هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


موتيف (النهر و البحر) في شعر يحيی السماوي

رسول بلاوي

 (هذه الدراسة تمّ نشرها في مجلة العلوم الإنسانية الدولية المحکّمة، السنة 20، العدد 1، جمادی الاخر 1434)

الملخص :   

لقد حظی البحث عن الموتیف بإهتمام واسع فی النقد الأدبی الأوربی بإعتباره عنصراً فعالاً فی النقد و تحلیل النصوص الأدبیة. اصل کلمة "الموتيف" فرنسویة، و تعني فی الأدب الفکرة الرئيسية أو الموضوع الذي يتکرر فی النتاج الأدبي أو المفردة المکرّرة. و الموتیفات في شعر الشاعر تحمل دلالات و ايحاءات رمزية وثيقة الصلة بنفسية الشاعر و توجهاته و آرائه.

   و قد ظهرت الموتیفات فی شعر الشاعر العراقی المقیم باسترالیا یحیی السماوی (1) ضمن أشکال و محاور مختلفة منها المضامین و المفردات و الرموز و من أهم موتیفاته الرمزیه التی تحمل دلالات وثیقة الصلة بحیاته و نفسیته "النهر" و "البحر" و ما يتعلّق بهما کاستدعاء اسطورة "السندباد"، فقد وردت هاتان المفردتان فی شعره بکثافة و لقد انزاحت عن معناها الحقيقي لتحمل دلالات و رؤی جديدة، و أحياناً تصبح رموزاً في منجزه الشعري تدل علی حالاته الاغترابية و استلاب الوطن. فللنهر تداعيات و تجليات کثيرة في لغة السماوي التصويرية، فهو رمز الحياة و الخصب، و رمز الوطن الحبيب؛ و قد يدلّ علی استلاب الوطن و افتقاده. و قد وظّف السماوي البحر لإبراز الأبعاد السياسية للقضية العراقية. فالبحر رمز للخوف و الغموض و الرحلة في طريق الحياة، و إرتياد المجهول.

    هذه الدراسة التي اعتمدت في خطتها علی المنهج الوصفي - التحليلي، ترصد هذه المفردات و دلالاتها في تجربة الشاعر.

المفردات الدليلية: الشعر العراقي الحديث، الموتيف، يحيی السماوي، النهر، البحر، السندباد، الرمز، الإنزياح.

•1-     المقدمة:

  

        الموتيف يساعدنا في تفهم أسلوب الشاعر، مثلما يشير الي القضايا / الأفكار التي كانت تتفاعل في ذهنه. و إذا وجد عند شاعر من الشعراء إنما يوضح تلك العلاقة الحميمة و التلاحم الكبير بين هذه الصور و المعاني و بين الواقع النفسي للشاعر و لتوجهاته و آرائه. كما أن الشاعر يستخدم الموتيف ليضخّ من خلاله ما يتراكم في داخله و ما يعتمل في صدره، و ليفرّغ الشحنات التي تتصادم و تقدح بين أضلاعه كعملية تنفيس و تخليص.

   لا يخفى أنّ تكرار فكرة / صورة / رمزٍ ما حتی يصبح موتيفاً، يعني أهمية تلك الفكرة / الصورة / الرمز عند الشاعر، حيث تضجّ و ترغي في رأسه حتى تملأ عليه نفسه، بمعنى أن للموتيف دلالة نفسية، تشير إلى انهماك الشاعر في بُعد معين أو إستغراقه في فكرة ما، ثم «تبدأ له من تراث إنساني و روحي، و كأنك تحس بها قد أغلقت دونه كل طريق، فحيثما إتجه يمثلها هناك، فإذا هو أغلق نفسه دون الأشياء، إصطدم بها كذلك في أعماق نفسه» ( اسماعيل، 1972م: 166). ثم يروح يقولبها و يمدّها بشرايين جديدة، تعطيها القوة و الحيوية و الألق، و تحقق لها حضورها و فاعليتها.

   يُعد الموتيف في شعر السماوي من الظواهر التي تستخدم لفهم النص الأدبي؛ ولا يقوم فقط على مجرد التكرار في السياق الشعري، وإنما ما يتركه هذا التکرار من أثر انفعالي في نفس المتلقي، فإنه يعكس جانباً من الموقف النفسي والانفعالي. وقد حاول الشاعر أن يجعل من الموتيف أداة جمالية تخدم الموضوع الشعري، وتؤدي وظيفة جمالية تساعد على إثراء‌ الدلالات، و تكشف عن الإلحاح أو التأكيد الذي يسعى إليه.

   1-1- الأسئلة و الفرضيات:

 هذه الدراسة التي اعتمدت في خطتها علی المنهج الوصفي - التحليلي، ترصد هذه المفردات و دلالاتها في تجربة الشاعر.؛ حيث تعالج الأسئلة التالية: ما هو الموتيف و دلالاته النقدية في الشعر؟ ما مدی حضور البيئة النهرية و البحرية في شعر السماوي باعتبارها موتيفات مکرّرة؟ و ما هو أثر هذه البيئة / الموتيفات علی مخيلة المتلقي؟ وما هي الرموز و الدلالات التي تحملها هذه الموتيفات في شعر السماوي؟

بناء علی الاسئلة التي مرّ ذکرها في الملخص نحاول في هذه الدراسة ان نثبت المفروضات التالية و نناقشها:   و

- بما أن الموتيف في الأدب يعني الفكرة الرئيسة أو الموضوع الذي يتكرّر في العمل الأدبي فإن إلحاح الشاعر علی تکرار بعض الجوانب يدل على انهماكه في بُعد معين أو إستغراقه في فكرة خاصة.

- من أبرزهذه الموتيفات التي وردت بکثافة في شعر السماوي:موتيف النهر (أکثر من مئة مرة) وموتيف البحر (أکثر من خمسين مرة) .

- استخدم الشاعر هذين الموتيفينِ لإبراز الأبعاد الإجتماعية والسياسية للقضية العراقية و لنقل رؤاه و مشاعره الی المتلقي.

- "النهر" يوحي بمعاني الحياة، و أسباب الخصب و التجدد، و أحياناً بالجفاف و الموت و التعفّن.

- "البحر" في شعره يرمز للخوف و الرهبة، کما يرمز للسفر و الرحلة في طريق المجهول.

1-2- خلفية البحث:

   إنّ أوّل دراسات معمّقة و خصبة حول الموتيف في الأعمال الأدبية لقد ظهرت في الأوساط الثقافية الغربية. و أوّل دراسة في هذا الصدد، هي الدراسة التي أعدّها "استيت تامسون" أواخر الستينات من القرن العشرين تحت عنوان "معجم موضوعات الأدب العالمي" . و الدراسة الثانية في هذا المجال هي دراسة " اليزابت فرنزيل" الآلمانية، التي أثرت المكتبة العالمية بكتابين هما: «مضامين الأدب العالمي» و «موتيف الأدب العالمي»، و قد إهتدي بهما الكثير من الباحثين (تقوي، 1388هـ ش: 8 و9).

    لکننا في الأدبين العربي و الفارسي لم نعثر علي دراسات حول الموتيف قبل عقدين من الزمن، فقد دخل هذا المصطلح مؤخراً و من خلال النقد الأدبي الغربي..و علي الرغم من ذلك لم يحظِ بدراسات معمّقة في هذين الأدبين بل أشار له بعض النقاد و الباحثين في طيّات دراساتهم النقدية معرضين عن أصوله و جذوره.. و لعلّ دراسة "محمد تقوي" (استاذ مشارک قسم اللغة الفارسية و آدابها في جامعة الفردوسي مشهد) عن الموتيف الموسومة بـ "موتيف چیست و چگونه شکل می گيرد" والتي تمّ نشرها بـمجلة "نقد ادبی" في جامعة "تربيت مدرس" هي الفريدة من نوعها في هذا المجال.

   أما الدراسات التي نالت قصب السبق في تجربة السماوي نخصّ منها بالذکر کتاب «حسين سرمک حسن» (2)، الموسوم بـ" إشكالية الحداثة في الشعر السياسي / يحيی السماوي أنموذجاً "، و کتاب محمد جاهين بدوي الموسوم بـ"العشق و الإغتراب في شعر يحيی السماوي و کتاب فاطمة القرني الموسوم بـ"الشعر العراقی في المنفی / السماوی نموذجاً"، و کتابي عصام شرتح الموسومين بـ" آفاق الشعریة / دراسة فی شعر یحیی السماوي" و" موحيات الخطاب الشعري / دراسة في شعر يحيى السماوي".

   و الدراسات التي تناولت تجربة السماوي الشعرية في ايران، فقليلة جدا منها: رسالة جامعية لنيل درجة الماجستير في جامعة إعداد المعلمين بمحافظة آذربايجان وعنوانها «مفاهيم المقاومة في شعر يحيی السماوي» باللغة الفارسية للطالبة "ليلا جباري کيلانده"  و بإشراف " عبدالأحد غيبي". و رسالة أخری علی مستوی الماجستير في جامعة رازي بمحافظة کرمانشاه و عنوانها «الأسلوبية في شعر يحيی السماوي» للطالب "بهنام باقري" و بإشراف " يحيی معروف". و کل هذه الدراسات و البحوث المقدّمة لم يتطرّق أصحابها الی موضوع الموتيف في شعر السماوي؛ و رسالتي في مرحلة الدکتوراه الموسومة بـ "توظيف الموتيف في شعر يحيی السماوي" في جامعة الفردوسي و بإشراف "مرضية آباد" هي الدراسة الوحيدة التي تمّت فيها معالجة موضوع الموتيف في شعر السماوي.

   و بالنسبة لصورة البحر و النهر في الشعر، فقد اهتم بعض الباحثين بالفترة الجاهلية، و أفرد جولد تسيهر مقالاً عُني فيه بالصور الشعرية المستقاة من البيئة البحرية، و احمد عطية أفرد فصلاً لصور البحر في الشعر الجاهلي في کتابه "أدب البحر".

   و اهتمّ آخرون بشعر البحر و النهر في الجاهلية و الإسلام، و لعلّ أبرزهم هو حسين عطوان في عمله حول صور البحر و النهر في الشعر من العصر الجاهلي حتی العصر العباسي الثاني، الذي رصد فيه الصور الشائعة للبيئة البحرية في العصر الجاهلي و تتبّع تطوّرها في العصرين الأموي و العباسي.  و لعل دراستنا هذه هي أول دراسة آکاديمية تتناول موضوع "موتيف النهر و البحر" في الشعر العربي الحديث. فقد تطرّقنا فيها الی موتيف النهر و البحر و ما يتعلّق بهما في شعر الشاعر العراقي يحيی السماوي کنموذجٍ للموتيفات التي ترد کثيراً في منجزه الشعري. و المنهج الأسلوبي الذي اتخذناه طريقاً لهذه الدراسة، فلا يقف عند عملية رصد الموتيفات وإحصائها في النص، وإنما يتجاوز ذلك إلى عملية النقد والتحليل والتوضيح للمعاني التي ينطوي عليها العمل الإبداعي، والعلاقات اللغوية التي تكشف عن خصوصية الرؤية من ناحية، وعن القدرة الفنية التي يتمتع بها المبدع من ناحية أخرى.

•2-     التعاريف: 

2-1- التعريف بالموتيف: 

   مفردة الموتيف لغةً تعني الحركة، الإثارة، الإلحاح و الدافع. و أصل الكلمة بهذه الهيئة و الإستعمال المتداول فرنسوية و قد دخلت في اللغات العالمية الأخری. تستخدم كلمة "الموتيف" في فنون و علوم مختلفة، منها: الرسم و النحت و الهندسة المعمارية و الموسيقی و الحياكة و الخياطة و التصوير و الأدب.

   و الموتيف في الأدب يعني الفكرة الرئيسة أو الموضوع الذي يتكرّر في العمل الأدبي، أو المفردة المتكررة، أو الحافز و الباعث (طه، 2004م: 208).

  وقد تتكرّر کلمة ما في النص بصورة ملفتة، غير أن تکرارها لا يعني شيئاً کثيراً لأن طبيعة الموضوع تقتضي ذلک، مثلاً تتکرّر لفظة «مفتش» في رواية بوليسية.. (شبلنر، 1991م: 70).

   تُعرّف كلمة «موتيف» بشكل عام بأنها الجزء المتكرر والمستمر الحامل لمعنى أو قيمة ثقافية، والذي يدخل في  تكوين الشكل (البنية .. إلخ) أو المحتوى لمختلف أنواع الإنتاج الثقافي (الشامي،2007م: 29).

   و في دراستنا هذه بحثنا كثيراً عن معادلٍ للموتيف في اللغة العربية فلم نعثر علي شيءٍ؛ أما في اللغة الفارسية فقد تُرجِم هذا المصطلح بـ (بن مايه )، أو (درون مايه )، أو (نقش مايه)، و برأينا هذه الترجمة ليست معادلاً دقيقاً للموتيف؛ لأن التكرار هو السمة الغالبة على الموتيف في الأعمال الفنية و الادبية، و هذه الترجمة لا تدلّ علي هذا الجانب.

   الموتيف  قد يكون كلمة (فعلاً أو اسماً أو حتى  أداة)، و قد يكون فكرة أو جملة أو تعبير يتكرر في مرحلة ما، عند شاعر محدد، أو شعراء مرحلة، أو يصبح "لازمة" تتكرر في فترة ‌تاريخية معينة. و من أمثلة ذلك في الأدب العربي فكرة ( الهامة ) روح القتيل التي تصيح طالبةً الثأر، و الوقوف على الأطلال، و عيون المها، أو "الأنا" عند المتنبي، و "حدثني عيسى بن هشام" في مقامات الهمذاني، و " أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح" في ألف ليلة و ليلة، و كذلك التأريخ في الشعر في العهد المملوكي، و المرأة في شعر نزار قباني، أو الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ، أو صورة اللجوء و الشتات الفلسطيني ، أو الحنين للفردوس المفقود أو الأندلس الجديدة في الشعر الفلسطيني بعد النكبة، و صورة الحجر في شعر الانتفاضة الفلسطينية (طه، 2004م: 207).

2-2- رمزية الموتيف و إنزياحه حسب السياق:

   يُعدُّ الرمز من أهمّ وسائل تشکيل الصورة الشعريّة. و «الرمز بمفهومه الشامل هو: ما يمکن أن يحلّ محلّ شيءٍ آخر في الدلالة عليه، ليس بطريقة المطابقة التامّة و إنّما بالإيحاء، أو بوجود علاقة عرضيّة، أو علاقةٍ متعارفٍ عليها» (سليمان، 1987م: 32).

   و ينبغي أن ندرک بوضوح أن استخدام الرمز في السياق الشعري يضفي عليه طابعاً شعرياً. بمعنی أنه يکون أداة لنقل المشاعر المصاحبة للموقف و تحديد أبعاده النفسية. و في هذا الضوء ينبغي فهم الرمز في السياق الشعري أي في ضوء العملية الشعورية التي تتخذ الرمز أداة و واجهة لها (حمود، 1996م: 128). فعندما نقول مثلاً إن الشاعر قد استخدم موتيف «البحر» علی سبيل المثال استخداماً رمزياً. فلا معنی لقولنا عندئذ أن البحر هنا يرمز الی الخوف و الرهبة مثلاً ما لم نتدبر هذا المعنی في السياق الشعري نفسه. فالبحر ليس رمزياً أبدياً و مطلقاً للخوف أو الرهبة و لکنه يکون کذلک عندما يشحن الشاعر صورة البحر بمشاعر خاصة تستثير في النفس مشاعر الخوف أو الرهبة.

   فالکلمات من حيث هي علامات دالة، تنزاح، بالاستعمال، عن مدلولها الذي وضعت له، و هذا المدلول اساسه الموجودات الطبيعية و المادية. فالإنزياح يعني الإبتعاد عن المألوف السائد في مختلف مستويات الخطاب، بغية تحقيق فائدة دلاليّة أو غيرها (عباس زاده، 2012: 132). علی سبيل المثال کلمة "حمامة"  تنزاح عن مدلولها الذي وضعت له، و الذي هو الموجود الطبيعي، الحمامة، لتدلّ، مثلاً، علی السلام، أو لتصير رمزاً له. کما يمکن أن تنزاح کلمة "خبز" عن مدلولها، لتدل علی الشعور بالجوع، أو بالشبع، حسب نبرة المتکلم و سياق کلامه. فالکلمة تنهل معناها من السياق الذي ترتبط به.

   و لا نستطيع في معظم الأحيان تحديد معنی الکلمة إلا ضمن سياقها النصي لأن الکلمات مشحونة بالمعنی داخل النصوص. ويری أصحاب نظرية المجال الدلالي أن الکلمة لا معنی لها بمفردها، فالسياق التي ترد فيه هذه الکلمة و الحقل الدلالي لها يکشفان عن المعنی المراد داخل النص و الحقل الدلالي لکلمةٍ ما هو «ما تمثله کل الکلمات التي لها علاقة ما بتلک الکلمة سواء کانت علاقة ترادف أم تقابل الجزء من الکل أو الکل من الجزء» (المسدی، 1977م: 150). فالمفردة تستمد جزءاً آخر من دلالتها من علاقتها الشبکية النظامية مع مجموع المفردات الأخری التي تشکل معها حقلاً أو مجالاً دلالياً.

3-التحليل و النقد:

3-1- موتيف النهر:

    النهر منقَعَرٌ من الأرض مخدّد يجري من المستوى الأعلى إلى الأدنى على سبيل الحتميّة. والنهر بحكم دلالته المعجمية الأولى ذو صفة انتشاريّة.هو مُنقعَرٌ من الأرض سمته الامتدادُ والتعرج عبر مسافة تطول أكثر مما تقصر. فهذا المنقعر من الأرض، إذاً، يمضي ممتدّاً على مدىً معيّن؛ وفي ذلك انتشارٌ له. النهر في جريانه يرمز الی الزمن و الزوال لأنه يجري دائماً الی الأمام دون عودة؛ و لکنه يرمز أيضاً للتجدّد الخالد الدائم.

   النهر هو الماء أولاً ثم المجری الفاصل بين ضفتين، و لذلک عندما يجف العنصر الأول يصبح النهر خندقاً و تنقلب رمزيته انقلاباً کاملاً في توازٍ بين الواقع و الفلسفة و الرمز. و لذلک ليس النهر نهراً عندما تجف المياه فيه.

   من الموتيفات التي يسترفدها السماويّ کثيرا بصورة لافتة في تشکيل صُوَرِه، هو "النّهر" بما توحي به من معاني الحياة، و الارتواء الحسّيّ و الروحيّ، و أسباب الخصب و التجدد. و قد يکون معادلاً لصورة الوطن السليب. فالنهر الذي هو سبب الخصب و الإرتواء و إکسير الحياة و الوجود، قد يحمل في شعره دلالات سلبية تدل علی الجفاف و الموت و الاستلاب.

   و النهر مُستَمَدّ کذلک من بيئة الشاعر الخاصّة، فأحياناً يُراد به نهر "الفرات" (2) تنصيصاً، أو بوشاية السياق و المقام، لأن الفرات هو نهر الطفولة الذي عشقه الشاعر و تغنّی به في شعره لجوده و کرمه فهو الشريان الذي يضخّ الحياة في جسد العراق:

و يسألني الفراتُ

-عشقتَ؟

-يا نهر الطفولة قد عشقتُ حبيبةً

هي مثل جودکَ إذ تجودُ (هذه خيمتي فأين الوطن: 40)

     يکون النهر / الفرات معادلاً لصورة الوطن، و للمعاني الرمزية التي تحلّق في فضاءات الرّيّ و الحياة و الخصب و التجددّ، و في هذه الحالة يکثر أن يُلابسَ رموزاً أُخَر تتفرّع عنه کالسحاب و الجداول و الينابيع، أو تتقابل معه کالظمأ و الجدب و الجفاف، وبخاصّة إذا کان الحديث عن نهر غائب المعنی والدلالة، مُستَلَبِ الرمزيّة، فتحضرعندئذٍ معاني الظمأ والجدب، ومظاهر التصحّر و الإحساس بلفح الهواجر علی المستوی الروحي والحسّيّ (بدوي،2010م: 171و 172).

   و من اللافت في سياق الحديث عن رمزية النهر أن غالب الشواهد التي تواترت في تجربة السماوي الشعرية تصوّر لنا غياب رمزيّة النهر الإيجابيّة المعهودة، و حضور ما يفيد استلابها و افتقادها علی المستوی النفسيّ، فنحن بإزاء نهر غائب "مُغتَرِب" مفتقد، و هذا ما يتواءَم مع طبيعة التجربة العامّة للشاعر، و يتساوق مع أبعادها رؤيويّاً و فنّيّاً، فالحق أننا بصدد الحديث عن وطن غائبٍ مضيّعٍ مستلَبٍ، أو فردوس مفقود، فمن أين يأتي الحديث عن أنهارٍ ذات حياةٍ ورِيّ و خصبٍ و رخاءٍ؟ إلا إذا کان ذلک علی سبيل المقابلة، أو استحضار الصورة الذهنية القديمة للوطن، و إعادة تمثُّلِها  (المصدر السابق: 172).

   و من الشواهد التي تحتجّ لمصداقية ما نذهب اليه من أمر هذا التفسير قول السماويّ عن "الفرات" متماهياً بصورة الحبيبة الوطن:

بينكِ والفراتْ

آصِرَةٌ ...

كِلاكُما يسيلُ من عينيَّ

حين يطفحُ الوجدُ

وحين تشتكي حمامةُ الروح ِ

من الهجيرِ في الفلاةْ .. (قليلک لا کثيرهن: 16)

   فنحن هنا أمام فراتٍ جديد حاضر في تجربة الشاعر أسَی و وجدا، و إنه لـ"يطفحُ" - علی حد تعبير الشاعر، و ما يوحي به هذا الفعل من تدفق غير صحّيّ - متوازياً في ذلک مع الحبيبة الوطن من منبع ذاتيّ خالص، لا من منبع جغرافيّ، و هو عَينَا الشاعر، عندما يستبدّ به هجير الحزن، و يحرّقه ظمأ الوجدان، و إذن فحضور النهر هنا حضورُ استلاب و اغتراب، لا حضور إيجابٍ و رِيّ لمفاوز اليباب.

و من ذلک أيضاً قول السماويّ:

أعرفُ أنَّ النهرَ ظامئٌ

وأن الجفنَ يشكو وحشةَ القِفارْ

لكنني

سأحرثُ الحقلَ

فقد تقودُ لي الرياحُ يوماً

موكبَ الأمطارْ  (المصدر السابق: 97)

فالنهر - و هو في صورته الحسّيّة - سببُ الرّيّ، و إکسير الحياة و الوجود، نراه في الرؤية الرمزية للشاعر "ظامئاً" مستلَبَاً ضائعاً مغترباً، إنه نهر سماويّ ذاتيّ خالص، و إذا کان هذا النهر بما يعنيه من رمزية الظمأ في هذا السياق؛ فطبيعيٌّ أن يشکو الجفن من صورة "وحشَةِ القفار" التي تحوّلت هي الأخری رمزاً لمعاني الظمأ و الجفاف و الإجداب الروحيّ، ثمّ يجيء "الحَقلُ" في هذه الرؤية الرمزيّة وشايةً بمعنی "الحياة" التي يفلحها الشاعر، مُعمِلاً فيها محراثه آملاً متفائلاً، و إن کانت أسباب الخصب و الإثمار غير مواتيةٍ، فقد تبسم الحظوظ يوماً، و تسوق أسباب الغيث و البَعث، و رياح الخير و الرّيّ و النماء (المصدر السابق: 174).

   و من الشواهد التي تؤکّد استلاب صورة النهر الرمزيّة العهديّة، و حضور الصورة المقابلة علی المستوی الرمزيّ، متماهيةً في ذلک مع واقع العراق و حاضره المؤسف الأليم، الذي تتماوج فيه صُوَرُ الفجائع، وتتعاقبُ الويلاتُ - قوله:

وطنٌ ولكنْ للفجيــــــــعةِ ... ماؤهُ

قيحٌ... وأمّا خبزُهُ فنَحيــــــــــــــــبُ

مسلولةٌ أنهــــــــــــــــارُهُ ... ومَهيضَةٌ   

أطيارُهُ ... ونخيـــــــــــــلهُ مصلوبُ (المصدر السابق: 86 و 87)

فلقد تحوّلت صورة النهر - بعد استلاب دلالته العهدية - الی رمزية مضادّة، و هي رمزيّة الموت و التعفّن و التفسّخ؛ فماؤُهُ "قيحٌ" فبعد أن کان سبباً للحياة، صار آيةً للموت في أبشع صوره، و أکثرها في النفس إثارةً للإشمئزاز و التقزُّز، ثم يؤکد هذا من وجهٍ  آخر في البيت التالي مباشرةً، فيقرّر بصيغة الجمع هذه المرّة، و أن عامة "أنهار" هذا الوطن، قد أصابها "السُّلُ" و تمکّنت منها الأدران و الأکدار، و هذا علی سبيل الإسقاط النفسيّ علی فضاء اللوحة الشعرية، و الواقع الخارجيّ الذي يتآزر مع هذا البُعد الرمزيّ و النفسيّ و يؤکّده، و هذا کله يشهد باغتراب صورة "النّهر" و رمزية الماء في تجربة الشاعر. و أيضاً صرّح السماوي:

حلّ القحطُ في الواحاتِ

فالنهرُ عليلٌ..

و الينابيع موات.. (لماذا تأخرتِ دهراً: 69)

و من الشواهد التي تتماهی فيها صورة النّهر رمزيّا بصورة الحبيبة الوطن قوله أيضاً:

العيدُ ؟ أن أُرسي بنهرِكِ زورقي

وأريقَ في واديكِ دمعَ شــموعي (قليلک لا کثيرهن: 86 و 87)

فـ"النّهرُ" هنا رمز رحابة حضن الحبيبة الوطن، و "الزّورقُ" أداة الترحال، و وسيلة التطواف في الأنهار عامّة، و "الإرساء" في هذا السياق رمز الاستقرار و الوصول الی مرافئ السکينة و الطمأنينة و الأمان، و هذه المعاني النفسيّة هي عنده معادل إحساسه بجوهر "العِيد" و حقيقته علی المستوی الشعوريّ.

   و للنهر تداعياتٌ و تجلّياتٌ کثيرة في لغة السماويّ التصويرية نلمّ بها في سياقات متنوّعة، فهو رمز الحياة مطلقاً، بجانب "نَبعِ" الحبيبة الوطن، الذي هو عنده، علی کونه فرعاً صغيراً عن نهر الحياة، أدعی للرِّيِّ، علی المستوی النفسيّ بطبيعة الحال، و أجدی في الحصول علی أسبابه و آثاره النفسية، کما نری ذلک في قوله:

لي أن اقيم بآخرِ الدنيا

ليصهلَ في دمي فرسُ اشتياقي

  أن يجفَّ النهرُ بين يديْ

فأطرقُ بابَ نبعكِ غائم العينينِ

أستجديكِ ريّا .. (المصدر السابق: 11)

فالنهرُ الذي يمکن أن "يَجِف" بين يدي الشاعر نهر الحياة بکل أقطارها و أقاليمها، و وجوهها و مناحيها، ثم إذا هو في هذه الحال يطرق باب "نَبعِ" الحبيبة، طالباً رِفدَها وريّها، و قد تحوّل النبع بمحدوديته الی دالٍّ أعمق أثراً، لأنه يفضل بقليله، مع المحبة، کثير الآخرين.

   و يأتي النّهر کذلک في سياق آخر رمزاً لتجربة الشاعر الوجدانيّة الذاتيّة، و حياته الخاصّة، و هو في الغالب کما أشرنا آنفاً نهر مُستلَبٌ مُغتَرب، هو أميَلُ الی الجفاف و الظّمأ منه الی التدفّق و الاصطخاب، و هو ما يؤکّده قوله لمخاطبته التي تستشيره وجدانيّاً:

رويدكِ ...تسألينَ  عن إصطخابٍ

  بنهري بعدما نشَف الحَبـــــــــابُ ؟ (المصدر السابق: 29)

فالنهر المرموز اليه هنا رمز لوجود الشاعر و روحه؛ فقد أکّد السماوي، في سياق خطابه، جَفَافَه في معرض انشغاله بقضية الوطن الکبير، الی حدّ صار هذا الوطن: بفراته و ناسه يجريان منه مجری الدم في العروق، و يستقرّان منه في عمق النفس و قرارة الوجدان، و هو المعنی الذي يمثّله قوله:

ثلثا دمي ماءُ الفــــــــــــــــراتِ وثلثُهُ

طينٌ بدمعِ المتعبيــــــــــــــنَ مَذوبُ (المصدر السابق: 91)

و هذه قمّة تماهي الشاعر برمز الوطن، و هموم شعبه، و تلاحمه معه، و حلوله فيه، و صيرورتهما عند التحقيق شيئاً واحداً.

أحياناً يستخدم الشاعر مفردة "النهر" لمعانٍ رومانسية عندما يتحدّث عن حبيبته، کما في المقطع التالي:  

آليتُ إلا أن اکون

بنهر کوثرها

الغريق.. (بعيداً عني.. قريباً منک: 131)

 کما يری الحب هو النهر الذي ينقذه من الضياع و الهوان في المنفی:

الحبُ نهرُ البدء و المنتهی

أمثله ينقذنا من هوان؟ (لماذا تأخرتِ دهراً: 141)

و يخاطب حبيبته قائلاً:

انتِ وحدکِ جئتِ بالأنهار ..

و الواحاتِ..

في زمن التصحّر و الخراب (بعيداً عني.. قريباً منک: 88 و 89)

فالأنهار في هذا المقبوس هي معادل للحياة و الخصب، جاءت بها الحبيبة للشاعر في زمن الجفاف و الدمار.

   والمتصفّح لدواوين السماوي التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة، يلاحظ كثافة إلحاح الشاعر علی مفردة "النهر"، فمن خلال رصدنا لهذا الموتيف في دواوينه حسب العيّنة الإحصائية التي قمنا بها، وصلنا إلی هذه النتيجة بأن الشاعر ذکر "موتيف النهر": 9 مرّات في ديوانه "مسبحة من خرز الکلمات"؛ و 17 مرّة في ديوان "لماذا تأخرتِ دهراً "؛ 11 مرّة في ديوان "البکاء علی کتف الوطن"؛ 17 مرّة في ديوان "بعيداً عني.. قريبا منک"؛ 19 مرّة في ديوان "عيناک لي وطن و منفی"؛ و 14 مرّة في ديوان قليلک لا کثيرهنّ"؛ و 17 مرّة في ديوان "هذه خيمتي فأين الوطن".

3-2-موتيف البحر:

   البحر عامل جغرافيّ ثابت في حياة الأمم التي تشاطئه، و قد استخدمته الأمم في أنشطتها الاقتصادية علی مدی التاريخ، فساهم في تشکيل مجتمعاتها و ثقافاتها و مخيّلاتها علی مر العصور.

   و هو يشکّل مساحة مضيئة في الذاکرة العراقية و بخاصة اللاجئين الذين أجبروا علی الرحيل عبر البحر. فالبحر حافظة للحکايات التي يرويها الأجداد للأحفاد عن تفاصيل المعاناة التي مازالت بصماتها ماثلة في وجدانهم. و يوظّف الشاعر الموروث البحري لإبراز الأبعاد السياسية للقضية العراقية (بلاوي، 2012: 88)؛ ولا يخفى أن الخوف والخطر في سياق القصيدة البحرية مستوحٍ من الموروث البحري. فالشعراء منذ العصر الجاهلي عرفوا البحر، و وقفوا وقفات مختلفة عنده، صوروا فيها مظاهره الواسعة المتنوعة، و اشکال اصطناع العرب له في حياتهم، فاستوحوا منه الکثير من الصور في شعرهم. و من أبرز هذه الصور التي شاعت في العصر الجاهلي هي تشبيه الممدوح في کثرة نواله، و وفرة عطائه بالبحر في أشد حالات فيضانه و امتلائه بالماء (عطوان، 1982م: 5). و اتجه بعض الشعراء في العصر الأموي الی وصف ارتحال الظعن من مکان الی مکان بالسفن العظيمة التي کانت تسير في أنهار العراق و مصر. و تمسک الشعراء في العصر العباسي بوصف الرحلة النهرية الی الممدوحين... (السابق: 6).

و قد اقترن البحر - عند من ذکره - بالرعب و الخوف و الغموض و الظلام و الإبهام منذ العصر الجاهلي، يقول امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:

و ليلٍ کموج البحر أرخی سدوله       عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

إذاً فالبحر يرمز للهمّ و الغمّ و الحزن و الرعب و التتابع اللامتناهي کالليل الذي تتوالی طوائفه مضيّقة الخناق علی الشاعر، فقد شبهه بالليل في ظلمته الطاغية التي تحول بين البصر و رؤية الأشياء، فتحول - بالتالي - بين المرء و بين ما حوله فتُثير في نفسه الرعب و الخوف و الهلع لأنّ الإنسان - بطبيعته - يخاف المجهول الغامض، تماماً کما هو حال البحر في اتساعه و في موجه الطاغي الذي يثير في نفس الإنسان المخاوف و يعرّضه للمهالک.

    موتيف "البحر" في الشعر يرمز للخوف و الرهبة، کما يرمز للسفر و الرحلة في طريق الحياة، و ارتياد المجهول. و أحياناً يُتّخَذ رمزاً للمنقذ و المخلّص القوي من آلام الواقع.

    و السماوي أيضاً استخدم "البحر" في منجزه الشعري رمزاً للسفر و الرحلة في طريق الحياة، و ارتياد المجهول، فيقول:  

نمضي معاً - إن شئتِ - نورستي..   

 فالبحر - رغم هدوئهِ - خَطِر  (عيناک لي وطن و منفی: 54)

لقد شحن الشاعر السياق بشحنة شعورية، استطاعت أن تجعل من (البحر)، في النص، ذا دلالة وظيفية تشير الی الخوف و الرهبة.

و طبقاً لهذا الکشف الدلالي، فان النص يبتعد عن الأبعاد المعروفة لهذا الرمز، إذ ان البحر، کما يقول يونغ، «يرمز الی اللاوعي الذي تتحشد فيه آمال الإنسان و أحلامه و رغباته عارية عذراء لم تعرف قناعاً» (عوض، 1978 م: 103).

   و في قصيدة السماوي "بقايا عبير"، وهو نص يتكون من (27) بيتا يستهله الشاعر بالقول :

قالت : " مساء الخير " .. فالخدرُ   

أسرى بقلب هدّه الضجرُ (عيناک لي وطن و منفی: 53)

وهو مفتتح يعلن بصورة واضحة عن الاستعداد المسبق لاستقبال الحضور الأنثوي بصورة ساخنة يشي بها ارتباك الشاعر صاحب القلب الضجر الخدر الذي - أي القلب - قفز متيقظا مرتبكا مع أول سؤال وجهته الأنثى التي حيّته وهو وحيد معتزل منشغل بهمومه :

من أين درب البحر ؟ فارتبكت     

شفتي ، وراقص مقلتي قمرُ (نفس المصدر)

 فتأتي إجابة الشاعر على تساؤل المرأة مناقضة لما تبغيه، فهي تسأل  عن الطريق  إلى البحر، وهو يجيبها بأن يدلّها على بحر مجازي آخر، بحر شعري هو "بحر" أحداقه :

من ها هنا حسناءُ ... من حدقي   

 فدعي بخور العشق ينتشرُ (نفس المصدر)

وهذا البحر في الواقع النفسي الذي يطابق الواقع الشعري بحر فعلي بل لجيّ ، رغم أن قوانا الواعية ترفض هذا التصوير. لكن المنطق الشعري غير المنطق الموضوعي هو يخالفه ويناقضه بل يلغيه.

وحتى عندما يحاول الشاعر إقناع المرأة بأن درب البحر يبدأ من حدقتيه فإنه يسحب الحقيقة الموضوعية (صفات البحر المادية ) إلى مخبر الحقيقة الشعرية / النفسية / اللاشعورية، بمضموناتها التجريدية الفاعلة. فهو يجعل للبحر حدقة وأهدابا وأجفانا لكن يربح توسيعا هائلا لمحتويات جفنيه من خلال إحالة مستترة :

بي من طباع البحر فاتنتي    

طبعٌ .. ومن أمواجه أثرُ

كـــــلٌّ عــــلى أهدابه أرق  

 وتنام تحت جفونه دررُ (نفس المصدر)                             

والشاعر يسخّر كل شيء من أجل "مصالحه" الذاتية حتى لو اضطر إلى لي عنق الحقائق والتلاعب بما هو مقرر من فعاليات ومظاهر الطبيعة منذ فجرها الأزلي . فقد "أنسن" البحر لكي يقنع أنثاه بمصداقية درب الأحداق. و البحر في هذه القصيدة توحي بذات الشاعر و عالمه الداخلي:

كــــــوني شـــراعي في مزاحمتي   

 موجا ... سيعذبُ قربكِ السفرُ

نمضي معا - إن شئتِ - نورستي     

فالبحر - رغم هدوئه - خطرُ (نفس المصدر: 54)

وسيكون من البلادة أن نعتقد أن الشاعر يدعو أنثاه إلى رحلة بحرية فعلية تكون هي فيه الشراع الذي يواجه العواصف، لكنها دعوة لرحلة من نوع آخر، لرحلة تبدأ من دروب الأحداق نحو بحر الداخل حيث الرحلة الملتهبة المشبعة المرجوة بين الرجل والمرأة .

    إن مثل هذه (الرمزية الخاصة)، هي خلاصة رؤية ذاتية للأشياء، و من هذه الرؤية تبتدع الدلالة الرمزية. فـ(البحر) قد يرمز الی احتشاد آمال الشاعر، و الومض الذي يهدي.

   و المتصفح لدواوين الشاعر سيجد مفردات أخری کـ ( الزورق و الشراع و السفينة و الريح و الأمواج و الطوفان...) منتشرة بين قصائده، و هي مفردات تتصل بـموتيف "البحر" و توحي بحياة الصراع مع الشعور بالغربة. فهذه المفردات تتفاعل لتولّد لدينا شعوراً واضحاً بهمّ الشاعر الذي يشعر في داخله بصراعٍ شديد نتيجة الغربة يترجمه لنا في شعره عن طريق تصوير صراع البحّار و سفينته و أشرعتها مع البحر و الرياح..

يخاطب الشاعر نفسه في قصيدة "خلّيک في منفاک":

لا تنشر الأشرعة..

البحرُ بلا موجٍ

و لا ريحَ

سوی الآهات... (البکاء علی کتف الوطن: 55)

فالشاعر يريد الرجوع الی الوطن بعد سقوط الديکتاتور العراقي صدام حسين عام 2003م و لکن - کما جاء في هذه القصيدة - خطابات الدروايش / السياسيين في العراق عن الکرامة و الحرية و العدالة کلّها ترّهات لم تحقّق شيئاً للشعب، فيفضّل البقاء في المنفی و عدم نشر الأشرعة / الرجوع إذ ليس في البحر من موج أو ريح حتی يستطيع الوصول الی أرض الوطن. و في قصيدة أخری من ديوان «هذه خيمتي.. فأين الوطن» يقول الشاعر:

و ما الفائدة ؟

لديّ الشراعُ.. السفينة..

لکنّما البحرُ

لا ماءَ في البحر.. لا ريحَ.. (1997م:  95)

فالشاعر يبحث عن الطريقة التي يرجع فيها الی بلاده فلديه السفينة و الزورق و الشراع و لکن الظروف لا تصالحه فلا يوجد ماء و لا ريح و لا موج  في هذا البحر الذي يريد إرتياده نحو الوطن؛ يقول:

قدّمتُ للبحر استقالة زورقي

فاستنکر الطوفان

و احتجّ الغرق.. (قليلک..لا کثيرهن: 45)

     أراد الشاعر ان يطوي خيمته في الغربة و يعود بزورقه الی الوطن و لکن - کما يتبيّن لنا من هذا المقتبس و الشواهد الأخری التي أوردناها - الظروف الموجودة لا تساعده علی العودة.

   و قد يتّخذ الشاعر أحياناً البحر رمزاً للمنقذ و المُخلّص القوي من آلام الواقع، فيقول:

فقد شکرتُ الله کثيراً

حين جعلني صدفةً

في بحر عشقک.. (مسبحة من خرز الکلمات: 227)

فاتّخذ الشاعر من البحر متنفساً له للخروج من ضيق الحياة حيث الفضاء الرحب و الجو ذي النسائم العليلة و الانفتاح علی البعيد علی امتداد خط الأفق، فکتب عن البحر شعراً وصفياً و انثيالات رومانسية جعلته يلجأ الی مياهه الزرق للهروب من الواقع ليکون له ملاذاً يحتضنه.

   و أعلی نسبة لموتيف "البحر" في شعر السماوي تُوجَد في دواوينه التالية: "البکاء علی کتف الوطن"، و "عيناک لي وطن و منفی"، "هذه خيمتي فأين الوطن"، فمن خلال العيّنة الإحصائية التي قمنا بها، تبيّن لنا ان الشاعر ذکر "البحر": 11 مرّات في الديوان الأوّل، 14 مرّة في الديوان الثاني، 17 مرّة في الديوان الثالث.

   و في هذا السياق وظّف السماوي شخصية السندباد البحري - التي نجدها في الأدب الشعبي لاسيما الف ليلة و ليلة - لکي تکون قناعاً رمزياً يعبّر عن الملّاح المعاصر. فالسندباد والبحر تيمتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما، إن لم نقل إنّ البحر (الماء) هو عنصر التزامن الذي يمكن أن نقرأ هذه الأسطورة على أساسه، لأنه السياق المؤدي إلى تشاكل عناصرها وتكوين بنيتها الموحدة، فالبحر هو المجال الذي كان سندباد يصنع من خلاله مغامراته ويحقق رغباته وأحلامه.

   إن الشعراء العرب قد ركزوا اهتمامهم على السندباد بوصفه رمزاً من رموز المورث الشعبي، ونموذجاً عربياً جسّد الإنسان من خلاله طموحاته ورغباته، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا مع علي عشري زايد (1997م: ص156) إنه من بين الرموز والشخصيات الأكثر استحواذاً على اهتمام الشعراء، فما من ديوان نفتحه من دواوين هؤلاء إلا ويطالعنا وجه السندباد من خلال قصيدة أو أكثر وما من شاعر إلا وقد اعتبر نفسه سندبادا في مرحلة من مراحل تجربته الشعرية.

 

   والسندباد كما تصوره ألف ليلة وليلة هو ذلك البطل الأسطوري المغامر الذي لا يهدأ له بال، لا ينتهي من رحلة حتی يشرع في أخری، لذا فهو يمتاز عن غيره من الأبطال برحلاته الطوية عبر البحار و الجزر، و ارتياده آفاقاً غريبة و عوالم مجهولة.. و علی الرغم من تلک الأخطار و المخاوف المهلکة التي کانت تسد طريقه و تدفع به الی الموت بالغرق أو الاختطاف و الأسر في الجزر النائية، فإنه کان يعود دائماً من رحلاته ظافراً منتصراً محملاً بالأموال و الکنوز العجيبة.

   في الليلة الثامنة والخمسين بعد الخمسمائة من ليالي ألف ليلة وليلة يبدأ السندباد البحري في سرد أولى سفراته، مبتدئاً من حيث النهاية « إني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة، وكم قاسيت في الزمن الأول من التعب والنصب، وقد سافرت سبع سفرات وكل سفرة لها حكاية تحير الفكر، وكل ذلك بالقضاء والقدر وليس من المكتوب مفر ولا مهرب» (ألف ليلة وليلة: 3 /399). ثم يبدأ من جديد في قص حكاياته: «اعلموا يا سادة يا كرام أنه كان لي أب تاجر وكان من أكابر الناس والتجار، وكان عنده مال كثير ونوال جزيل. وقد مات وأنا ولد صغير..» (السابق:نفس الصفحة)، لينتهي منها في الليلة الواحدة بعد الستمائة قائلاً: «... ثم دخلت حارتي وجئت داري وقابلت أهلي وأصحابي وأحبائي، وخزنت جميع ما كان معي من البضائع، وقد حسب أهلي مدة غيابي عنهم في السفرة السابعة فوجدوها سبعاً وعشرين سنة، حتى قطعوا الرجاء مني، فلما جئتهم وأخبرتهم بجميع ما كان من أمري وما جرى لي صاروا كلهم يتعجبون من ذلك الأمر عجباً كبيراً وهنؤوني بالسلامة، ثم إني تبت إلى الله تعالى عن السفر في البر والبحر بعد هذه السفرة السابعة التي هي غاية السفرات وقاطعة الشهوات، وشكرت الله سبحانه وتعالى وحمدته وأثنيت عليه حيث أعادني إلى أهلي وبلادي وأوطاني..» (السابق: 4 /23).

   كان الدافع واضحاً وراء رحلات السندباد: التجارة والمغامرة والفضول، يؤكد ذلك قوله: « فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد وإلى ركوب البحر وعشرة التجارة وسماع الأخبار»  (السابق: 4 /14)؛ بالإضافة إلى الطمع الذي تؤكده الحكاية نفسها في قوله: «وهذا الذي أقاسيه من طمعي»  (السابق: 4 /16)، فالسندباد من حيث هذه الدوافع وغيرها رمز لقلق الإنسان وطموحه اللامتناهي إلى الحرية والانسلاخ من القيود، والرغبة في الكشف عن المجهول والغامض بالمغامرة وركوب الخطر وتخطى الصعاب، وتجاوز المكرور السائد.

   هذه الأشياء كلها استهوت الشاعر العربي المعاصر، فكان توظيفه لهذا الرمز المتعدد الدلالات والقيم، مسلكاً إلى تجاوز الواقع العربي المهزوم، واستشرافاً إلى عوالم أكثر رحابة تمكنه من تحقيق ذاته الفردية والجماعية، لأن دلالة السندباد من الناحية الرمزية ذات بعدين، بعد فردي يجلي من خلاله فرادته الشخصية، وبعد جماعي تتفرع قيمته في حقل التجربة الإنسانية التي تتمثل في رحابة حضورها عبر الزمان والمكان، وهذا ما أدى بالناقد عز الدين إسماعيل إلى تأكيد هذه الثنائية، فهي في نظره «عادية على المستوى الجمعي للإنسان، لأن قصة الإنسانية إجمالاً هي قصة المغامرة في سبيل كشف المجهول، وهي غير عادية على المستوى الفردي، لأننا ألفنا الفرد الذي تتلخص فيه التجربة الإنسانية نادراً» (1972م: 203)، ولهذه الأسباب نجد هذه الأسطورة تفجر لدى المتلقي حقولاً دلالية متعددة وتجليات لا نهائية، وهذا ما جعل الشاعر العربي المعاصر يتماهى بها إبداعياً، متخذاً منها رمزاً لتجسيد رؤيته والتعبير عن جوانب تجربته التي تعد مغامرة مستمرة في سبيل الكشف وارتياد المجهول بحثاً عن كنوز الشعر طوراً، والانبعاث من التخلف والتقليد طوراً آخر.

    أسطورة السندباد من أكثر الأساطير الإنسانية حميمية وقرباً إلى النفس البشرية؛ باعتبارها معروفة عند معظم البشر من القرّاء والمثقفين، وباعتبارها أقرب إلى الحكاية الشعبية، وجموح خيالها العفوي؛« فالحکايات الشعبية ببساطة هي أنماط مجردة و غير معقّدة، و يسيرة التذکّر، و لا تقف في طريق فهمها عقبات اللغة و الثقافة، کما لا يتوقف تدفق الطيور المهاجرة عند إجراءت ضبّاط الجوازات في الموانئ و المطارات. و تتکون من موضوعات دالة / موتيفات ذات تداخل متباين و متمايز، بحيث يمکن حصرها و توظيفها (فراي، 1989م: 75).

   يعد السماوي من الشعراء الذين أسهموا في تأصيل هذا التوظيف برؤية معاصرة تتواشج فيها جملة من العلائق الحكائية التي تنم عن تداخل عدة نصوص بطريقة فنية وسليمة.

   إن اهتمام السماوي بأسطورة السندباد وغيرها من كنوز التراث الشعبي المحلي والعالمي في هذه المرحلة من نتاجه الشعري دليل واضح على تقييمه لهذا التراث وما يحمله من قيم جمالية ومعانٍ  سامية بإمكانها إغناء القصيدة وتفجير طاقات المبدع وعبقريته الفنية.

   والمتتبع لفكرة الرحلة عند هذا الشاعر يلاحظ أنها من أساسيات تكوين تجربته وفلسفته في الحياة، فهي ترتبط حيناً بتجربته الشعرية وحيناً تتجاوزها إلى معنى أشمل هو التجربة الروحية، أو ترتبط بأبعاد وجودية ومصيرية، وهي في كل الأحوال تنم عن نفس تواقة، منجذبة نحو آفاق مجهولة.

   يحيی السماوي من أكثر الشعراء توظيفاً لشخصية السندباد، وذلك لما وجد فيها من قيم ورموز صالحة للتعبير عن شتى أبعاد تجربته الروحية والشعرية وبالخصوص في تلك الفترة الحاسمة من فترات تطوره الفكري، وهي فترة البحث عن الذات عبر مجموعة من المغامرات الوجودية.. و السندباد في شعر السماوي ليس سوی الشاعر ذاته..

    أشکّ أن يکون غيري سندبادٌ

قَهَرَ البحارَ

قبل أن يتوهُ ضائعاً

بين حقول اللوز في ثغرکِ

و الزيتونِ في العيون ( البکاء علی کتف الوطن: 136)

   ولعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا إن مغامرة الشاعر الفنية كانت تحمل طابع مغامرات السندباد، وتتقمص شخصيته، و إن شعره كان رحلة متواصلة من أجل المعرفة والكشف عن ماهية الوجود من جهة، وبحثاً دائماً عن مصادر الانبعاث والتحرر من قبضة التخلف والانحطاط من جهة ثانية..

ضوئية الشامات:

آن لسندبادکِ

نشرُ أشرعةِ الجنونِ ( لماذا تأخرتِ دهراً؟: 37)

و يقول الشاعر ايضاً:

و ها انا بينکما

شراعُ سندبادْ

يبحر بين الموت و الميلادْ  ( قليلک..لا کثيرهن: 19)   

و کثيرا ما رأينا السندباد / يحيی السماوي يغامر في بحر الحبيبة المجهول فيبحر بين الجيد و الأحداق و العيون:

يحدثُ ان تکتبَ لي قانتتي

رسالةً طويلةً

من دون حرفٍ واحدٍ

عن شهريارها الفراتي

و سندبادها المُبحرِ بين الجيدِ و الأحداقْ ( بعيداً عني قريباً منکِ: 87)

   سندباد هذا المقطع الشعري هو ذاك البطل المغامر الذي تحركه الأشواق إلى ركوب البحر/ الحبيبة وتخطي الصعاب. و من خلال رصدنا لهذه الأسطورة في تجربة السماوي لاحظنا ان الشاعر عمد الی توظيف هذه الأسطورة في سياق الکلام عن الحبيبة و مغامراته الغرامية للوصول اليها.

4- النتيجة:

    إتّخد يحيی السماوي من الموتيف أداة جمالية تخدم الموضوع الشعري وتؤدي وظيفة أسلوبية تكشف عن الإلحاح أو التأكيد الذي يسعى إليه، و الموتيف عنده صورة لافتة للنظر، تشكلت في دواوينه ضمن محاور متنوعة وقعت في الكلمة والعبارة  و الصورة و المعاني. وقد ظهرت في شعره بشكل واضح تجعل القاريء والمستمع يعيش الحدث الشعري المكرّر وتنقله إلى أجواء الشاعر النفسية، إذ كان يضفي على بعض هذه التكرارات مشاعره الخاصة فهي بمثابة لوحات إسقاطية يتخذها وسيلة للتخفيف من حدة الصراع الذي كان يعيشه أو حدة الإرهاصات التي واجهها في حياته، إضافة إلى إحساسه المرهف التي جعلته يعيش غربة روحية وفكرية أيضاً.

   و قد وجدنا السماوي في منجزه الشعري يرکّز علی بعض الموتيفات منها: "النهر" و "البحر" و ما يتعلّق بهما کـ "السندباد". فهذه الموتيفات تحمل في ثناياها دلالات نفسية وإنفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعري. فالنهر يوحي بمعاني الحياة، و الإرتواء الحسي و الروحي، و أسباب الخصب و التجدّد. و قد يريد به السماوي "الفرات"، و قد يکون معادلاً لصورة الوطن السليب. فالنهر الذي هو سبب الخصب و الإرتواء و إکسير الحياة و الوجود، قد يحمل في شعره دلالات سلبية تدل علی الجفاف و الموت و الاستلاب. کما استطاع الشاعر أن يجعل من البحر في النص، ذا دلالة وظيفية تشير الی الخوف و الرهبة. و أحياناً يتّخذه الشاعر رمزاً للمنقذ و المخلّص القوي من آلام الواقع. و في هذا السياق استدعی الشاعر اسطورة "السندباد" البحري ليعبّر بها عن الملّاح المعاصر / الشاعر. لأنّ السندباد و البحر تيمتان متلازمتان لا يمکن الفصل بينهما، فالبحر هو المجال الذي کان السندباد يصنع من خلاله مغامراته و يحقق رغباته و أحلامه.

 

الهوامش:

•1-      وُلدِ الشاعر يحيی عباس عبود السماوي بمدينة السماوة بالعراق في السادس عشر من مارس 1949 م، امتلک ناصية الشعر في وقتٍ مبکر. تخّرج في کلية الآداب جامعة المستنصرية عام 1974 م، ثمّ عمل بالتدريس و الصحافة و الإعلام، استهدف بالملاحقة و الحصار من قبل البعثيين في النظام الصدامي حيث اشترک مقاتلاً في الانتفاضة الشعبية ضد نظام صدام حسين عام 1991 م، و إثر فشل الانتفاضة لجأ الشاعر الی السعودية، و أقام هناک نحو ستّ سنوات عمل خلالها رئيساً للقسم السياسی و الثقافي في إذاعة « صوت الشعب العراقی» المعارضة للنظام العراقي، و التی کانت تُبثّ من مدينة جدة، و في هذه السنوات الستّ أعدّ عشرات البرامج السياسية، و نشر أکثر من ثلاثمائة مقال سياسی في الصحافة العربية حول جرائم النظام و منهجه التعسفی، اضافة الی ما نشره من دواوين شعرية (القرنی ، 2008 م : صص 29 و 30). ثم انتقل مهاجراً إلی استراليا؛ و بها يقيم حتی کتابة هذه السطور. أو کما يعرّف نفسه بلغته الشعرية: «أسمی الثلاثي: يحيی عباس عبود ... انتقلت من رحم أمی الی صدرها بتاريخ 16/3/1949 م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة ... أحمل شهادة البکالوريوس في اللغة العربية و آدابها، وظيفتی الحالية، فلاح في بستان الأمانی، أو صيّاد غير ماهر، أنصب شباکی و فخاخی في حقول الحلم، أملاً في اصطياد هُدهُد فرحٍ علی غصن اليقظة في زمنٍ ذَبَحَ الحزن فيه عصافير الأحلام» ((بدوی ، 2010 م: ص 11).

2-"حسين سرمک" ناقد عراقي يقيم حالياً في سوريا؛ و له صداقة حميمة مع الشاعر يحيی السماوي. أصدر نحو ثلاثين كتابا ضخما في النقد الأدبي. هو يحمل شهادة البكالوريوس في الطب العام وقد أكمل دراسته العليا في الطب النفسي. ويُعتبر الان أهم ناقد عربي  في التحليل النفسي للأدب.

 3-"نهر الفرات" ينبع من الأراضي التركية ثم يمر بقسم من الأراضي السورية وبعد ذلك يقطع  أطول مسافاته في الأراضي العراقية حيث يمر بهذه الأراضي من شمالها حتى جنوبها .. ومدينة السماوة مسقط رأس الشاعر تقع علی نهر الفرات حيث يمر النهر من وسطها فيقسمها إلى شطرين. و لهذا النهر تأثيره الكبير في حياة الشاعر فانه قد ولد في بيت طيني قريبا من ضفته؛ كما أمضی قسما كبيرا من طفولته وصباه يستحم فيه ويصنع من طينه دمى طفولته ويلهو في البساتين على ضفتيه و هذا ما صرّح به الشاعر لنا عبر البريد الکتروني بتاريخ 22/09/1391.

 

المصادر و المراجع:

- اسماعيل، عزالدين (1972م): الشعر العربي المعاصر / قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية، ط2، بيروت، دار الثقافة.

- ألف ليلة وليلة، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة.

- حمود، محمد العبد (1996م): الحداثة في الشعر العربي المعاصر/ بيانها و مظاهرها، بيروت، الشرکة العالمية للکتاب.

- بدوي، محمد جاهين (2010م):العشق والاغتراب في شعر يحيی السماوي، دمشق، دار الينابيع، ط 1.

- بلاوي، رسول و آخرون (2012م): «موتيف الإغتراب في شعر يحيی السماوي»، طهران، جامعة تربيت مدرس، مجلة العلوم الإنسانية الدولية، العدد 19 (3)، صص 93 - 77.

- تقوي، محمد، الهام دهقان (1388هـ ش): « موتيف چيست و چگونه شكل مي گيرد»، طهران، مجلة نقد ادبي، جامعة  تربيت مدرس، العدد 8، صص 27 - 7.

سليمان، خالد (1987م): في الشعر العربي الحر، إربد، منشورات جامعة اليرموک.

- السماوي، يحيی (1415هـ): عيناک لي وطن و منفی، ط1، جدة، منشورات دار الظاهري.

------------- (1997م): هذه خيمتي.. فأين الوطن؟ ط1، ملبورن، استراليا، مطبوعات.

------------ (2006م): قليلک.. لا کثيرهنّ، جدة، منتدى الإثنينية.

------------- (2008م): البکاء علی کتف الوطن، دمشق، التکوين.

------------- (2008م): مسبحة من خرز الکلمات، ط1، دمشق، دار التکوين.

----------- (2010م): بعيدا عني .. قريبا منک، ط1، دمشق، دار الينابيع.

------------ (2010م): لماذا تأخرت دهراً، دمشق، دار الينابيع.

- الشامي، حسن (2007م): «مفاهيم أساسية في دراسة الموروث الشعبي الشفهي»، الرياض، مجلة الخطاب الثقافي- دراسات، جامعة الملك سعود، العدد الثاني،صص59-6.

شبلنر، برند (1991م): علم اللغة و الدراسات الأدبية / دراسة الأسلوب ، البلاغة ، علم اللغة النصي، ترجمه محمود جاب الرب، ط1، القاهرة، الدار الفنية.

- طه، المتوكل (2004م): حدائق ابراهيم، ط1، بيروت، الموسسة العربية للدراسات و النشر.

عباس زاده، حميد و آخرون (2012م): «جماليّة الإنزياح البياني في المفارقة القرآنيّة»، طهران، جامعة تربيت مدرس، مجلة العلوم الإنسانية الدولية، العدد 19 (3)، صص 148 - 133.

- عشري زايد، علي (1997م): استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، القاهرة، دار الفکر العربي.

- عطوان، حسين (1982م): وصف البحر و النهر في الشعر العربي من العصر الجاهلي حتی العصر العباسي الثاني، ط2، بيروت، دار الجيل.

- عوض، ريتا (1978م): أسطورة الموت و الإنبعاث في الشعر العربي الحديث، بيروت، المؤوسسة العربية للطباعة و النشر.

- فراي، نورثروب (1989م): في النقد والأدب - الأدب والأسطورة، ترجمة د. عبد الحميد إبراهيم شيحة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

- القرنی، فاطمة (2008):الشعر العراقی في المنفی (السماوی نموذجاً)،ط1، الرياض، موسسة اليمامة الصحيفة.

- المسدی، عبدالسلام (1977م): الأسلوبية و الأسلوب، نحو بديل ألسني في نقد الأدب، تونس، الدار العربية للکتاب.

 

River and  sea motifs in Yahia Alsamawy 's poem

 

Abstract:

Motif (which call endoplasm in Persian language) as it's an important element in criticism and the analysis of literary text, be attended to it in Europian criticism. Motif is a French word originally. And it means the main thought or subject or the repeated word or factor and motivation in literature. Motives in poem have close and fundamental relations with soul and thoughts and the emotions of poet.

The river and the sea is the most prominent motifs in Yahia Alsamawy 's poem. The river is a representative of life and fertilization and home country and it pertained to gaining and missing that home country. And, sea is a representative of fear and ambiguity and journeying through life and reaching ambiguity.

In this research according to analytic - descriptive method, we try to discuss and analysis the motif phenomenon in Yahia Alsamawy 's poem. And to answer all these questions: What are the important motives which the poet used in his poem? Why the poet persists on to repeat these motives? What kinds of effects have these motives on meanings? What is the range of river and see use in Alsamawy 's poetry based on the frequent motifs? And what are the symbols implying these motifs?

Keyword: Iraqi poetry, Motife , Yahia Al-Samawy , See, River, Symbol.

رسول بلاوي


التعليقات

الاسم: د.عصام حسون
التاريخ: 2013-06-20 14:03:37
دراسه قيمه لشاعر كبير ومبدع مثل يحيى السماوي, مبروك للسماوي هذا الوسام الرفيع ومبروك لبلاوي هذا الاشتغال المميز بحق شاعرنا المتألق السماوي!

الاسم: رفيف الفارس
التاريخ: 2013-06-20 07:24:07
كانت رحلة شيقة متنوعة عبر انجازات قيمة لشاعر وضع بصمة مهمة على اللوحة الادبية. رحلة اغنت ذكرياتنا بالفرات والبساتين والوجه الطافح بشرا للحبيبة المرسومة بين الكلمات والوطن النائم في ذكريات الحنين.
رحلة امتزج فيها العرض الفني المتقن بأدواته العلمية المنطقية بالعاطفة التي بدونها لايمكن لاي عمل ادبي ان يصل الى ذهن المتلقي وروحه .
الاستاذ الباحث المميز رسول بلاوي
دام ابداعك وبحثك في كل ما من شأنه ان يغني الحضارة والادب.
اجدت اختيار علما من اعلام الشعر في يومنا هذا فبورك الاختيار
كل الشكر لاستاذي الغالي ووالدي الحبيب الشاعر الكبير يحيى السماوي روعة عطائه

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 2013-06-20 03:34:53

أخي وصديقي الحميم الأديب القدير الدكتور رسول بلاوي : أحييك بالمحبة كلها والإشتياق كله ..

أعليتَ من قدْري ورفعتَ من شأني ، أعلى الله من قدرك ورفع شأنك في الدارين وأضاء صباحاتك بشموس التوفيق ، ومساءاتك بأقمار المسرة أيها الأخ والصديق الموشوم بنبض المحبة والإخاء الجليل في قلبي ..

قرأت دراستك الفذة هذه ، وحدقتُ في مراياها ، فرأيت من خلالها الكثير مما كنت أجهله من ملامح تجربتي الشعرية المتواضعة ، وما خفي عليّ من ملامح روحي وأنا أغذ السير في درب الشعر الشائك والطويل على أمل الوصول إلى مدينة الإنسان القصيدة لأحقق حلمي ومطمحي بكتابة القصيدة الإنسان ـ آملا أن تلتمس لي عذرا لتقصيري في تأخر قراءتي ، وعذري أن موعدا محددا من أسابيع لحقن العصب البصري حال دون تجوالي في رحاب الشبكة العنكبوتية أياما تربو على عديد ضفائر طفلتي ..

ثمة سؤال ياسيدي : لقد اتصلت بك أكثر من مرة ولكن لم أنجح باصطياد هدهد صوتك البشير ، عسى أن أنجح اليوم ، فإن بمسمعي عطشا لارتشاف قارورة من رحيق صوتك ولمعرفة المزيد من أخبارك ...

شرف لبصري أن يهتدي بقنديل بصيرتك أيها العزيز العزيز العزيز .

أرجو أن يكون كتاباي قد لثما يديك ..

أسابيع قليلة ويصلك بإذن الله رغيفي الورقي الجديد " أطفئيني بنارك " والذي أظنه سيخرج من تنور " ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع " قريبا ..

دمت أديبا قديرا وسادنا نبيلا في محراب الضاد .

الاسم: صالح الرزوق
التاريخ: 2013-06-19 17:27:09
السندباد في هذه القصائد له نفس مضمون الصياد في روايات حنا مينة. انه صورة فحولية لمذكر يريد أن يتباهى امام الأنثى و ان يبرز لها عضلاته و متاهاته الروحية و ضعفه امام فتنتها.
انه غير سندباد صلاح عبدالصبور القلق و الضائع في تيه وجودي يعاني من جراح سياسية و نفسية.
بمعنى ان السندباد ليس هو الربان و لا الزورق و لكنه البحر نفسه المضطرب الهائج الذي يبحث عن مستقر. و هذا رمز أيروسي واضح.
بالنسبة للدراسة ككل انها متعمقة و متقنة و مستوفية لشروط البحث الأصيل.




5000