مزايا النظرية الرابطة بين اللغة والإسلام التي أسسناها أنه بإمكاننا من هنا فصاعدا لا فقط عقلنة التديّن كسلوك فردي واجتماعي وسياسي وإنما أيضا قياسه وهذا مما سيسمح لنا خاصة بعقلنة التشريع الوضعي الإنساني وتنظيره مع التشريع الفقهي بصفة متناغمة ووضع حد نهائيا لمشكلة الصدام (المفتعل) بين الشريعة والطبيعة.

  

في الأثناء نعتقد أننا توصلنا إلى حلحلة مشكلة الاعتزال. المعتزلة يقدمون العقل على النقل فجاء الأشاعرة (سنة) لتعديل الكفة باختيار الوسط (النقل والعقل). مع هذا بقيت مسألة الاعتزال قائمة. اكتشافنا يتلخص في ما يلي: اللغة تنتمي إلى الوحي إذن فهي مصدر تكميلي ومقوي للوحي. وكون اللغة وحيا يدل على أنّ الكلام سلوك مقدس عند المؤمن. بينما كون الكلام غير مقدس عند غير المؤمن لا يمنع قداسته العملية والسلوكية لديه. وهذه القداسة المشتركة هي التي تسمح للكلام والسلوك الذي يمثله بأن يكونا مساحة مشتركة بين المؤمن وغير المؤمن كضمانة للوحدة والتسامح وإعمال العقل.

  

و إعمال العقل يعني أنّ عقل المسلم هو مصدر تشريع إسلامي مائة بالمائة. وذلك هو الاستخلاف. ولئن يجهل المسلمون هذا الأمر فذلك لأنهم ليسوا متدربين على إعمال العقل بما يرضي الله وتطبيقا لمبدأ الاستخلاف لا لأنّ العقل ليس مصدر تشريع إسلامي.


إنّ عقل المسلم أصل التشريع الإسلامي. وإن وجدت مشكلة في قبول المبدأ و العمل به فهي في عدم ثقة المسلم بعقله.  إذن من أين لنا  أن نثق بمن لا يثق بعقله فنوكل له افتراضا مهمة تطبيق كلام الله؟

النهج العلمي

لاحظنا أنّ مجتمعنا التونسي كسائر المجتمعات العربية الإسلامية يقبل بصعوبة لا مثيل لها إتباع من يدله إلى تصحيح الرؤية إلى أحواله. والشيء من مأتاه لا يستغرب: إنه مجتمع محافظ إلى أقصى الحدود وإلا فكيف نفهم التناقض في موقفه من الفكر الديني لما نراه  لا ينتظر الخوض في الفكر الديني إلا من طرف علماء الدين ونراه في الآن ذاته ينبذ التعصب الديني بينما التعصب مأتاه المجتمع نفسه بسبب سماحه على تلك الشاكلة باستحواذ رموز الدين على الفكر الديني؟ ألم يحن الوقت لتدريب المجتمع على النهج العلمي؟

  

إنّ النهج العلمي أضمن من النهج الديني كسبيل إلى الرقي لكن مَن يسلك النهج العلمي من دون ربط علمه بعقيدة التوحيد لن يحقق الارتقاء لمجتمعه. واستعصاء هذه المعادلة هو من الأسباب اللاواعية التي أدت إلى بروز ثم تنامي ثم استفحال الداء الذي اسمه الإخوانية والإسلام السياسي.

بقي أن نعرف كيف يُربط العلم بعقيدة التوحيد ومن سينجز الربط وفي أية أطر. ولأنّ المعارف تمتلك سبقا على العلوم فمن يريد ربط العلوم بالتوحيد ما عليه إلا أن يختار المجال المعرفي الذي يتسق مع منهجيته. بالنسبة لنا هنالك مجال معرفي إذا تمّ ربطه بعقيدة التوحيد ستربط كل المعارف رأسا وعن طواعية بها ألا وهو المعرفة اللغوية أو اللغة ببساطة.

إنّ ربط المعرفة والعلم بعقيدة التوحيد ليس خيارا وإنما هو استجابة لقانون طبيعي فطري. مثلا الإنسان له أب واحد وأم واحدة ولا يمكنه بأيّ من الأحوال أن ينحدر من أبوين وأمين. ولئن توصل العلم إلى تنقيح الأساليب فلا يمكنه تغيير القانون الفطري. بالفعل من الممكن اليوم بفضل العلم أن يكون للجنين أم تنجبه وأخرى تحمله لكن ليس من المعقول أن تتمرد الحاملة على قانون الأمومة فتصبح هي المنجبة.

هكذا نفهم أن تتطور المعارف والعلوم بمنآي عن توظيف واعٍ لعقيدة التوحيد، وهو ما حدث فعلا طالما أنّ هنالك هيئات علمية عالمية قد توصلت إلى تغيير المناخ مثلا، لكن لمّا نلاحظ الكوارث التي تسبب فيها هذا التغيير في العديد من الأصقاع لا يسعنا إلا أن نشجب التوظيف اللاأخلاقي للعلم وأن ندق ناقوس الخطر بشأن ضرورة التثوير المعرفي الضامن لتسوية هذا الوضع المشين.

من هنا نضيف إلى مسألة ربط اللغة بالتوحيد أنّ الربط يهدف إلى تسهيل عودة المعارف والعلوم إلى تناول فطرية الإنسان وذلك عن طريق تقوية الوازع الفطري للغة. و هذا ليس بعزيز على اللغة، التي لم تعد تعتبر فقط وسيلة تعبير وإنما أيضا وبالخصوص وسيلة تفكير بل وفكر. وإذا تم تجسيد التفكير اللغوي بصفته تفكير علمي فقد تمت ضمانة اللغة كوسيلة لتصحيح العلوم ومنه لتثوير وظيفة هذه الأخيرة.

****

من مزايا النظرية الرابطة بين اللغة والإسلام التي أسسناها أنه بإمكاننا من هنا فصاعدا لا فقط عقلنة التديّن كسلوك فردي واجتماعي وسياسي وإنما أيضا قياسه وهذا مما سيسمح لنا خاصة بعقلنة التشريع الوضعي الإنساني وتنظيره مع التشريع الفقهي بصفة متناغمة ووضع حد نهائيا لمشكلة الصدام (المفتعل) بين الشريعة والطبيعة.

  

"اليسار المؤمن" حركة يدلها إيمانها  على أنّ الطريق إلى التقدم ليست له جهة أو مدينة أو قرية دون أخرى لذا فهي لن تفرط في حقها في تنوير الشعب التونسي بخصوص أي العلوم وأي المعارف وأي المناهج تصلح لبلوغ الحقيقة واستتباب الحق وبلوغ التقدم والرقي بعيدا عن الإقصاء الإيديولوجي والجهويات.

اكتشافنا يتمثل في تعرية حقيقة لم يسبقنا إليها أحد: الإنسان يدين بالإسلام مثلما يتكلم اللغة. من هنا تصبح كثير من الأشياء قابلة للمقارنة والقياس. هكذا بإمكان المرء أن يقيس مدى تطبيقه للإسلام بمفعول الكلام الذي يقوله أو يكتبه. كما بإمكانه تفعيل كلامه بصورة  تسمح له بتطبيق الإسلام.

ماذا تفعل بـ"الإسلاميات اللغوية التطبيقية"؟

* تفهم حاجياتك الحقيقية

* تفهم الواقع حسب حاجياتك الحقيقية

* تكتشف أنّ تطبيق الإسلام هو السيطرة على الواقع لا على العباد، ودفع الواقع نحو الأفضل

الإسلاميات اللغوية التطبيقية" هي منهاج للإجابة عن السؤال "لماذا تقدموا وتأخرنا؟"

"الثقافة الوسيطة" هي المرحلة الانتقالية من طور الجمود إلى طور الحركة. و"الإسلاميات اللغوية التطبيقية" هي آلية الفهم والتطبيق لبنائها.

كنا دائما نؤمن بأن لا تغيير ولا تقدم من دون بيداغوجيا. والآن لدينا الإجابة: "الإسلاميات اللغوية التطبيقية".

نشتغل فكريا منذ مدة طويلة حول الموضوع الواسع الشاسع الذي يُعنَى بتطبيق الإسلام. وآخر مرحلة توصلنا إليها تتمثل في تقديم "الإسلاميات اللغوية التطبيقية"، لا كفرة فحسب أو نظرية، وإنما كمادة مدرسية تدرج ضمن مناهج التعليم بمختلف مراحله. ذلك أننا نرى أنها مكملة لمادة التربية الإسلامية حيث إنها تستجيب لمتطلبات الناشئة بخصوص العلاقة بينهم كمسلمين ذوي فكر وواقع من جهة والنص الديني المصدري من جهة ثانية. وتنبني رؤيتنا هذه على أنّ الناشئة ليسوا بحاجة لمن يعلمهم دينهم وإنما لمن يفعّل لهم دينهم الذي يعرفونه.

العقل المجتمعي للتونسيين والعرب يتطلب "فورماطاج" لكي يتم نسف الصنم الإيديولوجي فيذهب هباءً. والنسف يتطلب محو بؤر الصراع بين الدين واللغة. والمحو ممكن بفضل "الإسلاميات اللغوية التطبيقية":

نشتغل بواسطة طريقة تركيب الدين على اللغة لكي نتوصل بعون الله إلى إيجاد تركيبة تقوم بوظيفة الأرضية العلمية للبديل الفكري والسياسي المنشود.

الإسلام السياسي عبارة عن عملية جراحية على العقل والوجدان فُتح بمقتضاها جرح لكن لا العملية تمت ولا الجرح انغلق. ذلك أن فتح الجرح تم من دون أن يعرف الجراح مسبقا ما الذي سينجزه. وإذا به يتورط ويضحي بعقل المسلم المجروح.

كلنا يريد أن يعيش عيشة عادية، يحب ويكره بشكل عادي، ويفكر بشكل عادي فيقلص من نزعته إلى الكره وإلى كل الأحاسيس السالبة الأخرى مثل الخوف والتعسف والكسل والبخل والتشفي والعنف وغيرها. لكن ربما لاحظتم أنّ ذلك غير ممكن اليوم في ظل التجاذبات الإيديولوجية في  الحياة وعلى الأخص تلك المتعلقة من قريب أو من بعيد بمسألة العلاقة بين الدين والسياسة، و تلك التقلبات في الفكر والسلوك التي تتجسد في الإسلام السياسي وفي علاقة الفرد والمجتمع معه. ربما قد فات الأوان بالنسبة للكبار منكم لكني أقترح عليكم مادة علمية يقع إدماجها في برامج التعليم الرسمية ليدرسها أبناؤكم وبناتكم فينشئون منذ نعومة أظفارهم على تربية اندماجية لا تدع مجالا للصدام بين عاملي الدين والسياسة: الإسلاميات اللغوية التطبيقية.

"الإسلاميات اللغوية التطبيقية" تعين المسلم على معالجة مسألة فهم إشكالية الدين والسياسة فيصبح إنسانا عاديا لا تشغله هذه المسألة بالشكل الذي شغلت الناس جميعا في تونس وفي كل مكان فيه الإسلام السياسي.

في زمن أثبتت فيه منظومة البحث العلمي في تونس والوطن العربي والعالم الإسلامي غيابها، والسلك الأكاديمي عدم اكتسابه لمنهجية تصله بالواقع حتى يتسنى له تطوير المعارف والعلوم وابتكار الجديد الذي سينفع العرب والمسلمين والعالم كله، إن في الإنسانيات أم في الاجتماعيات بما فيها العلوم السياسية والفكر السياسي أم في العلوم الصحيحة، كنا واعين بهذه الإشكالية وأعددنا لها العدة.

 وها نحن نتملك كنتيجة لذلك منهجية عامة وخصوصية متعددة الأوجه أسميناها "الإسلاميات اللغوية التطبيقية".

لا يمكن أن تقنع الناس بمقاومة الفقر وبما يتطلبه من تعاون بين الفقراء والأغنياء ومن تصدٍّ للغول الرأسمالي...وأن تحرّك إرادة الناس من دون توظيف للعقيدة. وهذا مما يستوجب تغييرا راديكاليا للرؤية المحافظة للإسلام.  فعقل التونسيين في دينهم لكن عدم القدرة على التوجه إلى ذلك العقل ليست حجة كافية لاستبعاد العقيدة من العمل السياسي.


من لخر؟ موش الحل السياسي هو اللي لازم لتونس. الحل العلمي والمتمثل في انقداح ملكة الحركة الباعثة على الرقي عند التوانسة.

"لكم دينكم ولي دين" صدق الله العظيم. وتجمعكم وإيانا  عقيدة تغيير المجتمع نحو الأفضل. وهل أفضل من عقيدة السلوك الفطري واسطة بينكم وبيننا. وإن غابت عليكم الفطرة فابحثوا عنها في سلوككم اللغوي.

بدأنا نشتغل على فايسبوك في سنة في صائفة 2008 وكان وما يزال المجال هو  ما أسميناه أنذاك "التحت اجتهاد" أو "الاجتهاد الدائري" أو "اجتهاد الأنقاق" أو "الاجتهاد الثالث" وهو محاولة لسبر أغوار الواقع السياسي في طبقاته السفلى وذلك إيمانا منا بعدم جدوى السياسة السطحية.

وبعد التقييم نلاحظ أن الثورة التونسية كانت فرصة لنا لوضع هذا المنهاج على محك الواقع بينما قبلها كنا نقتصر على الإعداد الفكري دون سواه. والنتيجة إلى حد الآن تذكر فتشكر حيث إننا لا حظنا أنّ الجماهير التونسية بدأت تشعر بنفس الحاجة التي توقعناها وراهنا عليها منذ ما يزيد عن 25 سنة أي منذ عايشنا تنامي الإسلام السياسي في تونس.. وهي حاجة إلى تأصيل الإسلام في الواقع عبر السياسة لكن من دون إثارة الصدام الممنوع. ونعوّل في ذلك على كل الفئات العمرية وعلى الأخص الشباب لمزيد تطوير هذا المنهاج والسير على نهج قويم.

لو افترضنا جدلا أنّ الخلافة والشريعة يشكلان عماد الدين، نتساءل هل توصل، عبر الأزمنة وفي مختلف البلدان، المدافعون عن هذه الفكرة إلى تطبيقها من دون أن يعمدوا إلى الاستبداد؟ الجواب: لا. 
الخلاصة: القائلون بعدم وجوب تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة مُحقون على الأقل في معاينة الفشل الذي اصطحب محاولة تكريس ذلك المطلب المزدوج في كل مرة.

بفضل الإسلاميات اللغوية التطبيقية يمكنك تملك طريقة الاجتهاد الثالث وتوظيفها من أجل لتوصل إلى نفس النتائج و الخلاصات التي قد يتوصل إليها المجتهد في الدين، إن وجد.

 منهاج الإسلاميات اللغوية التطبيقية يوفر للشباب ولغير الشباب أدوات التحليل الاجتهادية من دون أن ينتظروا اجتهاد الفقهاء في الدين، بل نذهب بالقول إنّ هذا الأخير لن يوجد ولن يكون ناجحا وناجعا من دون منهاج الإسلاميات اللغوية التطبيقية


ما الفرق بين منهج محمد الطالبي والمنهج الثالث؟

طالما أنّ  الجمهور يكتشف محمد الطالبي  شيئا فشيئا، نغتنم هذه الفرصة لنجدد الإعلان عن تقديرنا لهذا المفكر و لفكره وعن مساندتنا لمنهجه العام الذي يتمثل في توخي الوسائل العلمية لتفسير الإسلام ونبذ الطرق السفسطائية التي نراها تتكاثر في المجتمع والتي تكرس الغباء والجهل.

 وكم نود بالمناسبة أن نبين الفرق في المنهجية الخصوصية بين الأستاذ الجليل ونحن: لئن نتفق تماما مع الأستاذ الطالبي في ضرورة استرداد الحرية القرآنية والتي تكاد تدفن في غياهب التراث والعقائد الفاسدة، فالفرق بين الأستاذ ونحن هو أنّ الطالبي يناضل من أجل ذلك بفضل منهجية تاريخية ومن داخل النص الديني بينما نحن نعتقد أنّ بمقدورنا أن نصل إلى نفس النتيجة التي وصل إليها الطالبي لكن عن طريق النمذجة أي عن طريق تحويل الحديث المباشر عن الإسلام  إلى حديث غير مباشر عن الإسلام، لكنه أكثر مباشراتية بخصوص الواقع.

وتتمثل المباشراتية في كون الحديث عن الإسلام يصبح حديثا عن تجلياته في الواقع حسبما توفره الإمكانيات الهائلة لأدوات التحليل التي تمنحها فلسفة اللغة.

"Applied Linguistic Islamology" ("A.L.I") is a newly developed approach meant to help Muslim believers make use of scientific knowledge and background knowledge to change reality for the better..

محمد الحمّار


التعليقات




5000