..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لقاء في خريف العمر..قصة قصيرة

د. محمد القريشي

حراك كبير في مدرسة علياء منذ أكثر من أسبوع.... الامتحانات تشارف على الانتهاء  وتعتكف المعلمات خلال هذه الأيام على التصحيح والتوثيق ... فيها يتحول مكتب المديرة إلى خلية نحل يجري العمل فيه بلا كلل....  الصخب هنا  يبعث غالبا على الضجر........ لا تحب المعلمات التجمع في غرف أخرى... المديرة الباسمة دوما وجهاز التبريد والأريكة  المريحة وشاشة التلفاز التي تبث على الدوام برامجا دينية تشجع على المكوث طويلا في هذا المكان......

تدور علياء بين أركان مكتبها الذي ينفذ إليه النور من الجهة الغربية حيث تطل النافذة على ساحة تحيطها حزمة من النخيل تتوزع بشكل عشوائي وتتجمع حول أجزائها السفلى أكياس القمامة الفارغة   ....وتطل النافذة المقابلة على ممر يؤدي إلى باب المدرسة الذي يكتظ عادة بالتلاميذ وذويهم ولكنه يبدو مهجورا هذه الأيام بسبب العطلة. ومكوث المعلمات في بيوتهن ما عدا  فترات تسلم الرواتب أو الامتحانات.....

 مكتب علياء لا يعرف الهدوء ....اللقاءات المهنية بين النسوة سرعان ما تتحول إلى منتديات اجتماعية يتسع الحديث فيها إلى كل شيء... الزواج و الطلاق, الغيرة والحسد, الشعوذة والسحر, البيوت والأثاث,  الغنى والفقر.... كل شيء.... ومن المألوف أن يكون شبح الرجل مهيمنا على جميع المفاصل... .........................

 الأحاديث لا تختلف كثيرا عن الصراخ وروائح الأكل والورق القديم.وطبقات الغبار السميكة التي تغلف موجودات المكتب ..  كل شيء في هذا المكان يبعث في نفس علياء مشاعر النفور واللامبالاة........ العمل منفى طوعي اختارته للانسحاب من عالم قضى عليها بالضياع... ضياع الحبيب وضياع الزوج وضياع الأمل....يداول الله الأيام بين الناس لعلهم يفقهون....  وتداول علياء أيامها بين عوالم النسيان كي لا تفقه شيئا... كي تنسى...... تنسى إنها امرأة كباقي النساء... إن عضوا انتزع منها يوما ما بلا عودة.... عمليات جراحية شوهت الماضي والحاضر والمستقبل......... تداول الأيام والليالي كي تمنح رأسها فرصة الهروب من الجسد أو تفريغ أكداس الهم     

.... تمتعها دروس الشيخ الوائلي عبر التلفاز ويطربها نواحه على مصيبة الحسين الشهيد التي تجسد كل محطات عمرها العاتي : فراق الأحبة والزوج المغدور والهجرة بين مواطن الظلم.........لولا الحياء  لرقصت حزنا على نغمات صوته النافذة عنوة إلى ثناياها....لخرجت العبرات لحنا جنائزيا  ترتعش على نبراته كائنات الدنيا ..... ...

يتواصل الناس في مجتمعاتنا عادة بواسطة الصوت وحركات الأجساد على خلاف بعض البشر الذين يتواصلون عبر الصمت و تقاسيم الوجوه.....الأصوات والحركات والروائح تحاصر علياء كحصار زمنها القاسي........ تثيرها من حين لآخر ضحكات الست سميرة الاستعراضية التي تنطلق كرشقات مطر شتوي هادر على اثر نكات أم احمد التي لا تخلو من الإيحاءات الجنسية المباشرة أو غير المباشرة....   أم احمد التي تعاني من جفاف زوجها وقسوته   وآلام وحاجات مبطنة للحنان تعبر عنها تارة في بكاء مفرط وتارة أخرى في طريفة فاضحة   ....... تعلل بعض النسوة عدم اكتراثهن بالسياسة والديمقراطية والدكتاتورية بوجود الطغاة في حياتهن بصورة مألوفة....أم احمد كبرت وكبر أولادها مع الطغيان... الحديث عن سقوط  دكتاتور لم يغير في حياتها شيئا .. دكتاتور البيت ولى قدرها الأزلي   ولا مصلحة لها  في سقوطه.... أين تذهب من بعده ؟ وكيف تعيش؟؟؟؟   

في هذه المدرسة وفي هذه المدينة لا تعرف الناس الأسرار فكل شيء فيها مبسوط كقلوبهم  كطبائعهم كأرضهم الجرداء....وللأسرار هنا أعمارها الافتراضية التي لا تتجاوز اللحظات أو السويعات في أقصى الأحوال ......... يتظاهر الناس هنا بحفظ السر ويتبارون في البوح به.....وان رغبت فضح سر ما أوص مستمعك بكتمانه...

•-         كل ونصيبها..... البارحة تزوجت واليوم اسكنها في بيت لوحدها..... تردد كوثر بتململ في إشارة إلى جارتها الجميلة   وعيناها تتجه نحو الأرض في انتظار ردود فعل النسوة ....

•-         نعم ولكنها لا تحتمل لأنها سريعة الغضب ... سوف لا تبقى معه طويلا.... تهمس سميرة بشماتة وسخرية

تتجنب علياء المشاركة في أحاديث النسوة  رغم انجذابها لها ربما لأنها غريبة لا ظهر يحميها في هذه المدينة أو  كي لا تتيح لأحد ذريعة التدخل في حياتها ...    ....

صفحات العمر انطوت ولا فائدة بفتحها من جديد.... عانت كثيرا من الغموض الذي تفننت به منذ وصولها إلى هذه البقاع..... لا يعرف عنها الآخرون إلا الهجرة من بغداد وزوجها الذي سقط غدرا إثناء الأحداث الطائفية  ومرض الوالد..... وما عدا ذلك فحياتها كومة أسرار مركونة في  إحدى زوايا الماضي   ....

عقدة واحدة تقلقها منذ فترة وكم سهرت الليالي تبحث عن حل كي تستأنف حياتها الغامضة براحة وهدوء........  الماضي الذي يداهمها في عقر الغربة....... طلب قبول تلميذة تحمل اسمه.... ورقة تحمل صورة سناء ومعلومات عن العائلة.قرأتها عشرات المرات... حفظتها عن ظهر قلب..... .. كم تمنت إن تكون أما لسناء في سنوات العشق أو أي ذرية منه...كثيرة هي الأسماء التي ساومت فيها احمد في لحظات الدلال  ولم يكن اسم سناء واردا بينها....... غلبتها زوجة احمد مرتين... مرة بأحمد وأخرى بسناء....

فجأة يعلو صوت أبو علي حارس المدرسة مناديا :

احمد عبد الكريم والد التلميذة سناء يرغب في مقابلتك سيدتي...........

بلا وعي تقفز فجأة نحو النافذة   هواجسها لم تعد شكوكا بل واقعا يدخل فضاءها من جديد....ماضيها الجميل, الساحر,القاسي,العنيف يدق الباب في خريف العمر .... سنوات من التصحر ورجل يظهر في حياتها... أي رجل ؟ ........

•-         قل له إننا في اجتماع وقد نتأخر.... أجابت محاولة إخفاء اضطرابها ... لم يخفق قلبها منذ سنوات.... يخفق هذه المرة خوفا من معلوم مجهول.... لم تعد علياء مديرة في مكتبها بل شاة تنتظر الذبح...  

•-         سيدتي يصر على اللقاء لأمر هام وسينتظر......

•-         لينتظر إذن....تنتحر الكلمات على شفتيها لتسقط عصية الفهم....... للمنكسرين لغاتهم الخاصة التي لا يعرفها إلا الجلادين ........ وربما يمعن بعض الجلادين هنا في تعذيب ضحاياهم لعدم قدرتهم على  فهم هذه اللغات  ......

هل عرفني طيلة هذه الفترة وجاء ألان ليفتح جرح الماضي؟  هل يحدثني عن كل شيء إلا الماضي؟؟؟؟  خاسرة أنا في كل الأحوال...لقد بلغت من الكبر عتيا ولم يبق هناك زمنا للمناورة...... توارى فجأة.... باعني في ربيع العمر ويبيعني في خريفه.... باعني في زمن العشق ويبيعني في زمن الضياع  .....

آخر لقاء بيننا  لم يدم أكثر من دقائق... بدا لي حينها  طويلا كدهور الدنيا.. ماثلا كفلم مخيف تطاردني مشاهده في فترات الراحة والسكينة.... خيم على محطات العمر في الزواج وفي الترمل , في العمل وفي البيت, في اليقظة وفي الرقود.

كم تمنيت في هذه اللحظات أن تعلو أصوات النسوة.لتملأ أركان المكتب صخبا....... اشتري صراخهن غاليا كي لا أتبادل معه حديث المنكسرين.... اختصر اللقاء بنعم أو لا.........

•-         ست علياء, يدخل أم لا ؟؟؟؟

ليست علياء المديرة في هذا المكتب بل علياء الأسيرة... الهاربة من ماضيك إلى مجهولك....  .. ...   

•-         ليدخل....................

•-         السلام عليكم ست.....

•-         اهلا وسهلا تفضل سيدي....

•-         انا والد التلميذة سناء...

•-         اعلم ذلك..... تفضل...

يتوقف عن الكلام فجأة... تتسمر عيناه... تدور بين أرجاء المكتب ..... ليس احمد الذي عرفته في ربيع العمر... احمد الماضي كان قويا,  صارما واثق الخطوة يمسك بمشاعره كفارس ماهر.. احمد اليوم يحمل هزيمته على كفيه... لم اعد ضعيفة أمامه كما توقعت سلفا.....رغبة جامحة في الصراخ تنتابني فجأة...ثيابي تتكئ على  جسدي وتثقله كدرع مقاتل مهزوم... تخفت أضواء المكتب في عيناي... تنتشر العتمة من حولي   رؤوس النسوة تتصاغر وتتقافز وتتلاشى كنيازك أعياها الدوران فهوت لتندثر....        تتراجع أصوات النسوة أمام سكون اللحظات الطويلة...   وحده صوت الوائلي يبقى ماثلا يعيد مشاهد نحر الحسين الشهيد وعلى وقعه ينحر بعضنا البعض.....على وقعه ينحر بعضنا البعض.........

د. محمد القريشي


التعليقات




5000