..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أسطورة التأله / الجزء الثاني

صالح محمود

العودة إلى الأرض

وعلى حين غـرة كسر الصـوت الأجشّ الصمت المطبق لينتبه تاكفاريناس و قد كان ساهيا، ذاهلا في غيمة من أثر الضربات المطيحة به من مراتب الآلهة:

- تاكفاريناس، أيها الضئيل الحقير! 

كان الصوت ناشزا، حادا موحشا كصلصلة الأفاعي.

- تاكفاريناس، هذه الأرض مشحونة بالتوحّش، تسير في منهاج مؤطّر مستقيم  ومسطر، تتسربل في الرداءة إلى حدّ الزراية، تجعلنا نشد بطوننا ونتقيء.

- النار طبعا!

- هذه السيوف المسلولة وقد أبلت في الإطاحة بالهامات المرفوعة لنتبوّأ في هذا الوجود المكانة الأولى. هذه النار المتدفق لهيبها، وما شحنت به من كهرومغناطيس خالدة على مرّ العصور، تعالت عن شوائب النقص والفناء.

يتصاعد التسبيح والتهجّد بترتيل الأوراد بين الحشود المتراصة مرفوقا بالخشوع  والتبتّل حول قفص السجين ثم لا يفتأ الهدوء أن يستتب ويسود:

- فاختر النهاية وانظر ماذا ترى ؟

إذّاك صاح تاكفاريناس بصوت جريء ثابت الجنان بحماس غير هياب أو جبان :

- أيها الباغون في الوجود، يا من صقلتكم النار الهدامة و بذرت فيكم بذور الدمار  والاستهتار، الإفناء و الإنهاء فبسطتم الظلام و صرتم بذلك فواجا أهواجا، أقحاحا أقباحا، تحيلون الحياة إلى رماد، فأبحرتم في عالم التوحّش مرتدين خاسئين إذ صرتم تستلهمون عن هيئة الإنسان لستر بشاعتكم من خلال وعيكم بها تقلدونه كالقردة العاجزة عن التعليل متهافتين.

اعلموا يا هؤلاء أن القذى في عيونكم سيزول و العتمة، إن التضليل سينقشع لأنكم أدركتم وهما أنني وقعت في شرككم الذي نصبتموه لي، إنكم و الله حمقى قد تاه عنكم أنني الإنسان الموحى إليه لأنني مقدّس. أنا الإنسان الملهم، أنا من دبركم إذ كنتم في رحم العدم، ابتدعكم وصيّركم. أنا الإنسان الذي اعتلى قمم الجبال الشماء و أشرف على الكون مراودا الشمس عن نفسها مواقعا لها، فاضا لبكارتها رغم لهيبها. أنا إله هذا الكون و مكونه، لأنني عزفت على أوتار الحقيقة فبانت كما ولدتها أمها نقية صافية جلية.

- تاكفاريناس، أيها الغض الحقير لقد آمنتم بالنار!

- لست أدري إن كنت على مشـارف الحقيقة أم على مشـارف الخيال، و لست في وعي للاختيار يا أيها الأشرار.

- بلى، لقد اجتهدت إذا بغير علم و بغير حق،  انظر مآلك!!

- أجل، لماّ خيرتموني فإني مشتاق لاحتضان جذوري، أرى نفسي فتاتا يقتات من لحمي نسر يافع في يوم قائظ، أو زهرة ورديّة تمتص دمائي فتينع بين صخور صلدة ملساء تنعدم بها الأغاني.

- أصبت يا هذا، نحن نعلم أنكم معشر البشر تحنون إلى الأرض، أرض العتمة بما فيها من عناصر الطبيعة زلازل و براكين عواصف وأعاصير، فيضانـات و انهيارات لأنها هيمنت عليكم عبر الجاذبية.

ازداد الصوت نشازا إذ صار كقرقعة الحصى أو حشرجة الموتى :

- الآن قد رسمت سبيلك و اخترت الأرض مستقرا لأشلائك المشحونة قذارة بما احتوته من ماء ليّن مرتخ لا يصمد، و لكن اعلم أنكم معشر الإنس بثثتم فينا المراوغة  والتضليل، المخاتلة و الغدر، الفتك  والقتل بمـا تلفّعتم به من ضعف و وهن جبن و خوف، خضوع و خنوع. و الأدهى أنكم تتبجحون، تتفـاخرون و تتكبرون.

أنت تسعى لغزل حلّة السريان و الانتشار القدرة و الاقتدار وهي حلّة ترتديها الآلهة.

ها نحن أولياء نقرّ العزم على تدمير الأرض لأنها تجعلنا نشعر بالغثيان و الرغبة في البصق و التقيء.

كانت الوجوه الجافة القاسية تتفرس فيه و تحدّق، و لما فتح باب القفص تسلّل تاكفاريناس بخفة و عدا كالبرق حيث مركبته الفضائية رابضـة غير بعيد، و أخذ مكانه في قمرة القيادة. ثم ما فتئ أن حلق بها في الأجواء، لتنطلق به كالشهاب نحو الأرض.

لن يستطيع التنبّؤ بمآله و كيف سيمحى أبزفرة كتلة من نار في الفضاء دافقة، أم ستشرح جثته و تمزق بحدّة الفولاذ القاسي.

إلا أنه صاح كمغامر متسلقي الجبال لحظة الوصول إلى القمّة : » إلى الأرض، أرض آبائي و أجدادي، إلى الأرض حيث سترقد عظامي بين عظامهم، و ستحلق روحي في حرية مع أرواحهم التواقة إلى الألوهية.«

لاحت الأرض كالبدر بصفرة رمالها الذهبية و غمام السراب المتشح بالضباب لا يفتأ يدلهم و ينقشع.

كانت السيارة الفضائية كلما تقدمت كلما كبرت الأرض وتعاظمت، شمخت   وتكبرت. بلى، لاحت الأرض عملاقة جبّـارة تبعث في النفس الرهبة و الخشوع، هاهي تتجلى صورتها بسلاسل الجبال تتوسطها، لفها السراب الأزرق الشفّاف و زركشتها صخورها الناتئة كالخراب الحادة كالخناجر. كانت الأرض كبحيرة رمال تمور وتضطرب، فيتصاعد الغبار في شكل أمواج ضخمة متهيجة كفقاقيع حمم الشمس، تفور الأرض و تغلي كغليان القدور و الشمس لا تفتأ تؤجّج النار و تصير الأرض سعيرا تصطلي فيها الكائنات الحيّة وتقلب على وجوهها و على دبورها و تصفد.

حين قاربت رحلته على نهايتها، قفز من مركبته الفضائية بمظلته المطاطية و تركها تلقى حتفها و تطمر بين الرمال. عدى لما لامست أقدامه الرمال الليّنة الطرية، و عيناه تتقدان تتمعنان في الأفق الأزرق البعيد المتموج و في كثبان الرمال المطروحة كالجثث المبعثرة. ظل يعدو عدو المستغيث علّه يظفر بالإنسان. هو يعلم أن الغرابيب السوداء ستفجّر الأرض عبر النيازك و المذنبات الشهب و الصخور النارية السابحة في الفضاء، ليحيلوها غبارا هباء منثورا في الأجواء.

كانت ساقاه تنغرسان في الرمال فتعيق سرعته و تحدّ منها، ها أن الإجهاد يسري في جسمه من خلال ما كان يتصبّب على وجهه البرنزي من عرق هذا فضلا على ملابسه البلاستيكية التي تزيد الأمر تعقيدا بما كانت تسبّبه له من ضغوط على حركاته التي بدأت تتثاقل تدريجيا وتتباطأ، و الخوف من الهلاك لا يفتأ يبعث في نفسه أطيافا من الإرهاق هذا مع أنفاس الصحاري المرسلة رياحا لوافح ساعة الهجيرة. حين كان يسعى في الصعود من كثيب رمال إلى كثيب رمال، من وهد إلى وهد ومن غور إلى غور تائها في الفيافي و القفار ينوء تحت أوطاب جسمه الذي صار كحمل من رصاص. ثم ما فتئ أن ترنّح كالسكران  وتهالك والشمس تسكب على وجهه أشعة كالسهام النارية و على الأرض. شعر بحرارة تلفح وجهه كالجمار ملامسة بشرته، إنها الرمال الصحراوية الملتهبة، لقد وقع على الأرض.

حاول النهوض فخانته قوّته و تهاوى من جديد. تحامل على نفسه مستخدما كلما تبقى من قواه إلا أنه تساقط كخرقة بالية.

فجأة أحسّ بيد تهزه، التفت مذعورا :

- هل أنت ضمآن، هذا لبن الناقة !

لاح له وجه طفل يضيء كالبدر ببياضا كالثلج، و بعينين وديعتين. أخذ تاكفاريناس الوعاء منه و انصبّ عليه انصبابا و لما انتهى نظر إلى الطفل و هو يقول له :

- من أنت ؟

- أنا ليث !

- أين تقطن ؟

- في هذه الصحراء...

و تناهى لسمعيهما أزيز و دوي مشوب بهدير و زفير يتعالى في الفضاء و لا يفتأ يتصاعد في السماء، و من بين طياتها تبرز نقاط ملتهبة لا تكاد ترى حمراء.

أجال تاكفاريناس النظر فلم ير غير كثبان الرمال المترامية يطوقها السراب الأزرق المريب يغمر الآفاق الفسيحة. ارتاع و هو يرى على مقربة منه ليثا لا يعير أي أهمية للخطر المحدق بهما. وجف قلب تاكفاريناس و ارتجّ ثم التفت إلى ليـث و قد ملأ الفزع كيانه   والرعب وأمره قائلا :

- ليث، ارحل من هنا...

مشى الطفل مبتسما بخطى وئيدة وهو يلتفت إليه من حين لآخر، فالتحق به تاكفاريناس متعثرا و دفعه بعنف و هو يدعوه إلى الإسراع بإلحاح قائلا :

- هيا، اعدو بأقصى سرعة، عجل ! !

عدا ليث مشمرا جلبابه الأبيض و ما فتئ أن ابتعد تدريجيا و ابتلعه السراب المتموج كألسنة النار الزرقاء، بينما مشى تاكفاريناس في اتجاه معاكس متهالكا متراميا. في أثناء ذلك كانت النيران الدافقة كحمم البراكين سيلا عارما تتجه رأسا نحو الأرض، و في تلك اللحظات القاسية، و الظروف القاتمة اجتاحت تاكفاريناس مشاعر غريبة هي مزيج من الصلابة والقوة الإقدام و الجرأة الثبات بشموخ، إنها شبيهة بجنون العظمة قد استحوذت عليه   والرغبة في تحقيق التألّه و هو يشرف على الهلاك. أو كمتعبد يصل إلى الوعي بالحقيقة وعيا كاملا. هاهو ذا يصرخ في الصحراء أرض الهدوء و الصمت النقاء و الصفاء:» أنا الإنسان ! أنا الإنسان العازف على أوتار الحقيقة ... أنا الإنسان الإله على مدى الأزمان.«   وحين كان في تلك الحالة من التيه و الضلال، الخبل والجنون و غير بعيد عنه نار زافرة تسعى لتهييج العـاصفة دافقة. رأى كتـلة زرقـاء من اللّهب تتجمع ثم تتكثّف و تنطلق نحوه أو هكذا يخيل له في سرعة الصاعقة، غمغم و هو منتصب كالصرح : » لن أنهار، لن أتهاوى أمام النار، لن يحطم ألوهيتي عبدتها الأشرار، أنا الإنسان ... أنا الإنسان العازف على أوتار الحقيقة...أنا الإنسان الإله على مدى الأزمان.«

و لكن يا لغرابة ما يرى فحين اقتربت منه تلك الكتلة الملتهبة و قد ظنّ أنها كتلة من الكهرومغناطيس هابطة لتنسفه نسفا، صار اللّهب الأزرق دخانا أبيض كثيفا، ثم تدريجيا انقشع إلى أن انحلّ و اضمحلّ وانفرج عن طيف فارس من فرسان الصحراء، ملثّم بلحفة بيضاء يركب صيعرية يسمع لها رغاء سرعان ما تحول إلى صوت نـاي ينشأ في رحم السماء يتلوى متراقصا متصاعدا مع السراب و يتثنى كالنور المشعّ ينتشر في دروب الظلمة و ينفي دياجير الليل، فيتجلّى الوجود صافيا شفّافا خاليا من سجف الغيوم المدلهمّة مصحوبا بصوت ملائكي شاد : » أعطني الناي و غني فالغناء سرّ الوجود و أنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود.« فتضمر الأبعاد تفنى و تندثر، فاسحة المجال للخلود ليسري و ينتشر.

ثم أن ذلك الشبح الملثّم ترجّل من فوق راحلته و خاطب تاكفاريناس و قد كان على مرمى حجر منه بصوت صلب قويّ :

- أضيفنا ؟

- بلى ! !

قال تاكفاريناس ذلك وهو يتقدّم وجلا، و قد غزته المخاوف وهيمنت عليه الريبة.

أردف الشبح :

- أي ضيفي، لا تخـف و لا تجـزع لست غير حفيّ بك مكرم وفادتك، و لكن أخبرني من أين أقبلت و ما خطبك ؟ !!

- أنا تاكفاريناس من بني البشر، جئت إلى الأرض لأقف على حقيقة ألوهية الإنسان. و هؤلاء عبدة النار حلوا ليفجروا الأرض.

 ثم أشار إلى النقاط الحمراء في السماء، إلا أنه لم ير غير نقاط متناهية في الصغر مبعثرة سوداء. و قد غاب الزفير و الهدير و انتفى.

تعجّب من الأمر كل التعجب إلا أنه تابع طريقه، و لما وصل شعر برجفة وهو يتبيّن ملامح فارس ينزع اللّثام. بجلاء فقد فاض وجهه بنور أبيض بياض الثلج، جلّل بالوقار  والهيبة الكبرياء و التعالي، الإقدام والجرأة، يبعث في النفوس الخشوع و الرّهبة. نزلت على جبينه الوضاء خصلات شعر فاحمة سوداء، و كاد يرتدّ هاربا مذعورا حين رأى عينيه تتقدان ببريق غريب مصدرتين أشعة في لون السراب الملتهب زرقاء لولا أن وصله صوت فارس أشبه ما يكون بالغمغمة :

•-     تاكفاريناس هلمّ بنا يا صديقي!

هلوسة تاكفريناس 

ثم أن ذلك السراب تكثف من جديد ليتحول إلى دخان أبيض انبجست من خلاله فجوة تبعث بنور قويّ أزرق سرعان ما اتسعت وصارت الفجوة فتحة نفذا من خلالها يغمرهما النور الساطع حتى غشى بصر تاكفاريناس الذي أغمض عينيه و أسلم نفسه للأقـدار و هو يتبع خطى الطّيف الغريب، و الوساوس تتنـاوشه و الرّيبة. فهو لا يدري إن كان يسير نحو النجاة أو نحو الممات، و لا يعلم إن كان يطأ الرمال الليّنة الطريّة أم بسط حرير سحرية.

لما انقشع الضباب الأبيض و اعتاد تاكفاريناس النور الأزرق، تجلت الرؤية   واتضحت، عمّ الصفاء المكان و غمره الهدوء. إذاك اهتزت مشاعر تاكفاريناس وارتجت إذ هيمن عليها سحر المشهد و ملك عليه أمره فعقد لسانه و ملأ كيانه، زاغ بصره و تاه في عالم آسر حالم انفرجت عنه تلك الفجوة و انبثق منها.

كان أمام رياض خضر مترامية الأطراف المشرقة، نقية خالية من سجف الغيوم صافية جنّة لا تبيد، أشعت بمصابيح معلقة في الفضاء كتعليق القناديل في المساجد. تنشر نورا متموجا بسخاء ممزوجا أريجا، ينفذ إلى الأزهار الملونة المتنوعة فتزداد إشراقا  ونضارة و تشعّ فتنة و سحرا، بهاء و جمالا. و إلى الأشجار فتزداد غلالها تألقا، فهاهي عناقيد العنب تتدلّى كالياقوت و الرمان كالمرجان، و التمور في أعذاقها كالذهب تتساقط رطبا على بسط ليّنة كالحرير خضراء يانعة، و قد نهلت من ماء عذب فرات سائغ شرابه كالكوثر. يسري في جداول متداخلة متشعّبة وأنهار إلى الأفق سائرة. هاهو الماء يتراقص في شكل نوافير لا تحصى رقصة ذكر يحبل أنثى، وهو يتفجّر من الينابيع و العيون تفجيرا متساقطا من علوّ في شكل شلاّلات هائلة يضفي رذاذه الأمن و الطمأنينة، البرد و السلام.   وعلى أبواب الحدائق صروح سباع و أسود، نمور و فهود في أشكال تبعث الوجف في القلوب و الرّيعة.

ثم أن ذلك الفارس هوى أمام تلك النصب و هو يهمس : » السلام على من اتّبع الهدى و تجاوز الأهواء«. و طفق يغمغم بكلام غريب كالمتهجّد، قام بعد ذلك من سجوده و تقدم من تاكفاريناس قائلا :

- مرحبا بك بيننا يا صديقي.

و أومأ له بالمسير، فولجا الحدائق الغريبة و أوغلا، و ما هي إلا برهة حتى لاحت مخلوقات غريبة على هيئة أطفال بشرية رضّع يحبون، وآخرون يمتصون سباباتهم  وينظرون فينحني فارس كالراكع كلما مر بأحدهم. ولكن يا للهول ما الذي يرى !! أجنة، بلى أجنة و رب الكعبة سابحة في الفضاء تلوح في أرحام مضيئة بلا نساء.

أوجس تاكفاريناس خيفة و توقع الفضاعة  فالتفت لفارس و هو يقول في شبه توسل:

- سيدي، أخبرني الحقيقة أ أنا في حلم أم في الحقيقة ؟

فأجابه فارس بهدوء مبتسما :

- لا تخف يا صديقي هذه المخلوقات مقدّسة في الجنة.

سكت تاكفاريناس على مضض، إتقاء للشرّ و هما نافذان إلى قلب الرياض بين الأشجار السامقة الممتدة. في تلك الأثناء نشأت أنغام رقيقة عذبة منسابة كنسيم لين حريري أو كورود نضرة تتضوع فتنة و تعبق أريجا، تتعالى منبعثة عبر ثنايا الزمان كروح خفـاقة خـالدة إلى الأبد. كانت تتصـاعد و تتراجع، تقدم و تحجم، تتلوّى و تتثنّى، تزدحم و تتناثر، تتضاءل و تتعاظم معانقة السماء، متهاوية على السطح كانسكاب الماء. تفيض غامرة الوجود بالعطف و الرحمة مرضعة إياه الحب و الخصب نافية العتمة و الظلمة.

نفذت الأنغام إلى أعماق تاكفاريناس وتغلغلت في روحه و زجّت به في لجج الفتون، فأحسّ باهتزازات كاهتزازات الكون على إيقاع الوحي. و في خضم ما ألم به من أحاسيس مرهفة و مشاعر فياضة متدفقة متفاقمة، غيبته في الأحلام أو لعلها أوهام و جعلته ينفصل عن الوجود المؤطّر، يسري و ينتشر طافيا يملأ الكون بأسره كشعاع الشمس، شفّافا ليّنا هادئا.

    و في تلك الآونة خرجت منه الألفاظ عنوة متسارعة دون أن يقدر على مراجعتها أو كبح جماحها متتابعة قائلا :

- و لكن يا فارس يا صديقي، هذه الأنغام هي إحدى سنفونيات بتهوفن !!

فردّ عليه فارس :

- هذه ليست لبتهوفن، لأنها وحي، و ما بتهوفن إلا نبي مرسل بلغها.

عجب تاكفاريناس لما سمع و عدل عن الكلام. أوعز لنفسه أنه و قع تحت وطأة نفوذ هلوسة و جنون، بلى فالأرض بما فيها من أساطير وسحر ابتكرها الإنسان ليخفّف عن نفسه حدّة العجز المتأصل فيه المستديم عن فهم الحقيقة الكاملة و الوعي بها، و ما يسبّبه ذلك العجز لما وعى به الإنسان من ألم و ولدت لديه شعورا بالضآلة مما يدفعه للإلتجاء للشعوذة. و تمعن الطبيعة في إيلامه، فيصاب بالجنون و هو يرى فيه الحل الأمثل للتخلص من السيل المتدفّق من كل حدب و صوب، فيهرب إلى التهيؤات ليحيا في عالم الوهم و الخيال، يخلق فيه بقدرة إله خالق. و لما يحس في النهاية بأنه لا يزال ملتصقا  بالأرض كالحشرة القذرة يصاب بالذهول   والوجوم. فيتهالك و في القلب غصّة و يتهاوى شاخصا.

بلى إنها هلوسة الأرض المتصحرة الجرداء، هي جنون الخوف من المصير الذي ينتظره بين صخور صلبة خشنة لا تردّ صدى الأناشيد صلدة و كائنات مشحونة بالنار الزافرة الحارقة الخارقة، و وحوش ضارية ذات أسلحة هبة من الطبيعة التي تسعى للتأله عبر السيطرة و الهيمنة، من خلال إثارة الضغائن بين الكائنـات فينهشون بعضهم بعضا نهشا أو بالتوزيع غير المتكافئ لأسلحة الهجوم و الدفاع بإقامة مآدب لأبنائها العواصف والأعاصير، البراكين   والزلازل، الفيضانات و الانهيارات و من خلال استخدام الظلمات وبسط دياجير الليل، بتكثيف الغيوم و ادلهمام السحب، هذا فضلا على الخسوف و الكسوف.

لعلّ الطبيعة تعمل دوما على إحاطة نفسها بهالة العظمة عبر إبهار الكائنات المسحوقة   والتعالي عليها من خلال الإختلاق المستمرّ و الإنتاج المتواصل للخلائق الغريبة المستهجمة   والمصطنعة، فيذهل الإنسان ويستحوذ بسحر الطبيعة له و هي عملية تمويهية للإبقـاء عليه يتخبـط في الوحـل يصفعه لهب العواصف فيتأذى و ينتابه إحساس بالضعف و الوهن، و هذا ما يجعله يبحث عن فضاءات يتخلص فيها من السعير المتأجج يصفده، إذ يلوذ بالحلم ليكتشف عالما سرمديا قادرا على مواجهة الطبيعة و صرعها، فتسعى هذه الأخيرة إلى محق الإنسان حتى لا يتجاوزها كإطار محدود محسوس لا يرتقي إلى حدّ الكمال و يهدّدها، بزرع الطاعون في جسده و الأوبئة عبر مخلوقات دقيقة من فيروسات و فطريات، جراثيم   وبرازيتات. إذّاك ينهار الجسد الهشّ الرّخو و يستسلم للنهاية عبر تلك المخلوقات القارضة الفتّاكة أو هكذا يخيل للطبيعة.

أفاق تاكفاريناس من شروده و استحواذ الريبة عليه على جلبة وضوضاء، لغو   ولغط، نقاش و جدال. فنظر إلى مصدره إذ لمح رجالا يلبسون كالحجيج يوم عرفات و هم يتكلمون كلاما كالطلاسم يشيرون و يتساءلون، فغاب عليه الفهم و انتفى التبصر و تعذر إذ التجأ إلى فارس:

- يا صديقي، هل هناك إبهام و نحن في هذه الرياض؟

فأجاب فارس :

- سيدي، لعلّ سعي الإنسان لتحقيق الألوهية كالشمس المشعّة على الدوام الوهاجة.

- و فيما السعي بدقة ؟

- هو يسعى إلى أن يكون شفّافا، منتشرا، شاملا مقتدرا.

- هذا يعني أنكم تعتقدون أنكم تحيون في وهم !!

-كنّا في وهم و ها قد وصلنا إلى الصفاء قبل الحقيقة و النقاء، إذ نسير بخطى ثابتة !!

- فارس، لقد حقّقتم هذه الجنان !

- بإمكان الإنسان أن يرتد إلى التوحّش و من ثمّ إلى الفناء.

- أنتم إذا تسعون لأن يكون الإنسان إنسانا أم حقيقة ؟

- ألا ترى أن الجمال الكامل لا يتجلّى كجمال مطلق إلا في الحقيقة ؟

- أنتم تطمسون بذلك حقيقة آمن بها الإنسان و استبطنها على مدى الأزمان !

- نحن لم نصل إلى هذه الرياض، هذا الصفاء و هذا الخلاء إلا حين تصدّعت فينا الهياكل،  تحطمت و تناثرت أشلاء.

- أنتم تبحثون عن الجوهر، و لكن أخبرني هل هذا الفردوس حقيقة أم وهم ؟

- هل أنت حقيقة أم فناء ؟

- سيدي، لقد فررت من بؤرة الزوابع و العواصف هذا فضلا على الأوبئة التي ما فتئت تنخر الأجساد على الدوام، و هذه الجنان لا تبيد، جئت إلى الأرض لأجد التصلّب والقسوة الضمأ و السراب، فكيف أنشأتم الحدائق في هذا الفضاء المريب ؟

- عبر المغناطيس بعد أن مررنا بالإستحواذ و الذهول و تغلغل فكرة واحدة وحيـدة يتيمة و هيمنتهـا، تمرّ من ممرّ واحـد وحيد يتيم عـاجز عن التسرّب و الانحلال.

- حدّثني عن المجون و العربدة عندكم !

- كنّا أهل جاهلية و تفان نأكل الميتة و نلتهم الجيف. نشبع فنتجشأ و نتبرّز البراز النتن، نمارس الجنس كبقية البهائم و نئد الجمال. فننام حيث تبرّزنا و مارسنا الجنس.

- و لكن البهائم تمارس الجنس و تتناول الطعام ؟ !!

- أجل، إلا أننا تجاوزنا البهائم التي تمارسه في مواسم محدّدة. كنا نمارسه على مرّ السنة بلا هوادة، فكانت الأرض تضجّ بالشهيق و النشيج، و ازداد الضمأ إذ بدأ الماء ينضب معينه و تغور العيون و الينابيع و تجفّ منه الأودية و الأنهار، تصحّرت الأرض فثار الغبار   وعمّ، و ادلهمّ الجو واغتمّ، فسفت الرياح الواحات و الجنائن و تكدست كثبان الرمال   وصارت جبالا. و هكذا أفاق سكانها مذعورين من غفوتهم عراة حفاة يتسربلون تحت صفع الحصى المائر كأمواج البحار المتهيجة، يلفهم اليأس و يحدوهم الأمل من خلال لفع الألم، في العثور على منابع الماء متسائلين : » ما هذا ؟ !! «. و أخذوا السلال و طفقوا يخرجون الرمال المكدّسة على ظهور الحمير من الواحات ظانين أنهم تجاوزوا المحن و الإحن.

و تواترت على القوم الأخبار في شكل فواجع متلاحقة متسارعة منبئة بجفـاف الينـابيع و نضوب مياههـا، فذهلوا شلوا و شخصوا، ثم لغوا ضجّوا و غصّوا. لطموا وجوههم و قد خنقتهم العبرة فهم عاجزون عن طفر الدموع شحبت وجوههم و قست حتى صارت قشورا تلفّ عظاما فارغة ناتئة كوجوه الثكالى، حين وقفوا على فداحة الحقيقة و فجاجتها، قبحها   وقماءتها، قالوا و هم يقلبون وجوههم في السماء أملا في سحابة حبلى بالماء : » هذا عاقبة ما فعلنا فنحن اليوم من المهلكين.«

ثم أردف فارس :

- هذه قصّة الجحيم و قد دونت في الأساطير.

- أتعني أن الجنان أقيمت على أنقاض الجحيم و أنشئت ؟

- بلى بعد إنفجار البراكين و تدفّق الحمم غامرة الأرض متمكنة من الكائنات المؤمنة.

لم يفهم تاكفاريناس شيئا، و قطع عليه صوت آت من بعيد محاولة تقصيه الحقيقة، وهو يردّد:

- مرحى، مرحى بضيفيا مرحى.

نظر تاكفاريناس إلى مصدر الصوت فإذا برجل بجلباب أبيض يهرول في اتجاههما وهو لا يفتأ يكثر من الترحاب، فاتحا ذراعيه.

- من هذا يا صديقي فارس ؟     

- هذا حاتم الطائي !

- إذا هذا هو حاتم الطائي، لقد قرأت عنه في الأساطير.

و رأى ذلك الشيخ يجد في المسير إلى أن وصلهما. انكبّ عليهما معانقا مسلما مهنّئا بالوصول سالمين غانمين وهو يقدم لهما قدحين و يقول :

- هذا لبن الناقة، إشربا ففيه إرتواء و هناء ! حللتم أهلا و نزلتم سهلا، هلما بنا إلى داري، فوالله لن تتابعا المسير إلا بعد النزول عندي.

ثم أخذهما عبر ممرّ بين فجوات الأشجار الممتدة المتشابكة ذات الأغصان المتداخلة،   والثمار البهيّة الناضجة المتدلية و الأوراق النضرة النيرة. و ما هي إلا ساعات حتى وجدوا أنفسهم في باحة واسعة قبالة خيمة بيضاء عظيمة كالطّود، مصنوعة من وبر الجمال، مضاءة بنور في لون قيظ الصحراء، و حول تلك الخيمة مواقد دخانها متصاعد، بينما كان ذلك الشيخ يتقدمهما، طويل القامة سمح الوجه يملأه الهدوء و الوقار، تعلو محياه ابتسامة الودّ   والترحيب. إذ نفذ بهما إلى داخل الخيمة و قد اتسعت و اشرقت، بثت على أرضيتها الزرابي و بسطت بسط حريرية، زيّنت سماؤها بكواكب من نور تبعثه أبيض كنور الشموس الوهّاج. يشقّ خرير المياه هدوءها المتدفق، فيضفي الأمن و السلام و يشحن الإخضرار الذي تراءى كالشعاع نضارة و فتنة.

دعى حاتم الطائي ضيفاه إلى الجلوس، فأخذ تاكفاريناس مقعده بين فـارس و الشيخ، ثمّ ما فتئت الموائد أن هيئت و مدّت، و جهّزت الأطعمة و أعدت في أجفان من ذهب  وصحاف فيها ما تشتهيه الأنفس من غزلان و خرفان مصلية، و جواميس مشويّة و أرانب مقلية، هذا فضلا على الطيور التي كوّمت من حجل و حمائم و بقية الطيور الطريّة. ونضدت غـلال نضرة من تمر و رمان، عنب، تين و زيت زيتون ريان. صففت أباريق و أكواب ذهبية ملئت بماء نقيّ صاف، و لبن حلو المذاق مع خمر معتق و عسل مصفى.

امتدت الأيدي و حاتم لا يفتأ يحث تاكفاريناس على الأكل، أما فارس فقد امتدت يده لتمزق اللحم الغض و انطلق في التهامه.

عبثت الريبة بتاكفارياس من جديد و غزاه الشك متمكنا منه، هاهو تائه زائغ العينين ذاهل. بلى ما الذي يحدث ؟ ما الذي يرى ؟ هل هي أضغاث أحلام لا تفتأ تحتد و تشتد حتى تصير كابوسا قد يؤدي به إلى الإختلال ؟ هل هي أحلام بشعة فجّة سكنته ؟ أم هلوسة محتضر شارف على النهاية ؟ لعل الأحداث السائرة على وتيرة واحدة و مسار واحد، هي التي أفضت به إلى التهيؤات و الأخيلة.

مدّ يده كبقية الآكلين ليتناول الوليمة المزعومة فظفر بما أراد، إنه يلمس الأكل بيده حقاّ. إنه يتناول اللّحم و اللّقم، هاهو يشرب الماء الكوثر ثم ينتقل إلى اللّبن و العسل، و يعب من الخمور، هاهو يجول بين الغلال و بقية الأطعمة. لقد تناول ما يكفيه من المآكل   والمشارب، إنه يشعر بالشبع و الارتواء، و يحسّ بخفة في أوصاله. زال عنه التعب والإرهاق   وانقشع فصار مشرق الوجه هادئ النفس. أما صاحباه فقد كانا ينتقلان جائلين بين صنوف الأطعمة و ألوانها كالنحل بين الزهور.

استرجع صور تلك الكائنات المسحوقة والتي تلتهمها مخلوقات متوحّشة بشعة لقمة سائغة مستساغة، و هي تتوارى خائفة مذعورة مستترة تحت جنح الظلام خاشعة الأبصار ناكسة الرؤوس شاخصة لا ترد العدوان و لا تستلهمه. ها هو يراها الآن في الصحاف  والأجفان، فأقبل على فارس بالسؤال :

- فارس يا صديقي، هل أنتم متوحشون ؟

فأجابه فارس بعد أن أتم تخليل أسنانه من بقايا اللحم العالقة :

- بلى، حين كنـّا في ظلمـات الجحيم، كنّا آنذاك كالأرض في هدوئهـا و اتّزانها تسير على مدى الأزمان في مسارها الواحد، تواقعها الشمس مواقعة ذكر غليظ الطباع لأنثى مستكينة ضعيفة لا تحتجّ، و حين تغضب و تثور تأكل نفسها أكلا، عواصف و أعاصير، براكين و زلازل، فيضانات و انهيارات ثم تنام في الظلماء منكمشة ململمة جراحها في هدوء كالنار الخامدة تغلي أمعاؤها في داخلها مصهورة تتقيؤها حمما من نار الجحيم لترتدّ على جسدها فتصطلي سعيرا.

- و لكن كيف خلصتم من التوحّش و شددتم الرحال نحو التألّه ؟

- عبر المغناطيس، حين مررنا بالصدمة والتي كانت بمثابة الدّفة التي غيرت مجرى وجودنا تغييرا جذرياّ.

- و ما الصدمة التي مررتم بها ؟

- من خلال الفراعنة الذين أبوا و استكبروا و حشروا في الأمصار ونادى كل منهم: »  يا أهل مصر، أليس لي ملك مصر، و هذه الأنهار تجري من تحتي أفلست رب العالمين، يا قوم إن إليّ مصيركم فإن أنتم آمنتم بي أسبغت عليكم نعمتي، و إن كفرتم أنزلت عليكم نقمتي.« 

و تمركزوا حول ذواتهم متباعدين عن الهدوء مرتدّين إلى الحيوانية.

- و لكن كيف تدّعي على الفراعنة كلما ادّعيت و قد قرأت في الأساطير أنهم آلهة البشرية ؟

- هذه الحقيقة مصطنعة و مع جوهرها مختلفة، لقد اتّخذ الفراعنة أولياء لهم و سمار السحرة، فوسوسوا لهم بأنهم الأبهى و الأقوى، و أنشؤوا لهم عروشا واهية، زينوها بالدرّ   والياقوت، المرجان و الزمرّد، فبدت أجساد الفراعنة إذاك كالمصابيح تتلألأ كالنجوم.

- من هم السحرة ؟

- هم الذين يلونون الأجواء في الخفاء، و ينشرون الإبهار و يسربونه عبر الخداع.

ثم أردف فارس قائلا :

- ثم أمرنـا الفراعنة من جـديـد أن نبني لهم أضرحة تخلّدهم إلى الأبـد و يتحدّون بها الأطر، فسولت لنا أنفسنا قائلة و أملت : » أي زعم يبديه هؤلاء الفراعنة ببناء قبور لهم  وقد كانوا يدعون الألوهية ؟«

- أتعني أن الفراعنة قد فنت الآن أجسادهم و صارت هياكل مهترئة بالية؟

- بلى، تلف عظاما رميما، و صاروا نسيا منسيا، و قد أطبق عليهم صمت أخرس   ولفهم غمام السراب يلفعهم في وجوههم و دبورهم كالسياط.

قال تاكفاريناس و قد هزّته أحاسيس التهيّج و مشاعر الرهبة :

- و لكن كانت لهم معابد تذكر فيها الخليقة البشريّة أسماءهم وتتطاول أمام ضراوة النار قسوتها، شدّتها و حدّتها.

- تعني الأضرحة التي قبروا بها!!

- أين هي ؟

- في الجحيم، هلمّ بنا نلج الأساطير.

 

صالح محمود


التعليقات




5000