..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جنة تضاريسها وعرة / مقارية نقدية

غريب عسقلاني

تناسل الأسئلة في رواية لهو الأبالسة للكاتبة المصرية سهير المصادفة  

   - 1 -

 في في روايتها الأولى والمفاجئة "لهو الأبالسة" تقطع سهير المصادفة مسالك الوقت ودروبه في انتظار الرجل/ الحلم " ذلك العربي الجميل ربع القامة ذو اللحية المهذَّبة الأنيقة  يقطع المدى " زمن الرؤيا" بخطواته الواثقة مسرعاً في البداية متمهلاً ربما ليتيح "لها" فرصة تأمله جيداً "وهو" يخلخل منظومة انهمار الثلج في المجالات التي يمر عليها.." فلا تملك مع بهاء حضوره إلاّ أن " تنزلق مثل سمكة الجيتار العارية من جلدها، تغفو قليلاً على ذراعيه، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما لتتبع المشهد، تاركة إياه يصفعها على كل جسدها " وهي العارية كما الحقيقية في ذروة نشوة الامتلاك وكأنه القدر  "يجرجرها في دوامة بعد دوامة فتستريح قليلاً على كتفيه تواصل الانفلات قدما نحو الشاطئ لتملأ الفضاء، بلحن لم يُسمع من قبل فيُشرع "ذلك الجميل "آذانه ينتظر .. وينتظر.."

 والعربي يتحول انتظاره إلى عذاب أزلي، وكأن الأقدار نذرته فارساً في لعبة عبثية خاسرة، يقف فيها مشدوهاً يعلن هزيمته, أو ربما دهشته من رحلة أخذته في مسارات لولبية, مثل زوبعة الهواء عند تفريغ الضغط، حاملة معها نثار الأرض في سحابة عمودية مثل ثعبان يصعد إلى الفضاء, فاقدة الإحساس بجاذبية الأرض,  تندغم فيها حالات النصر مع الهزيمة، ولكنها في النهاية تصب في مجرى الإحباط الذي لم يكن هو فاعلاً مباشراً فيه...

هذا العربي الأصيل يتحسس رضوضه وخدوشه وينفتح على بوابات الألم مع النزف على امتداد رقعة الرواية، مشدوداً أمام الأبواب المغلقة، "على الرغم من معرفته بكل زوايا الممرات والمسالك" إلى امرأة عبرت تحت جلد سمكة، وأخذت تتأوه وتتدفأ على لظى شبق فريد.

 يجأر العربي أحمد الدالي مندهشاً " تبكي رحيلي وأنا بين يديها، تغلق عليَّ مسالكها جمعاء، ولا يتبقى لي إلاّ أن أرحل فعلاً كما الطير، تريد لي أن آتيها بقبلة طويلة لكي تحمر الأرض بزورق ربما فيه خلاصنا "  لكنها سمكة الجيتار/الراوية، لا تستجيب لذلك الخيار/الحل. لأن فيه استعجال لنهايات مقدرة لم يُتفق عليها.  فالاتفاق كما تراه مها السويفي "أن يكون هو الذئب والشاه في آنٍ واحد. وألا أكون حداً من القرنفل" - طوق نجاه - لأن قدره أن يبقى مشدودا مثل وتر القوس، وبذلك ترفض هي المعادلة التي يأخذها إليها، محدَّثة أختها نجوى.."أنظري كيف ينام مثل طفل وأنا لا أنام . هل هذا غسق أم إكليل موتي !!؟.."

 أي موت ذلك الذي تسعى إليه الراوية/ مها السويفي، وأي استنكار تبنى عليه روايتها وموقفها من أسئلة الوجود، وأي علاقات وتجارب خاضتها، وهي الطالعة من نشأة هي والأسطورة صنوان, فأي لغة تحمل اللحظات المتفجرة بين فواصل الأيام والأحداث، وعلى أي المواريث والمعارف ترتكز؟

 أسئلة تطارد المستقبِل, لاهثة تسبق القارئ لتُعَُبد له مسالك الولوج، وفي بعض الأحيان تسد عليه وعن مشاغبة نوافذاً يخيل إليه أنه يرى النور من خلف زجاجها. فالراوية تقدم عالماً كامل الضياء والألق، في واقع تسوده العتمة المفروضة، وتحيله إلى هامش أسود خارج عن نبض الحياة زاخر بنبضات الموت، يمارس الحياة بشراسة مذهلة تضع الإنسان في اختبار الرغبات والشهوات النظيفة والقذرة، يتجاور معها الخير والشر في انسجام عجيب يصل إلى حد التكامل أو التطابق، وكأنهما وجهي حالة واحدة، للحد الذي يبيح أن يقتل الواحد ذاته في اغتيال أخيه، أو أمه وأبيه، ويتشظى ليعيد لملمة حالاته بحثاً عن كيان متجدد، يولد من رحم آخر متوهماً أن في ذلك الخلاص..

 أي خلاص والحالة برمتها أسيرة شبكة تتعامل مع الوهم كحقيقة فتبدو الأشياء نسبية، وتصبح الحياة ثعبان شبق خرج من نفق الأرض إلى ضوء النوافذ يغيّر جلده، ويشف كما تشف الملائكة عندما تغتسل بضوء الفجر مع بكارة التسابيح الأولى..تصبح الثعابين نورانية وتتشيأ الملائكة أسراب حشرات أو جحافل هوام قاتلة سامة..

كيف يمكن ذلك,وعلى أي الوسائط أو قل على أي المحفات؟

 لا يستطيع هذا غير لغة شعرية, أو رؤية شاعرة، تفيض على جوانبها الصور، وتندغم بين فواصلها الأزمنة لتصبح المفردة زماناً ومكانا،ً وتشكِّل سرداً خلاَّباً فيه من الغموض الفاضح ما يحمل القارئ إلى يقين الإحساس بهامشية الحالة, والعجز عن فك رموزها، ويجعل السباحة في فضاء الرواية رياضة مفاجئة، يشهق معها القارئ ملئ رئتيه حتى يمتلئ بهواء العشق المغمس بالعذاب الجميل، ما يجعله يرى رهافة الدم، وهو يمضي في دهاليز الآدميين الذين تؤسطرهم الأحداث، على أجنحة الرؤى المفضية إلى كوابيس تشنق الروح بأنشوطة خيوطها من حرير، تستدرجه إلى ذبح اختياري في لحظة وجد خاطفة/ فارقة.

 

  - 2 -

 ها هي مها السويفي تعود من رحلتها العجيبة، وما زال ندف الثلج معلقاً فوق رموشها، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحط بها الطائرة في مطار القاهرة "بعد غياب طويل في روسيا"، ينتظرها زوجها أحمد الدالي وأختها نجوى، يمضيان بها إلى بيت الدالي في حي الزريبة الذي ارتقى اسمه إلى حوض الجاموس

 تعبر بهم السيارة إلى شارع ضيق ملتو، كتب على أول جدار فيه وبخط ردئ شارع طه حسين, فأي مفارقة هذه التي تُلقى بطه حسين منفياً مهملاً في حي الزريبة، فهل أطلقت الكاتبة أول قذائف الفجيعة؟ أم أنها تلتقط من الواقع ما يُهيئنا لولوج دروب مواجع قادمة، ستشهدها " البيوت السوداء المبطوحة على الأرض، والمستاءة من عدم القدرة على هش الذباب الأخضر عن وجهها ".

 في بيت الدالي الكبير تعيش مها السويفي مع دمها النازف، السائر بها إلى الإجهاض، فقدرها أن لا يسكن جنيناً في رحمها، وأن لا تغادرها أجنتها إلاّ بعد أن تضرب فيها جذورها، تمتص دمها بشراسة لا ترحم، تستل منها الحياة قبل أن تغادرها قطعة لحم (طرح) بعد أن تغرق بلاط الدار والفراش والأقمطة والحفاظات بدم وردي..فقد أخبرها الأطباء في موسكو بعد إجراء الفحوصات الدقيقة أن شيئاً ما ربما سموم ساكنة فيها, أو عوامل وراثية كامنة متحفزة, تنزع مشيمة الجنين من خمائل الرحم، ما يؤدي إلى نزيف طويل ينتهي بطرد الجنين طرحاً يطرح السؤال على مداه حول استحالة التوافق بينها وبين زوجها أحمد الدالي, فهل كانت العلاقة "الفكرية هنا" على تناقص مخبوء عبر عن ذاته في لحظة الاختبار/ الانفجار؟ أم أنه سِحر السالب في موجبه وانجذاب الموجب إلى سالبه كما يتبدى في تجليات النزع الأخير عند عبور ذلك البرزخ الشفيف الفاصل بين الحياة والموت ؟

"للروح أمكنة تجوبها غير الجسد " واكتشافها في نهاية الرحلة أنه " حينما يوجد العشق الحقيقي يضيء العاشق في وجود المعشوق".فأي لعنة تلاحقها، وأي جحيم يأخذها إلى أتونه صباح مساء، وهي التي عاشت مثل "سمكة جيتار حمقاء تنتظر شبكة تصيدها، وتترك بيضها وهي ليس لها بيض تتركه  ".

 أي ضوء يتراقص في نهاية النفق، وأي سراب يأتيها مع وهم اليقين، واليقين كشف متأخر يقصفها مع قذيفة الصمت الأبدي لأن "الشياطين وحدها  أنسب مخلوقات الله لامتلاك اليقين"

 فأي رعب يوافق هذا العصف الذهني, والفيضان العاطفي، وانفجار الشهوات في مواقيت مفاجئة، فكيف يمكن تطويعها في ضفيرة سردية تبحث عن مساريها، وتتعرف على مجاريها. وبأي الأدوات تكون وبأي الأجنحة تطير والمرأة/الراوية شاعرة محمولة على فيض الصور، معجونة مع شرر الكشف، تتلظى في صقيع التجربة مأخوذة بالموروث ومسلوبة أمام الحكايات والتاريخ، مزحومة بالتجارب السابقة، جاحظة عيناها على تداعي التجارب المعاصرة.ذلك كله على ضفاف أيديولوجية مادية ترعرعت في ديالكتيك التاريخ, ومفاعيل قوى الاقتصاد المبني على التصادم الأزلي مع فائض القيمة..الامتحان عسير والحصاد مُرُّ، والتداعي يزلزل الأرض تحت الأقدام، فكيف يكون الهروب من الهروب والحالة مثقلة بآلاف الحكايات المقطرة من وعي الإنسان منذ أن وجد على الأرض.

 ذلك هو الامتحان الذي دخلت فيه سهير المصادفة بجرأة تحسد عليها، وراحت تبحث عن طوق نجاة في فضاء تلهو فيه الأبالسة دون رقيب ولا حسيب. لكنها عثرت على أدواتها وجربتها باقتدار على لغة شعرية محملة بالشفرات والرؤى، تشكل اللامعقول معقولاً ما يجعل السحري واقعياً مقنعاً من خلال العودة بالسرد وفي الوقت الملائم عبر منولوجات "البوح الذاتي" ضاربة عرض الحائط فواصل الزمان والمكان, اندغمت، الأمكنة وانصهرت الأزمنة في بنية تعاملت مع الكشف المتواصل، فجاءت الرواية قصيدة فرضت إيقاعها على رقعة الجغرافيا والتاريخ  وذلك بالعودة إلى فطرة سمكة الجيتار "التي لا تستطيع الغناء. تتجه بإصرار نحو المياه الضحلة وتدفن رأسها في الرمل فبداخلها بيض على وشك أن تنتهي فترة حضانته ولديها جسد ستحاول أن تجعله يحكي حكايتها معه, ولديها عينان لم تخلقا إلاّ للفرجة".

 والفرجة هي، ممارسة الرصد والتأويل واستخلاص القوانين من ديناميكيات الحياة في تفاعلاتها الأولى الأصيلة، على الرغم من ضراوتها وفجائعها التي شكَّلت صيرورة ومركبات الشهوات والرغبات.

فهل يحمل الشعر متاع الرواية ويمتع ؟؟

سؤال طرحته الكاتبة وأجابت عليه بتميز لا يمتلكه إلاّ من ملكته روح الشعر واختزنها في مرجل المعرفة, وهنا يأتي السؤال:

كيف تصبح الرواية مشروعاً يتأسس على المعرفة؟

والجواب يحيل إلى جدل كبير، ورواية لهو الأبالسة معمار فني يقدم إجابته الخاصة, ويسحب دهشة السؤال أمام دهشة الإبداع.

والمعرفة بحث دائم ومؤرق, كالذي يلازم نجوى السويفي بعد أن طلقها زوجها ليلة الدخلة لعدم نزف الدم الدال على تمزق غشاء بكارتها, وهي التي لم يطأها  قبله رجل ولا عبرها حتى إبليس فهي المرجومة بالسؤال القدري، حول من فعل فعلته فيها رغم وجود الاحتمال العلمي الصارم عن كون غشاؤها من النوع المطاط الذي يتطلب إيلاج عميق ومتكرر حتى يتمزق، وقد تكون قطرة الدم النازفة بداية التمزق الناتج عن الاحتكاك، ولكن زوجها أخذ قراره الصارم وقذفها خارج معادلة الشرف، لتقضي بقية عمرها في محاولة العثور على من عبرها لتضع حداً لحكايته فالأمر على عبثيته مؤرق وقاتل ومدمر، لكنه الوجه الآخر لرحلة الإنسان، وبقاء الرغبة في الإشباع قائمة على ترويض الذات على أقصى حالات الجوع، ما يفقد الشبع بهاءه في الأرض الجفاف. لكن ثنائية الارتواء والعطش وجدت ما يفجرها عند بطة التي يموت عنها زوجها العربجي تاركاً لها رأس ماله/حماره، فتعوض جفاف الحياة بعد الزوج، بالارتواء من ذكر مقيم وغير مكلف، فتقيم له طقوسه الخاصة، وتتطيب بعجينة من روثه لاستدعاء شبقه، متقمصة طباع ورائحة أنثاه المحروم منها.. وتتمدد له وجبة شهية وتمارس اللذة حتى الموت..ورغم بشاعة الميتة، إلاّ أنها تقذف بالسؤال مثل سهم يفقأ العين التي تعمي عن هياج الحيوان الساكن في الإنسان. وهذا يطرح السؤال المهول والمرعب حول انفجار الطاقة البيولوجية إذا ما تعرَّضت للإنحباس الطويل الظالم.

 لكن الأمور في حوض الجاموس على بشاعتها تجعل الشعر يغذ السير لالتقاط تداعياته، راكباً قطار المفارقة، حيث يلعب المعتقد والموروث دوراً معاكساً ولكنه مطلوباً لاستمرار الحياة, فنجد الناس شيء حي]. يقيمون صلاة استغاثة داعين الله أن يحجب عنهم المطر حتى لا تغرق عششهم, بينما الأصل أن عباد الله يقيمون صلاة الاستسقاء لهطول المطر المنحبس في السماء حتى لا يجف الزرع والضرع فالحياة والماء نتيجة وسبب " وجعلنا من الماء كل سيء حي "

 لكن الأمر في حوض الجاموس يجعل الجفاف من عوامل البقاء, فيصبح النهار أقصر من قامة علي القزعة وتنزف مها السويفي دم بطنها على مدار أربعة أشهر، قبل أن تغرق في النوم ليل ونهار وتهوم في مدار آخر، يوم رقصت في ميدان فسيح من ميادين مدينة كييف الروسية على موسيقى أغنية شائعة.

كم أريد أن أكون معك

َولسوف أكون معكَ

في الحياة والموت سأكون معك.

يومها رافقت صديقها وكان بلا أب وكانت هي بلا أم ولا أب، ولكنها تعلمت اللغة فعرفت معنى الوطن.

وهنا تطلق سهير المصادفة أن لغة التواصل بين البشر تتحوّل إلى وطن يسكن فيه الجميع يجمعهم إيقاع الحياة.

                                 

 

 -3-

"تلك التي ارتضت دفن رأسها في الرمل، تنتفض من آن لآخر وكأنها تنتهي من كتابة ما لا يبين، لأنها تكتبه برأسها ثم لا تلبث أن تمسحه بجسدها, فتمهل أيها الصياد ولا تغرز حربتك فيها وتأملها ولا تخشى من هروبها فهي لم تصل القاع الرملي إلا لتدريب جسدها كي يغني أغنية، ولكي تحفر بعض النقوش ثم تستسلم لك.."

 ما الذي تدونه مها السويفي في بيت حوض الجاموس، وهل وقفت على روح العلاقة مع زوجها أحمد الدالي, الذي يهرب منها بالزواج من غيرها يبذرهن الأولاد، ولكنه سرعان ما يعود لائذاً بها منها، متوسداً روحه على ذراعها يرضع من مناجاتها وتحيا هي على البوح بين يديه..

 أي عشق ذلك المحكوم بالفراق والقطيعة المتكررة تكرار الليل والنهار.هل هو الهروب من الاندماج؟ أم أنه البحث عن السؤال الأزلي بين شقي الروح الموزعة في ذكر وأنثى منذ هبوط آدم وحواء على الأرض؟  وهل هبطت الشجرة المحرمة إلى الأرض شاهداً على خطيئة الإنسان الأولى..؟

 مها السويفي بذرة خطأ لامها ليلى الأصيل ذات الجمال الفريد، وأبيها محمد السويفي الغيور الذي يحبس امرأته حتى لا يراها الناس, فيأتون بما لا يمكن تقديره والمرأة ليلى الأصيل عاشقة متفانية مخلصة، تموت عندما تنفصل عنه بالطلاق، فهي لا تستطيع التواصل مع الحياة بنصف روح والأب يفقد القدرة على التحديق فيها, ترده تجليات الخالق وتضعه أمام ضعفه في الحفاظ على الهبة الالهية فيهرب بها من نعيم حدائق القبة إلى جحيم الزاوية الحمراء خوفاً عليها من عين الملك فاروق عند مروره في موكبه.

 وعند الانفصال يأخذها أبوها لأنها تشبه أمها، فيما تأخذ الأم أختها نجوى لأنها تشبه أباها "أي قسمة هذه أن يترك الواحد الآخر ويبقى معه عن سبق إصرار"  ولأن الأب لا يستطيع العيش معها في صورة أمها، ولأن أخاها غير الشقيق يموت تحديقاً في بهاءها فإنه يبعدها عنه إلى مدرسة داخلية تعيش الوحدة واليتم في آن واحد. حتى تلتقي بأحمد الدالي. فيتزوجها على غير رغبة أهله وبسرعة انجذاب قطبي مغناطيس يبحثان عن التكامل في بيئه رافضة، فينطلقان إلى روسيا هروباً لإكمال التعليم، واكتشاف عالم آخر يتيح لهما اكتشاف الواحد لنفسه والآخر,وهناك يشهدان الغربة وانهيار نظام اعتقدا طويلا بصلابتة دعائمه فيصابان بالذهول والتشظي أمام التداعي السريع.

 وفي بلاد الصقيع وهي المرأة اللائذة بحياة تحميها، تجد كل من يقابلها مبهورا بجمالها، يرى فيها جنية هبطت على الأرض ترافقها هالة من ضوء الحقيقة,. والحقيقة أنها امرأة غير مسبوقة جمعت كل أسباب الجمال والبهاء منذ جدتها نفرتيتي وحتى العصر الحاضر, وكل من يقترب منها تصيبه البلبلة فلا يملك غير الدوران في مداراتها. حتى يكتشف أنها الأنثى المستحيلة ذات القوة الطاردة، فيبتعد حاملاً معه بذرة عشق تبقى فيه على مدار الوقت..

 أي صورة تسكن فيها ومن أي الأصول جاءت. والأصل (أمها) لا صورة لها إلا ما اختزنته الذاكرة فارتسم على شبكية العين بقعة بهاء. فأختها نحوي تؤكد "لم تكن لأمي صورة واحدة، قالوا إنها من شدة جمالها  كانوا يجدون بقعة بيضاء على كل الأفلام التي صورتها.."

 الألواح الحساسة لم تستقبل صورتها، هل كانت امرأة من أثير ينطبع بياضاً على الألواح, أم أنها شفافية من نوع فريد لم يُكتشف بعد، لا يترك ملمحاً ولكنه يحتفظ بكل عناصر النقاء والبهاء. وهل جاءت مها السويفي على صورتها لتشكل معضلة في حياة زوجها أحمد الدالي، فلا يستطيع البقاء معها ولا يستطيع الانعتاق من مدارها..فيعاقبها بالزواج من غيرها، وتعاقبه بالحب حتى لا يهرب منها. أي علاقة تعمق التوحد لدرجة الفناء والموت، أم أنه قدر العاشق مع الآخر الذي يحل فيه. أي صوفية مجبولة بكل القصائد الدينية والأفكار المادية, تشف وتعبر عن طبيعة الأشياء إلى ما وراء الأشياء وتحلق في رؤى خاصة ترافق القص على امتداد الرواية متكئة على وجد اللحظة، راصدة كل القبح الذي يخرج من نفوس راغبة فلا تجد أمامها من وسائل غير اقتراف الرذيلة أو الجريمة أو المعصية. فنجد حسن أبو إيد خضرا، تلامس يده أي شيء فيخضر, يضج بقدراته ويطلق زوجته السمراء والبيضاء, ويتزوج من جنيه بحثاً عما هو أبعد من المدركات ويبذر الجنية نسلاً مغايراً.

ولأن الحياة في حوض الجاموس تسير على نسق مغاير، فإن أحمد القط يضاجع أمه انشراح البستاني بمكيدة يدبرها صلاح العايق الذي يساومها مقابل بطة مسروقة من حوش الأرملة بطة. وحتى يشهد الحي على الفعل, يتناوب عليها شبان حوض الجاموس بما فيهم ابنها, فهل أدرك لحم أمه، وهل تاهت هي عن رائحته. جريمة لا تقبل أقل من فَقءِ العين " كما حدث لأُديب يوما ً"، لكن الشاب أحمد يؤجل هواجسه إلى ما بعد التهام البطة. فيصحو على غناء الأشقياء  "بطة بتدور ع البطة"  وكأنهم يعلنون خبراً عادياً لا يثير الاستهجان. فيهجر احمد العشش إلى المدينة ليظهر فيما بعد وقد أصبح تاجر مخدرات, ثم مطرباً مشهوراً قبل أن يعود إلى حوض الجاموس داعية دينياً تقوده مواريثه إلى حتفه فيما بعد..

 أي كائنات تعيش في حوض الجاموس تتعامل مع الجنون عادة يومية، فتشتعل صابحة في عشتها لتموت حرقاً, فيما تنشغل نجوى بتفصيل السراويل للدجاجات لتبيض فيها ولا تأكل البيض تاركة القشور فارغة. فيما دم مها يعود إلى النزف وتعود نجوى إلى إزالته عن السطح, وتفاوض مها أحمد العتر على تغيير مزاجه، لتصدح مسجلته بأغاني أم كلثوم مع إصرارها في نفس الوقت على تغطية المرايا بأوراق الجرائد حتى لا ترى صورتها " فهل في ذلك تعبيراً عن نفي الذات عن الذات أو هو القطيعة مع التاريخ الشخصي وربما الجمعي بكل مكوناته؟"

ربما كان ذلك سؤالاً آخر من الأسئلة التي تتناسل في دروب الرواية ؟

 

  - 4 -

" يعرف الصيادون أن لحمها لذيذ له مذاق نادر، بالرغم من رائحة النشادر التي تفرزها. ولن يلتفتوا إلى شكلها الذي يشبه آلة موسيقية، وإلى سلالتها المتوحشة.. سيتندرون عليها وهي تدفن رأسها في الرمال ولن يوجعهم تهيؤها للغناء ".

 ولأن الصياد لا يؤلمه نحيب الضحية، فإن انشراح البستاني تعترف بسرقة البطة لطرد تهمة الزنا عنها، ويذهب ابنها أحمد القط في تسويق تفاصيل عملية السرقة، صاعداً على هول الفجيعة ومكابراً على جرحه الذي سببه صلاح العايق ولأن انشراح البستاني بيضاء في سريرتها، فإنها تستثمر العملية الانتخابية وتقوم بشراء وبيع الأصوات للناخبين متخذة من الأمر عملية تجارية مشروعة، ورزق زحف إليها نصيباً مقدراً. وهي المرأة الغريبة في صراعها مع الخصوم, فإذا غضبت من امرأة من ساكنات العشش توسعها ضرباً وتنزع عنها سروالها وتعلقه على عصى أمام الجميع بعد أن تكون قد كشفت عضو المضروبة وجعلته فرجه مباحة لمن يرى.

"أي حقد في هذا أم أنه تفريغ ظلم كبير وقع عليها من الغير.."

 

هذه المرأة ذات الشعر الجميل التي تعيش مع زوجها حجازي القط ذو الجسد الفارع والطلة الجميلة, العاشق القديم الذي مازال يعيش مع جمال عبد الناصر وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم بعد أن شارك في حرب الاستنزاف دفاعاً عن كرامة الوطن، والذي يحب زوجته حباً جما ويرثي لحاله التعس, ويلعن جده الساذج الطيب الذي عثر يوماً على كنز سلّمه للشرطة واكتفى بمكافأة قيراط من الأرض باعه في زمن الكوليرا ليعيش بعدها في فقر مدقع, يورثه لأولاده وأحفاده الذين يصارعون من أجل البقاء..

 كيف يكون عشق الفقراء, وها هي وردة تقطع زوجها مائه قطعة تبعثرها ثم تعود لتجمعها من جديد، وتصر في اعترافها أنه لو عاد إلى الحياة ثانية ستقتله ثانية لأنه ربما يفكر بالزواج عليها بعد أن تحركت في كفه نقود الانتخابات..

 ما الذي تراه مها السويفي وما الذي تسمعه في حوض الجاموس، لا يسعفها غير الشعر لوصف حالها وزوجها, لتصحو من غيبوبة التهويم على مفارقة جارحة تسأل زوجها: 

لماذا كل رجال الأعمال الناجحين مثل أحمد الدالي كانوا شيوعيين سابقين.؟

 

وقبل أن تنتظر الإجابة التي لن تأتي، تعود إلى محطة بافلسكي في موسكو وتمثال بائعة الدجاج الفتاة تانيا الطويلة ذات الثوب الأسود، الشاهدة على التجربة السوفيتية الحافظة لتاريخ المدينة, والرقيبة على الطرقات والمسالك، التي ترحل مع حبيبها سلاف الطويل مثلها إلى مدينة توفر حاجات الآدميين طوال القامة..تانيا تلقي برأسها الجميل على صدر سلاف بعيداً عن مستوى الأرض، وتمارس معه وإياه بكاء العاشقين الذين يشهدون بعد غياب العدل كيف تحول تمثال تانيا الطويلة إلى معلم سياحي وكيف ينشغل المسؤلين بتغيير ملابسها إلى ملابس قصيرة تعري ساقيها وإظهار مساحة كبيرة من ثدييها، وزراعة النوافير الباذخة من حولها..

 وها هي مها السويفي تكتب الحياة على جدران البيت في حوض الجاموس، وتستحضر سيرة أبيها الذي عشق أمها لدرجة الفراق وعذبها معه بعذابه فيها لا يفارقه طيفها، مثل على القزعة الذي يطارده طيف بطة، فيتأخر عن إصلاح سيارة المأمور فيلقي به في السجن، وعندما يطعن أحدهم المأمور على خلفية الانتخابات، لا يكون غيره ضحية جاهزة، ولكنه يستبق القرار بالتلاشي متحولاً من حقيقته الآدمية إلى وهم ليقبضوا على الريح، بعد أن تدورت روحه وسكنت روح بطة التي مارست شبعها حتى التمزق والموت.

 

 - 5 -

مها السويفي تبحث في مدوناتها، تهرب منها الأقلام والأوراق، فهل تهرب منها جدران البيت أيضاً وهل تهرب المرآيا خلف ورق الجرائد. وهل ترى صورتها بالفك المكسور والعين المفقوءة، والوجه المشوه، اعتقادا منها أن في ذلك صورتها الحقيقية, والتي يصفها أحمد الدالي لزوجاته, أم أن ذلك نتيجة الاختلال في علاقة محمد السويفي وليلى الأصيل, أو الاختلال في العلاقات التي أثمرت أحمد الدالي منذ جده أحمد الدالي الكبير الذي أحب عزيزة الفلاحة الفقيرة المتعلمة فأخلصت له وسلمته نفسها، فسكنه الخوف من خيانتها له, فتزوج سوسن التي كانت تعامله كذبابة. فيما عزيزة تسقط في المرض مصدومة ينتشلها معلمها الفرنسي ويتزوجها ويطير بها إلى باريس, وتظل طيفاً يطارد الدالي, فيبيع أملاكه ويسافر إلى فرنسا للبحث عنها دون جدوى.

قدر الدالي أنه لم يقابل امرأة في قوة انشراح السبتاني تقف له، كما وقفت لمصطفى الرمرام الذي غرر براويه بنت عنايات ورفض الزواج بها بحجة الدالي الأول..

 أي خلل يسكن الرجل الشرقي لدرجة التدمير بين حبة للتملك وقدرته اللانهائية على الحب والعشق..

 ماذا تكتب مها السويفي في مخطوطها الذي تمزقه وتهرب إليه من جديد، يستبد بها الشعور  "مثل قطرة ماء وسط ذلك الاتساع غير المحدود من المياه تخاطب نفسها. ماذا أساوي وأنا وسط هذا المحيط الهادئ، إنني لا شيء في هذه الحياة ذات الأعماق السحيقة" وبينما هي تخاطب نفسها تلتقطها المحارة المفتوحة وتغلق عليها فتتحول المرأة/ السمكة من قطرة ماء إلى لؤلؤة ثمينة تختزن أغنيتها الطويلة.

 أي أغنية تلك التي ستنظمها، ومن أي الحكايات تجمع كلماتها، ومن أي رؤى ستعثر على إيقاعها وحوض الجاموس غارق في العتمة يقدم الحياة عارية صاعقة في براءتها ووحشيتها، مذهلة في واقعها الذي يفوق الخيال فأحمد أبو خطوة يتزوج من جنية وينجب منها 26 ولداً أسماهم جميعاً على حرف الشين، وصار صاحب خطوة يظهر ويختفي في أكثر من مكان على هيئة درويش من أتباع الطريقة الأحمدية.. وكأنه طالع من ثنايا ألف ليلة وليلة ليقتفي آثار فاديم ايفانوفتشي الساخر الذي تتردد حكاياته في أكثر من مكان سارداً قصته عندما كان خادماً في الدير, وذهب يستحم في النهر تاركاً ملابسه على الشاطئ، فيتصادف مرور حسناوات برجوازيات يأخذن ملابسه ما عدا القبعة التي يستر بها عورته, فيساومنه أن يرفع يده اليسرى, فيستر عورته بالقبعة  بيده اليمنى، ثم يطلبن أن يرفع يديه معاً فتظل القبعة مرفوعة ولا تسقط، فلا يملك غير توجيه الشكر لتلك القوى التي جعلت القبعة مرفوعة. ذات السخرية التي يوزعها حول سقوط جدار برلين مع أصدقاءه الذين يضرعون إلى الله أن يسقط الجدار بعد خيانة زوجاتهم لهم.

وعندما يسقط الجدار يدعو ايفانوفتشي إلى شرب أنخاب الزوجات اللواتي ينقذن أزواجهن وقت الشدة بالخيانة الزوجية.

 فهل كان على معلمة اللغة الانجليزية الجميلة، التي تزوجت على غير رغبة أهلها وسكنت مع الشاب الفقير في حي الجاموس، أن تخون زوجها دفاعاً عنه. أم تظل أمينة لنشأتها وتقاليدها، وتعامل الأوباش بارستقراطية مترفعة حتى بعد أن تناوبوا عليها اغتصاباً. إلى أن جاء أهلها بعربتهم الفاخرة وأخذوها وكأن شيئاً لم يكن. لكن الزوج ماجد المقهور/ المطعون يهرب إلى بلد عربي يبحث عن رزقه..

من المنتصر ومن المهزوم في حوض الجاموس والحياة ماضية تقدم ضحاياها إلى المحرقة أو الجنون, كما حدث مع عدلات التي سقط زوجها في خلاطة مصنع الحلوى، وذاب مع العجينة، فعوضها صاحب المصنع بعض المال, وبعض الحلوى، وألحقها عاملة في المصنع، ولكنها وفي لحظة مراجعة ترى أطفالها يمضغون أبيهم مع حلوى المصنع فتذهب فراراً إلى الجنون..فكيف لمها السويفي أن تكتب هذا الجنون لا درب أمامها غير فضاء الشعر ولا وسيلة غير العزف على نبض مغاير، تبحث عن خيوط لا مرئية, تجدل منها عالماً مرئياً، تتجلى خيوطاً رهيفة مع نشع دمها النازف من روحها رافضاً حالات التناقض..فيسير السرد إلى مسارب متعددة والراوي يقع في اختبار الاختيار بين أن يكون راوياً عليماً أو محايداً أو ضمنياً أو حتى مصوراً فوتوغرافيا..فتنصهر سهير المصادفة/ الكاتبة ذاتا ومعرفة وشعراً في جبلة تقفز عن مألوف السرد، وتقدم ضفيرة مغايرة، لا تملك معها غير اللهاث المخبوء بحثاً عن سمكه الجيتار تلك التي تمارس الحياة بقدرية مسبقة، وتمارس الغباء بأقصى حالات الذكاء والمراوغة  "فتستدعي وفي الظرف المناسب ذلك العربي الجميل ربع القامة ذو اللحية المهذبة الأنيقة، الذي يقطع المدى..."

 

 - 6 -

هل يتخلصون من جلدها السميك، يستلون لحمها ويلقون بالهيكل بعيدأً فتفقد شكلها ولا يبقى منها غير غناء خافت ينبعث من الشرائح يصعد فوق صياح الصيادين المبتهجين

فمن ينهش جلد مها السويفي ويتجشأ دبيب الغناء المترسب فيها ؟

أحمد الدالي سليل الهزيمة يقف أمام الخيارات متعلقاً بالمواريث المزروعة فيه كابراً عن كابر, يتفانى في حبها ولا يمل من الهروب إلى زوجات أخريا يبذر فيهن نسلاً يقفز عن موت الشهوات.

أم أحمد منصور الذي رجمه قدره بها، فزوده بطاقة الانبهار التي أخذته إلى أقصى رجفات الشوق, يشف حتى يصبح كائناً أسطورياً من خلال تهويماته وهو الباحث عن العدل في مواد القانون, يتساءل عن السبب في اختيارها العيش مع نفايات الناس في حوض الجاموس وزوجها قادر وميسور, وعندما لا يجد الإجابة تحط على أذنيه حبات المشمش وتكبر حتى تصبح بحجم بيت أمه سكينة العمياء. فيعود إلى سيرة جده الأول الذي خرج حياً من رحم أم ميتة حملته تسعة أشهر, يكبر ويتزوج امرأة غنية تبني له بيتاً من طابقين, وتنجب منه منصور الذي تزوج جنية غاب معها وعاد ليتزوج سكينة العمياء التي تراه ببصيرتها..وتنجب منه أحمد منصور. ليكون الآدمي الخارج من رحم الأسطورة أو الأسطورة الساكنة في الآدمي, يدرب حشراته على الذهاب إلى بيت مها السويفي لتحتل الأرض والجدران ومسامات الهواء في الحجرات, فيما هو لا يفارق الشرفة يعيش معها حياةً أخرى تضج فيه بؤساً وعذاباً. يقص عليها أخبار عويضة ابن كفاية السباح الماهر، كيف قفز من فوق كوبري قصر النيل ولم يصعد, لأن باخرة نهرية هشمت رأسه فترسب في القاع, وكيف أحست أمه بالفجيعة وتساقطت عضواً عضواً دون ألم، وكانت تحتفظ بالأعضاء المتساقطة في حقيبة صغيرة، وعندما ماتت لم يجدوا شيئاً منها, فأخذوا يغسلون الأعضاء ويكفنوها عضواً عضواَ ويعيدون ترتيبها حتى اكتملت وهي ميتة بعد أن تشظت حية..

أي فنتازيا سوداء حاقدة يقدمها أحمد منصور، وتأخذك إلى تصديق اللامعقول ليصبح معقولاً بمصداقية القص ويصبح التأويل مقبولاً..

 وما الذي سيحمله الغناء الصادر عن شرائح لحمها المسلوخ، وعاصم البلتاجي الشيوعي السابق ورئيس تحرير مجلة معروفة، عندما تعرت أمامه قذف سمة على الأرض، وافرغ فحولته وبقي مع حسرته، تأخذه شهواته المحتبسة إلى تناقض القول والفعل، ما جعل أحمد منصور بحدسه الموروث من بصيرة أمه سكينة العمياء يتعامى عن مقابلته بعد وساطة أحمد الدالي له ليعمل في الجريدة..

فهل ما أحدثته مها السويفي بأحمد منصور هو ما حدث مع البلغاري فينسي سلاف, الذي ثقب حبها قلبه فهرب إلى بلاده حاملاً معه وجه أجمل امرأة في العالم

 

  - 7 -

 أربعة أشهر استمر النزف الأخير، طرحت مها السويفي جنينها بين يدي انشراح السبتاني التي أُخذت تردد مذهولة من غدر القدر "كل النساء القبيحات ينجبن وأنت لا يستقر حمل في جوفك.."  فيما مها عيناها ممتلئتان بالدموع مفتوحتان وشفتاها مضمومتان، وخلاصها أن يعزف جسدها أغنيته، وأن تسمع على الرغم من ارتطام الأمواج كما لو كانت تقرأ في البردية القديمة  "لا تجعل الشمس تغرب وفي عينيك وقلبك دمعة حتى لا يحاسبك الإله في منامك.."

 والظلام في حوض الجاموس دامس والحروب مستمرة، وانشراح السبتاني تنقل السوق إلى سور المدرسة بعد أن نفذت النقود وأصبح التبادل مقايضة.أحمد منصور يذوب وجداً في مها السويفي وينتهي إلى حرق نفسه مع وابور الكيروسين فيتوهج فتخلع سكينة العمياء ملابسها وتنكش شعرها وتهيم على وجهها، حتى وجدت ميتة مطبوع عليها شعار الكف الأزرق.

ولأن الحياة لابد أن تستمر، فإن حجازي القط يموت أيضاً، وتحلق انشراح شعرها الجميل التي احتفظت به من أجله، وتندب حظها ولكنها سرعان ما تعود لمواصلة رسالتها, وتطلب من مها استحضار ثلاثين اسماً منها سبعة عشر للإناث, وثلاثة عشر للذكور بعدد مواليد نساء الحي.حتى إذا مر مترو الأنفاق بالضاحية وفتحت المدارس الأجنبية يجلسون على مقاعد الدراسة. ومرحلة الانفتاح ظهرت تباشيرها بتحول أحمد القط من تجارة المخدرات إلى الغناء ويصبح مطرباً مشهوراً.

 لكن الفجيعة تطل برأسها فيموت ثلاثة أطفال دفعة واحدة، وتقرر انشراح إعادة ترميم مسجد القاضي وفرشه ليستقبل صلوات الناس, تساعدها على ذلك مها السويفي التي تخصص أرباح أموالها المودعة في البنك للنهوض بالمسجد ودعم مشاريع انشراح البستاني. 

 أحمد القط يعود إلى الحوض تائباً, ويصبح داعية ديني، يعلم الناس ويلقي عليهم الخطب، ويحكم على أمه بالموت رجماً ويهدم عليها الجدار.فيترك الناس المدرسة ويعودون إلى العشش بعد انتهاء تجربة انشراح الاشتراكية، وكأن كل من يفكر بالاشتراكية مصيره الرجم.ما يجعل مها السويفي تعود إلى حادثة انتحار كمال اللبناني، المخرج السينمائي الفذ الذي حصل على عدة جوائز, والذي يتهيأ للعودة إلى بلاده حاملاً اكتشافه الذي يجعل المشاهد يشم رائحة الوردة التي تظهر في الفيلم, فيقوم بتنفيذ الفكرة بالقفز من النافذة عند درجة 30 تحت الصفر, ويموت مرتطماً بالجليد.فهل ستنظف فالنتينا جليد شوارع موسكو وتشم رائحة وردة كمال اللبناني، وهي من آمن بالاشتراكية وأخلص لها فعملت ممرضة في الحرب العالمية الثانية، ووقفت أمام تنور المخبز في الكلوخوز، وساقت الترام، وتبرعت براتبها للشعب. فالنتينا تموت في يوم الاحتفال بعيد الثورة، وكل ما فعلته السلطات، أن كرمتها بالدفن السريع، في الوقت الذي تكتظ فيه الثلاجات بالجثث بانتظار دورها للدفن..لكن الناس في موسكو ما زالوا ينتظرون فالنتينا ليطرحوا عليها من جديد سؤال لينين الخالد.

ما العمل؟

 

والعمل ما أقدم عليه أحمد القط على نهج مغاير..

فلمن تغني الصافرات (عرائس البحر) وهل ستسحر الملاحين وهل ينجو منها اديسيوس وهل ستغلق سمكة الجيتار أذنيها وتستمر في الغناء كما فعل بتهوفن بعد أن فقد سمعة..

 

  - 8 -

 يسافر أحمد الدالي وتدرك مها السويفي أنها سفرته الأخيرة  (الغياب = الموت) فتصاب بالفجيعة, وتيقن في لحظة كشف أن "الحب والموت حالة واحدة وأن التجاذب بين جسمين يجعل منهما جسماً واحداً له خصوصية مميزة.. وان أي توحد بين كيانين يتكاملان ولا يجتمعان, فأحمد الدالي رجل يجيد الفعل ويعيش الحياة, وهي امرأة تجيد البوح وتتفرج على الحياة, فأي تكامل بينهما وعلى أي الخصائص يجتمعان؟"

هذا السؤال الذي تنطلق منه الرواية لتعود إليه.

وفي عودتها تترك أجنتها في المياه الضحلة خارج الشبكة, لأن هذه الأجنة مازالت تحتاج إلى فترة حضانة، ستكون هادئة لا تحاول المقاومة.

لن تحاول الخروج مرة أخرى.لذا تتخبط ولن تشكو الأسر ولن تغني أبداً للخلاص.ستتمنى فقط أن تسرد وبصوتها الحكاية حتى النهاية .

وها هو أحمد القط يبعد الناس عن مسجد القاضي, بدعوى أن المرأة التي بنته سافلة ولا يعرف من أين جاءت بالنقود..

يعتصم الناس في بيوتهم ولا يخرجون إلى الصلاة في ظل زعامة القط الذي أخذ يكفرهم. فتخرج مها السويفي من حالة الفرجة على الحياة إلى الفعل فتتصدى لأحمد القط. وتجذب إليه وتشعر نحوه بمودة ويعبرها شيء كالحب.تحاول رده عن أفعاله وتقع مغشياً عليها فيحملها إلى المستشفى.فتنبض بين يديه وتسرب إليه بذرة عشق.

وفي غيبوبة النهاية تتجلى أمامها لعنتها الأولى, ويطل عليها جدها وهو يخبئ أمها عند مرور موكب الملك فاروق. وينكرها عندما يسأله صديقه عنها يدعي أنها ابنة الجيران, وعندما يعود للسؤال يخبره أنها وأهلها غادروا إلى الإسكندرية..

وها هي بناءً على رغبتها أو رغبة زوجها، تعيش منفية في حوض الجاموس, مع نفايات البشر تبحث في جحيمهم عن لؤلؤات مضيئة, تتعرف فيها على لؤلؤة روحها الساكنة في أحد البشر.فهل سكنت روحها في أحمد منصور الذي أحبها فاحترق, أو في أحمد القط الذي لم يفارقها فدفع حياته ثمناً لذلك, وتقبل ظلم أخيه الأصغر وتلميذه محمد القط الذي أوسعه ضرباً ونادى في حوض الجاموس ناطقاً بالحكم الجائر:

- لقد صبأ أحمد القط ابن العاهرة.

 من الذي صبأ وكيف؟.لا يعصمها من عذاب الأسئلة غير وجه صديق طفولتها الأسود الجميل ذو الشعر الاجعد, الفنان نور الذي أحبها بصمت ولم يعلن عن حبه, وهي التي أعلنت لكل من في المدرسة الإعدادية عن حبها له.غاب نور لم يترك غير فرشاة وألوان وذكريات تحفظ الحقيقة الأولى.

هل تهيأت مها السويفي للرحيل أم ذهبت إلى غيبوبة التجلي للانطلاق في رحلة أخرى  "فها هو العربي الأصيل قادم ليواصل ما انقطع من حديث, وها هو أحمد الدالي يطل عليها بوجه ديستوفسكي يرتل وبصوت ليس صوته مقاطع من كتاب الموتى".

" قم لخبزك هذا الذي لا يمكن أن يجف، وجعتك التي لا يمكن أن تصير فاسدة إذ بها تصبح روحا "

                                

 

  - 9 -

هكذا تكون النهايات أو ربما تطل البدايات.

ينتهي النزف طارداً أمامه آخر النبض، مشرعاً البوابات لرجفات نبض جديد. تخرج مها السويفي من مسجد القاضي محمولة على الخشبة المعبقة بالرماد, تطير بها المحفة إلى مقابر الصدقات. ويكتشف أحمد الدالي أنه نسى وبشكل مطلق ملامحها التي كان يحفظها طوال حياته فأخذ يصيح:

طيري يا مها.. أمامك البحر وخلفك هذا الخراب العظيم.. طيري وحددي لي مصيري.

وفي البيت يفتح الدرج المحرم عليه، ويواجه مخطوطها الضخم.يحرق جميع اللوحات الساكنة فيها, ينثر الرماد على البلاط يوزعه في صورة امرأة فاردة ذراعيها وفاتحة ساقيها, يضع المخطوط بين ذراعيها تارة وبين ساقيها تارة أخرى..

أما نجوى الساكنة الأزلية في البيت المهجور لم تخرج من الصمت أو عنه واكتفت بمطالب محدودة لم تلتفت إلى تورم يديها والرائحة المنبعثة منها, والتي يؤكد الناس أنها ليست بالرائحة المكروهة ولا المحببة, هي الرائحة التي شمها أحمد الدالي قبل موته بساعات, وكشف عن نجوي السواد ليرى أتعس وأرق جسد شاهده لامرأة عذراء معطرة بدمع ندي..

فهل رأى في نجوى الوجه الحقيقي والبهي لمها وهل كانت نجوى آخر انفجاراته تقول مها:

" فقد نامت يومين كاملين عارية على بلاط الغرفة المجاورة لانتحاره المفاجئ ولملمت حينما استيقظت ملابسها السوداء المبعثرة في جميع الأركان، ولملمت آخر مذاق لشفتيه وأماكن أسنانه على جسدها المنهك. وعلى الرغم من قرصها المتكرر لأذنيه وتكبيرها فيها, وعلى الرغم من هزها المتواصل ليديه وقدميه، وعلى الرغم من قراءتها العميقة لتوسل وذعر عينيه المفتوحتين، فإنها لم تجد وسيلة تتحقق بها من موته إلا حك رغبتها الأخيرة في رخاوة ذبول اسمر ينام على جمال آسر لمن هيأ نفسه أخيراً لي "

أي انفجار هذا الذي يسدل الستار على حيوات انصهرت في حياة، وأي تشظي يرافق ما بعد الانفجار ويتوزع في المساحات، كلما ابتعد عن مركز الفعل زاد تألقاً وتأثيراً ضارباً قوانين العلاقة بين المركز والمحيط في لعبة الدائرة التي تحدد نقطة بدايتها موئل نهايتها..

فهل أودعت سهير المصادفة أسرارها في سمكة الجيتار التي/ تستطيع الرؤية من ثقوب الشبكة الضيقة، لأن أجنتها الآن في أمان، ولا يخيفها الذهاب إلى المياه الضحلة لتدفن ذيلها في الرمل وتغني, فربما ينفتح أمامها بحر مختلف عما كانوا يعرفون.

 

  - 10 -

وأخيرا فإن اعترافات سهير المصادفة أخذتني كقارئ إلى مدوناتها حتى السطر الأخير، وقدمت لي زاداً شهياً يليق بشهوات ورغبات مها السويفي، وعذبتني بعذاب نجوى السويفي وأحمد الدالي وأحمد منصور, فامتلأت حتى الجوع, ومازلت مع الأسئلة التي انبثقت من رحم الرواية, ومازالت تتناسل مثل شياطين تمارس العبث حتى الجنون.

وأقر بأن ما قدمته قراءة خاصة جداً، تعلمت من خلالها كيف أعايش اللذة في عمق الأسئلة، الأمر الذي يجعل من العودة للرواية مغامرة مغايرة كل مرة، فالرواية بقدر ما تحقق راحة الشبع عند المتلقي, بقدر ما تثير الرغبة في جوع جديد..

 

غريب عسقلاني


التعليقات

الاسم: غريب عسقلاني
التاريخ: 08/03/2008 23:20:05

الأستاذ/ ضياء الشرقاطي
اسعدني مرورك على مقالة جنة تضاريسها وعرة,ويسعدني ان اتعرف عليك وأتواصل معك اذا سمحت ظروفك بذلك
مع تقديري ومودتي
غريب عسقلاني

الاسم: ضياء حجاب ياسين الشرقاطي
التاريخ: 07/03/2008 13:51:41
الاستاذ غريب..استمتعت كثيرا وانا اسبح في روافد هذا النص..الى حد انني سحبته على الورق لاقرأه..
دمت بسلام...

ضياء الشرقاطي




5000