هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحلمُ العظيم

محمد الأحمد

بعد ان غادرني الى بيته صديقي "سالم قنديله"، والذي اسميه المجنون بحلم الرواية. سألت نفسي ماذا يمكنني فعله في نهار ثقيل الهواء، يركد في قاع الصدر، ويمنع عنه الأوكسجين النقي؛ غير الاستغراق بالقراءة والاستمتاع بكتاب عساه أن يكون جيداً، فالقراءة تجعل مني اعيش حياتي الافتراضية بالحلم الذي يفرضه الكتاب، ومتهرباً بالتخيّلِ من حياتي الواقعية..

اذ تركني منفعلاً، شبه محبطاً لأني لم احسن له اختيار كتاب يقرأه، عله ينفعه في وحدته، ويبدد به وحشة البيت الفارغ من الأهل والاحبة كما يقول: فكلما وقعت بين يدي نسخة من رواية ما، يتحرك عنها السؤال بحيوية، ان كانت مغامرتها ناجحة، او فاشلة، وما هي المقومات التي تتوفر في الرواية، لتجعلني استطيع الحكم على اساسها بانها رواية ناجحة، او فاشلة. سرعان ما اعطيها من وقتي، واهتمامي، وأختار لها عزلة قصية عن هذا العالم، وكأني الطائر الذي حان موسم هجرته، ليلتقي في مكانه الجديد ما يفتقده، وساعة تلك اكون متخلياً عن فنجان قهوة ينتشلني من خمول هذا العالم المليء بالاسى، ومن ركود الغمّ الذي يقطع عن مروحتي تيار الكهرباء، فتشح حركة الهواء، ويصير الفضاء خانقاً الى درجة التذمر. رحتُ اجلس هادئاً واشرع في تتبع الحروف، مثل كل مرة، ومتحدياً لهذه الازمنة الرخوة، والتي تستنفد مني أغلى خلايا جسدي الذي وصل الى خمسنياته بكآبة القراءة، والبحث عن متعة سرية علها تحققها لي حرية الرواية. اتلهف لقراءتها، متناسياً متطلبات مهمة حولي، تعودت تأجيلها الى ما بعد استقرار حوضنا المتوسط، وخيباته السياسية التي حطت على رؤوسنا واكتسحتنا بهزائم متواصلة. اشرع مبحراً تحضرني الاسئلة الحقة عن الرواية الحقة. ولن تشفع لها انها قد صدرت عن دار نشر مرموقة، أو كتب فيها، او حولها عشرات الدراسات التفاعلية. أو نالت عشرات الجوائز، فالمقياس الاول لنجاح اية رواية هو التشويق. سرعان ما اشعر بان الكاتب قد فترت همته، وراح يعبأ بما هو محدود من خياله الضيق، خاصة ان كانت اصداراً جديداً، لأحد كتابنا المحليين، فمن الصعب عليه ان يبقيني معه، مالم يتواصل ويأخذني بهمّة عالية الى متن عمله، ويعطني جديده الذي يستحق مني الوقت، من بعد أن وقع أغلب الروائيون العراقيون من جيل الرواد في تجارب روائية فاشلة "برغم تلفيقات بعض المحاولات النقدية التي تعاطفت مع الاسماء دون تَبَحُرْ في الاعمال بموضوعية". اذ تهيّج بي المواجع ويشخص امامي السرّ العظيم مجابهاً ماذا أعرف أنا القارئ والكاتب عن سمات وخصائص الرواية الحقّة؟ وما هي خصائص انساق الروايات العظيمة، تلك التي تجعلني لا أنساها، وتبقى عالقة في الذهن، واغلب تلك الروايات الناجحة أرغب في معاودة قراءتها بغية الاستزادة والتعلم منها. فمن الجائز ان تختلف اذواق المآكل والملبس، ولكن لن يختلف معي في صفات الرواية الفنية الجيدة. حيثُ يبقى الحلم الروائي العظيم يُطارد مريديه، ابداً، وعلى حدّ سواء في الانجاز الكتابي الشخصي، او البحثي على كافة المستويات من القراء او الكتاب، فالكاتب يحلم بتحقيقه، والقارئ يحلم بمتعته، ولكن حلم القراءة والاستمتاع يبقى عصيا عن التحقيق، كون نظريات الادب متفاوتة الشروط، وتبقى السِمة الاولى هي عدم مقدرة الروائي في سرده على تقديم مادة مقنعة، حقيقة، تحقق تعاطفاً جوهرياً لدى عموم القراء. يقول الناقد "سعيد يقطين": - "تتطور نظريات السرد باستمرار، وغدا شبه مستحيل أن يواكب المرء هذه الاجتهادات المتعددة والمتراكمة"..

حيث يبقى السؤال يحفر بعمق، ويتحول الى هاجس مريب، لكوني أفتش عن الاستمتاع في كل رواية انتخبتها من بين مجموعة الكتب التي اشتريتها من مالي الخاص. بحثاً عن الاضافة المرجوة، واغلبها كانت تحمل عناويناً مثيرة، كي أشرع في قراءتها. غالباً ما تخيب ظني الرواية عندما لا أجد فيها ضالتي، وتجعلني نادماً عن ما بددته من مال في شراء نسخة منها. حيث تفشل الرواية بغياب مدارات الأثارة، فالرواية "موقف انساني حقيقي يكشف عن وجهة نظر"، وكل كتابة تساير الرقيب، تتملق السلطة، كتابة منهزمة تبغي تسطيح العقل، تثيرني الكتابة التي ترفض، و لا تنقصها الإحالة الرمزية، والرمز كما يفسره "إيريك فروم":‏ "شيء يمثل شيئاً آخر".. فالرواية  الحقّة "تصر على أن أسطرة الوقائع وليس إقصاء الواقعي والعقلاني، فالرواية تراهن على تعقيل الواقعي، ما دام زمنها مفتوحاً وليس مغلقاً، وما دامت أسئلتها قائمة غير منتهية، وما دام عالمها متعدداً وليس واحداً".

قد انتبه اني بحاجة الى تفريغ مثانتي وتبديد الالم، من بعد مواصلة القراءة، واحيانا اناوبها في تحضير كوب شاي لنفسي، متنفسا بعمق لأعاود المواصلة.. (الحال متفرد مع رواية "الفلانية" للأستاذ "فلان الفلاني"، من بعد ان صارت بين يدي وصرت اقرأها، فما عدت اتوقع بانه سوف يقدم لي حتى نهايتها شيئاً جديدا عليه، كما خبرته من اعماله السابقة، وتمنيت ان افعل معها مثلما فعلت مع بعض الروايات الفاشلة التي رميت بها من شباك غرفتي المطلة على حاوية جمع النفايات، ولكني تريثت قليلا، ولابقي اتابع نتيجة بطله المحوري الذي سماه كاتب القصص والروايات)..

كأنها لم تزد عن كونها قدمت موضوعة اجترار سيرة ذاتية خالية اثارة تنفرد بمضمونها الانساني لتدهشني كقارئ، مليئة بالأحلام التي اغلبها انعكاس عن مكبوتات جنسية "تخص مؤلفها". حيث لم يستطع سردها بطريقة مبررة، بدت مقحمة وعجز ان يميزها عن ما كتبه في السابق. ولم يعبر تجاربه الكتابية، حيث ما زال بذهن محدود، معاود تسمية جديدة دون ان يحملها مضمون جديد، فتكرر فشلها عندما خليت من "الحلم العظيم".. كما يذكر "أمبرتو إيكو": يمكنني القول إن ثمة وفرةً من الروايات المكرسةِ للحبّ، وحان الوقتُ لشرحِ الكراهية، التي هي شعورٌ منتشرٌ أكثر من الحب (وإلا ما كان هناكَ حروبٌ أو جرائم أو سلوكٌ عنصري)..

اصبحتُ اتململ قليلاً، واغير في جلستي قليلاً، وانتبه الى الاصوات الاتية من الخارج، واعود الى الاسطر الممتدة امامي، محاولاً التركيز والتواصل معها رغماً عن كل شيء.. معاوداً التفكير في طبيعة ذائقة صديقي "سالم قنديلة"، فكل مرة يزورني ليبادلني بعض ما يحمل معه من كتب، قد تعود ان يستعيرها من اغلب اصدقائه، فقد انتخبهم من المثقفين عشاق المكتبات.  كانوا في الغالب يثقون بذائقته، فينتقون له كتباً يرغبون مشاركتهم الرأي. كان متوقد الذاكرة، وقد حمل في ذهنه ارشيفاً يحوي اهم الكتب الصادرة خلال اكثر من ثلاثين عاماً.. يجيد المقارنة بين الأعمال الروائية، الفاشلة، والناجحة على حدّ سواء، يذكر احياناً احداثاً دقيقة التفصيل بينه وبين الاخرين، وبقي عفياً كماء ينزل من كوز. تعودت عليه ان يزورني، وما ان يدخل غرفة الكتب حتى يجلس القرفصاء، رافضاً الجلوس مثلما يرغب مضيفيه. كأنما يبحر في مركب منتظر الوصول. اراه يجلس للقراءة ساعات طويلة، بلا ملل، واحيانا لا يتكلم مع مضيفه، الى درجة غيابه، وكانه كائن منتظم الانفاس، لا يسمع منه سوى حفيف تقليب الصفحات، ولا يريد ان يرفع عينه عن السطور، ولم يشك لي يوماً من آلام الرقبة حيث يبقى ساعات متواصلة، يغترف من كتاب مفتوح، وكانه وجد فيه ما يتمنى، مستمعاً بدون انقطاع..

اتعجب منه احياناً كلما اساله ان كان راغبا في قدح ماء او شاي او فنجان قهوة، يرفض، وان وضعت شيء قربه، يهمله نهائياً، وكأني لم أضع له شيئاً.

جاءت بعض الاعمال لأسماء معروفة لنا، وكتب عنهم مجموعة من النقاد، ولكننا لم نجد الاشياء الموضوعية التي وجدها النقاد مثلما لا نجد فيها مثلما وجدوا. "النقد الروائي يستند في دراسته على الاسماء المعروفة، ولولا تلك لما وجد ضالته". حيث وقعنا كقراء في فخّ النقد الذي لا يبحر الا في نتاج تلك الاسماء.. بالرغم من انها تبتعد عن خبايا المجتمع الاجتماعية والسياسية خصوصاً "اليوم" والرمزية، والتباين والصراع والتبعية العمياء، وبالتالي خنق الحريات... كأنما يعاني النقاد ايضاً من سطوة الرقيب، الوهم، فحضوره شاخص كالجبل على اكتاف بعضهم. اعبّ الى جوفي قدح ماء، من بعد الحاجة الى اطفاء شبه سعير في جوفي، فالماء غير البارد، لا يمكنه الارواء.

رحت اكمل؛ بعض الكتاب وقع ضحية اعجابه في الواقعية السحرية لرواية "امريكا اللاتينية"، ولم يفلت من سطوتها " تقليدا واستنساخاً" حيث اكد بانه لم يرتق الى غايته المرجوة من بعد ان انفضّ منه قراءه الذين اطلعوا على اغلب النماذج من الروايات الاجنبية للأمم الاخرى.. فـ"العمل الفني نتيجة فريدة لمزاج فريد" كما يقول "اوسكار وايلد"، فيبقى هم اسمه القاعدة الفنية، وهي من مقاييس الجمال الفني، وهذه تكاد تكون ثابته وتزحزح القناعات في المادة المقدمة عبر كتابة الرواية فكلما تخلخلت تلك الثوابت وخاصة التي لا تترك انطباعا جيدا بان الكاتب الروائي استطاع فيه ان يقنعنا ويثبت لنا قناعات جديدة على مستوى المضمون.. حيث تحضرني صورة بديعة كتبها "شتاينبك" عن امرأة يموت عنها رضيعها، ويدنو منها رجلا ً كهلاً ليشرب حليب صدرها متحدياً موته من الجوع... كبيرة، غير اعتيادية في نظر القارئ، ولا يمكنه ان يعيبه القارئ عليها، لأنها ليست من المألوف اليومي المباشر، والسطحي. ثمة موضوعات، تثبت في ذهن القارئ، كونها تضيف اليه، فلا يمتعض منها. تذكرت لحظتها قولاً مهماً لـلروائي "ميلان كونديرا":‏ (الواقع أن كافة الثيمات الوجودية الكبرى التي يحللها "هيدغر" في كتابه "الكينونة والزمان" معتبراً أن الفلسفة الأوربية السابقة كلها قد أهملتها، إنما تم الكشف عنها، بيانها، وإضاءتها، بواسطة "أربعة قرون من إعادة التجسيد الأوربي للرواية"... لقد اكتشفت الرواية، واحدة بعد أخرى، بطريقتها الخاصة، وبمنطقها الخاص، مختلف جوانب الوجود: تساءلت مع معاصري "سرفانتس" عما هي المغامرة، وبدأت مع "ريتشارد" في فحص "ما يدور في الداخل"، وفي الكشف عن الحياة السرية للمشاعر، واكتشفت مع "بلزاك" تجذر الإنسان في التاريخ، واكتشفت مع "فلوبير" أرض الحياة اليومية، وعكفت مع "تولستوي" على تدخل اللاعقلاني في القرارات وفي السلوك البشري: إنها تستقصي الزمن: اللحظة الماضية التي لا يمكن القبض عليها مع "مارسيل بروست"، واللحظة الحاضرة التي لا يمكن القبض عليها مع "جيمس جويس"، وتستجوب مع "توماس مان" دور الأساطير التي تهدي، والآتية من أعماق الزمن... حيث كل الظروف التاريخية اعالجها باقتصاد شديد[1])..

فالرواية ليست معنية بإعادة كتابة السيرة الذاتية، وفق ما حدثت، وتوظيفها في جملة اعمال، فالكاتب الذي يعيد انتاج سيرته الذاتية بطريقة غير مبهرة يدخل في متاهة وهم الرواية. فالرواية ليست غايتها تقديم كلام ساذج وتسويد اسطر باهتة لأجل ان يكتب على غلافها رواية، تكون رواية وهمية.

ان وهم الرواية يكشف لنا كاتبها الذي لم يقرأ بحياته رواية واحدة بصورة صحيحة، ولم يستفد من اية رواية حقة كتبها المئات من العظماء الرواية، ولم تصل الى يديه رواية واحدة يتعلم منها بصورة جيدة. (غالبا ما يستقي الأدب مادّته من التاريخ، بوصفه منهلا من المناهل الهامة الزاخرة بالشخصيات والوقائع والصراعات، خصوصا في الحقب التي شهدت هزات وتحولات عميقة، ولكنه لا يغترف تلك المادة بعلاتها، بل يعيد تشكيلها وفق رؤية مخصوصة[2])، فالذاكرة قد تكون المحكيات الشفوية عن الوقائع التاريخية، أو الوثائق الراصدة لدقائق وتفاصيل اجتماعية تاريخية، أو كتب المؤرخين...‏

قبل ذلك اسأل ما الرواية إن لم تكن فيها شخصيات استطاع كاتب الرواية ان يكسيها لحماً ودماً، حتى وان كانت من الخيال، فمشروعيتها في حضورها المقنع على صفحات الكتابة، تلك الشخصيات يستقدمها الكاتب المجيد من ذهنه، وغالباً ما يلبسها اثوابا غير أثوابه، ويؤكلها اكلا غير اكله. يرسمها بصورة غير صورته، يستقدمها عند حاجته ملحة، وتكون حاضرة في روايته، ولا يمكن عبورها.

لا اعلم كيف احتجت الى صديقي "سالم قنديلة" في تلك الساعة.. من بعد ان تعودت ان اسمعه اسئلتي المفترض ان اوجهها الى مؤلف الرواية. تمنيته ان يكون جالسا معي في الغرفة ولم يغادرني، اردت ان اقرا على مسامعه مقطعا من الرواية الرديئة التي اوشكت ان افارقها دون ندم، حيث ابقيت النسخة مفتوحة بين يدي، متفكراً في كاتبها المشهور بين اقرانه، الذي ربما تجاوز الستين من عمره، متمنياً ان اساله: خصوصاً عن ما كتبه في الصفحة 163 (بيسي كولا، لا يوجد لدي بيبسي كولا.. سفن آب افضل بل ولذيذ مع الفلافل.. اذن هات لنا ثلاث زجاجات من سفن آب باردة).. "لم بقيت تكتب بلغة الستينيات من القرن الماضي، وتنسى بانك في عام 2009 سنة صدور الرواية.. كأنما نفس اللغة، ونفس التوجه، ولم تتطور اغلب تطلعاتك.. مازال يشغلك الجنس وكأنك لا تعرف كتابة دونها.. هل كنت من اصحاب أهل الكهف"؟.. "ما الذي دعاك الى البقاء في نفس الاجواء، ونفس الأمكنة"؟.. "هل كتابتك قديمة الى هذا الحدّ وبقيت حجيز ذلك الزمان والمكان"؟.

الامكنة كلها كلما تضيق تسمى مكاناً واحدا، اسمه مكان وحيد عاش فيه الروائي ولم يرسمه بطريقة مقنعة. الرواية المقنعة لن تكون بسرد هذيانات واحلام مشوهة، واعادة كتابة جمل قد استقرت في ذهن الكاتب ليعيد انتاجها بصورة ايضا غير مقنعة. فالكاتب الذي يتجنب الوقوع في مغامرة روائية فاشلة عليه ان يعي تصاعد الأحداث، وتصارع الشخصيات ضمن محدد زمني، ومحدد مكاني، وان لا يعتمد على بطل واحد لتدور الأحداث حوله. والراوي عليه ان يكشف جديده بدقة عن مواقف اجتماعية، وغرامية، وفكرية، وسياسية، وغيرها، فالرواية متسعة الزمان والمكان، برغم تعدد الأحداث، والشخصيات.

من المفترض ان تكون على علاقة واضحة في المكان المفترض. والمكان المفترض يجب ان يكون له عمق حقيقي وامتداد ليكون ساحة عرض تتحرك عليها الشخصيات. الرواية التي تَتَشَبح فيها الشخصيات، واغلبها تكون صاحبة وجه واحد قريب الشبه من الكاتب، وكانه تشارك في سيرة واحدة همها اعادة تاريخ الكاتب بطريقة تعويضية عما فات..

تنفست بعمق واردت القول: - "جنس الرواية كائن حي يتفاعل مع قارئه ولن يموت بسهولة".. فكلما تحددت ملامح الشخصيات ورسمت بدقة، بمثابة هويتها الروائية الحية الواضحة، بحكم التخيل، الذي "يحيل الذاكرة من التعبير عن الماضي إلى الحاضر".. لأن الأساس ليس كتابة التاريخ، وإنما كتابة رواية تحوي وقائع التاريخ.‏ الا الرواية التي تبعث على الملل تلك التي تكتب فصولها وكأنها ليست فصول رواية متواصلة، بل قصصا قصيرة، لم تمت صلة ببعضها الا في عمق ذهن مؤلفها وحده، فهو الوحيد القادر على تسمية تلك العلاقة، فالتاريخ الذي شهدناه كمدونين يجب ان يكتب متواصلاً، ولا يمكن اعتباره تاريخا كتبه شاهده، ما لم يكتبه متواصلاً ممتداً، كما يقول "ماركس"، ومقنعا كانه كيان واحد يشغل حيزاً في الفضاء المطلق.. "قول التاريخي؛ إن تقوله روائياً وليس تاريخياً، وبين الروائي والتاريخي مسافة تحددها جمالية الكتابة الروائية، بحكم كونها كتابة إيحاء لا كتابة تقرير فاشل"... 

وجدتني اترك نسخة الرواية التي بين يدي، جانباً، ومواصلا غفوتي، متمنياً ان اكمل حلمي العظيم، "وأنا اسأل نفسي كيف تسنى للمؤلف ان يحظى ذات يوم ان يكون خبيراً في شان الرواية، وكم بدد من روايات قد عرضت عليه فقمعتها خبرته". تمنيت ان أنال من اسم بطل روايته "كاتب الروايات والقصص" اذ لا يقيم فرقاً بين الرواية والقصة بدليل نتاجه.

اكتشفتُ باني قد غفوت الى اكثر من ساعة، بينما انا  جالس على الاريكة، وقد انتبهت ان "سالم قنديلة" لم يغادرني الى بيته، كما كنت اعتقد متوهماً. بل بقي منكبّا على كتابه طول فترة غفوتي الطويلة..

-         "تبقى ايها المجنون بحلم الرواية تبحث عن رواية مثالية، ولن تجد"!!.

همهم بكلمات متسارعة، قائلاً: (اذا فقدت قيمة ما محتواها الثابت، ما الذي يتبقى منها؟ مجرد شكل فارغ، أمر غير مهم[3])، كنت أدرك في قرارتي بانه يرمي الى ان هناك كتابة جيدة، وكتابة رديئة، والعالم دونهما لن يتوازن.. ثم عدل من وضع نظارته الطبية وهو يكمل:- (اتفق معك بأن "الرواية العظيمة هي التي فيها قصة حبّ عظيمة" الرواية العظيمة لن يكتبها الا من عشقها وعاش معها قصة حبّ عظيمة).

Saturday, May 18, 2013



 

[1]  فن الرواية ترجمة أمل منصور- صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.1999م.

[2]  مقدمة مقال كتبه ابو بكر العيادي من تونس حول الرواية والتاريخ.

[3]  ميلان كونديرا - فن الرواية ترجمة أمل منصور- صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.1999م.

محمد الأحمد


التعليقات

الاسم: علاء دار
التاريخ: 2013-06-26 05:35:23
جميلة هذه الطريقة التي تجمع فيها النقدي متداخلا مع السردي، ولكني مصادفة اكتشفت بانها تتناول رواية "احمد خلف" . كان من المفترض ان تنوه اليها دون ان تخسر هذه الكتابة الجميلة من جراتها. محبة..!!

الاسم: حميد الزاملي
التاريخ: 2013-06-03 13:19:41
رائع ماخطته اناملك استاذ محمد....بوركت وانت تبحر في عوالم الكتب والروائية منها....انامعك في البحث عن كل ماهو جديد ومكتمل فنيا.... والقراءة استمتاع قبل ان تكون استفادة...لذا فهي لاتكتمل ان كانت في غير محلها............تقديري واعجابي لك استاذ محمد الاحمد...مبدعا وقارئا من النوع الثقيل




5000