.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفاعل منصوب بضمة مزعومة /قراءة في نص (ازدهارات المفعول به) للشاعر العراقي سلمان داود محمد

فائز الحداد

القسم الأول

أية ازدهارات تلك التي يزدهر بها المفعول به..؟ وهو الواقع تحت تأثير فعل لفاعل.. ولماذا صيغة الجمع في ازدهاره المزعوم..؟ فمن المفروض أن يجني هزائم المفاعيل ( فاعل ) على وزن     ( فاتح ) أو شاعر والضحية هي المفاعيل وفي طليعتها المفعول به.

ولسنا هنا بصدد التعريف به نحويا فهذا معروف.. لكنني أبحث في ازدهاراته خارج دائرة النحو لامحال. إذ لا يزدهر شيء محكوم عليه بقانون قسري ألا ذلك الذي يتمرد ويحمل الجماح علامة للعصيان في الخروج على رتابة الأشياء وقوانينها الثابتة.. وإنني حين لا أرى ازدهارات للمفاعيل بتاتاً على صعيد النحو.. أرى إن المفعول به يزدهر فعلا حين ينتشله الشعر بأصابع شاعر متمرس لا يعي الأشياء إلا بالشعر ولا يحترم المفردة إلا تلك التي تشق عصا الانقياد. وتتمرد بل وتطغي، ويبقى الشاعر يطاردها في كل الثغور.. تارة صائدا، وتارة مروضاً. فان وقع أسيرها فلتت وانفلتت وليس له من سبيل عليها، وان روضها امتطى ظهر فرسها وقادها ضمن سرب خيوله الغائرة على وجه الورقة. إذاً  ستزدهر المفاعيل.. لأن الشعر من تزدهر به حصراً، ورجوعاً إلى متن نصنا حيث تجاوزت القصيدة مضمار فتحها المبين، وسجلت في الفضاء اكثر من إضاءة، وجاورت القمر يحق لها أن تبرز ازدهاراتها على نحـــو ((تبارز وحش الانترنيت)) بنجوم تنام على دفء الشعر وبإيقاع القلب الهامس والحالم بطيور شعرية تغزو الفضاء ولا تحط على الأرض إلا لتصلي في حضرة الشاعر الذي صير الشعر مهمازا لعوالمه الشاسعة. فكم جميل هو النص الذي تبدأ شرارة حرائقه من العنوان..؟ خصوصا ذلك الذي يحمل غرائبية مقصودة.. هاجسها الإثارة والجمال.. وأقول إن هذه الإثارة هي ما يبحث عنها الشاعر الذي يقول عن نفسه (عود ثقاب يبحث عن معبودات من اصل خشبي.. هذا أنا)، ولكن تلك الإثارة ليست كل الهدف إذ الأشياء لا تفصح عن مكنوناتها بمجرد عنوان، دون النزول إلى قاع بحرها العميق والذي قد يغرق أحيانا ونهرب أمامه عند هياجه في أول العاصفة.. فمن يعرف بوجع البحر عند العاصفة..؟ اعتقد انه الشاعر حصراً، فلا سجال أو معركة قبل خطة وأسلحة وجنود.. والذي ينال الظفر من يصل إلى فهم حقيقة النص، ويلم بكل أسراره. وهذا افتراض أيضا.. لان الظافر هو الشاعر أولا وأخيرا، لأنه من خلق النص و((الخالق)) دائما في القمة وهو وحده اعلم بأسرار ما يصنع رغم الخسائر التي قد يدفعها ثمنا لذلك.

 

جسد النص وروح العنوان

كثيرا ما يضع المبدع عنوانا لقصيدته من ثيمة تحملها القصيدة ذاتها أو من مفصل تعبيري مجتزأ منها أو اسم لمخاطب أو حادثة أو تاريخ. ولكن اكثر العناوين صعوبة تلك التي تنطوي على الإبهام أو الترميز.. ففي حالة كهذه يصبح العنوان بمثابة لغز أو شفرة تحتاج إزاءه إلى مفاتيح للحل، وهي بكل تأكيد بعيدة جدا عن سبل التنجيم أو خرافة السحر، وقريبة جدا إلى التحليل والتصور المعمد بالوعي والوجدان معا.. وبذلك تكون أشبه الأشياء إلى المعادل الرياضي البعيد عن التصورات الهامشية، والتي ترتكز على الافتراضات الغيبية العقيمة.

 إن اللغة وقبل كل شيء هي (رياضيات) بآلية اشتغالها البنائية وان الشعر هو صفوة اللغة لذلك فان العلوم الهندسية هي ابرز ما يناظره ويقترب منه خصوصا الهندسة المعمارية منها لأنها تبحث عن الخلق والإبداع ويكون الجمال بجانب الوظيفة خلاصة ما تبغي.. وعودة إلى موضوعنا أقول.. إن النص يبقى يحمل خفاياه إلى الزمن الذي تحل فيه رموزه وما بلغه من ذروة.. فمن غير المعقول أن يهدي الشاعر مفاتيح منجزه هبة للقارئ لكي يكشف أسراره بدون عناء، فهذه السذاجة تجعل من النص سلما للامساك بشوارده فتناله وتنال منه بشخصية صاحبه.. فالنص الجميل والرصين ذلك الذي يدرأ الهشاشة ويجمح إلى الغموض والإيحاء لأنه يذكر القارئ  بالمفردة  ويمضي عنه ليس بمعنى التكريس ولكن بمعنى التجدد والقابلية على التأويل. لان العمل الشعري المتمكن ذلك الذي كلما تقرأه تكتشف فيه معان وأسرار جديدة فكيف يحافظ المبدع على المعنى مع اختلاف الشكل..؟ هذا ما لا يجبك عنه النص، الذي يحتفظ بماء الحياة ويحمل رسالة الخلود التي لم يمنحها الخالق إلا لقلة من عباده.. وهنا تكمن أهمية النص في العنوان.. والعنوان في النص، وبآصرة العلاقة بينهما تفصح جدلية الانتماء عن نفسها بالذي يجمعهما ويعبران عنه دائما في الروح والهوية.

 

خيول خرافية

بحرف الكاف ينطلق النص نحو عالمه المجهول.. تجر عربته خيول خرافية لها دبيب يحيك دالات الشعر بمملكات ناعمة يكاد أن ينزلق الضوء عليها لتنسج الحرير بديدان القز التي يتشدق بها ((ملك القز))..  سلمان داود محمد، بإيقاد نار البوح من غير احتياط أو احتراز، فيطلق بوحه الأول (أدلي بكبسولات) تتبرأ من نفسها إن لامست التصريح بالصحيح.. إذ الشاعر (("الأشدق"  يلقي بتهمة اصفرار الذهب)) على المرضى.. فمن هؤلاء صفر الوجوه أو حاملي هذا اللون اللئيم..؟ كي يمنحوا لون وجوههم إلى الذهب ويحملوه كتهمة. فهل سيظل الذهب ذهبا إن صار لونه تهمة للغدر..؟ كلا لكنه سيظل رمزا للمعدن الثمين أن بقي معدن الإنسان نقيا لا تناله عوامل التشويه بما تفرزه عليه من عوامل التغيير. ولكن متى لا يفرق المرء (بين بيوت آيلة للسقوط) وأخرى (تفطر بالأيائل)..؟ فالأولى سترث الموت في سقوط محتوم والأخرى تتوسد الثراء في منازل عامرة، وما الأيائل ألا ملخص زادها المحمول على طبق من ذهب وهذا الذهب هو لون وجوه ساكني منازل الأيائل  لأنها تريد أن تحيا باغتصاب الحياة، وبروح البذخ ولساكني (آيلة السقوط) الموت.. لذلك تبقى التهمة قائمة مازال بوح الشاعر يدلي (تندراً) بـ (كبسولات عارية عن الصحة).

وبظلال الكاف ذاتها كانت هناك ثلاثة أصوات تشي إلى القطع في المخاطبة هي (أدلي ، اتهم ، لا افرق) لينتهي بـ (أزعم) أي ادعي بشك (إن شعوراً بضآلة الشأن أصاب القتيل) ويمكن التلاعب بهذا التأسيس (أزعم .. إن القتيل أصيب بضآلة الشأن). وهنا نلاحظ كيف يتحايل الشاعر في تأسيس هذا المفصل لأنه يريد أن يلقي بدم القتيل بذمة من كان سببا في (ضآلة الشأن) وهم أنفسهم المتهمون باصفرار الذهب والقابعون في المنازل المستأثرة بالبيوت الساقطة. لينجلي المشهد الشعري باستيقاظ العالم على هذه الكارثة (حين استيقظت البلدان على عثرتي)، وهذا مربط الفرس في تفجير المعنى وهذا هو أول المفاتيح نعيده إلى صاحبه بعد أن تمكنا من فتح بوابة خزانته الكبيرة لنطل على أسرار هذه القصيدة المهمة، بعد إن عرفنا أية سارية تلك التي يحملها بوجه الريح والتي وشحها بالغيوم وألقى بمفاتيحها في البحر، ولكي يضيِّق الخناق ويعرقل سبل الوصول إلى عالمه، يلغي سعة البحر ويحيله الى نقطة بهدف الإيهام.. فالبحر عنده (ليس اكثر من دمعة تتخفى وراء مكبرة)، حيث يبدأ هذا المفصل  بـ (كما) أي هو لا يزال يزعم.. وكذلك (إن أحجار النرد بقايا فيل يراقب من خلف زجاج المقهى) فماذا يراقب؟! (بياضي الفقيد) ولك أن ترى المفارقة الذكية في الطرح والمقارنة (البحر ، دمعة) و (النرد ، فيل) و (دمعة و نرد.. بحر و فيل) الأولى تتخفى وراء مكبرة من زجاج والثانية من نافذة المقهى وهي من مادة الزجاج أيضا، وبياض وجهه المفقود هو نتيجة (لعثرته) حين أصيب القتيل (بضآلة الشأن).

 

لعبة الشاعر

هل إن الرمز لعبة الشاعر في إخفاء المعنى، وتيه القاريء، في عالم القصيدة الشائك.. ؟

أقول أولاً.. إن الشعر هو نتاج فكري للمخيلة الشاعرة لكنه يتعدى محيط الأدب في الدخول إلى ميادين أخرى لأنه عالم غير منغلق على ذاته. ولو كان كذلك لبقي أحادي الجانب في التعبير.. وبوصفه كائنا حيا منفتحا يطرق عوالم أخرى بشكل متفاعل يعطيها ويأ خذ منها، وعلى أساس هذه الحقيقة يكون الشاعر على اتصال واسع بما يحيط به من أشياء، يتفاعل معها بحس عالٍ، ويعبر عنها بما ينسجم ومشروعه الشعري، لكي يبلغ بمنجزه الرشاد دون تكلف أو اصطناع.

وجواباً على تساؤلنا الكبير آنف الذكر أقول.. نعم.. الرمز لعبة الشاعر لأنه من يريد أن (يصنع نغلاً يتقن الصيدلة.. ويذود عن الحصبة بأحمر الشفاه) وبماذا.. ؟.. (بقليل من الغزاة)! أو (بنطفة من صيام يلقح الفصول). فأي نطفة تلك التي تلقح الفصول..؟ ولماذا (بقليل من الغزاة ) فاستخدامه لحرف العطف ( أو ) استخداما يفيد الإيهام والشك معا.. وهنا يتعمد الشاعر إلى الترميز لإخفاء ما يريد الإفصاح عنه، فالغزاة  دائما رمز للقتل والنهب والدمار، وبقليل من هؤلاء، وباتجاه مقصود يريد أن يصنع (نغلاً).. لم يولد من زواج حلال، (يتقن الصيدلة) وهو يعرف إن هذا (الصيدلاني) المزعوم ليس بمقدوره الذود عن "الحصبة" بصباغ الشفاه -لكنه أراده وبخيال التمني- أن يكون "مملوكا" ولد من نطفة لغازٍ لكي يملي عليه ما يريد، وينفذ كل شيء بطاعة عمياء. أو على الأقل يماثله أو يغازله في أحاسيسه.. لان الشاعر نفسه أدلى بـ (كبسولات عارية عن الصحة ) سلفا فهو من زرع (جينات الصيدلة) في نغل مصنوع..!! وإزاء هذا الذي يجري في ولادات الحرام فوق الأرض سيرتفع صوت السخرية والسخط عاليا.. حين أصبح الصمت سمة الألسن الناطقة، وأصبح الإيماء بالإيجاب رقصة الرقاب المغلوبة والمنكسرة. ولقد أبدع الشاعر في تصوير هذه المشاهد المؤلمة حيث أصبحت

(النعجة مقياسي في جرد ألانا - ناس) ولاحظ الحبكة الشعرية الفريدة الموصلة بحسية الوصف التصوري الهائل الجمال والدقة. فهو أشبه ما يكون بمشهد شعري ممسرح لم ينتبه أليه الإبداع مسبقا في شعرية (ألأنا ـ ناس) وتلك رقصة الرقاب التي تؤديها الملايين بل المليارات من الكائنات يوميا وفي كل لحظة ضمن رمزها..؟ ((النعاج)).. (رؤوس تومئ بالإيجاب.. وعجيزات تشير إلى العكس.. على أية حال) وهذا المفصل (على أية حال) تبنيه يوميء إلى بوح خطير قادم حتما وسيفتح نوافذاً لطرح مأساوي ينطوي على لوم أكيد للذات.. وهاهو الشاعر يخبرنا (كنت شريفا بالسخرة.. انسج من فقراتي القطنية سروالاً لعصا). والسخرة كما نعرف هي عمل بلا أجر. فمتى يطلب الإنسان أجرا على شرف بائن..؟ إذ أن الشاعر يحيلنا إلى معنى القهر، و (سخره.. أي أذله وقهره) وهذا وجه آخر للمعنى، فربما أراد أن يقول (كنت شريفا بالقهر) لكي انسج من فقراتي (سروالا لعصا) وكأن عيونه ساقطة في بحر هائج مزقتها رياح الدموع التي غربلها "سلمان"  يجني حدقاته.. (أغربل الدموع لأجني الحدقات). وإزاء ذلك هل يرى شاعرنا سبيلا للخلاص..؟

يقول:- نعم..

ولكن كيف.. ؟

بالحريق.. وأنا من يحمل مصدر النار.. (عود ثقاب يبحث عن معبودات من أصل خشبي ..هذا أنا). وعلى ما يبدو هو لا يثق بعود ثقاب آخر قادر على إضرام النار في تلك المخلوقات الجامدة  فالآخرون في نظره (أشباه دفوف) تحمل (جعجعة الرحى بدون الطحين) ولأنها ترمز لعرس الجراح بلا خلاص..  وتلك الأكف تصفق، وما أن تنتهي، تنام في جيوب خاوية لكونها كليلة لاتدرأ النشاز.. و (ماتبقى دفوف تقدم الوجوه اعتذاراً لهطول الأكف ). ونلاحظ الإمكانية الرائعة والتكثيف الجميل  الذي يفصح عن الموهبة الشاعرة باقتدار.

 

التنقيط

بعيداً عن الاستطراد الهامشي في الحكم على منظومات الشعر حين نلقي باللوم على صاحب المنجز أو الثناء عليه تبرز أمامنا ما أسميه بـ (التنقيط الاستدلالي)، وأقصد هنا النقطة الموصلة الى المفصل الشعري  الجديد، نجد أن الشاعر بعد كل ثورة يستلقي متعبا، ومستفزا يهيء لاستحضارات جديدة.. كالقائد بعد فتحه ثغرة في جسد الجبل. فقبل تسلقه يستجمع كل قواه وقوته لتسلق المجهول.. يجلس ويتمدد وربما يغفو إغفاءة ذئب، لأن الهدف لاينام في عينه.. وأفضل إغفاءة تلك التي تستحث الفجر وتسقط في اشتعال الشمس حين تدك أسوار الظلام فتهد العرى القاتمة وتبصم بالمطل على الولادة الجديدة للنهار الوليد. لذا وفي ظل شاعر غازٍ يقول (فجرا تنام المعاجم أصفارا في شمالي) وبعد أن أحالها أصفاراً، وواصل الليل بالنهار سينظر الى إطلالة المساء حيث اشتغال المخيلة الشعرية بنظرة متوفزة هي نظرة الترقب في صمت، لا يبوح إلا في داخله، وكأنه قد غادره لسانه عند تلك المعاجم التي استقرأ فيها غوامض المكنونات وأصابته (بخرس يستطيل) كي يخطط لما سيفعله.. وإلا ما قيمة الفجر إذا كان الليل من يحكم، في مرأى سلطان لا يفقه سوى السبات؟.

 

التسبيب الشعري

"هكذا أخوض" مقطعاً مجتزأ من مدخل جديد لمفصل مهم في الازدهارات فماذا سيخوض سلمان في معركة أو حوض ماء.. بـ (هكذا)  يبدأ شاعرنا جملته الحادة وبهذا الاستفزاز، أيعجبكم أو لا، ولا أريد أن أستقرأ خوافي الـ (هكذا).. وأسباب أسبابها، وقد اصطلحت على صعيد المغامرة اسم التسبيب الشعري أي نقطة السبب لما يجمح به الأطفال حين يصرون على الخطأ ويصر الكبار على تأكيد الدوافع في السبب حين يوغلون في المغامرة مهما كانت نتائجها ومردوداتها.. فالتسبيب في جني إفرازات المغامرة -على جسامة خسائرها- هي عظيمة لمن يركب بحرها ويتحمل أضرارها القاتلة بدون واعز ندم.. والخوض ليس بغريب على سلمان لأنه سيخوض في (عفن الأبواب وأطرق ما) فالعفن دائما يصيب الأجساد العفنة والآسنة التي أصابها الترك ونال منها السبات، فهي لا تستجيب ولا ترد الجواب الى من يطرقها.. وبماذا يطرقها؟، بـ(ما).. وقد تهرأت الأصابع على أضلاعها لترد أخيراً العرصات بـ (كو).. (ما كو) أي (لا يوجد).

والعرصات هنا تعني الأماكن المهجورة الخالية إلا من الصمت، أي لا تطرق فـ (لا يوجد ما يصلح للهضم) إلا الذي يزيد من اتساع كروش المنتفعين.. (ماكو أي لا تحتاج الى دورات مياه) وتستمر هذه الصورة الساخرة في ظل انحسار المياه وما يتصل في ذلك (قائمة الماء التي تعجز الجيوب الخاوية عن دفع أجورها، ليتسلل الموت الى شحة المياه في.. (كفن الضوء). وهذا هو القادم حتماً.

وفي تعميم ماكو تسقط الحليمات في أسواق النخاسة والسوق السوداء، ولا رسل من نسل طاهر يديم الحليب للأطفال المتضورين. حتى ذلك الذي يرمى في قمامة الغرب والذي يسمونه بـ (البيبي لاك) كذلك (ماكو كرة في حي العكازات) بعد أن أصبحت العاهات ظاهرة في الشوارع.. لذلك (لا قطارات تصل) الى محطاتها في المدن الأخرى إلا.. (الحصان يبحث في ظهري عن سوط)، فمن سينقذ سلمان من لهيب هذا السوط؟! وإلا سيموت التوهج في الزهور بممات زهرة الجلنار و           -(الجلنار)- هي مفردة تركية مركبة من (جل - نار) وتعني (وردة الرمان). وهذه استعارة ضمنية عن عار الدماء الباردة التي غادرها الدفء واللون وقد استحال الصباح عواء في.. (لا صباح في السعال الديكي).

ومما تقدم في عرض هذا المفصل من جسد هذه الملحمة، نجد عند بدايات اشتغال (ماكو) تكريس لها لا بمعناه السلبي بل لتأكيد شخصيتها (أو.. كذلك.. أيضاً.. لذلك.. وعليه) لنخرج وفقاً لما تقدم بالنتيجة التالية:

 

ماكو ميـاه ـــــــ  ولا جيوب

ماكو حليمات ــــــ ولا رسـل

ماكو غيابات ــــــ ولا كــرة

ماكو قطارات ـــــ  ولا حصـان

ماكو حريـق ـــــ  ولا صبـاح

وعلينا أن ندرك كم كبيرة هذه الفطنة الشعرية المقرونة بالوعي في خلق هذه المترادفات والمتضادات التي تنطوي على تقاطع، والى خلق البدائل حين يعطل كائن يؤدي دوره كائن آخر. وبعد كل هذه الإزاحات يسأل الشاعر عقله الباطن "هل أنت من تسبب في ذلك".؟.. لا يجيب، كأنه وبلوم واخز يرد السؤال الى صاحبه ويجيب نفسه بنفسه (كنت شريفاً بالسخرة).. نعم (أنا مشبوه كالغيم).. بماذا؟ حتماً بتهمة المطر.. فكلما تحجب المظلات نوافذي.. (أهدد الحقول بالجفاف)، لأنني (مولع كسواي بإزالة النقاط من الشذى) وما يقصده بالنقاط هي مخافر الحدود أو نقاط الحدود. فهل هو مشروع للهروب؟. ربما هكذا يبدو للوهلة الأولى ولأنه يهدد الحقول بالجفاف و (يتوحم بالجاليات) له أن يقول (نعم أنا مشبوه كالغيم) إذ أنه.. (كشراع يحبل الريح). ونلاحظ كم كان الشاعر ذكياً في طرح مشهده الذي يوحي بمحاكمة لا بهيئة الانطباع المسرحي، ولكن بالاعتراف الشعري الصريح دون تزييف ولا ديكور ولا فوتوغرافيا، فالمتهم واحد وبدون طول انتظار يعلن سلمان الحكم حين أصبح الحديد خائناً (لذوي الموتى). فمن أولئك الذين (لم يستطيعوا خلق الثمرات)..؟ فهم حتماً من يقتفي آثار ذويها والفوز بها دون عناء، ونلاحظ اختيار الشاعر كلمة (خلق) وليس (صنع) والفوز بماذا..؟ (الفوز بفاكهة الخس). لذلك كان عليه أن ينهض ويضطلع بواجبه (دهوراً من السماد).

  

وقة أبقراط الموسيقية

أما جوقة أبقراط من المشتغلين بمهنة الطب وما يتصل بها فقد تخلوا عن القسم الذي أدوه باسم (قسم أبقراط)، وأصبح عظيمهم شماعة يعلقون عليها خياناتهم. فلم تعد هذه المهنة للكثيرين منهم إلا طريقاً لتجارة سرية قذرة، كبيع الأعضاء البشرية، والقتل، والاتجار بالدواء والعقاقير الطبية في السوق السوداء، أو الاحتيال على المرضى والابتزاز الجشع.. والضحايا الملايين من المعذبين في الأرض، وتحول أحفاد أبقراط الى مافيا جديدة ترفع شعار الإنسانية وتسلك الجريمة سبلاً للغنى والثراء الحرام.. وهؤلاء قبل غيرهم (باعة الغدد الدمعية للبكاء على وطن) وسيبقى هؤلاء بعيدون عن شواهد الاتهام، لأنهم إنسانيو  عصر القذارة والموت.

ولنا أن نلاحظ كيف جعل الشاعر (الصابون) يتبرأ من المتسخين بالشبهات ويأبى (التزلج على متسخين).. فأي وسخ ذلك الذي يحملون..؟ وأشباههم من الذين لا تستر قمصانهم أفعالهم الدنيئة بـ (أسلحة تتعامى) وتوغل في الجريمة، ولهم أن (يدجنوا الحناجر في غرف هناك)!.. ولماذا هناك..؟ لأنها (هناك) كالدجاجة تبيض وتفقس مشاريع جديدة غامضة حيث يقول الشاعر لتبيض الرصاصة.. متى..؟ (بعدئذ من ثقب في رقبة) أو شرخ في قلب أو تشظية في ما لها أن تختار، والذي يضمن كل هذه المزايا هو الحصان الناطق، أرقى هدية للزريبة هي تلك التي تحملها الرصاصة الى ذلك الحصان، لذا يعلن الشاعر استيائه إزاء ما يخرج من أصوات ناشزة تزفرها الرئات المتورمة بتثوير التخمة والترهل، والآتية من بعيد، وباتجاه تلك الأصوات.. والتي رمزها القوى الغاشمة المتحكمة بمصائر الشعوب.

وفي غصة من ألم مرير يضعنا الشاعر أمام تساؤل مريب (هل من متسلقين على جبل التوبة أن يستعيدوا خطاي)؟!.. تلك الخطى الواثبة التي ناءت آثارها في البعيد.. ويجيب الشاعر على ذلك التساؤل بـ (ربما) البائسة والحالمة في ذات الوقت.. لأنه أضاع قدماً له في إحدى معارك هولاكو الجوار، ولكن من يقف وراء السحاب؟.. وياللسرور ولد هجين أبصر الحياة بولادة قيصرية بعد أن مزق رحم الفجر، وولد ماسخا وشاحباً فكيف من يولد حين شروق الشمس أن يكون بهذا الوصف الشائن.. ولماذا؟، لأنه (يستهدف العابرين بالأخوات) ذلك الوليد في رؤية الشاعر شبيه بوليد الغفلة الذي يعرض أخواته لعابري السبيل.

 

القسم الثاني

صراع عدوين

إن شعراً كالذي نقرأه في هذا النص يخرج عن دائرة المنظوم السردي الى دائرة الفن الشعري، فالقصيدة عند (سلمان داود محمد) تقوم على مفرداتية متداخلة بأنساق وتراكيب مشتبكة يكمل بعضها البعض دون وجود أي ضلع دخيل نما ونشأ بين أضلاعها بطريقة التنغيل أو الإقحام، فحين يعلو صوت لكلمة يتردد صداها في كلمة أخرى، فهي انعكاس لها أو متممة لها أيضاً.

إن الانتظار طويلاً.. مشروع لموت بطيء، لأنه لبث بانتظار زناد لا يخلف إلا رماداً بعد الحريق.. ولنتأمل الغائر في انتظاره بماذا يشاغل (عضو الكلام) إن ألف الخرس حجة وبعد أن أصبحت السكائر خليفة للانتظار..؟ تهز أردافها بين شفتين تتهيئا للاجترار بشكل مقلوب وفي صراع عدوين هما الشهيق والزفير والى حين يتم العثور على (غبش) لا يجيء، (ريثما يتم العثور على غبش بين نعوش الحلوى) ولنا أن نتخيل ضياع غبش كولد ضال ما بين مليار أعمى، فكيف يتم العثور عليه.؟، و (اسم الإشارة لضرير هذا المتساقط من ذكرى نهار). إذن هو الأمل الضائع ما بين انتظار لضباب وسراب، وفي تأويل (ضرير) ككلمة بمنطق الشعر لا أجدها تعني إلا (لئيل) فما أقسى معنى العين لا ترى غير الدجنة وهالة السواد التي تحيط سماوات البيوت وتحكمها باليأس المحمل بالحرمان؟.

وفي مناسبات يكون الرمز فيها (بابا نوئيل) تعبيراً عن مواسم الأعياد والفرح.. يسأل الشاعر (ما الذي سيفعله بابا نوئيل لصبية نضجوا بين فرز القمامة في غرف العشاء)؟.. ومقتناهم منها ما يصلح للعشاء.. ونضجوا أيضاً في (السطو على حدائق مفعمة بالسوكيتين).. وما تلك الحدائق التي لا تضوع إلا بالنتانة..؟ إلا هي أماكن الاختباء بعد إنجاز السرقات، ذلك السطو الذي طال موجودات الأماكن العامة لغرض البيع بأهداف تلخصها نوايا البطون الجائعة والمتخمة معاً، والفرق واضح. والله جل وعلا يرى ويعلم بالنوايا، وهو الأجدر بالحكم على كل شيء وهو من يفسر الثناء لغير الناطقين بالتضحيات وهو وحده من ينهي ويبدد وحشة السراج بممارسة الريح ولنا أن نقف عند (وحشة السراج) الذي يضيء في الفراغ ودون أدنى فائدة.

على الله إذن.. أن يقتل وحشته بريح صرصر وهي أمنية الشاعر في الخلاص.. وأي خلاص، ودلائل الندم حاضرة بإطلاق (كنت أخرى يسبقها كم) إحصاء لعدد الإخفاقات التي طالت وتستطيل لذلك يقول وبلغة الخوف، ويسوقه الشك بـ (صلاحية الأرض كمأوى لطير).. مجهول الجنس والهوية. والطير هنا هو رمز واضح لذات الشاعر.. فمنازل الطيور هي التي (أعربت عن مواقدها للشجر) ونلاحظ هنا كلمة أعربت أي أبانت، وليس عبرت عن مواقدها وأفصحت عن مكان حرائقها (بالشجر). ولكي نتلمس متانة البناء في صياغة الشعر.. فالأعشاش والعرائن والمنازل جميعها تلخص معنى الوطن، حيث الإقامة والعيش. والشاعر هنا يجترح المعنى بالمواطنة أي.. (كل من يشترك معك في وطن واحد والذي يقيم معك فيه هو مواطنك من طير وحيوان).

أسئلة واتهام

وفي جذوة الدفء ذاته تتصاعد الأسئلة وتتناثر علامات الاستفهام مثل (كلاليب) تتعلق بكل نتوء بارز لنجمة أو هلال أو مسمار أو مقصلة، فتلك تحمل قنديلاً وذلك شمعة وذاك خفاشاً والأخيرة تحمل شاخصاً. وحين تنزل من الاعالي وتطول الشوارع يوجه الشاعر أسئلته المحرجة والتي تحمل التهم أصابعاً صوب أعين مخاطبه بـ (كم صنعت من جلد حمار وحشي مناطق للعبور).. وجلد الحمار إشارة لوحشية ما يجري في الشوارع المنفلتة والتي يأكل قويها ضعيفها رغم أن الأول متحرك لا يعتد بما له من خطوط كمكان للعبور ومناطق العبور ثابتة، لكنها وبسبب حالة الانفلات تلك لم تعد هي الأخرى مكانا آمنا لعبور الأحياء. لذلك يدعو سلمان بـ (عسى أن ينزع المشاة لجام العربة).. وبذلك يتلاشى ما صنع من (جلد حمار وحشي) بتلاشيه في الغاب وهذه إشارة للذي وضع لتنظيم الحياة والذي هتكته عربة اللانظام.

وأنت أيها المخبول،الذي لا يرى في الوجود إلا احتراق الذات لإضاءة "معتم" في روح خريفية يضاجعها اليباب أو في عرق يسفك كالدماء.. أيها المتعب بالشعر والقهر، أيها المعرق جداً "بالوضوء": لماذا.. (كنت ترى في عرق الجباه ما يدل على شمس تبول) فهو عرق الحياة الذي أنشأنا كما أنشأ الغيث الخصب والحياة..  يحق لك أن ترى ما ترى ولكن الشمس مصدر كل ضوء في نشأة الحياة وإنها هي التي تصير الماء بخاراً لينزل مطراً يغسل الجباه ويوضيء كل شيء،. والمطر أقرب ما يكون الى عرق الجبين.. (فمن للغسيل) وهذه جملة اعتراضية تحمل الشكوى عنواناً لمجهول معروف وتحيلنا الى المقطع الذي يليها.. (ومن لحبال تتآكل ما بين خائنين) ومن هما..؟ (الثور المجنح والساقية.. هذا بخمس خطى، وريش معاق) وما الخيانة إلا لمن (يبيع أشطر المسلات الى السائحين).. أي تعرض ما تختزنه للبيع من تاريخ لأن الشطر الذي يجمع على أشطر وشطائر هو "الضرع" كأن نقول (إحلب شطراً من أخلاقها واترك شطراً)  والصورة واضحة بدون رتوش.

أما الساقية.. والتي تضاجع ناعوراً ينام بين فخذيها (أمام صفير المضخات)، ماذا تبقى لها بعد أن أدارت صدرها صوب دفء المكائن وارتجاج مفاصلها الحية.. وبها قد ختمت الخيانة بالنسبة لعرابها الأول، وأصبح كل شيء لا ينتمي الى الطبيعة في التراب وفي الماء.. (فلماذا تطوف الشجيرات حول المكائن)..؟ ودون أدنى عناء، نقول.. لأنها من اغتصبت عفافها وانبهرت بالدواليب المتحركة حيث اللذة المبتغاة فانحدرت الى هاوية الخيانة، ومن الطبيعي جداً أن يستحيل كل ما أنجبته الى أضحية رخيصة.. (كالبرتقال ضجيعاً لمعصرة) وهذا ما يعبر عن انتهاك شرف الأشياء بشكل قسري وإمكانية الانتهاك كاسرة ومدمرة. لذلك يتساءل الشاعر (لماذا تشرب الأكاليل وعول البنات..؟) ووعول البنات هو شرفهن، وحتماً سيكون النخب لمن وهب الأكاليل لرغبة مبتغاة ليستأثر "بالوعول". والساقية الخائنة هي من أباحت كل هذا لكي يغرر بالشجيرات ويكون البرتقال والبنات ضحايا لها. وفي تساؤل للشاعر لماذا كل هذا (وفي جعبة "الثرثار" رزمة من مطر).؟ وبإمكانه أن يدرأ كل هذه الخسائر.

 

هل التراب تهمة..؟

آه أيها التراب هل أنت تهمة بالنسبة للشاعر..؟ لأنه وبحسرة الماء يقول (ما من أحد يفهم التراب)، فأنت من يفصح عن معنى حب الأرض وأنت لحاف القبر ويا (متربتي) في فاقتي وعوزي.. يا غناي عن نفسي (ما من أحد يفهم التراب.. غير غريب يرطن) بـ (يأتيك بالأخبار من لم تزود).. وأنت أيها المخاطب المعني بمأساتي، وألقي بجراحي عليك، أيها (الأنا) (وأنت منهمك مثلي)، لك كل هذا لكي.. (تقترف الإخلاص كجزمة) ولك أيضاً أن (ترش المبيدات على النجوم) حتى لا ترى بريقاً لمضيء لأنك تحيا متحسباً قلقاً و (مفترضاً أن في السماء أذى)، لكنك يا سلمان (دونما شموع تعلم المنكسرين.. حكمة الجرار) لتسقي وتسقى. إذن غن وسأغني معك.. غن بلغة الهنود الحمر لا بلغة أخرى فالغناء هناك أجمل وكما يحلو لك وهو أفصح ما يعبر عن ترنيمتك في البكاء.. فلي الشعر غناء ولك الغناء شعراً وسيكون تصفيقي لك عالياً لأن مبتدأ ترنيمة الخلاص بـ (أوكي.. بلا كي.. ملاكي) لأنتهي بالأسى معك وهذا ما يدفعني لكي يعلو صوتي بغنائك على نغم "البيات" وبعتابة البادية عند احتدام الشجن في القلوب، والآن أغادر عتابتك في عودة الى مفصل جديد من "الازدهارات" حتى أسمع برقيات شكرك الى من تخصهم بها فلك ما تريد.

 

برقيات شكر عنيفة

وأول برقيات الشكر "العنيف" يرفعها الشاعر الى من تسبب في (الضيق).. الضيق ذاته إنما يضع تأسيساً آخر يفصح عن وجع المنكسرين، وهذا هو ظل لترنيمة الخلاص.. فهو يلخص الضياع سمة ويرسم الجوع شبحاً ويطلق رداً زاجراً على الذين يسهمون في قتل الأطفال ويتشدقون زيفاً باسم الحضارة، وهم الأداة الرخيصة لتنفيذ فصول الجريمة بسبب الحصار الدنيء. فالحصار ما كان ليستمر لولا دول الجوار الذين يتصرفون بحس حاقد أكثر إيذاء من الأميركان والصهاينة.. ويا للمرارة (كان الأبناء منفصلين كسعفة) وظفرت بها رياح الغدر، وانتزعتها من الاصل. وهؤلاء الأبناء (وحدهم من يجرأ على إهانة الصيف)، والتعالي بشكل عنيف على لعاب الحاجة والشهية وهم يخترقون بالألسن (شبح الآيس كريم) لأنه دون المنال.. والصيف من سيحمل الإهانة لأنه مسبب الجفاف وروح العطش، فشكراً عنيفاً للصيف على ما يرجوه لنا في طبق يتسول، ينظر الى الوراء وماذا كان،؟ وينظر الى الأمام وما صار وما سيصبح ويمسي.. في قادم الأيام، ويستمر الشكر في برقياته للمعنيين بها.. (للآكلين أسنانهم اللبنية باكراً) أي المسحوقة طفولتهم في بواكيرها "واحتساء الدروس" المقبورة آمالهم بانطفاء شعلة المستقبل، المشردين والضائعين في مجاهيل الشوارع بلا طفولة ولا أمل.. (لمن يغلق الغزال بوجه أمير ليس نباتياً) ونلاحظ كلمة "الغزال" علامة من نوع نادر من الطرائد، والأمير خلاصة للضواري التي تقتل الضعيف وتستمريء به.. وهنا ينطوي المعنى على الاغتصاب والقهر والمشروع بحراسة ومباركة ذات الجنس من الضاريات.. (ولمن يرزق قبل مماته بتنظيم السير) وهذه تذكرة أخرى تعيدنا الى غياب النظام.. و (لمن يزداد بياضاً بسقوط الهمزة من لفظة الأسود) ونلاحظ أيضاً كيف تتحول الأُسُودُ الى الأَسود ليصبح المعنى.. لمن يزداد بياضاً بالأَسود، أي الذي يحيا بسواد ليله.

وتستمر البرقيات، ولكن لمن هذه المرة..؟! (لمن يعتاش على مؤخرة الساعة لإصلاح الوقت) ذلك الذي يعيش في ظلال فعل الماضي مخدراً وطواه فعل المستقبل بسين مضارعه، وهو يدرك أن لا صلاح للوقت بدمار آلة الوقت.. ولمن (لمن يلقي القبض على نفسه في ساعة متأخرة من صديق) ويهرب من جلده دون منغصات أو العيش على حساب زمنه المتأخر.. (لمروضي فهود الاعلانات.. لمقتنياتهم الكادحة دوماً في سوق الجمعة) هؤلاء المغامرون الذين حملوا الموت شعاراً بعد الجوع، لعرض ما يملكون من حاجات بيتية طالها البيع، بسبب العوز.. (لهم كلهم، لذوي الخسارة.. دمعة في صحن) ووقع هذه الدمعة أحسها كوقع انفجار قنبلة في حيز مغلق، وقد تشظت وشظت ما حولها، وظل الصحن خاوياً إلا من بقايا دمعة وحطام يشير الى الأفواه الفاغرة التي تتطلع الى الأعالي بتأوهات جائعة.. ويا للكارثة؟؟.

 

جبل ملتهب

إن الشاعر.. وبعد هذا التصاعد المنفعل والمكتظ بالصراخ يفجر مفرداته بهيأة جبل ملتهب يطول لظاه السماء، ويسأل.. لماذا كل هذا الصمت ولماذا كل هذا الاجحاف والظلم.؟ ويعلن بلغة المنتمين لهذه الأرض وبتحدٍ يراهن على الوثوب ولو بعكاز يقاتل الرماح الغادرة وينتصر، وبعنفوان الرافض الواثق يبرأ أصابعه من التهم فيقول.. (لست مخولا بما يكفي لمصافحة الضيوف ببوصلات) لأنه على غير استعداد أن يصافح يداً أثمت بحق أرضه وأهله أو شاركت حتى ولو بكلمة في الإساءة الى العراق.. (ولست بمن يحذف الدليل من قبضة أعمى لاكتمال فأس).. لأنه أول من يحمل الفأس ليجهز على وحش الحصار لذلك يجهر بالقول (لن أبحث عن أصابعي في معطف مجاور) لأنها ترفع الكبرياء راية وتضم التراب الى صدرها.. وهذه إشارة واضحة للمتاجرين بالحرام ونحن محاصرون ويبتزون البسطاء من خلق الله، ويستمر في بوحه (لا أتقاضى عن كل ضريح بما تبقى لعجوز).. وهذا المفصل هو استكمال لما ابتدأ به الشاعر وعبر عنه سلفاً، أي لا أستحوذ على ما تركه الراحلون من ذوي العجوز لتعتاش عليه لما تبقى لها من زمن.. بل أنا هكذا سأبقى شامخاً في وطن لا يسجد إلا لله وبما تبقى لي من مقتنيات (أبارز وحش الأنترنيت بتلفاز معطوب، وأبتسم) وهذا أقل ما ظل لدى سلمان ولكن لماذا (وحش الأنترنيت).. ياصديقي.. لأنه هكذا..!!.

 

آراء في ظلال النص

*"شواهد الحكم.. في البراءة والاتهام"*

إن موضوع النص (ازدهارات المفعول به) الذي كتبه الشاعر سلمان داود محمد يتجاوز في موضوعيته المواضيع التقليدية أو الهامشية التي درج على كتابتها الكثير من الشعراء، هو موضوع ساخن يرتكز على الواقع وما يجري عليه كأساس تعبيري مليء بالشواهد أشرها بكل تفاصيلها الدقيقة والمملة وعبر عنها تعبيراً ملحمياً بكل دقة واقتدار وأدار موضوعه إدارة العارف المطلع الذي يعي ما لذلك الواقع من خصوصيات وأبعاد. فهو في خضم الأحداث وفي رحمها، ليس كالذي يرنو عن بعد دون تفاعل صميمي معها. وألم بموضوعه إلماماً لا يشوبه الاتهام بالتخلي عن مهم وخطير لصالح تافه عابر، فقد كان مصوراً بارعاً في التقاط المشاهد وكان رساماً فذاً.. تارة نجده انطباعياً، وأخرى سوريالياً.. إنه يرى خلف ما تعبر عنه خفايا اللوحة وأضلاعها، وكان شاعراً يدرك خطورة موضوعه وكيف يتصرف إزاءه بقدرة عالية وفطنة لما يريد أن يبوح. كذلك إنه نص شعري يتعدى في غرضه ما تناولته أغراض الشعر الكلاسيكي فهو أغراض في غرض اسمه المحنة، وما للمحنة من أوجه وأبعاد. وما تناوله النص من ثيمات تجتمع في ثيمة كبيرة اسمها الوطن.. ليس وصفاً لما يجري ولا رثاء لحالة، بل هو انطلاقة شعرية بين الركام الذي خلفه العدوان ورداً عليه، كتبه ويده تحمل كرات النار التي ألقيت على بغداد، وما خلفه العدوان والحصار وما أفرزاه على الصعيد البيئي والاجتماعي من كوارث.

هذه المظاهر عبر عنها النص وتناولها الشاعر بحذق ودراية.. لذلك أقول:- إن موضوع النص كان استثنائياً شاملاً لما أراد أن يفصح عنه أو يبوح به بما يمليه عليه حبه للوطن وبشعرية متمكنة كانت اللغة فيه أهم ميزاته المبدعة.. فاللغة الشعرية هي لغة الملائكة لا يمتلكها إلا مبدع، يكون الشاعر فيها رأس الرمح باتجاه هدف الإبداع.. تلك اللغة تثير التأويل والتحليل والاستنتاج، ويكون الإقناع هاجسها في بلوغ ذروة الجمال، ولأنها تحمل الشعر روحاً يبقى الشاعر مشروع تضحية مفتوح لأنها تنهل منه وتناله بخسائرها الدائمة.

إن لغة النص ومنذ الجملة الأولى حملت الشعر سبيلاً للتعبير والإفصاح عن ذاتها، فهي في كل ما عبرت عنه وتناولته بمفردات متماسكة وعميقة البناء قد ابتعدت كل البعد عن الخطابية والمباشرة لأن المعنى فيها ظل مستنفراً بدرجات متصاعدة وبفيض دافق بلغ حد السمو وبتكثيف عالٍ صاغ الحروف معادناً ثمينة انصهرت في جمل ومفاصل شعرية صيغت بكف صائغ ماهر.. وهناك فطنة دافقة في تفجير مكامن اللغة حيث تتجاوز الى استنباط روح الكلمة بخلائق جديدة لها من البنيات والدلائل ما يجعل المعنى محلقاً دائماً.. فأي لغة تلك التي تجعل من (البحر دمعة تتخفى وراء مكبرة).؟، إذن هي لغة القدح الذي يسلك النار سبيلاً للحريق، وقنديلاً في دجنة الليل كي نرى اللصوص يهربون بأسمال العسس.. وهي الريح التي يعلو بها صوت الحقيقة، وهي وحدها التي تشي الى رفض مقنع للذي لا يقنع.. تطرق أبواباً وتفتح قلاعاً بصولاتها الواثقة، وأحسب أن كل اللغات ربما تبقى أسيرة أشيائها إلا لغة الشعر، فلا تنحصر بمحدد ولا تتقيد بآسر لأنها تنشد الإبداع.. والإبداع لا يقف عند مانع ولا تعرقله مطبات اصطناعية.

وعودة الى نصنا في لغته نجد أن ما ذهبنا اليه يلخص أسرارها في درأ الشبهات عن الشاعر عند اعترافه بـ (نعم أنا مشبوه كالغيم) بعد أن هيأت الأدلة وانتشلت جسده من القبور وبثت فيه روحاً جديدة لأن (الصابون يبرأ ذمته من الشبهات). وحين أسوق بعض الأمثلة من النص بتصرف أهدف الى إيصال ما أريد ومن خلال لغة النص ذاته لأنها ليست أية وسيلة للتعبير. فكم بذل الشاعر من العناء وكم كابد لكي يخرج نصه بهذا القدر من الجمال.. حتى ذلك الذي يفصح عن الكوارث والعثرات. وكخلاصة للغة النص أرى.. أنها امتلكت مقومات التعبير بتماسك شديد لم يقربها الوهم ولم تنلها الرتابة، وظلت كذلك حتى نهاية القصيدة. هذا من جانب ومن جانب آخر.. أنه من غير اليسير أن يصل القاريء الى ما يريده بمجرد قراءة أولية للنص ما لم يمعن كثيراً في تفاصيله ويبحث عن خفاياه، كذلك ليس من الضروري أن يعني الشاعر ما يفسره القاريء أو الناقد وما يستنبطاه من معانٍ، على العكس من ذلك تماماً فقد يصلا الى حكم سلبي لا يقود إلا الى إبهام وإبهام آخر.. وبالمحصلة تنتهي القراءة عند طلاسم من العسير حلها وفك رموزها، وهذا ما لا يهدف اليه الشاعر لأن حلمه الكبير أن يكون منجزه مقروءاً على أوسع مدى.

إن النص الحديث هو عبارة عن كيان كبير الهيأة ومن غير الممكن الحكم عليه بمقاسات جاهزة تحددها الأرقام والأبعاد، أو أن نعرفه بتسميات هلامية أو أن نعبر عنه بقوانين ومواصفات تضيع في رحابه الشاسعة. فهو يتكون من وحدات ومنظومات كبيرة ومتشعبة تؤدي كل منها وظائف لا تحصى في الخلق والإبداع.. ومن المؤكد أنها تتظافر وتتفاعل بصورها ورموزها، وبالنتيجة فإن مفاصلها يكمل بعضها البعض ويجب أن نأخذ بالحسبان أن خفايا البوح تبقى قائمة لكون النص الكبير من المهم جداً أن يبقى قابلاً لأكثر من تأويل ولأكثر من تحليل، لهذا تتعدد الدراسات وتتشعب.. فهو بمثابة الجبل الذي تتوزع على سفوحه الدراسات وهذا مربط الفرس.

والشاعر حين يقود نصه برمزية عالية لا بد وأن يهدف الى الاخفاء.. فعندما يضع (الأنا-ناس) والتي تبدو عند قراءتها الأولى أنها فاكهة الأناناس، فهل هي كذلك..؟ لا اعتقد ولا أغالي إذا أردنا فهم نص من ألفه الى يائه علينا أن نستحضر روح الشاعر بسحرية شعرية تبتلع النص وتخرجه على هياة أرقام، يدرك الإنسان معانيها بإحدى الطرق الحسابية وهذا محال ولا يقترب من المعقول تماماً وهذا ما يقودني الى القول.. إن ما نقرأه ونقف عليه من بوح معلن ينطوي على خفايا كثيرة غير معلنة، كالمرئي الذي يخفي اللامرئي.. وعلى هذا الأساس يبقى النص الكبير يحمل أسرار تميزه دائماً. وفي نصنا ازدهارات المفعول به كانت هناك شخوص متعددة خاطبها الشاعر وابتدأت بـ (الأنا) وما لها من نوازع وارهاصات سبقها مهيء للحديث، ففي المفصل الأول استخدم أفعالاً يتحدث بها عن نفسه بجملتين توضيحيتين، وتابع ذات النهج وبمفصلين آخرين وبنفس لغة الأنا ليصل في المفصل الثاني الى مقياسه الذي لخصتها "رؤوس وعجيزات". الأولى توميء أو تعلن والثانية تشير الى العكس، ونتيجة لازدرائه المشفوع بلغة الرفض يستمر بايضاحه الملغوم.. فهو ندم على ما كان عليه ويصعد من لغته بشكل محموم ليختتم المفصل الثالث بطرح نقيضين هما "الفجر والمساء" وما لكل منهما من خصائص الـ (أنا) وبعد هذا يبدو أن هدوءاً حذراً يبسط ذراعيه على ما يريد أن يطرحه الشاعر في بداية المفصل الرابع للنص، ولكن هذا الهدوء هو الهدوء الذي يسبق العاصفة يفاجئنا بعدها بـ (هكذا أطرق ما ليرجع الصدى.. كو) وبتكرار

هذه الكلمة وبأنفاس المحترق الذي يتطاير الشرر في زفراته يكون "الجلنار" لوناً من ألوان الحريق، وأحسب أنه عند تلك اللحظة كان يجهش بالبكاء ويصب دموعه زيتاً لكل سعير.. وبأحاسيس تحمل لغة اللوم (لوم الذات). وعند المفصل الخامس يتطرق الشاعر الى ما يجري فوق الأرض من شواذ دون تزويق أو رتوش تأخذه شواهد مأساوية عليه أن يوظفها لصالح منجزه وهي شواهد بحق إضافة نوعية لأنها لامست الحقيقة فيما يخص الخيانة للمهن الإنسانية وما يتعلق بها. والحديث عنها قد يقود الى ما لا تحمد عقباه من الزمن ليستقر المفصل السادس عند (ولادة الضحى)، وبعد هذا التأسيس ينطلق السياق الخطابي ليكون مفتاحاً لجانب تعبيري آخر يستعير الشاعر فيه (العمى) لينبثق سؤاله الكبير.. ما ستقدمه المناسبات بشخص (بابا نوئيل) رمزها المعنى بالطفولة الضائعة والتي أصبحت مشروعاً للسطو والتشرد لينتقل بذكاء كبير الى مخاطبه الجديد (أنت) وهذا الإيهام مقصود والغاية منه توزيع شخوصه الى أكثر من مخاطب واحد ليلقي عليهم أعباء ندمه المخيف، وبذلك ينتهي المفصل السابع بـ (كم كنت مصاباً بـ) ويستمر بذات الاتجاه ليزحم مخاطبه الجديد بالأسئلة المبهمة والمفصحة في آن.. ويدعوه للجماح بـ (عسى) لأن أسئلته لم تلق ضالتها بأجوبة شافية.. وبعد أن ينهي المفصل الثامن يقف في حسرة وغصة ليتنهد ويعاود البكاء ويفصح بكل وضوح وبجملة مكتنزة تهدف الى الإثارة بـ (ما من أحد يفهم التراب) ليرسل من خلال لهيبه إشارات تحلق في فضاءات مجهولة، ويجابه مخاطبه بـ (أنت) مرة ثانية (تقترف-ومفترضاً) ويلغي الصيغة السابقة لأنها باتت بعيدة بـ (كنت) حيث لم تعد تعبر عن ما يعتمل في صدره ليصل الى نهاية المفصل التاسع وبداية شجنه الطربي في "ترنيمة الخلاص" التي جعل لها كياناً مستقلاً، يلخص منطقة بوحه العاشر وهي عتابة زاوجها كتابياً بين الحروف العربية واللاتينية، وهذه الصيغة تعبر عن حالة ذاتية محضة يريد لوقعها أن يكون شديداً في جسد النص وتضاعيفه.

إن المفصل الحادي عشر يبدأه الشاعر بما يشبه القص الشعري وللقاريء أن يراجع ذلك ويقف عنده بحذر.. إذ أنه عازم على تقديم كل ما دونه من طرح بمثابة زهور سوداء تحمل بطاقة إهداء شكر "عنيف.. للضيق" بكل سماته ومن خلاله الى كل من عانى وتحمل انعكاساته المرة، ليلخص ما هو مخول به على مواجهة وحش العصر وذيوله بما امتلك من تقنيات الدمار وما أشاعه من نكبات بدون يأس لأنه يصر على الابتسام كإشارة لربيع قادم يضع الحزن أبداً في طريق الهزيمة. وفي ضوء ما تقدم بانت للعيان شواهد المحاكمة بكل شخوصها.. فمن كان الجاني ومن كان الضحية..؟

 

استدراك

النص كتب بقلم جندي مجهول.. شارك في حربين وانتصر فيهما وهو شهيد على قيد الحياة.

 

بطاقة تعريف

سلمان داود محمد

شاعر عراقي.. ولد في بغداد وسيموت فيها

له "غيوم أرضية" شعر 1995 و "علامتي الفارقة" شعر 1996 .

وله عشرات الدراسات في الشعر والنقد.

 

فائز الحداد


التعليقات

الاسم: aami
التاريخ: 26/10/2009 18:26:44
مرحبا ررررائع

الاسم: محمد السيد محسن
التاريخ: 22/03/2009 01:16:53
السلام عليكم
الاخ الفاضل
ابحث عن البريد الالكتروني لصديقي الشاعر سلمان داوود
ستكبلني بفضل كبير اذا اعنتني
شكرا لكم

الاسم: حسن رحيم الخرسااني
التاريخ: 22/02/2008 21:40:36
تحية للشاعر المبدع
سلمان داود محمد
وللأستاذ فائز الحداد
متمنيا ً للجميع مزيدا ً من الأبداع والتألق
في كلا المجالين الشعري والنقدي




5000