..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مواويل بغدادية / الموال الاول - للهدوء أحكامه

جواد المنتفجي

الزمن : الساعة الثالثة عصرا
المكان: بغداد - شارع المتنبي 

- ها أنا عدت توا من حنانيك ،
فأزح أشواقك عني 
كي أعود منك واليك....
هذا ما ظل يتناغم به عندما فوجئ بلهيب النار وهي تأكل كل الأشياء التي تناثرت من حولـه ، وثمة سحب من الدخان الكثيف كانت تتصاعد لتحاصر الأمكنة والزوايا حاجبة الرؤى عن عروسه التي كانت شله هيأتها قبل تلك الحادثة بشهرزاد ، شهرزاد التي كانت تنتظره بفارغ الصبر بعد أن طال فيما بينهما ابد البعاد ، ولكنه وعلى الرغم من ما كل ما آلم به باغتها في ذلك اليوم الحزين ، طارقا أبوابها مناغيا بكلماته .. ناسيا ما أحدثته تلك المفخخة اللئيمة من صخب ودوي اللذين عبثا بمرتع الشارع حيثما كان يلتقي فيه أحبته هناك.. وهناك أيضا وعلى الجانب الأيسر من دجلتها ، وحيثما كانت العصافير تهوى صريعة من جوى الجذوة المشتعلة التي داهمت أعشاشها المبنية بين مهاوي شناشيلها الأزلية .. هبت من أنفاسه ريح باردة وكأنها تطفئ حرارة كل الأشياء ، وبينما كان هو الآخر يحاول إزاحة عن انفه ما خلفه زكم الدخان الذي انثال من حرق ما تبقى من أكداس الكتب والدفاتر والصور ، أذعن لحظة حينما جلب انتباهه سحر المراكب الغادية والرائحة التي بدأت ترسوا للتو هناك على عجل بمجرد سماعها بالخبر ، فتأخذه لهفة عميقة لتتبع جمال مسرى النهر الذي كان يشقها إلى نصفين ، فيكونان منهما شفتين انبثقتا وكأنهما كرزتي عنب انهلت منهما كلمات وفيرة على شكل قطرات من عصير الزبيب .. كلمات كانت كسيح خرير مائها العذب بدأت تنز على شكل حروف منمقة ما فتئت إلا أن تنهمر بوقعها كنقر حبيبات المرجان على نفائس شقائق النعمان...
وفي اللحظات.. اللحظات التي تيقنت فيها بأن نهم نظراته الواجدة..الجارفة .. الحارقة صارت توخز محاسن ضفافها المبهورة والمطعمة بفيروزات التي امتدت بلا هوادة على طول ضفافها، كانت بين لحظة وأخرى تفززه من وهدته بهمساتها الناعسة الخجولة ، متأملة منه بان يكف النظر وبهذه الطريقة المسحورة ، ولكن كان كل هذا يبدو لها بأنه صار أشبه بالمحال ، فهو لطالما وصف لها عشقه في كم دفاتر أشعاره ، وكأنه قد اغرم في تيهها المفتون منذ الطفولة والى الأبد ، وبين الوهلة والوهلة كان يجد نفسه مذعنا ، بل ومنصتا وبلا إرادة أليها ، وهذا ما أعلنته ساعة ( القشلة) بدقاتها ليطل من طلعة وجنتيها أمل مغموسا بودها المرهون ، والذي كتب مسبقا على لافتات علقت على مداخل شارع السراي.. الشارع الذي غدت بواباته مشرعة للوافدين منذ أن فك( هولاكو ) حصاره عنه ليشعر بالراحة والأمان بعد أن حل أخيرا ضيفا عزيزا عليه ليجلس معها حول موائدها المعمورة ، تلك الموائد التي احاطتها كراسي من الخيزران سفت ضفائرها من قصب وبردي الجنوب ، والتي كان يشاع ريعها على أضواء النيون ، وقد آن الوقت ألان ليرتوي وبحنان من خزائن ذلك الطيب ، لذا وبكل إصرار وعزم أعلن بدئه لمراسيم تتويج عشقه المفتون لها في حضرت مقهى السيد ( الشابندر )...
وتمر تلك الدقائق سريعة .. حيث تنتعش في ذاكرته ومن جديد أدق تفاصيل حياته ، مستردا أيامه الماضية ، أيامه التي توترت لسالف من الأعوام ، فيعود دمه الحار أليه ، يعود وكأنه يسري بين أوعية شرايينه.. كما أمست تتناغم دفقت جريانه بحثيث مع كل ضربة من ضربات قلبه المتئدة.. إذا ذاك ، ولما يحس بان النبض عاد للتو ليدب فيه ، وبان هالات غمم البعد السوداء قد انزاحت من محيط عينين محبوبته ، تلوح لـه ومن خلل ثلة الصور المرسومة في مآقيها انتصارات عشقه اللامعة .. انتصارات تصير أشبه بومضة خاطفة مع أول رمية من الصيادين لشباكهم في أنصاف عيون دجلتها، فتتهيأ لـه أشكال طيفية ، فكأنه سباح ظهر للتو من غمرة أعماق نهرها النافل الآفل.. سباحا ابتسمت لـه زنابق الدنيا المشتولة بوريده ، وفجأة ومن فرط فرحه أصابه نوع من الإغماء ، فيقرر العودة بأدراجه ، أي العودة إلى غفوته من جديد بعدما أحس بهلامية شعاع ما بدأت تزفره أنفاسه على طول تعرجات إطلالات عنقها المعتصم بعقد من ياقوت ، وكأنه تشبث مجبولا بلؤلؤة من قيعان وأجراف ضفاف دجلتها ...
وبدون أن يدري، وبلا شعور منه أيضا.. يدنوا منها اكثرا حتى بدت لها بان المسافات بينهما ما عادت بقليلة .. أي لم يعد هناك ما يفصل بينهما شيئا سوى قدر يسير من المليمترات ، فتذوب روحها الواعدة بأنفاسه ، وتهوى هي الأخرى صريعة كلما كان يزداد بدنوه منها ، وقتئذ ومتى ما أحست بلفح لهيب همساته المتدفقة في شحمي أذنيها تستسلم هي هذه المرة لتلك التراتيل التي تبثها نداءاته أليها .. نداءات كانت تنطلق من أعماقه كالأسود من عرينها ، فيبدأ بترتيل أغنيته المعسولة ، ولنستمع نحن أيضا لما كان يردده لها...
- أنا حبيبك ...
وربان سفنك الهادية من شتى البحور..
أنا من لف المحيطات البعيدة..
والذي رافقته الطيور المهاجرة
أنا من نام على دجلتك بصف الزهور
أنا الذي قرأت في مرايا وجهك
سفر العراق العملاق
أنا الذي طال بحثه عنك منذ عدة دهور
وهكذا كان يستأنف تجوال حلمه الأثير بين مفاتن مرافئها العديدة.. كان مثل ذلك الحمام الزاجل الذي لا يكل ولا يمل من تتبع السفن الهادية نحو صوبها ليأتيه بالزاد والأخبار كلما راحت تباعد المسافات بينهما ، أو متى ما هو أبحر ليرسوا في مرافئ المدن والقرى البعيدة الوارفة ببساتينها ، وهو الذي اسبر أغوار المحيطات جزافا للوصول أليها ، ولطالما بحث وبعنان عن شواطئ جزرها النائية المفقودة ، ولكنه لم يجد شيء سوى لون زرقة سمائها المرسومة بعيون الأحبة الذين غادروها على حين غفلة في هجرة الفصول الأربعة .. إذ ذاك تذكر كم من مرة رسا مقتولا بين أهداب حكايات مدن كانت كثيرة وظليلة ؟ .. كم بات متيما بها ولسنين طويلة ؟ وماذا تراه سيفعل لحظة اكتشافه لقاراتها الغير مأهولة ؟ وهكذا يظل يحسب ويعد .. حاصيا جميع قبلات الشوق التي طبعها على خدها ، والتي باتت هي الغنيمة الوحيدة التي حصل عليها من مغامرات سفراته تلك ، مما دفعه هذا إلى أن يذعن لأمره المحتوم .. بأنه لا سبيل هناك من أن أذى ما سيصيبها كلما تطلعت أليها أعين الشماتة والعذال ، والذين جربوا كل ما في وسعهم في سبيل تشتيت وحدتها ، وفك عرين الارتباط الذي ظل يرقرق بسيماء السلام والأمان على جبينها الغر، والإخاء والمحبة بعيدا عن الفرقة ، وهكذا أبان هو ألان كظلال في مآقي عينيها ، فينشد للآخرين ومن جديد مقاطع من أحد أغانيه المعسولة...
- ( ألم تكوني زمان قرة العين
فمن ذا الذي أصابك يا بغداد بالعين ! )
أما هي والتي كانت قد جملت معظم أيام حياته، ومنذ اليوم الأول الذي التقت به في شارع النهر ، اليوم الذي بددت كل أحزانه المبددة بين عشب وأدغال غابات حياته الحزينة ، فقد تململت من مغالاة طول صمته بعد أن مرت فترة ليست بالقصيرة .. لذا قررت أن تمتلك هي زمام المبادرة هذه المرة ، فباغتته وهو في غفوته لينتبه لها ولو قليلا ، وما لبثت ألا أن قطعت كل تأملاته قائلة :
- يبدو أن طول مشوار الرحلة قد أنهكتك كثيرا ، بعد أن تهت بين عيوني ولمرات عديدة ، فمن أين نبتدأ ؟ فأنا لا اعرف بالضبط بماذا تفكر به الآن ؟
اعتدل بجلسته قليلا ، ثم أجابها بكلماته المعهودة المعسولة ...
- كنت أفكر بأشياء كثيرة.. بخلق شي جديد لي ولك ، وللآخرين.
- أن توغلك في العمق ، وبهذه الطريقة المذهولة بالذات يتركني أعاني من قسوة وحدتي ، لأنني اشعر وأنت في هذه الحالة ، اشعر بأنك أصبحت بعيدا جدا عني !
- كلا يا حبيبتي.. أنا قريب جدا منك ، فأنت دوما على بالي ، بل وفي كل لحظة معي ، ولا تنسي أن التفكير العميق هو صفاء للنفس .. انه نوع من الرياضات.. رياضة نفسية مدعوون كلنا لمارستها لكي ننسى أصوات أزيز رصاصاتهم الطائشة وشظايا مفخخاتهم الملعونة .
- وهل تستخدم هذه الرياضة دوما كسلاح ؟
- نعم وفي المواقف التي يتطلب فيها عدم الإذعان لدوي الأسلحة الصاخبة ، وخصوصا في تلك الأحايين التي أود قلع شيئا ما بهدوء
- وماذا تنوي قلعه هذا المرة ؟
- لا شيء، إنما افترضت فقط !
- وهل تضع دوما فرضياتك مسبقا ؟
- نعم ، وكلما خططت لشيء ما .
- مثلا ؟
- التفكير بالمستقبل الزاهر السعيد ، فرحلتنا رغم أنها لا زالت شاقة وصعبة ، فهي تحتاج إلى الكثير من الأدلة والبراهين الدامغة لتحقيق هدف ما ، وعلى سبيل المثال : كيف اختيار الوسيلة الأمثل والملائمة لعودة الآمان إلى مدنك الممتدة على طول وعرض البلاد ؟ كيف اصطفاء السبل الأقصر التي تضمن وصولنا للأفضل ؟ ولا ننسى أيضا أن نضع في حسباننا تحديد نقطة الشروع لتنفيذ كل ذلك ، وهذا هو المهم .
- وهل تريد أن تكون ( كريستوفر ) آخر ؟
- أن ( كريستوف ) عندما ركب البحر.. كان قنوعا .. طموحا.. مصمما على أيجاد شيئا ما خلف تلك البحار ، وفعلا وجد ما كان يرمي أليه .
- وماذا وجدت أنت في سفراتك تلك ؟
- التمهيد لخوض البحار الشاسعة ! وبأي سلاح من الأيمان نجابه أولئك الوحوش ، والذين أمسوا يعبثون بإرث كل ما يعود لنا ، وخصوصا بعد أن غابت تلك الأمسيات الجميلة ، والتي لطالما كنا نحلم بها سوية على ضفتي دجلتك ، ولهذا ترينهم اليوم يحاولون نسف كل الجسور الممتدة بيننا لكي يحولون دون وصولنا بأمان للضفة الثانية من النهر..
- ربما مخاطرتك تبعث الرعب في نفوس العشاق والأحبة، وفي مقدمتهم أنا !
- لماذا ؟
- لأنني لا اعرف السباحة أولا ، وأخاف من دوار البحر ثانيا ، إما وأنا على اليابسة فأخاف من إصابتي بدوامة القلق من الطريقة التي تفكر بها أنت بالذات في مثل هذه الأمور !
- القلق أفيون لا يهاجم إلا من رخت أعصابه .. ويمكنك تعلم السباحة تباعا ، وشرب الدواء تمنعا من دوامات البحر ، وبهذا سيلغي قلقك على اليابسة مع سبق الإصرار !
- وهل افعل هذا كله لوحدوي ؟
- نعم .. لتبنين فرضياتك على شيء من الصحة .
- وبماذا ابدأ ؟
- تعلمي أولا ... كيف تقتلعين شيئا ما بهدوء !!
ضحكت من أعماقها.. ودنت منه اكثر لتحتضنه بإصرار

 

جواد المنتفجي


التعليقات




5000