..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أوراق أدبية يستتبعها دفاع عن شعراء

مهدي شاكر العبيدي

 كتب الأديب الراحل عبد الجبار داود البصري مرة مقالة بخصوص كلف غيره من الأدباء بالمرحلة الأدبية المعروفة بستينيات القرن الماضي ، وما زخرت به من رهج وتثوير ، بل افتعال للمشكلات والقضايا التي تتصل وتحوم حول الأدب والفكر والثقافة ، وتفاعل الأديب معها وانتوائه أن يسهم بنصيبه في ما تطلبته واقتضته من اندراس وتعفية لسائر نتاجات المراحل التي سبقتها ، ومحو لأي أثر وطابع أبقاهما أولاء المجهودون المنسيون من أعلامها ، بمزعم أن الأدباء الجدد يتبنون هدفاً ، ويستنون خطة ، يبغون منها تغييراً ملحوظاً في عالم الأدب من ناحية وظيفته وغايته ومرماه ، وبخصوص أشكاله وقوالبه وطرائقه الصياغية ، وقد تفشت هذه الدعاوة في أغلب الأوساط الثقافية لعموم البلدان العربية ولم تقتصر على بلد الرافدين وحده ، فمني بالزراية والجحود والامتهان كثير من الرموز  الثقافية بلا وزر أو جريرة بدعوى أن كل ما أسلفوه وتولوا عنه من نتاجات الأفهام والعقول لم يعد ملائماً لمستجدات عصرهم ، ومؤهلاً للاضطلاع بأسبابه وتوضيحه ، هم الذين شهد عصرهم الإخفاقات والهزائم وفشل النظامات العربية في توفير أدنى ما يتوق له الفرد العربي وغير العربي المتعايش مع صنوه في هذه الربوع ، من حريةٍ و أمنٍ و تخلصٍ من الفزع والخوف ، فجاؤونا بتلك الشواهد الملفعة بالمعميات والتعقيدات والألغاز بآسم الحداثة التي تخطر وتعن لوجدان أي أديبٍ حقيقيٍ درج في أي زمن ، ومنتحلين من تمادي الحكومات في عتوها واستبدادها ولجمها للأفمام كي تمسك وتحجم عما تريد أن تقول ، مسوغاً لما يتسم به نتاجهم ممن اسفاف وتهافت وضعفٍ في أدائه اللغوي ، نجم عنه تقصيرهُ ونكوصهُ عن أن يدرك غايته ويفي بمطالبه وأغراضه ، وبالوسع والإمكان تجاوز ذلك وغضُ الأعين عنه ، لولا ما تكشف للناظر من زهوهم وعُجبِهم وكبريائهم السخيفة من تعاملهم وتصرفهم مع الغير ، وفي سياق لهوجتهم في المحافل أنهم سدنةُ الأدب و مُجددوه دونما اعترافٍ بأي دالة لمعطيات من سبقوهم في مراس الكتابة وقول الشعر في تنبيه الجماعات الإنسانية وتبصيرها بحقيقة واقعها المؤلم وما يُعرِّس فيه من الظلم و القهر والإجحاف ، فينبغي لها رفضه والانفلاتُ منه والتمرد عليه ، متوسلةً - أي المعطيات - لهذه المقاصد والأهداف بأمتن أساليب البيان وأملكِها للتأثير القوي في وجدانات مَن اختصوهم بالمخاطبة ، فلا مِراء أن نعى بدوي الجبل عقوق زمرة الأدب الجديد في بلاد الشام وتذمر من تطاولهم وفرط ادعائهم ، وشكا شكاةً مرةً خلل قصيدته في رثاء أحد قادة الحركة الوطنية ورموز النضال: ما لأبنائنا تجنوا علينا ؟ ، ويفوقه ويربي عليه هنا في العراق ، الكاتب عبد المجيد لطفي في التنفيس عن وجده وحرده في تضاعيف رسالة أو برقية تعزية بعثها إلى صديقه جعفر الخليلي يواسيه ويصابره فيها على رحيل شقيقه المغترب طوال عقود من السنين ، وهو الشاعر عباس الخليلي من البقية الباقية من أعلام النضال الوطني الصحيح وقراع المستبدين ، فضلاً عن نبوغه واستيلائه على اللسانين الذربين الشعر والنثر، اشتملت برقية عبد المجيد لطفي تلك على استغرابه وانكاره على الشعب والحكومة معاً ، استهوانهما صنائع من مضوا وغادرونا ملتاعين ومنكسرين جراء ما لحق بهم في حياتهم من غبن في نفس الوقت الذي يشهدون فيه سلبَ ما شاركوا في صنعه و تحقيقه لأمتهم من مفاخر وأمجاد ، ويولي اليوم من خلص لهم زمامنا ومقادتُنا في أي رجأ وصوبٍ من ربوعنا ، جل اهتمامهم وعنايتهم بأنفار كانوا إلى وقتٍ قريب مجرد علقات في أرحامٍ و أصلابٍ ، غير أنهم نافسونا في اقتطاف الجنى وتغلبوا علينا في تصيد الأوطار ، ومن هنا جاء تصدي عبد الجبار داود البصري وانبرائه لتسليط الضوء على مرحلة الأربعينيات التي حفيت بجمهرةٍ من حملة الأقلام والكتّاب المتمكنين من تسطير ما يخامرهم من هواجس نفسانية أو يخطر لبالهم ومخيلتهم من فكرةٍ أو انطباع عما يألفونه من حولهم من ظاهرةٍ أو مشهد ، مُعدداً في سياق ذلك أشهر المجلات والدوريات المزدهرة إبان تلك الحقبة. والطريف أن معظمها ظهر في مدن خارج بغداد ويحمل مسميات دالة على ما تحتويه من مجانٍ معرفية لقيت معجبين و محبذين لما تنشره من موضوعات أدبيةٍ وقصصٍ مشوقة ومباحث فلسفية وفصول في تحقيق المخطوطات وأصول إحيائها ونشرها ، هذا إلى قصائد الشعر وأخبار الأدب في المواطن العربية بحيث لفتت أنظارَ مُحرري مثيلاتها من المطبوعات التي تصدر هناك ، فيُعرِّفوا بها ويلخصوا بعض مقالاتها ، وذا يعني أنها كانت تصل مثلاً إلى معاصِرتها مجلة (الكاتب المصري) التي يشرف عليها الدكتور طه حسين ، وحيث يتكفل معاونوه في تحريرها باطلاع العميد المستطيع بغيره على فحوى هذه الموجزات والملخصات ، فمن بين هذه المجلات القمينة بكل تجلةٍ واعتزاز بما اسدته للثقافة العربية من آلاءٍ وأفضال ، مجلة الجزيرة في الموصل ، ومجلات الغريِّ والبيان والدليل والشعاع والاعتدال والهاتف في النجف ، وحسبك من كتابها البارعين و المجيدين بتوفيق الفكيكي ومشكور الأسدي وعبد الحميد الدجيلي ومحمد رضا المظفر وصفاء خلوصي و مصطفى جواد وعبد المجيد لطفي وشالوم درويش ويوسف رجيب وموسى كاظم نورس وذنون أيوب وصالح جواد الطعمة وبدر شاكر السياب وفيصل جريء السامر ، ينضاف إلى هذه العينة من الأدباء الواصلين الكُمّل صفوة شعراء البلد بمجموعهم ، وأذكر أني قرأت لأول مرة في نهايات الأربعينيات هذه المبخوس شأنها ويرومها مدّعو الاستنارة والانفتاح على ثقافات العالم بالمحول والافتقار إلى الجدة ، قصيدة الجواهري "بنت رسطاليس" منشورة بمجلة الدليل أو الاعتدال ورائعة محمود الحبوبي في الإهابة بصنوه المربي صالح الجعفري أن يغادر انكماشه وعزلته ، ويستحثه في تجديد عهده ومواكبته للشعر الفني ، وقد نشرتها مجلة الدليل أيضاً ، وقصيدة "السوق القديم" لبدر شاكر السياب منشورةً في مجلة البيان ضمن مواد عددها الخاص بفن القصة.

   ويستأنف الراحل عبد الجبار داود البصري إشهاره لما انمازت به النتاجات الأدبية من أصالة ورسوخ وحسن توثيق وتطلع للجديد دون الميل بصفحة الوجه عن لقياتهم هم ولقيات من جرى قبلهم في الميدان ، على غير ما استجّد وطرأ على الحياة الأدبية في حقبة تلت من تجميع الشلل الأدبية المتوافق أفرادها في أمزجتهم وأهوائهم ، والمتجانسة مشاربهم وتصرفاتهم ، والمتلاقية أحكامهم وقياساتهم فيقطعون لهذا المنتحل سمات الأديب بأنه شارف حد الابداع والروعة فيما فرغ منه من منجزٍ أدبيٍّ ، بينا ينبذون من اختلف معهم ونأى عنهم في تسلكاتهم الوصولية ، وذمَّ منهم تلونهم وركوبهم الموجات وتفننهم في الاعلان عن أنفسهم وكذا ينشطون لطمسه وعفائه ، وفي فترة الأربعينيات تداولت الأيدي ذخائر المؤلفات والنفائس الفكرية والأدبية والسياسية بلا أدنى ضجةٍ يفتعلها أربابها لأنهم مستوفون في غالبيتهم مؤهلات الأديب الحقيقي والواضع نصب عينيه الذود عن الحق المضيع والوصول بالملأ لما يرتجونه من هناءة ودعةٍ وصفوٍ ، وقد أكببت - صغيراً - على مطالعة ما ازدانت به واجهات المكتبات التجارية من مجموعات قصصية يصدرها ذنون أيوب من آن لآن ، وينعتها هو خماسيةً لاحتواء المطبوع الواحد منها خمس قصصٍ أو أنه يرفد بها قراءه كل خمس سنين ، ووقفت طويلاً عند مجموعتين لقاصٍ يهودي اسمه شالوم درويش يمتهن المحاماة هما (أحرارٌ وعبيد) و (بعض الناس) قال عنه جعفر الخليلي وهو يرسم لشخصه صورةً قلميةً رام منها أن تكون تقديماً لقصةٍ كتبها خصيصاً لكتاب "حولية الهاتف القصصية" الذي أصدرته دار الهاتف في غضون عام 1949 م : رغم أنه لم يخرج من بغداد فبوسعه أن يصف القرية العراقية ويصور وضعية ساكنها الفلاح وما يحف بها من شقاءٍ وبؤس ، فيبين كأنه واحد من أهلها ، وما قرأت شيئاً ذا بال في نقدهما على نحو ما عمَّ الوسط الأدبي إبان فترة الستينيات القصيرة و المحدودة بما يزيد على الأربع سنين بقليل من الأشهر لا عشراً ، لأنها أُستُهِلت بخواتيم حدث من أحداث السياسة وتقلباتها ، و خُتمت ببوادي حدث آخر من مفاجآتها وأدوارها ، لكن السرف في المبالغة والمراهنة على إضفاء ميزات وخصائص على شخوص بعض الناس ، وتطويل قاماتهم وتكبير حجومهم ، وإظهارهم بمظهر المبدعين والمصطنعين غربتهم ومعتملي وجوديتهم وسط مجتمع بشري ما تزال الزراعة تمثل عنصراً أساسياً في ديمومة حياته ومدها بالقوت كل وقتٍ ، هي العامل المؤدي إلى انتشار صيتها (أي فترة الستينيات) وفشوه على عذبات الألسنةِ والأقلام بشكل مفرط بحيث خيِّل لبعض المتابعين وراصدي التحولات الأدبية ، أن الجيل الأدبي الستيني هذا حقق المستحيل في تخطيه وتجاوزه لمعطيات مَن درجوا قبله ، وابتعد عن شأوهم وإمكان مساماتهم في نضجه وابداعه وتجويده الفني ، وكذا غلبت ما يمكن تسميتها بالوصفة الجاهزة لاستبانة استيفاء الأعمال القصصية لشرائط الفن واحتذائهم لقواعده وأصوله المرعية لدى كتّاب الغرب مما استوى في تحريه واستقصائه في النصوص القصصية سائرُ محترفي النقد وعموم النويقدين ، هي أن الكاتب الفلاني لم يدع أبطال قصته أو أشخاص حكايته يسترسلون بمحض تلقائيتهم وعفويتهم ، إن لم يستخدمهم أوعيةً مستوعبةً لأفكارهم ونوازعهم ، مقرنين ذلك بالتنويه أو التفصيل عن تشاؤمهم وانسحاقهم وشعورهم بالعجز عن فعل شيء يبدِّل من واقعهم ، فهم أبداً محبطون ومنكسرون جراء خيبة الآمال التي علقوها بحركة 14 تموز المنتكسة ولمّا يكتمل عامها الأول ، ألا ليتها ما انتكست ! وإلا ما صابحتنا كل مرّة فنون الاغترار والتعالي والاستئثار بنقد ألوان من النتاج القصصي ما أظن كتبته مستوثقين من امتلاك شغف القارئ وتولعه بتمحيص أحكامه ، إن لم تصدمه مداومتهم عليه عند النظر بخصوص عامة القصص.

    وأولى بمن يقنن القواعد أو يتحرى الأركان والأصول كي يلزم بها المنشئين ويوصيهم بمراعاتها واقتفائها ، أن يعفي ذاته من مؤونة الهدي والارشاد ، وبدلاً من أن يتعالم على الآخرين ، يجدر به تقديم نموذجٍ مكتمل من صنعه هو لئلا نصمه بأنه أديب فاشل ، ثم ان القصة بعد ان كتبت وذاع شأنها ، فما انتفاع كاتبها من ذينك الغمز والنقد ، أليتبِّع الوصية في محاولة تالية ؟ ، وهنا يلفي القارئون ذواتهم في حلقة مفرغة وقد شخص قبالتهم الأديب الفاشل والذي هو الناقد ، وقد تنبه المرحوم محمد مندور على هذه الحقيقة (1) ، فحرص على جعل كتاباته النقدية تحمل الطابع الذاتي وتهتم بعناصر الأسلوب اللغوية على شاكلة يقترب فيها بيانه من الكتابة الإبداعية ، فخلا نقده من أيما توجيه وإيصاء بترسم هذه الوجهة أو تلك غير تسجيل الانطباعات التي تركها الأثر المقروء في نفسه ، حتى لقد غالى المرحوم الكاتب المنسي عبد المطلب صالح إذ وجد مستوى عالياً في تحليله لشواهد من أدب المهاجر الأمريكية "يقف به في صفوف أروع الكتابة الانشائية بين كثير من آداب العالم" (2)            

    أراني و تجدني أسهبت مستطرداً إلى شرح حال واقع أدبي مقرف وباعث على الشجن و الحسرة جراء اختلال القياسات واضطرابها إذا أريد اعتمادها والاستعانة بها في تقييم أوضاعنا الثقافية ، فنراع بفرط الجهل وقلة الانصاف في تقدير حجوم المواهب ومداها في رفعةٍ واتضاع ، وقد فرغت تواً من مطالعة كتاب للمرة الثانية هو (دفاع عن شعراء) وكانت الأولى قبل سنين ، وكتب فصوله مؤلف عراقي من جيلٍ منطوٍ أو قديم بعض الشي كما يزعمون ، هو القاضي والمحامي الراحل - أبو هاني وأديب - توفيق الفكيكي ، ومحالٌ أن يضارعه أحد ممن يهرفون بانتفاء الحاجة لهذه الدفوع والمداخلات المُستوجَبة عن تباين الآراء وتغاير مواقف أصحابها من أولي السطوة والحكم في زمنٍ من الأزمان ، في مكنته القوية من التأليف الذي يبتغي منه صاحبه هدي الملأ سبيل الرشاد وتنقية حياتهم من ركام الأوهام والضلالات المتوارثة ، أو يباريه في اقتداره اللغوي المنبي عن استغراقه في مطالعات مضنية مذ عهده الأول صيرته من أصحاب الأساليب الكتابية المشحوذة أو أرباب البيان الرفيع والذي لا يشق على القارئ الذي خبر طريقته ومنواله في رصف ألفاظه أن يشخصه ويميزه ويفرده من بين صور البيان وأشكال التعبير.

   وغير خافٍ أن المؤلف تنقل في العقود الماضية بين جنبات العراق وجاب مدناً كثيرةً بحكم اشتغاله بالقضاء والمحاماة ، فانعكست ثقافته القانونية واستماتته في المدافعة عن الحقوق المغتصبة وردها إلى ذويها على حالته النفسية واحساسه الوجداني المتعاطف هو وتسجر أولاء النفر المفدوحين بالإهتضام والتعدي ، وكذا ريض طبعه على الصدق والجدية ، واكتسب قدراً فائقاً من الاندفاع والحماسة أثناء انصرافه للتأليف والكتابة إذ هو كاتب ممتهن هذا اللون من النشاط الانساني وشهرت عنه مؤلفات جمة في ميدان الشريعة والفقه والتاريخ والترجمة لبعض أعلام المسلمين ، من هنا استبانت تانك الحدة والقوة في اللفظ مما يؤثره لتجسيد براهينه وحججه ، وتجريد المكابرين من تعلاتهم ودفوعهم.

   شاقني أن يكون الفصل الذي كرَّسه لمساجلة الدكتور محمد مهدي البصير و ردِّ مطاعنه المسددة حيال أحمد شوقي وشعره ، من أوائل فصول الكتاب من ناحية الترتيب ، وكان بوسعه أن يطبعه في كتابٍ مستقل دون أن يمسكه في تفنيد تخرصات البصير وابطال مآخذه المسطورة في مقالاته بمجلة "الأستاذ" التي كانت تصدرها دار المعلمين العالية الملغاة ، و المبثوثة في محاضراته التي يلقيها على طلابه الدارسين الذين طالما لهجوا بكراهيته لشوقي واكتنهوا منها افتعاله الانحياز لحافظ إبراهيم ، أقول إنه لم يكترث بأية آصرةٍ أو صلةٍ تدني مكانه من البصير ، حتى يمتنع عن تبيان اعجابه بشعر شوقي وينهي عن تلفيق السقطات الفنية وإلصاقها بشاعريته الفياضة ، وتلي هذا الفصل المكتنز بنقض ما ريم به أحمد شوقي من تقليدية في النسج ، ومعاودةٍ على صياغة المعاني التي أشبعها القدامى وأبلوا جدتها ، مما ردده نافسون له في تحليقه الفني فدمغهم بتوفقه في حسن تصرفه فيها ، فصولٌ أخرى مخصوصةٌ للذياد ورد الاعتبار والكرامة الشخصية المهدورة لصفوةٍ من شعرائنا الماضين من ضحايا الافتيات والتحرش بلا ذنبٍ مقتضٍ فطالهم عدوان ظالم ، أغري به زمرٌ من أدعياء العلم و الموضوعية والغيرةِ على الدين ممن يستأثرون بمراكز مرموقة في الدولة المصرية زمن تحرير هذه الفصول ، وناهيك بما انصب على كلٍ من أبي العتاهية الشاعر الكوفي الصادق في تزهده وعروبته ، وسيد الشعراء الحميري القحطاني وأسمه الحقيقي اسماعيل بن محمد ، ولذلك صار يدعى السيد الحميري ولم يكن ذا نسبٍ علويٍ ، وكذلك دعبل الخزاعي فشاعرين آخرين لا نبرئهما من الارتكاس والتهاوي لبعض المآثم وهما أبو نؤاس الحسن بن هاني الحكمي أصله من اليمن ، والحسين بن الضحّاك المعروف بالخليع ، قلت وصموا من بعض أولاء الدارسين المدخولين بوصوم قبيحة منها الشعوبية والزندقة والالحاد والرقاعة والحمق والتحلل من الديانة ثم جردوهم من أصولهم العربية متجاهلين ما حبوا به من مواهب شعرية فذة ، وازدانت لغة الضاد بموحياتهم ومعطياتهم المتسمة بالبداعة والاشراق والسمو الفني  ، هذا من ناحية النسج والصياغة ونضد الكلام ، أما بخصوص ما احتوته أشعارهم من معانٍ فواجدوه نحن في ما عركهم به الدهر من محنٍ وتجارب ، وقست عليهم الأيام به من بلياتٍ ومصائب ، وحفل به زمنهم من مفارقات أفظعها ابتسامه بوجه المفسدين وجنفه ملوياً عن أهل الخير والصلحاء.

   وتصدي الباحث توفيق الفكيكي لتسفيه مفتريات أولاء الطارئين على الحياة الفكرية ودحض أراجيفهم ، وتنقيبه في بطون الكتب والآثار بغية البرهنة والإثبات بالأدلة الدامغة على براءتهم من كل شين وعيب ، ألا يُعد هذا المسعى من قبيل النقد الأدبي المتعدد الوجوه والجوانب ، والمتشعب الفروع والأغصان.               

•(1) أيام اتحاد الأدباء القديم شرع أحد الأدباء بتدوين ملاحظات نقدية على ما يصدره شعراء بأعيانهم من مجموعات شعرية ، فعَنَّ للسيد مجيد الراضي أن يبدي رأياً فيها ، قائلاً إنه لا يأتمن فلاناً على النقد الأدبي مثلما لا يأتمن العقيد عبد المجيد جليل مدير الأمن العام على جمهورية عبد الكريم قاسم ، ومجيد الراضي هو اليوم دكتور في الأدب أو التاريخ بدليل أنه تكـفَّل بمراجعة كتابٍ مترجم طبعته دار المدى عن التعليم في مصر زمن العصر الفاطمي ، وسمعت بطرفته هذه تتردد على لسان جليل كمال الدين قبل أن يغدو دكتوراً في الآداب الروسية و النقد المقارن ، وهو الآن قعيد دارته بعد أن أدركته أمراض الشيخوخة حسب ما أبلغني أخوه أديب كمال الدين شاعر قصيدة النثر ، إذ اتصل بي هاتفياً من مقر إقامته بأستراليا ، أما طرفة الدكتور مجيد الراضي فقد ظللت أضحك منها زمناً وكذاك شأني مع النكات والفكاهات الجميلة خاصةً إذا تفوه بها ناس مبرأة سرائرهم من الاضطغان والحقد.

•(2) التأثير الفرنسي في أدب محمد مندور ، تأليف عبد المطلب صالح ، الموسوعة الصغيرة - العدد 402 - 1997م.

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000