هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حَلَزونات كنْشَتْ وكوابيسه

محمد الأحمد

بينما كنتُ مستغرقاً في الاستمتاعِ إلى أغنيةٍ ايطالية شهيرةٍ أُسمهاTime to say" goodbye"، من أداء الثنائي الرائع "Andrea Bocelli"، و"Sarah Brightman"، وأثناء قيادة مركبتي في طريقي إلى العمل في مدينة "غوته" التي تبعد باتجاه الشرق عن مدينة سكني.. بأكثر من تسعين ميل، حيث الارض الجرداء خلت من لوحات العشب الأخضر، والسماء شمسها ساطعة، بينما الهواء الحار يبعث على الاختناق..

لا اعرف كيف سيطر علي النعاس، فاضطرت الى  تخفيف السرعة والوقوف على جانب الطريق، كي أبلل وجهي ببعض الماء الذي احمله معي في قنينة بلاستكية، لعلي اتخلص من سلطان النوم، الذي اثقل لي جفنيّ في عزّ النهار. غسلت وجهي بعد ان غمرني هواء جاف. مددت بصري الى يميني تارة والى يساري فلم الحظ اية سيارة قادمة او ذاهبة. السماء ملتقية بخط الافق، حيث اختفت الأشجار العالية التي كانت تحيط بالمدن، وصارت حطباً استنفده الناس عندما شح عنها الوقود. كنت لحظتها متحدّياً للخوف الذي صار هاجساً طبيعياً ومتداخلاً بين مفاصل ايامنا، فبقيتُ اتعلق في فضاء الموسيقى الذي كان يغمرني بتعويض ساحر لكل ما افتقده.. حيث تمتاز الأغنية بتمازج صويتهما بشجن واحد، وهما يتعاهدان على أن الوقت القادم هو الكفيل بنسيان الم فراقهما. كأن الأغنية تحمل معاني مليئة بالسحر يظهره اللحن البديع، المتوافق ما بين مساحات صوتيهما، وكأنهما يلمان حزن العالم في نفحة مريرة، وبليغة. الاغنية تغطيها فرقة كونشيرتو بتجاذب وتوافق وتأثير. كان الصوت الثنائي خبيراً بتوصيل الإحساس عبر مخارج الحروف. عهدتهما متقنان للأداء بحساب علم الموسيقى والفيزياء..   

كان ذلك اليوم يوماً مشمساً من أيام شهر "آب" الملتهب. بعد ان أوقفتني نقطة سيطرة على الطريق العام، وطلب مني أحد الجنود أن يركب معي ليصل الى المفرق القادم، فرأيت أن آخذه معي، مرغماً. رحتُ منطلقاً في تكملة الطريق، ليس خوفاً من عواقب عدم الصحبة. لكن خوفاً من عدم الامتثال لرغبة العسكري. لان ذلك قد يعرضني و المركبة برشق وابل من الرصاص، وما شابه. أو ادعاء ما يشاؤون من تهم الجرائم الجاهزة. كان خوفي متصل بعدم الوثوق به، فكل ما حولي طوع تفكيره. اذ لديه من الاوامر الصارمة ان يفعل ما يشاء، بمن يشاء. خاصة بالذين لا يشفع لهم احد من المسؤولين. اذ يركبه القانون، ويكون مجرماً بما لديهم من ملفات جرائم لم يعترف بها أحد. وطوال الوقت سيبقى يرعبني طوال الطريق، لأنه محمل بكل انواع الاسلحة، وبإمكانه ان اقتيادي حيث يريد، تحت سلاحه. فقلت "مكيف الهواء عاطل"، فهزّ راسه موافقاً. فتعطل مكيّف الهواء الداخلي، ربما يجعله يتراجع بقناعة عن رفقتي. فالهواء الجاف سوف يهاجمنا سويا ويحط علينا الهواء الثقيل من النافذة، ويزيح بجفافه الطراوة التي تبعثها الموسيقى في النفس.

في أول الامر بدى مرافقي غير مهتماً، وتركني دون علم منه ان ادقق في ملامح وجهه، عبر المرآة، فعرقه سال من جبهته، وصار رائحة التعرق تفوح من ملابسه الثقيلة. كأنما صار مغطى بقطعة غمرها اللون الكابي. ناولته منديلاً ورقياً ليمسح بها وجهه المثقل بما يخيم بقوة فوق حرارة الجو الخانقة، وكان اشعة الشمس تخفق الهواء خفقاً قوياً ليحل في النفس نكوصاً، يحطُّ فوق الانكسارات، ويضيف انكسارا جديداً. كنت اتوجس منه ما دام صامتاً، فالكلام يكشف ساحة وجهه، المتجهم. فبدأ بوقاحة، يسألني: كانه (يحاول استفزازي، واقتحام صمتي).. "من اين انت؟ وماذا تعمل؟ هل انت مُدرس في مدرسة"؟.

طريقة السؤال المباغتة، رعبتني، فاضطرني للكذب، فكرت مع نفسي "سايكولوجيا يبحث عن ضحية تليق بانتقامه، طبيعة اولئك الفاشلين في الدراسة".. اكتفيت بالنفي: اللعبة التي كان يلعبها "كنشت[1]" تتناوب على جميع الاحتمالات، كرةُ الموسيقى التي نزلت مثل كرة النار الى اعماقي قد شرحها "هيرمان هيسه" في احدى العابه الزجاجية، وربما تتصادم مع بعضها البعض لتحقق وتيرة جديدة على من التحدي..

قدمتُ اليه قنينة ماء، نظر اليها بارتياب، واخذها مني دون ان يتأكد من ان غطائها محكم، ويمكن ان يضع له، شيئاً ساماً، أو مخدراً مع الماء الصالح للشرب. وضعها جانباً، بعد ان زفرّ، وتجاهلت ما خطر بباله. كان يرتدي سترة واقية ضد الرصاص، ويحتضن "كلاشن"، لم يبعد اصبعه عن زنادها. بقيتُ احاول التشاغل بالنظر الى الطريق، الفارغ.

كان الشارع الرئيس يشبه الى حدّ ما طريقاً فرعياً مهملاً كتلك التي يعبدها الاغنياء لأنها تمرّ بمزارعهم الغناء.. تشبه طريقاً مقتطعاً من صحراء لا اعرف اسمها. بعد أن ساءَه اندماجي مع جداول الأنغام الباردة التي كانت تنزل عليّ من الأغنية التي كنت متواصلا معها، فأراد إفسادها من بعد أن عهدني متفاعلا معها إلى ابعد حدّ،  كأني لا اعبأ بوجوده..

- "لِمَ لا تسمع إلى الحلزونيات بدلاً عن هذه الأغنية"؟..

اثنيت قليلاً، محاولاً تخفيض الصوت قليلاً، ورحت قائلاً:

- "هل تقصد تلك الاغاني من الحلزونيات الحربية التي ذكرها "الذهبي الأواني" في كتاب التراثي الكبير، الصادر عن مجمع الفرسان في سنة الميلاد الاولى، وقد ترجمهُ الكاهن عباد الله الروحاني بلغته الساحرة الى "كتاب البكائيات"، والذي يشتمل البكاء وانواعه، خاصة الذي يجيش الجيوش، ونبش النبوش على يد الطاغية "بوش"، في "مجمل الغواية والإغراء، من فصل الكذب والامراء"، وفي "محمل اعلان ما لا ينبغي اعلانه"، فما لا يليق في اللفظ، قد يليق في اخفاء النية"..

كلامُ المجانين، غالباً ما يفعل فعله في الجهلاء، كالسحر، ففعل فعله، وجعله يتحرك متوجهاً اليّ بكل حواسه، متصنعاً الاصغاء التام. حيث دارت عيني في الفضاء الضيق، بعد ان تماسكت جيداً، قبل الضحك، وقبل ان اضيف اليه جديد. كأني اردت ان القنهُ درساً في حبّ الموسيقى، "شوبان"، باخ" ، بتهوفن"، "روسيني". ولأني رأيت فيه بلادة، لن تذهب به الى ابعد من أرنبة انفه. "بعد ان افتعل الفهم"!، فكشف لي عن عمق مُسطح، بكل ما فيه، فرأس الخاوية ليس فيها ما وراء السؤال، لم يهمه البحث عن التعارض الفكري، والاختلاف في ايدلوجية حوضنا الاقليمي العظيم. اغلب سكان المنطقة التي نحن نسير ضمنها، قد شهدت حرباً طائفية طاحنة، راح ضحيتها عشرات الالاف من مختلف الطوائف.. اذ تفنن القتلة بالتمثيل بضحاياهم، وتركوا جثثاً بانت عليها اثار صنوف التعذيب، التي لم تخطر على بال. تلك الافعال تم تصويرها بكاميرات الموبايل، ونشروها لينشروا معها رعباً قاهراً جعل الرجال تلزم البيوت، وتمترس وراء النساء، صار كل رجل خارج من بيته مفقود، وكل عائد اليه مولود. تعطلت مصالح الناس وصارت الطرق العامة مهجورة، يجول فيها الموت الزؤام. بقيت ايامها روائح الجثث المتفسخة، تملأ الأجواء، حيث جفت جثث المصروعين تحت اشعة الشمس، من بعد أن بقيت متروكة على المزابل، امعاناً بالإهانة والاذلال. واستخفافاً بإنسانية الأنسان، ابن البلد. فأغلب تلك الفصائل المسلحة التي زرعت الموت الطائفي بدل زرع حقول القمح، حيث جالت البلاد شبراً شبراً، وفرضت قوانينها العرفية الصارمة مثل ما تريد، وظلمت بها العباد، ونهبت الاموال وهدرت الاعراض باسم الهوية. اسست الى جريمة قامت باسم من يرتدي لباساً حكومياً، صنعت مليشيات، مازالت تحت وصاية القانون. ولائهم ليس لعلم الوطن. فلا يؤتمنوا. ولا يكشفوا عن وجهم، الا عند العواقب الوخيمة..

اخترت مجاراته، بغباء اقوى من حزننا المتواصل بالخيبات..

- "هل تفهم الإنكليزية؟"، فأجاب:

- "ليتني اكملت الدراسة".. (اخبرني ان والده استشهد في الحرب الاقليمية الأولى، وتركته الظروف تحت وصاية زوج أم يطلب منه الاستمرار في العمل على حساب الدراسة، وبقي يعمل في فرن خبز، ولم يتسنَّ له... الى اخر القصة)..

في ذهني بقيت تدور الموسيقى، وكادت أن تطغي على حفيف الهواء الذي يدخل من النافذة، مع ايقاع الاغنية المتصاعدة، وكأني اخلص الاصغاء الى محدثي. اغرق اكثر مع النغمات التي تهدر. كرات "هيرمان هيسة" تصطفق ببعضها، وتشغلني عن المواصلة، والاندماج في الحوار. حيث كنت ارى المسافات الجرداء مليئة بالعمران، تتصاعد عالياً مع تصاعد نغمات الموسيقى، كنت ارى المدن الحديثة مليئة بالبشر، يجوبون الاسواق. كأنما الاضواء تتراقص مع ابعاد الخيال، وتكون مدناً متداخلة في صور رأيتها. مدن متراصة بالحضارة، تدفع هذا الخراب المدمر الذي في الاعماق. تدفعه بقوة، لينزاح ويكشف عن الوان "قوس قزح" تتحلى بها هذه المساحات من الارض بنايات شاهقة. يسكنها اناس ويتخرجون من جامعات مُبهرة، برغبة ان يزيحوا هذا الركام المتراكم في الوجوه، والعقول. التعلم مفتاح لكل المدن المعرفية، بقيت الموسيقى الناهضة من اركان تلك المساحات تتقدم نحوي، وكأنها تطير بنا فوق الغيوم، نعبر تلك المطبات المحفورة في الشارع، ونطير فوقها..

اردتُ ان ابعد عن ذهني كابوس ليلة أمس. حيث لم اكن اعرف اين كنت، ولكن في مكان كان كالخيمة، وكان يقف عندها كلب لي اسمه "كنشت"، وكنت قد سمعت نباحه، ونهضت لأرى القادم، اذ جاء احد لم اتبين ملامحه، وهو ايضاً يستصحب معه كلباً، وقد نبح كلبي بقوة على كلبه، وحاولت اسكاته، الا ان الكلب القادم مع صاحبه، فاجاني، اذ هجم على كلبي، وابتلعه كما  تبتلع الحية عصفوراً بالكامل، ومضي ينفض نفسه، متبختراً، وجلس امامي كانه يتباهى بانه يستطيع فعل المزيد.. جعلني مرعوباً ، ومنكمشاً لا اريد النظر اليه، بعد ذلك جاء شقيقي، ومسح على ظهر الكلب، وكأن فروة الكلب فيها جيب، كالذي اراه في بعض الملابس الجلدية.. لحظتها صار عندي احساس بان ذلك الكابوس يكاد ان يتحقق، وكأن هذا اللقاء بداية لما سيحدث لي. لكني تشاغلت بالنظر الى الطريق، متظاهراً بالشجاعة. ثم قلت:

- "هذه الاغنية الافضل ما سمعت في حياتي"!!.

كمن ارتعش من وجل اصابه:

- "سبحان الله.. كأني افهم هذه اللغة"!.. فاجأته:

 - "كيف تفهمها بالله عليك"؟، ارتبك قليلا لكنه مضي في جوابه دون تلكأ:

- "أكاد اشعر بهذه ألاه الحلزونية.. كأنها تقول يا حبيبي ومولاي يا سيد الحُزانى والمساكين يا محرر العبيد"، فقلت وبالكاد اوشكت السيطرة على مخارج كلماتي، كاتماً ضحكتي.. "وما أدراك؟... انه يقول ذلك"؟..

"مظاهر الحزن البشري واحدة عندما يقول الحزن كلمته؛ تجتمع ملائكة الأرض كلها لتنقلها من القلب الى العين، ثم يأتي بكاء البشر غزيراً، فيغتسل البشر من أخطاءهم، وآثامهم".. استنادا إلى السطر الرابع، الصفحة الرابعة، من كتاب "الأَفاق في أحزان حوض النفاق"، الطبعة الرابعة المزيدة والمنقحة، الصادرة عن دار "الواق واق". عام 2012م.

ما ان انتهيت من قولي حتى أجهش ببكاء تمثيلي وأرادني أن أشاركه نوبته المفتعلة، ولكني لم استطع إلا أن اكتمَّ ضحكة أوشكت أن تنفجر، فقلت له: - "هل انت من الذين يرفعون شعار (أسابقك في إظهار حزني، معلناً ولائي التام، ولا يعني الا كتفي أعلى كتفك، في عشق الدراهم)"..

- " هل انت عالم؟"..

لعنةُ بطل الأبطال الهمام الذي مات شهيداً مع عشيقته في حفرة تحت الأرض، من بعد ان دفنتهما طائرات القوى المتحالفة، بالقصف المتواصل بلا رحمة.. "تظاهر جمعي بحبّ "الدكتاتور" الأول قائد الجيوش العظمى" كنا نصفق كلما نسمع اسمه، وبتنا نصفق فوق تصفيق المصفقين مخافة الصاحب. فيعلو ولائه على ولائك، بوشاية"..

مدّ اصابعه الى جهاز التسجيل، ورفع الصوت، ليوهمني بانه استساغ الاغنية.. "يكتبون تقاريرهم إلى "الوريث الذي غير الراية المعقوفة إلى راية ملفوفة". إلى رئاسة حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني النازي الحاكم".. (تعددت لنا الاحزاب، وتنوّعت التسميات، لكنها من منبع واصل واحد)..

ولم يصدق احد بانه قد مات تحت الأرض، وما زال ينشر ظلاله الرمادية فوق اعدائه، بقي اسمهُ جريمة لن تقل شأناً عن جرائمه، التي اقترفها. حيث لا ينهض الميت، أبداً، ولا يعود التاريخ أبداً، وكل بكاءٍ على الماضي مضيعة للصفة الإنسانية، صدقني لا فرق عندنا"..

حدثني انه قال: (لقد ذكرتني بالعم "كانون" البقال الذي حول بقالته الفاشلة الى معمل اكياس ورقية، وكان يأتي بأكداس الكتب الى مخزنه، ليصنع منها اكياس بمختلف الاحجام. عملت معه، وتمنيت وقتها المعرفة بالقراءة، لكنت استمتعت بمختلف تلك الكتب).. الزعيم السياسي الألماني والديكتاتور النازي الفاشي (Adolf Hitler)‏ كان مولوداً في  النمسا وقد تدرَّج حتى وصل الى رتبة قائد حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني والمشهور بالنازي حكم إمبراطورية ألمانيا من سنة 1933م، وبسبب طموحه الشرير قد نشبت الحرب العالمية الثانية. يومها جعل من نفسه المستشار الأعظم لألمانيا (رايخ سكانتسلير) 30 يناير 1933م، وجمع بين المنصبين "الفوهرير" و"الرايخ سكانتسلير" ثم انتحر بعد خسارته بطريقة غامضة، اذ دمرت ألمانيا بالكامل سنة 1945. اسس في عهده المنظمة الإجرامية "الجيستابو"، والتي كانت تصفي بشراسة كل الرافضين لنظامه، ارتكبوا مجازر بشرية لن ينساها التاريخ مثل كل الذين ارتكبوا جرائم الابادة الجماعية.

-         "يوما ما سيتعرضون للمسائلة العادلة"!..

انتظرني حتى التقطت أنفاسي، وقال معترفاً:- " بكائي لم يكن بكاءاً حقيقياً"!!.  فأخبرته "اني كنت اعرف كل ما كان يدور في خلده".. عاد إلى القهقهة، قائلاً: "والله يا سيدي لقد تبارينا في نفاقنا".. (الأقدمون جلسوا بعد سفر طويل، بالملل وسقمه، بالتراب وعفره، مع البعير وخواره، يَحْلِبون الحَجَرْ، ويلوكون الفراغ... مع العمر الذي هدتهُ العواصف الصفر، وإذ تقاسموا الخمس، لن يكونوا مترفعين عن الخمس الخامس المتروك إلى بيت المال.. عيونهم عليه، سيفهم يقطر غيضاً، وقلوبهم معه.. صنعوا منهم مرتزقة يشاركون البعير العَلَف، ويقرّ لهم المكان الذي يستعدون فيه النية، وان فشلت نواياهم أكلوا البعير من الظلف إلى الذيل، كما كانت السالِفَة تأكل إلهة التمر، من يأكل آلهته، يأتي بغائطٍ مبارك)..

صارت تعاودني الضحكة البلهاء، ذاتها، وتفسد عليّ متعة الاستمتاع بالأغنية، ولم اعد اتمكن من التواصل معها بعد ذلك الذي جرى، فأبقى متسائلاً كيف يكون لون الحزن الايطالي، مثلما لهم خصوصيتهم الشجية في براعة، الغناء.. قد اخترعنا الغناء، ولكننا اطلقناه مع البعير في الصحراء، حيث لا يرجع الصدى ولم نعرف النظام. لم نسمع انفسنا لنعرف تنظيم ما نسمعه. هكذا بقينا نكرّ باجتهادات لا تتشابه. (كان "كنشت" يعجب بالأب حتى في اندفاعاته الظالمة الغاضبة، مع انه في ذلك الحين يعرف بالضبط من هو الاب "ياكوبوس"، كان يرى فيه ببساطة عالماً عميقاً عبقرياً، لم يكن يعلم انه علاوة على ذلك رجل يقف بوعي في تاريخ الدنيا، ويسهم في تشكيله، انه السياسي العليم بالتاريخ السياسي وبالحاضر السياسي[2]). الكرة تتدحرج، فتصطدم بالكرة المستقرة. ثمة نغمة، وثمة فكرة. هل تعرف آلة البيانو. مؤكد بانك شاهدتها ولكنك لا تعرف اسمها، مثل اشياء كثيرة حدثت امامك ولم تعرف ان تسميها باسمها.. الكرة ذاتها من الزجاج تلمع بصورة وربما تعطي كما يعطي المشور الوانه السبعة. هل تعرف الموشور الزجاجي؟ انا واثق بانك رأيته، وأكمل ما حفظه مني:

-         "مثل اشياء كثيرة حدثت امامك ولم تعرف ان تسميها باسمها".

اتابع عيناه كلما تحط على المدالية التي فيها كرات زجاجية، تلمع كلما اختلّت سرعة سير المركبة. كنت اتابعه، مخافة ان يختطفها مع مفتاح المركبة ويتركني لا اعرف دونه وسيلة. وهل وجدتُ ضالتي، وانا لا افهم الاغنية. "لم تكن لغة الأغنية باللغة بالإنكليزية.. بل كانت بالإيطالية"..

(كأني احدثك عن السراب، الذي تظنه بحراً حيث لا حلزونات بحرية بلا بحر، مثلما لا فكر دون علم)..

بعدما همّ بالنزول: رجاني ان أتصل به إن احتجت إليه، وعدته بذلك، فكتب رقم هاتفه المحمول.. على جزء من غلاف علبة سجائره، وناولني اياه. قال معرفاً عن اسمه "جوفاني"، ثم قلت له" تشرفت بمعرفتك سيد "جوفاني" اسمي كنشت"..

(لا ادري لمَ شاهدتُ تنيناً طائراً فوقنا، وكانهُ من تأثيرات فلم السهرة الذي تمنيت ان اشاهده كاملاً ولم استطع. نحن شعب يأخذ من المتخيل اكثر مما يأخذ من الامر الجاد).

فما ان ابتعدت عنه.. حتى عدت الى تشغيل الاغنية، ومحاولاً معها عبور مخاوف الطريق الباقية، ومن ثم رحت اعبّ الهواء الى صدري، بحرية.. كأني كنت غاطساً في عمق البحر المالح المتوسط، من بعد ان فشلت جدياً في ايجاد معنى تلك "الحلزونيات"، وان ابحرت في متون اوهام الكتب.. شيئا فشيئا وجدتني اصحو من غفوتي، الموسيقى تعمل دون توقف. وجدتني باني لم اغادر بيتي، وانا في سريري، ولم اكن مسافرا الى تلك المدينة البعيدة..

بعد ذلك جلستُ استحضر ما رأيت، وقررت ان اكتب هذه اللعبة بين الحقيقة والواقع، ورحت ارسم صورة ذلك الشاب الضاحك بحزنه، الذي لم يتجاوز العشرين، وهو يلوح لي، كأني قلت له ناصحاً، انتبه لنفسك، وابعد اصبعك عن الزناد القاتل، فربما تطلق الرصاص وقد تستقر واحدة في ذاكرتك، وتتسبب بعذابك الى الابد.

Saturday, May 25, 2013

 



 

[1]  البطل المحوري في رواية لعبة الكريات الزجاجية للألماني "هيرمان هيسة"...

[2] هيرمان هيسه- لعبة الكريات الزجاجية - ترجمة: مصطفى ماهر- ص 213

محمد الأحمد


التعليقات




5000