.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة أسلوبية في ديوان ( آخر الماء ) للشاعر الفلسطيني الكبير سليمان دغش...د. عمر عتيق

سليمان دغش

 

تحاورُ الدراسةُ ثلاثةَ مسارات تجلت في ديوان ( آخر الماء ) للشاعر سليمان دغش. ويتجسد المسار الأول بحزمة من الأيقونات السيميائية وهي الريح والروح والجسد والدم التي تشكل الجينات الدلالية للديوان . ويتمثل المسار الثاني بتقنية التناص التي توسل بها الشاعر للتعبير عن آفاق دلالية وتموجات وجدانية . ويقتصر المسار الثالث على أبرز تجليات مضمون الديوان .

حول الفضاء السيميائي  للديوان

  يتشكل العصب الدلالي والنبض الوجداني لقصائد الديوان من أربع أيقونات سيميائية وهي الريح والروح والجسد والدم ، ومن هذه الأيقونات يرسم الشاعر الفضاء الدلالي للقصيدة ، ومنها تتجلى الأطياف النفسية والتجليات الوجدانية للتجربة الشعرية . وتتوزع الأيقونات السيميائية الأربعة على مسارين متكاملين ؛ مسار رمزي مجازي يتمثل بالريح والروح ، ومسار حقيقي مباشر يتمثل بالجسد والدم . ويتماهى المساران الرمزي والحقيقة وينصهران في القصيدة حتى تغدو محاولة  الفصل بينهما مجازفة تفضي إلى تشويه المعمار الفني للقصيدة ، وتفتيت وحدتها العضوية والنفسية ، وذلك أن الأيقونات الأريعة تمثل معادلا موضوعيا توسل به الشاعر لعبر عن الدفقات الشعرية دلالة وإحساسا .

 والريح في الديوان علامة سيميائية تختزل أفقا دلاليا مشبعا بالثورة والمقاومة . ويمزج الشاعر بين الصورة الصوتية للريح  والأصوات الصاخبة في ميدان المواجهة ، فتبدو الريح صهيل خيل  يملأ فضاء الأرض ، فيهز السكون المألوف ، ويوقظ الغافلين في صحاري النفط والمنعمين تحت ظلال النخيل . وتتحول الريح من صهيل خيل إلى " تكبير " تصدح به " المآذن " كما يتجلى في قوله :

عَلى حافَّةِ الرّيحِ

كانَ الصَّهيلُ يَهزُّ النَّخيلَ

فَماذا تُهيِّئُ فيكَ الخُيولُ

وَماذا تَقولُ

رِياحُ المآذِنِ

يَومَ يُكَبِّرُ فيها الرَّسولُ ؟ ص 29

ويضع الشاعرُ الريحَ أو ثقافة الثورة في مواجهة الخطاب الديني التأويلي الذي لا ينسجم مع أبجديات المقومة ، ويربط بين القدرة الخارقة للثورة ومعجزات الأنبياء في قوله :

كأَنَّ عاصِفَةً تَمُرُّ الآنَ بَعدَكَ

فامتَلأْ بالرّيحِ

واخطِفْ ظِلَّنا عَنْ حائِطِ التَّأْويلِ

إِنَّ الرّيحَ وَعدُ الأَنبياءْ ..! ص 73

 ويربط بين السياق الزمني للريح والعودة إلى الوطن متوسلا بالدلالة الرمزية لطائر السنونو في قوله :

ضَعْ جانِحَيْكَ عَلَيْكَ إِذا هاجَتِ الرّيحُ

عَلِّمْ فُؤادَكَ عِشقَ السُّنونو الوَفِيّ ص 123

 والريح أو الثورة تقتضي ثائرا  يقدم جسده قربانا يفتدي به قضيته ، وينتصر به لوطنه ، لذلك اقترنت الريح بالجسد في غير موضع من الديوان ، وما دام لكل ثورة سيرة وتاريخ فإن توثيق الوقائع ، وتخليد المواقف يرتبطان بأجساد المقاومين، نحو قوله : 

عَلى جَسَدي

 

تَكْتُبُ الرّيحُ سيرَتَها

وتعدُّ فُصولَ الرَّحيلِ الطَّويل !! ص40

ويكرر الشاعر في القصيدة نفسها التعالق بين الريح والجسد ، أو بين الفعل الخالد للثورة والفاعل المقاوم ، ويكشف تكرار الصورة في القصيدة الواحدة عن كثافة الدلالة التي تمور في وجدانه، وكأن الدفقة الأولى أو الصورة الواحدة لا تستطيع أن تمتص حرارة الدلالة التي تكمن في أعماق الشاعر ، لذلك يعمد إلى تكرارها لحاجة نفسية مضيفا إليها إشراقات دلالية لا تتوافر في الصورة الأولى، نحو قوله :

عَلى جَسَدي

تَشْحَذُ الرّيحُ خِنجَرَها

طَعنَةً

طَعنَةً

وَتؤرِّخُ بالدَّمِ

أُسطورَةَ المُستَحيلْ ص 41

وتتحول الريح إلى عواصف ، ويقتضي هذا التحول  تحولا موازيا ، فينتقل الجسد من دلالته الفردية إلى دلالته الجماعية ؛ إذ إن المقاوم  تحول من فرد إلى وطن ( بلد )  ، وقد تجسد هذا التحول في سياق اتساع دائرة الريح أو الثورة من فضائها الإقليمي ( فلسطين ) ، إلى فضائها القومي الذي رمز إليه الشاعر بـ " الجزيرة في قوله :

جَسَدي هُوَ البَلدُ الوَحيدُ

نَذَرْتُهُ للرّيحِ إِذْ ضاقَتْ بهِ الدُّنيا وَضاقَ بِها

لَعَلَّ الرّيحَ تَأْذَنُ للعَواصِفِ ذاتَ يَومٍ

أنْ تُحرِّكَ ذَيلَها الغافي عَلى خَبَلِ الجَزيرة ص 62

 والروح في الديوان علامة سيميائية تختزل دلالات الإرادة والعنفوان ، وتكاد دلالة الروح في الديوان لا تنفصل عن السياق  الدلالي للريح والجسد ، فهي جينات دلالية تتخلق منها معظم قصائد الديوان ، ويصل التعالق بينها درجة التماهي والانصهار ، إذ إن عزل عنصر منها يفضي إلى تفكك الصورة الشعرية ، فلو تأملنا قول الشاعر :

هِيَ الرّوحُ ريحُ الخُلودِ

فكُنْ عارِياً كَالورودِ

وَهَيِّئْ حُضورَكَ مِلءَ الغِيابِ

وَمِلءَ الوجودِ

وَكُنْ حاضِراً أَبَداً

يا جَسَدْ..!!! ص 12

فالتجانس اللفظي بين الروح والريح في قول الشاعر : (هِيَ الرّوحُ ريحُ الخُلودِ ) يناظر التجانس الدلالي بين دلالة الثورة ودلالة العنفوان ؛ إذ لا ثورة بلا إرادة وعنفوان .

ولو تأملنا الترابط الآتي بين الروح والريح والجسد والدم لأدركنا أن الفضاء السيميائي للديوان كله يتشكل من هذة الأيقونات التي أشرنا إليها ، ففي قوله :

لا شَيءَ يَحْمِلني إِليكِ سِوى دَمي

 

وَدَمي بَريدُ العائِدينَ منَ الفَضاءاتِ البَعيدَةِ

لاخْتِصارِ الرّوحِ في جَسَدٍ

يُعِدُّ جِهادَهُ وجِيادَهُ للرّيحِ  ص 58

  

وإذا كانت الريح ثورة والروح إرادة والجسد تضحية فإن الدم في القصيدة  إضاءة تنير درب الثورة وبخاصة تلك المنعطفات الحادة  والوقفات الضبابية التي تتعرض لها مسيرة المقاومة . ونزيف الدم عبق يفتح مسامات الإرادة ويبدد عتمة الخوف والتردد ... وتنسجم هذه العناقيد الدلالية مع أقوال موزعة في حنايا الديوان ، نحو :

هُوَ الدَمُ يَمكُثُ في الأَرضِ ص 42

  

  

قالَ الدَمُ :

اتّبِعوني

 فَوَحدي

الدَّليلْ  ص 42

وَحدهُ الدَّمُ بوصَلةٌ لا تَضِلُّ السَّبيلَ  ص 44

لا شَيءَ أَصْدَق مِنْ قَطرَةِ الدَّمِ ص 46

  

تقنية التناص في الديوان

التناص الديني

يتخذ الشاعر من الفضاء الكوني معادلا موضوعيا للفضاء النفسي ، فيسقط حزمة من المشاعر المثقلة بالخواء والجراح على السماء والفضاء مستلهما جراح السيد المسيح ومعاناته في قوله :

عَلى حافَّةِ الرّوحِ

 

لا نَجْمةٌ في سماءِ الجَريحِ

 

كَأَنَّ الفَضاءَ الفَسيحَ الكَسيحَ

أَعدَّ الضَّريحَ

لِصَلبِ المَسيحِ

وَما قَتَلوكَ وَما صَلَبوكَ

فَكانَ الصُّعودُ

وَكانَ الخُلودُ

وبَشَّرَ بالصُّبْحِ في راحَتيْكَ الوضوحُ ...!! ص 22

وينصهر السياق الدلالي المستدعى مع التتابع الإيقاعي الرأسي في قوله ( الجريح والكسيح والضريح والمسيح ) ، ويشير هذا التعالق بين الدلالة والإيقاع إلى تناغم معاناة الفلسطيني مع مأساة السيد المسيح ؛ إذ إن خلو السماء من النجوم ، وعجز الفضاء الكسيح يرمزان إلى خواء الفضاء السياسي وتخلي " الأشقاء " عن فلسطين المصلوبة على جدار الغاصبين ، ويناظر هذا العجز السياسي صلب السيد المسيح الذي لم يجد من يدافع عنه في معاناته . لكن الشاعر يلوذ بالسياق القرآني في قوله (وَما قَتَلوكَ وَما صَلَبوك) َ فيستدعي قوله تعالى ((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)) (النساء:157)  ليؤكد على أن معاناة الإنسان على هذه الأرض لن تدوم ، وأن عدالة السماء بالمرصاد ، لذلك حرص الشاعر على تصوير مشهد نجاة السيد المسيح وصعوده إلى السماء في قوله : ( فكان الصعود وكان الخلود ) مستلهما قوله تعالى : ((بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً)) (النساء:158) وينتهي المقطع بالبشرى في قوله : (وبَشَّرَ بالصُّبْحِ في راحَتيْكَ الوضوحُ ) ، وهي بشرى مستمدة من عودة المسيح المخلص إلى الأرض لينهي الظلم والفساد في الأرض ؛ ولا تنفصل هذه العودة والبشرى عن عودة الفلسطيني إلى أرضه المصلوبة على جدار " الغرباء " .

  واللافت أن الشاعر يستدعي مشهد صلب المسيح كلما ضاق الأفق السياسي العربي ، وشعر بابتعاد فلسطين عن الخريطة السياسية ، كما يتجلى في قوله :

وَحيداً

عَلى شاطِئِ المُتَوسِّطِ

مَرَّ الغَمامُ الكَثيفُ عَلى راحَتيَّ

اتكَأْتُ عَلى خاصِرِ الرّيحِ

أَستَلهِمُ الرّوحَ

كانَ المَسيحُ المُعَمَّدُ بالدَّمِ

حَتّى الوضوحِ

يُعِدُّ العَشاءَ الأَخيرَ عَلى أَرضِ قانا الجَليلِ

ويَصْعَدُ فَوْقَ صَليبِ القِيامَةِ

نَحْوَ السَّماءْ.. ص  55

فالشعور بالوحدة والاغتراب ، وغياب الصوت العربي على  امتداد  شاطئ المتوسط  لم ينل من عزيمة الشاعر وعنفوانه ؛ فاتكأ على خاصرة الريح ( المقاومة ) ، واستلهم الروح ( العزيمة ) ، واستحضر صورة المسيح المعمد بالدم ، واستدعى صورة العشاء الأخير جامعا بينها وبين مجزرة " قانا " ومحدثا انزياحا جغرافيا بنسب قانا إلى الجليل الفلسطيني بدلا من قانا اللبنانية .

 إن استدعاء صورة العشاء الأخير ينسجم مع شعور الفلسطيني بالوحدة والاغتراب وخيانة " بعضهم " لقضيته ؛ إذ إن السيد المسيح أخبر أتباعه في ليلة العشاء الأخير أن " أحدهم " سيخونه ويسلمه ، وذلك في اشارة إلى ( يهوذا الاسخريوطي) الذي خان المسيح وسلمه لليهود ! ففي العشاء الأخير تناص مضمر يربط بين الخيانة التي تعرض لها المسيح والخيانة التي  أضاعت فلسطين . والربط بين دلالات العشاء الأخير ومجزرة قانا يتفق في الأسباب والملابسات والنتائج ويختلف في التفاصيل .  ونسبة قانا للجليل يعد تحويرا جغرافيا للحدث يثبت وحدة الحال بين الجليل وقانا ، ووحدة الفاعل القاتل في كليهما . وتتكرر البشرى في نهاية المقطع تأكيدا على أن الغربة والاغتراب والخيانة إلى زوال ما دامت ( قيامة الخلاص ) آتية لا محال في قول الشاعر : (ويَصْعَدُ فَوْقَ صَليبِ القِيامَةِ  / نَحْوَ السَّماءْ..) .

ويتحول الصليب في شعر سليمان دغش من دلالة المعاناة والقتل إلى دلالة التحدي والمواجهة في قوله :

أَعِدّوا الصَليبَ إذاً

أَيّها المارِقونَ على رَملِنا الساحِليِّ

لَكُم هامِشُ البَحرِ

لكنَّ أَمر العَواصِفِ رَهنُ يَدَينا

أَعِدّوا الصَليبَ كَما تَرغَبونَ

فإنَّ القيامَةَ تَبدأُ مِنّا ص 80

فلم تعد آلام الصلب تخيف الشاعر وتكسر شوكة إرادته ما دام نزيف الجسد لا يقوى على عنفوان الروح ، فالآخرون " مارقون " لن يُكتب لهم الخلود على هذه الأرض ، والآخرون قد يطوقون خاصرة البحر لكن عواصفنا ستغرق مراكبهم ما دامت ( القيامة تبدأ منا ) . إن تكرار مشهد ( القيامة ) في غير قصيدة من الديوان يختزل حتمية الخلاص ، وأن استمرار المعاناة مرهون بأجندة زمن آت .

 وفي موضع آخر يتلاشى تأثير الصليب أمام أسطورة الثبات والرباط في قوله :

إِنَّ صَليبَكَ الخَشَبيَّ

 لا يَقوى عَليكَ

وَلا السَّلاسلُ

والزَّرَدْ  ص 63

 ويمتص الشاعر معجزة سيدنا إبراهيم حينما نجاه الله جل وعلا من النار الحارقة في قوله :

وَلَستُ نبيّاً لأَخرُجَ من قَبضَةِ النارِ حَيّا

وَلَمْ أَكُ يوماً فراشةَ ليْلٍ

لأَرقُصَ فوقَ اللهيبِ.. وأَفنى ..! ص 76

يستحضر الشاعر في هذه السطور قوله تعالى : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ( 69الأنبياء ) وتبدو الدفقات الشعورية في هذه السطور مثقلة بالحزن الذي يبدو قريبا من التسليم بالأمر الواقع ، فهو يفرق بين القدرة البشرية المألوفة والقدرة الربانية التي جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام . وفي موضع آخر تتصاعد الدفقات النفسية في السياق ذاته فيبدو الشاعر أكثر قوة وتماسكا واستعدادا لمواجهة التحديات في قوله :

  عَلى بُعدِ دبّابَتينِ وأَدنى

أُهيِّئُ للموتِ روحَ نَبِيٍّ

يُحَوِّلُ نارَ الجَحيمِ سلاماً وبرداً

وَيَفلَقُ في الصَّخرِ ماءً هَنِيّا

كأَنَّ ملائِكَةً تَتَنَزّلُ تَحتَ جَناحِ الظَّلامِ

وتُبعَثُ فِيّا ص 79

 فقد تحول السياق النفسي  .للقصيدة من القبول بالأمر الواقع إلى رفض الواقع  والتصدي له ، وكأن غطرسة " الآخر " المتمثلة بالدبابة فجرت في أعماق الشاعر القوة الكامنة في الأعماق... تلك القوة التي لا تظهر إلا في المواقف الحاسمة ، فالشاعر يهيئ للمواجهة روح نبي ترعاه السماء وتنجيه من النار الحارقة ، وهي ذات الروح التي تجعلنا نتغلب على تلك " الدبابة " . وفي الموضعين اللذين شهدا تحولا نفسيا يكمن تناص مضمر يحتاج إلى ربط الدلالة الحاضرة بالدلالة الغائبة ؛ فالدلالة الحاضرة تتمثل بمواجهة الفلسطيني لظلم الاحتلال ومواجهة سيدنا إبراهيم للنار التي ألقاه فيها قومه ، والدلالة المضمرة تشير إلى الربط بين مغتصبي الأرض وقوم إبراهيم ، ولعل ما يعزز هذا التناص المضمر الآية الثانية ( ووَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [70]).

    ويبدو أن استدعاء الشاعر للمعجزة الربانية التي جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم قد وسعت مساحة الامتصاص من معجزات الأنبياء ؛ فاستدعى معجزة موسى عليه السلام في قوله : (وَيَفلَقُ في الصَّخرِ ماءً هَنِيّا) ، وهو امتصاص لقوله تعالى : (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) ( البقرة 60 ) ، ويضيف الشاعر بعدا قرآنيا آخر في قوله : (كأَنَّ ملائِكَةً تَتَنَزّلُ تَحتَ جَناحِ الظَّلامِ /

وتُبعَثُ فِيّا) مستحضرا قوله تعالى : ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) (30 فصلت) . وتؤكد هذه الكثافة من التناص على حاجة الإنسان إلى القوة الخارقة لمواجهة التحديات التي تبدو مستحيلة ، وعلى أن الإرادة وتوهج الروح كفيلان بتغيير( الواقع ) ما دام مفهوم ( المستحيل ) أضحى خرافة .

ويستحضر الشاعر قصة ( غار حراء ) وما زعمه بعض المفسرين من أن عنكبوتا نسجت بيتا ، وأن حمامة بنت عشها على باب الغار ...في قوله :

يَطولُ عَلى حافَّةِ السَّيْفِ صَيْفي

وَما مِنْ عَناكِبَ كَيْ تَستَعيرَ مِنَ اللهِ

إِبرَةَ وَحْيٍ

وَخَيطاً رَفيعاً

لتَغزِلَ سِتراً عَلى بابِ كَهْفي ص 118

ترمز  قصة غار حراء  إلى الأمن والسكينة في سياق نجاة الرسول عليه السلام وصاحبه أبي بكر الصديق من مطاردة  فرسان قريش ، ويشكل هذا السياق تقابلا مع السياق الفلسطيني الذي يفتقر إلى من يدافع عنه ويحميه ، فالفرسان الذين طاردوا الرسول عليه السلام وصاحبه فشلوا في القبض عليهما وإلحاق الأذى بهما ، أما الذين يطاردون الفلسطيني في أرضه وفي منفاه فلا أحد يصدهم عن بغيهم ، ولا  " غار حراء " يحميهم .

و يوظف الشاعر أبرز المزاعم التوراتية  التي تشكل مشهد صراع الفلسطيني مع الآخر  في قوله :

في أُسطورَةِ الوَعدِ الخُرافيِّ

كأَنَّ العِجْلَ لمْ يَفهَمْ وَصايا اللهِ

في صَحْراءِ موسى

فاشتَهى غُرفَةَ نَومي ص 88

ففي السطر الأول تناص مع  مقولة " الوعد الرباني لليهود في فلسطين " ، أو ما يسمى ( أرض الميعاد )

، تلك المقولة التي أضحت في الخطاب الوطني الفلسطيني أسطورة ، بل خرافة لا علاقة لها بالإرادة الربانية ، والجمع بين الأسطورة والخرافة في سطر واحد تعزيز لبطلان مقولة ( أرض الميعاد ) . وفي السطر الثاني تناص مركب من حادثة عبادة العجل حينما عاد موسى إلى قومه في صحراء سيناء ووجدهم قد صنعوا عجلا من ذهب له خوار ، ومن الوصايا أو الألواح العشر التي تجسد العقيدة اليهودية ، والجمع بين العجل والوصايا العشر يشكل ثنائية دلالية ؛ فالعجل رمز للخروج عن إرادة الله ؛ لأن بني إسرائيل خالفوا  وصية موسى حينما عبدوا العجل ، والوصايا العشر تجسد إرادة الله ، لأن الوصايا أوامر ربانية تشكل منظومة من القيم الإنسانية تتفق في جوهرها مع الأديان السماوية من حيث السلام والعدل وكرامة الإنسان . ويشكل قول الشاعر :( فاشتَهى غُرفَةَ نَومي)  تجاوز اليهود لما ورد في الوصايا العشر ، فقد قتلوا ودمروا واغتصبوا .

 ويجمع الشاعر بين استشراف التاريخ الأصيل ، والواقع السياسي الزائف في قوله :

      قَرَأَتْ عرّافَةُ التاريخِ دَمّي

رَسَمَتْ نَجماً سُداسيّاً

عَلى الرَّملِ

وأَلقَتْ في مَهَبِّ الرّيحِ اسمي...! ص 90

   فالنجم السداسي أو نجمة داود تمثل العصب الرئيس في الخطاب التوراتي الصهيوني ، وتختزل النجمة السداسية أبعاد دينية وسياسية واستعمارية ، ولأن ما تختزله النجمة السداسية لا يتصالح مع حركة التاريخ والآفاق الحتمية للمستقبل فقد رسمت العرافةُ النجمةَ السداسية على الرمل ، ومن المعلوم أن الكتابة على الرمل سرعان ما تُمحى وتزول ، فالكتابة على الرمل بشرى لزوال ما تختزله النجمة السداسية ، وفي مقابل  رمزية الرمل تأتي الريح رمزا للثورة . وبهذا يكون التناص التوراتي الذي تجسده النجمة السداسية قائما على ثنائية رمزية ؛ الرمل الرامز إلى زوال الآخر ، والريح الرامزة إلى بقاء "الأنا " الفلسطيني .

التناص السياسي

يوظف الشاعر تقنية الاسترجاع ، فيستحضر الفضاء السياسي للنكبة والنكسة وما رافقهما من مشاهد سياسية وإنسانية ، في قوله :

لماذا اتكأْتَ عَلى كَوْمَةِ الرّملِ؟

كَيْفَ تُصدِّقُ وَعْدَ الرِّمالِ

حَمَلتَ مَفاتيحَ بَيْتِكَ طَيَّ الضُّلوعِ

وَقالوا سَتَرجِعُ

يَومَ تُعِدُّ الجُيوشُ الشَّقيقَةُ

خَلفَ الحُدودِ

وَخَلفَ الوعودِ

بَنادِقَ لَغْوٍ

وَتَعْوي كِلابٌ عَلى قَمَرٍ عابرٍ وتجوح ص 27

فالمقطع يزخر بالرموز التناصية التي تحيل المتلقي إلى أحداث ومواقف تشكل نبض الذاكرة الفلسطينية ؛ فوعد الرمال يختزل دلالة الوعود الكاذبة التي أطلقتها الأنظمة العربية في أعقاب النكبة والنكسة ، وما دامت وعودا كاذبة فهي وعود رمل متحرك تذروه رياح الأيام . والمفتاح يجسد أيقونة رمزية للعودة المنتظرة ، ويعد المفتاح من أبرز الأيقونات الرمزية في سياق العودة في الشعر الفلسطيني . وبنادق اللغو تحيلنا إلى انكسار الجيوش العربية وفساد أسلحتها في معركة الدفاع عن فلسطين ، وعواء الكلاب على قمر عابر تناص رمزي يحيلنا إلى مطاردة الغاصبين للعابرين العائدين للوطن . إن هذه العناقيد الرمزية تؤرخ تفاصيل القضية الفلسطينية في لوحة فنية نابضة بالحركة والصوت مما يؤهلها لترسخ في مخيلة المتلقي ووجدانه .

ومن أبرز تجليات التناص السياسي  استحضار صورة الشهيد محمد الدرة الذي أيقظ الضمير الإنساني من سباته ، وغدا رمزا كونيا يصور نزيف الطفولة في فلسطين ، لنتأمل وصف الشاعر لبدايات المشهد المأساوي الذي تناقلته وسائل الإعلام المرئية :

هُوَ لا يُريدُ الموتَ

أَلقى رَأْسَهُ في ظِلِّ والِدِهِ

لَعَلَّ رَصاصَةَ القَنّاصِ تُخْطِئهُ

وتَمنحهُ قَليلاً مِنْ فَضاءِ الرّوحِ ص 33

تتجلى في السطور همجية الاحتلال وصخب الرصاص الذي لم يرحم طفلا ضاقت به الأرض بما رحبت ولم يتبق له سوى حضن أبيه.. لكن الرصاص أقوى من قلب الأب ، ورعب الطفل . هو مشهد يقارن بين رصاص الموت  وطفل يحرص على الحياة . ويتابع الشاعر توثيق تفاصيل المأساة بقوله :

هُوَ لا يُريدُ المَوتَ

خَبِّئْني أَيا أَبَتي ، وَلوَّحَ بِاليَدَينِ

لَعَلَّهُمْ يَتَوَقَّفونَ الآنَ عَنْ صَيدِ الحَمامِ ص 34

تحيلنا السطور إلى محاولة الطفل محمد الدرة  للاختباء والاختفاء والتلاشي في أحضان أبيه ، والأب يطوق  بيده جسم ابنه المرتعش خوفا ، ويلوح باليد الأخرى صارخا : ( مات الولد ) .

ويوظف الشاعر الفضاء العائلي وما يحويه من أبعاد نفسية ووجدانية ، فيقيم علاقة أمومة بين الأرض والطفل الشهيد محمد الدرة في قوله :

لَمْ يَجِدْ أمّاً هُناكَ لِتحتَضِنهُ

فَعانَقَتْهُ الأَرضُ

إِنَّ الأَرضَ أُمُّكَ يا مُحَمَّدُ

يا رَسولَ البَرْقِ فينا

هَلْ تُسامِحنا؟ ص 35

إن استحضار صورة الأم يضاعف المستوى النفسي للمشهد الإنساني ، فالأب عجز عن حماية ابنه ، والأم غائبة عن المشهد الدموي ، ولم يبق للطفل الشهيد سوى الأرض التي عانقت جسده المضرج بالدم ، وهو مشهد يجسد العلاقة الوجودية بين الإنسان والأرض ..علاقة الميلاد والموت .

  

الفضاء الدلالي

الانتفاضة والشهادة

أسبغ الشاعر سليمان دغش صفات تقترب من الأسطورة والخلود ؛ أسطورة المقاوم الذي امتشق الحجر سلاحا وحيدا لمقاومة الاحتلال  في قوله :

فَيا أَيُّها الدُّنيَويُّ البَهِيُّ

اقتَرَبتَ قَليلاً مِنَ الأَزَلِيِّ

تَهَيَّأْتَ للوَمْضِ

في حَجَرِ الأَرضِ

كَيفَ جَعَلتَ الحِجارةَ بَرْقاً

عَلى راحَتَيْكَ

كَأنَّ الحِجارَةَ حينَ تُعانقُ نبضَكَ تَحْيا

فَتَصْهَلُ في قَبضَتيكَ الخُيولْ ص 43

  يتحول المقاوم ( الدنيوي البهي ) إلى أزلي خالد  ، وهو تحول من الموت والفناء إلى الديمومة والبقاء ، ولا يخفى أن التحول  لا يعني  ديمومة البقاء للمقاوم بقدر ما يدل على خلود الفعل البطولي ، فالدلالة الأزلية ترتبط بما أنجزه ذلك المقاوم. ويتحول الحجر من دلالته المألوفة إلى دلالة سياقية  تتجسد بأنسنة الحجر الذي غدا كائنا حيا حينما يقبض عليه المقاومون ، ويتحول الحجر من أداة بدائية إلى سلاح أسطوري  ، وإنجاز استثنائي حينما يتحول إلى صهيل خيل في ميدان المعركة .

 ولا انفصام بين مشهد الانتفاضة وصورة الشهيد في قصائد الشاعر الذي رسم شعائر جنازة الشهيد وطقوس دفنه في قوله :

لَمْ ْيَغسِلوا الجَسَدَ المُهيَّأَ لِلسُّمُوِّ

كأَنَّما يَكفي حُضورُكَ في التُّرابِ

لكَيْ يُطَهِّرَكَ التُّرابُ

فَلَيسَ أَطْهَرَ مِنْ نَزيفِ الأَرضِ فيكَ

وَمِن نَزيفِكَ في الثَّرى

مَنْ مِنكُما كانَ القَتيلَ

وَمَن تُرى نَزَفَ الدِّماءْ ؟ ص 69

   فالشاعر يحيلنا إلى المعتقدات الدينية التي تحرص على عدم غسل جسد الشهيد من الدم ، وذلك تعظيما للشهيد وتمييزا له عن الميت ، وكأن دم الشهيد طهارة للجسد تغني عن الماء الطهور في السياق المألوف للموت ،كما أن الدم  نقيض الطهارة أما دم الشهيد فهو الطهارة بعينها ! ولهذا يعمد الشاعر إلى إبراز التبادل الوظيفي المقدس بين الدم والأرض. ويبرز في هذا السياق الفرق بين ثقافة الشهادة وثقافة الموت ؛ فجسد الشهيد المضرج بدمائه يندغم مع تراب الأرض اندغام عاشقين ينزف جسدهما من جرح واحد . وجسد الميت يُغسل بالماء الطهور ويدفن في الأرض كيلا  يتحلل ويؤذي عفنُه الحياة َ على الأرض ، وشتان بين جسد وجسد .

ثنائية النزوح والعودة

    يستمد الشاعر من جيوب ذاكرته الشخصية والذاكرة الجماعية  مشاهد النزوح والتهجير والنفي  في قوله :

وَكانَتْ رُفوفُ السُّنونو الحَزينِ

تَفرُّ إِلى جِهَةِ الشَّرقِ

إِذ يَبدأُ البَرْقُ

 قُدّاسَهُ الدُنيويَّ

عَلى

 مَأْتَمِ

 الأَنبياء ص 54

تتحول دلالة طائر السنونو من إطارها الرمزي العام إلى الإطار الفلسطيني الخاص ، فمن المعلوم أن هجرة طائر السنونو يعد أمرا مألوفا تقتضيه طبيعة مواسم هجرة الطيور ، ولكن هجرة طائر السنونو في السياق الفلسطيني تبدو " حزينة " في قول الشاعر : (وَكانَتْ رُفوفُ السُّنونو الحَزين ) ، وتختزل دلالة الحزن في هجرة الطائر مشاهد النزوح والهجرة القسرية عن الأرض ، وتمنح الأفق التخيلي للمتلقي فضاء حركيا وصوتيا للنازحين المشردين . ويحدد الشاعر مسار النزوح والهجرة في قوله : ( ِ تَفرُّ إِلى جِهَةِ الشَّرقِ) للدلالة على كثافة النازحين نحو الشرق عبر جسر نهر الأردن .

وتتحول أرض المنفى والشتات إلى " جحيم " ، ويغدو الوطنُ هو الفردوس المفقود في قوله : 

جَرَّبْنا جَحيمَ الأَرضِ

يا اللهُ

جَرَّبناهُ

خَمسينَ جَحيماً

آهِ يا فردَوسَنا المَفْقودَ

ما بينَ أنينِ الروحِ في أَجسادِنا

أَوْ بَيْنَ أَنّاتِ الفُؤادْ ص 104

يكشف الشاعر عن معاناة مخيمات اللاجئين في أرض الشتات أو الجحيم ...معاناة امتدت على مساحة خمسين عاما مضت على النكبة ( زمن نظم القصيدة ) . وتعد لفظة الجحيم علامة سيميائية تمتص الأبعاد الإنسانية والسياسية للاجئ الفلسطيني ، وتختزل كذلك حق اللاجئ بالعودة ، وبطلان الوطن البديل ما دام الوطن المغتصب هو الفردوس المفقود ...هذا الفردوس يناظر فلسطين ، وذلك اللاجئ المنفي يناظر " آدام "  الهابط من الجنة إلى الأرض .. وخطيئة التي أفضت إلى الهبوط وخسارة الجنة تناظر خطيئة النزوح والمنفى .

ويستبطئ الشاعر العودة المنتظرة في قوله :

لَمْ تَعُدِ النَّوارسُ مِنْ مَهاجِعِها..انْتَظِرْ !

فَلَرُبَّما تَلِدُ النَّوارسُ تَحْتَ إِبْطَيْها

الفَضاءْ..!! ص 70

ولا يخفى أن طائر النورس قد أضحى أيقونة رمزية في سياق العودة وبخاصة في الشعر الفلسطيني المعاصر ، والمهاجع في النص رمز للجوء والمنفى . وما دامت عودة النوارس يقين فالشاعر يحث على الانتظار حتى تنطق أجندة التاريخ بالموعد اليقين .

سليمان دغش


التعليقات

الاسم: فـــــــراس حمــــــــــودي الحـــــــــــربي
التاريخ: 2013-03-28 19:18:11
سليمان دغش


.................................. ///// جميل ما خطت الأنامل من الرقي والإبداع والتألق الحقيقي


تحياتـــــــــي فـــــــراس حمــــــــــودي الحـــــــــــربي ........................... سفير النـــــــــــــوايا الحسنـــــــــــــــــــة




5000